كلهم «يهوذا».. لماذا يعيش الخونة أكثر مما ينبغى؟
- النفس البشرية هشّة لا تحتمل رؤية قبحها العارى فى المرآة ولذلك خلقت ما يمكن تسميته بصناعة التبرير
- الإنسان بارع فى خداع نفسه قبل الآخرين حتى يتحول الكذب فى عينه إلى حكمة والمصلحة الشخصية إلى ضرورة يفرضها الواقع
- الرغبة فى العروش تجعل الرجال يرون فى دماء شعوبهم مجرد حبر يوقعون به عقود الولاء للغرباء
الخيانة ليست دائمًا طعنة خنجر؛ أحيانًا تسكن فى كلمة تبدو بريئة، فى نصيحة نأخذها بجدية، فى حقيقة تُقال ناقصة، أو فى جملة يهمس بها أحدهم: «لا تصدقوا». والإنسان بارع فى منح أفعاله أسماء أقل قسوة. قد يسمى الابتعاد نجاة، والتخلى ضرورة، والكذب حماية، والانقلاب على العهد موقفًا، ثم يمضى مطمئنًا إلى الرواية التى اخترعها كى يحتمل نفسه. إنها مرآة تعكس شيئًا أعمق فى النفس البشرية: قدرتنا على إعادة صياغة الواقع حتى يتسع لفعلتنا، وقدرتنا على تحويل الغدر إلى ضرورة.
ولأنها تعرف أن أقصر طريق إلى الناس يمر من ثقتهم، فقد حملت عبر العصور ألف وجه؛ ارتدت مرةً ثوب الصداقة أو المحبة، ومرات ثوب الواجب، وربما احتاجت أحيانًا إلى أن تقف فى صف الحقيقة نفسها. وأخطرها تلك التى لا توقظ فينا جرس الإنذار، لأنها تصل إلينا فى هيئة شىء نعرفه ونطمئن إليه.
الخيانة قوة صنعت التاريخ. غيّرت خرائط العالم. أسقطت إمبراطوريات. أقامت دولًا. ولكنها، قبل هذا كله، كانت فكرة فى العقل، وكلمة على اللسان، وخيانة صغيرة للذات.
وفى صفحاته رجال لم يقدموا أنفسهم لخيانة أحد، وإنما قدموا لأنفسهم أسبابًا تجعل ما فعلوه يبدو فى أعينهم دفاعًا عن حق، أو إنقاذًا لقضية، أو وفاءً لمبدأ. فبعض من غيّروا ولاءهم لم يروا أنفسهم وهم يعبرون الضفة الأخرى، وإنما رأوا أنفسهم وهم ينقذون شيئًا يؤمنون به، أو يفرون من مصير لم يعودوا قادرين على احتماله. فهى لا تحتاج دائمًا إلى خنجر؛ أحيانًا تكفيها الحقيقة حين تُستخدم فى غير موضعها.


لم يكن ألكيبيادس مجرد قائد عسكرى عادى فى أثينا؛ كان التلميذ المقرب للفيلسوف سقراط، والرجل الذى علقت عليه مدينته كل آمالها لما يمتلكه من موهبة وخطابة وذكاء. لكن فى اللحظة التى شعر فيها ببوادر مؤامرة من خصومه السياسيين لتقديمه للمحاكمة، لم يختر المواجهة ولا حتى الاعتزال؛ استدار بالكامل وذهب بقدميه إلى إسبرطة، العدو الوجودى والتاريخى لبلاده، وسلمهم خطط أثينا العسكرية وأسرار حربها، ليتسبب فى دمار وطنه الأصلى. وعندما سئم من إسبرطة بعد سنوات، خانها هى الأخرى وفر إلى الفرس، مبررًا كل قفزة من ضفة إلى ضفة بأنها مجرد مقتضيات السياسة وحكمة القائد الذى يعرف أين تكمن مصلحته.
المثير فى حكاية ألكيبيادس ليس فعل الغدر نفسه، لكن كيف عاش بعده دون أن يقتله تأنيب الضمير. هو لم يرَ نفسه خائنًا لأثينا، واعتبر أنها هى التى خانت عبقريته أولًا حين سمحت لخصومه بتهديده، فصاغ لنفسه رواية جعلت من التخلى عن الوطن نجاة شخصية مشروعة، ومن التحالف مع العدو انتقامًا عادلًا لكبريائه المجروح.
لا يستيقظ الخائن من نومه ليقول لنفسه: «أنا شرير وسأقوم بالخيانة اليوم». النفس البشرية هشة، لا تحتمل رؤية قُبحها العارى فى المرآة، ولذلك خلقت ما يُمكن تسميته بـ«صناعة التبرير»؛ تلك الحيلة النفسية العبقرية التى تعيد صياغة السقوط ليصبح صعودًا، وتمنح الغدر اسمًا أقل قسوة.

وما نسميه «صناعة التبرير» يلتقى مع أفكار راسخة فى علم النفس؛ فقد تحدث ليون فستنجر عن «التنافر المعرفى»، تلك الحالة التى تنشأ حين يجد الإنسان نفسه أمام فجوة بين ما يؤمن به عن نفسه وبين ما يفعله، فيبحث عن طريقة تخفف هذا الصدام وتعيد إليه شعوره بالاتساق. وتظهر الفكرة أيضًا فى مفهوم «التبرير»؛ حين يمنح الإنسان سلوكه أسبابًا تبدو منطقية كى يحمى صورته عن نفسه ويخفف وطأة الذنب، ثم تتسع الدائرة فى مفهوم «الانفصال الأخلاقى» عند ألبرت باندورا، حيث يستطيع المرء أن يعيد صياغة الفعل فى ذهنه، فيراه مبررًا أو ضروريًا أو ذا غاية تستحقه.
والإنسان بارع فى خداع نفسه قبل الآخرين، فانقلابه على العهد يجد له اسمًا أقل قسوة ويراه «موقفًا»، والتخلى يتحول فى وعيه إلى نجاة، والمصلحة الشخصية البحتة قد تلبس ثوب ضرورة قصوى يفرضها الواقع. إنه الخوف من مواجهة الذات، الذى يدفع النفس البشرية لابتكار مبررات وأعذار تكفى لجعله ينام مطمئنًا، شريطة أن يصدق هو أولًا الرواية التى اخترعها.
ألكيبيادس يمثل اللحظة التى تسبق الطعنة؛ اللحظة التى يجلس فيها الإنسان مع نفسه ليقنعها بأن ما يوشك على فعله ليس نذالة، وأنه المخرج الوحيد الممكن. الخيانة لا تبدأ بخطوة فى معسكر العدو، يسبقها حوار داخلى ينتصر فيه التبرير، وتتحول فيه المصلحة الذاتية إلى قيمة عليا يسميها صاحبها نضالًا.


فى بستان جثسيمانى، لم تكن العتمة تبحث عن جلبة سلاح لتعرف طريقها؛ كانت بحاجة إلى علامة، ولم تكن تلك العلامة سوى قُبلة طبعها يهوذا الإسخريوطى على وجنة معلّمه. ثلاثون قطعة من الفضة كانت ثمنًا بخسًا لبيع جسد، لكنها منحت الخيانة واحدًا من أكثر رموزها رسوخًا فى الذاكرة البشرية. لم يدرك يهوذا وهو يقبض أصابعه على الصرة الجلدية أن فعلته كانت ستدخل فى صميم رواية الفداء المسيحية، وأن قبلته ستبقى قرونًا بوصفها الصورة الأشهر للغدر المتخفى فى هيئة المحبة. مات يهوذا معلقًا فى شجرة ندمه، وبقيت قبلته طقسًا أبديًا يفتتح كل طعنة تأتى فى ثوب المحبة.
على بعد قرون من ذلك البستان، وتحديدًا فى اجتماع مجلس الشيوخ الرومانى، تلاشت قدسية الصداقة تحت نِصال الخناجر. اجتمع حول يوليوس قيصر عدد من المتآمرين، وانتهى الهجوم إلى ثلاث وعشرين طعنة، وكان بروتس واحدًا من أبرز المشاركين فيه. عينه لم تلمح سوى نصل واحد كان يحمله بروتس، الرجل الذى كان قريبًا منه ومن دائرته السياسية.
العبارة المنسوبة إلى القيصر، «حتى أنت يا بروتس؟»، بقيت فى الذاكرة بوصفها صيحة رجل رأى الغدر يأتى من حيث كان يفترض أن تكون الثقة، وإن كان المؤرخون يختلفون فى ثبوت الكلمات نفسها. الضربة التى نفذت إلى قلب السلطة هزّت معها جسد الجمهورية الرومانية، لكنها لم تُعدها إلى ما كان المتآمرون يريدونه؛ فقد فتحت سلسلة من الصراعات والحروب الأهلية انتهت بصعود أغسطس وبداية العصر الإمبراطورى. تفرق القتلة، وخلت الساحة للفوضى والدماء، وكأن الخنجر الذى أراد إنقاذ الجمهورية دفع روما، من حيث لم يقصد أصحابه، نحو زمن آخر.
الخرائط لا تغيرها الجيوش الكبرى دائمًا، فأحيانًا تكفى ممرات جبلية ضيقة ومعلومة عابرة يهمس بها رجل محلّى. فى ممر ثيرموبيلى، كان نحو سبعة آلاف مقاتل يونانى، بينهم الإسبرطيون الثلاثمائة، يصدون زحف الجيش الفارسى الهائل، محولين المضيق إلى مقبرة لطموحات خشايارشا. ظهر إفيالتس فى قصة هيرودوت بوصفه الرجل الذى دلّ الفرس على الطريق الجبلى الذى يلتف خلف مواقع المدافعين؛ لم يكن يحمل سيفًا، لكنه كان يملك معرفة بممر جبلى فتح للجيش الفارسى منفذًا إلى ظهور الإغريق. سار الفرس خلف دليلهم فى عتمة الجبل، وحوصر المحاربون وسقطت مواقع الدفاع فى اليوم الأخير من المعركة، فقُتل معظم من بقى فى الموقع. كان إفيالتس يملك معلومة صغيرة عن جغرافيا المكان، لكنها كانت كافية لتفتح ثغرة فى جدار الدفاع كله.
الرغبة فى العروش تجعل الرجال يرون فى دماء شعوبهم مجرد حبر يوقعون به عقود الولاء للغرباء. فى شبه القارة الهندية، وقبيل معركة بلاسى، كان مير جعفر يقف كقائد لجيش نواب البنغال، بينما كان عقله معلقًا بوعود شركة الهند الشرقية البريطانية التى منّته بكرسى العرش. فى لحظة الحسم، وتحت وطأة المطر، أصدر مير جعفر أوامره لجنوده بالانسحاب وترك الأسلحة عرضة للتلف، فاتحًا الطريق للجيش الإنجليزى الصغير ليمزق صفوف البنغال. نال مير جعفر العرش الذى وعدته به الشركة، لكن ثمن القناع كان تسليم الهند كاملة للاستعمار البريطانى لقرنين من الزمان. عبر مير جعفر فوق جثث جنوده ليصل إلى السلطة، فاكتشف أن العرش الذى حمله البريطانيون إليه لم يكن كامل السيادة، وأن القوة التى منحته إياه كانت تملك من النفوذ ما يجعل الحاكم الجديد أسيرًا لها. فقدت بلاده استقلالها، وصار اسمه لعنة يتداولها الوجدان الهندى كلما تذكروا كيف يُباع الوطن من مقعد القيادة.


الذاكرة البشرية لا تحبذ الخطوط المستقيمة؛ تملُّ سيرة الأبطال لأنها متوقعة، وتفتنها الانعطافات الحادة التى يصنعها الغدر. فالبطل يرمم العالم، وهذا فعل رتيب يتطلب وقتًا طويلًا ليظهر أثره، أما الخائن فيهدمه فى ثانية واحدة، ليترك الشر المفاجئ ندبة فى وعى الجماعة لا تمحوها السنوات. تلتصق الطعنة بالذاكرة، لأنها تصنع فجوة غير مفهومة فى مسار الحكاية، وتجبر العقل على التساؤل الخالد عن لحظة التحول. فالتاريخ يغفر أحيانًا الخطأ، لكنه لا يغفر المفاجأة التى تأتى من مكان آمن.
فى صيف عام ١٧٨٠، كان الجنرال الأمريكى بندكت أرنولد بطلًا قوميًّا يحمل على جسده أوسمة البسالة وجروح المعارك الشرسة، ورجلًا قاد انتصارات حاسمة كادت أن تحفر اسمه كأحد الآباء المؤسسين لبلاده. لكن لحظة تواطؤ واحدة لتسليم حصن استراتيجى للإنجليز مقابل المال، مسحت حياته بالكامل؛ تجرد من شرفه، وحُفر اسمه فى الوجدان الأمريكى كمرادف وحيد لكلمة الخائن. قررت الذاكرة الجمعية أن إنجازات سنوات طويلة لا تكفى لغسل عار دقيقة واحدة سقط فيها القناع، وكأن الخيانة حبر أسود ثقيل يبتلع كل الألوان التى رُسمت قبله، يفتت وعى الذاكرة فيختصر تاريخ إنسان كامل، وتشطب إنجازاته فى ليلة واحدة.
وفى مرحلة أبعد من المحو، تملك الخيانة قدرة مرعبة على الخروج من حدود السيرة الشخصية لتسكن داخل البناء اللغوى نفسه. خلال الحرب العالمية الثانية، اختار السياسى النرويجى فيدكون كويزلنج أن يقود حكومة عميلة متعاونة مع الغزو النازى لبلاده، ظنًّا منه أنه يحجز مقعدًا فى النظام العالمى الجديد. انتهت الحرب وأُعدم كويزلنج بتهمة الخيانة العظمى، لكن العقاب الحقيقى لم يكن فى الرصاصة، كان القاموس الإنجليزى الذى التقط اسمه وحوله إلى كلمة «Quisling» التى تعنى فى لغة القانون والسياسة «الخائن المتعاون مع العدو». تخطى كويزلنج حدود الرجل الذى عاش وأخطأ، واستحال اسمه إلى علامة لغوية وأداة يستخدمها البشر لوصف سلوك سياسى عابر للزمن.
فى رحلة العبور من السيرة إلى الرمز، تفقد التفاصيل الإنسانية قيمتها ويتحول الشخص فى النهاية إلى فكرة مجردة. تحتفظ الذاكرة بالخائن حمايةً لنفسها وليس حبًّا له؛ تصنع منه علامة تحذيرية لتضع حدًّا فاصلًا بين الأمان والخطر. فالإنجاز يبنى جدارًا صامتًا قد لا يلاحظه أحد، أما الغدر فيحدث فوضى تجبر الجميع على الالتفات. لذلك يظل اسمه حيًّا طويلًا؛ لأن الخوف البشرى الفطرى من المفاجأة ومن الطعنة التى تأتى من مكان نظنّه سلامًا، يجعلنا نحرس ملامحه فى ذاكرتنا.. نستحضر دائمًا شكل الوجه الذى وثقنا فيه، قبل أن يستدير ليحرق مدينتنا.


حين تنفجر قنبلة فى قلب مقر القيادة العليا للدولة، فإن الشظايا لا تمزق الأجساد والخرائط الفولاذية فحسب، تنسف معها القواميس الأخلاقية المستقرة. وفى القانون العسكرى، لا يوجد وصف لضابط يقسم يمين الولاء لرئيسه ثم يزرع حقيبة متفجرات تحت طاولة اجتماعاته سوى أنه «خائن» يستحق الإعدام. لكن فى قانون الإنسانية الموازى، قد تبدو تلك الطعنة نفسها هى قمة النبل، والخطوة الوحيدة المتبقية لإنقاذ ملايين الأرواح من محرقة مجنونة. هنا تحديدًا، يرتجف اليقين، ويتسع الفراغ الرمادى المحير بين رذيلة الغدر وفضيلة المقاومة.
فى يوليو عام ١٩٤٤، حمل الكولونيل الألمانى كلاوس فون شتاوفنبرج حقيبته ودخل بها إلى عرين أدولف هتلر فى «وكر الذئب». كان شتاوفنبرج ضابطًا أرستقراطيًا أصيب فى معارك شمال إفريقيا وفقد عينه ويده اليمنى، ورجلًا يرتدى بزة عسكرية تعنى أن مهمته الأولى هى حماية القائد الأعلى. وضع الحقيبة المفخخة على بُعد خطوات من هتلر، وغادر الغرفة متوجهًا إلى برلين لإتمام الانقلاب. لكن الطاولة الخشبية السميكة امتصت جانبًا كبيرًا من قوة الانفجار، فنجا هتلر، وفى ليلة واحدة أُلقى القبض على شتاوفنبرج وأُعدم رميًا بالرصاص فى ساحة سجن «بندلربلوك»، ليموت فى نظر النظام النازى خائنًا عظيمًا تبرأت منه بلاده.
وبمجرد أن سكن صوت الرصاص، بدأت المعركة الأشرس حول تسمية الفعل؛ معركة لا يقودها العسكر، ويكتبها الفلاسفة والمؤرخون. متى يكون الخروج على السلطة خيانة، ومتى يتحول إلى مقاومة مشروعة؟ الإجابة لا تستقر فى جوهر الفعل نفسه، فالقنبلة هى القنبلة والغدر بالقائد هو الغدر، لكن الإجابة تكمن فى «مَن يملك قلم كتابة الاسم الأخير؟» فالمعنى يرتسم مع الزمن، ويتأثر بالسلطة التى تملك روايته. لو انتصرت النازية فى الحرب، لظل شتاوفنبرج فى كتب التاريخ رمزًا للنذالة ونقض العهد، ولأصبحت ذكراه وصمة عار تلاحق عائلته. لكن حين سقط النظام، أُعيد بناء السردية بالكامل؛ وتغيرت اليافطات فى الشوارع الألمانية لتحمل اسمه، عمود الإعدام ذاته صار شاهدًا على رجل رأى أن مقاومة النظام أقدس من رباط القسم العسكرى وطاعة قائده.
غير أن تبدّل الاسم لا يبدّل الفعل وحده، ولا يمنح كل من رفع راية المقاومة صكًّا بالبراءة. فثمة فارق بين رجل نقض عهده من أجل مصلحته، ورجل رأى أن العهد نفسه صار غطاءً لجريمة أكبر، وبين الحالتين مساحة شاسعة لا يكفى فيها ادعاء امتلاك الحقيقة، كى يصبح الغدر بطولة.
والتاريخ لا يعترف دائمًا بالمسميات الجاهزة؛ إنه يقف متفرجًا بانتظار الزمن ليعيد صياغة المفاهيم، ويطبع فوق كل جثة بصمات استفهام: من ذا الذى يملك صك الغفران ليقول إن هذا غدر يستوجب اللعنة، أو إن ذاك فداء يستحق الخلود؟


«متصدقش».. كلمة تبدو فى ظاهرها حارسة للحقيقة، كأنها دعوة إلى التوقف أمام الخبر، وإعمال العقل قبل التسليم، لكنها تحمل فى داخلها سلطة أخرى أكثر خفاءً؛ سلطة أن تقول للناس: هذه الحقيقة التى أمامكم ليست الحقيقة التى يجب أن تثقوا بها. تضع يدها على ميزان التصديق نفسه، وتطلب من القارئ أن ينقل ثقته من الرواية التى أمامه إلى الرواية التى تقدمها.
المشكلة ليست فى الشك نفسه؛ فهو أحد أبواب المعرفة، وكل حقيقة محترمة يجب أن تحتمل السؤال. غير أن الخطر يشتعل فى اللحظة التى يتحول فيها من وسيلة للبحث إلى غاية فى ذاته، حين يتضخم التشكيك فى المعلومة ليصير أكثر حضورًا من البحث عنها، وحين يبدو القائم على التشكيك وكأنه يقف دائمًا فى المسافة الآمنة التى تمنحه حق مساءلة الجميع، دون أن يخضع هو وبضاعته لذات المجهر. تصبح الكلمة بوابة، ومن يقف على عتبتها هو الذى يقرر أى شىء يدخل إلى عقل القارئ، وأى شىء يبقى خارجه.
هذه واحدة من أخطر حيل الكلمة؛ أن تُلبس الفعل اسمًا يجعل مساءلته أصعب، يكفى أحيانًا أن تعيد تسمية الفعل حتى يتغير موقعه فى الوعى. الكذب يمكن أن يرتدى ثوب «التصحيح»، والتلاعب يمكن أن يقدم نفسه باعتباره «توعية»، والتخلى عن المسئولية يصبح «تحررًا»، والانقلاب على الموقف يتحول إلى «مراجعة»، والطعن فى رواية ما يُدعى «تدقيقًا»، حتى لو كان السؤال الحقيقى: لماذا اختيرت هذه الرواية تحديدًا لتكون موضع الشك؟
فالكلمة براعة فى ترويض الأفعال بأسماء مبطنة، وتملك قدرة عجيبة على تغيير وجه الفعل قبل أن تمسه بأذى. وهو ما يجعل الخيانة التى تبدأ بالكلمة أكثر نعومة وأشد فتكًا؛ فالخنجر يعلن عن نفسه لحظة يخرج من غمده، أما الكلمة فتدخل العقل وهى تحمل بطاقة تعريف أخرى. الكذب لا يأتى دائمًا فى صورة معلومة مختلقة؛ قد يأتى فى صورة سؤال ناقص، أو مقارنة غير مكتملة، أو رقم حقيقى انتُزع من سياقه، أو واقعة صحيحة جرى وضعها فى مسار خاطئ، ثم يُترك القارئ ليكمل الحكاية بمفرده.
ونموذج «متصدقش» يكشف عن هذه المساحة بوضوح؛ فالصفحة قدمت نفسها باعتبارها منصة للتحقق والتدقيق، وحين تتحول مهمة التدقيق إلى تفتيش دائم عن مواضع الشك، ويصبح اكتشاف الخطأ هو الحدث الأهم من فهم القصة، يمكن أن ينقلب التدقيق نفسه إلى صناعة للشك. رقم يُنتزع من سياقه، وتفصيلة هامشية تُرفع إلى مرتبة الدليل، ورواية كاملة تُترك خارج الإطار لأن جزءًا منها لم يكن دقيقًا؛ فيخرج القارئ من الحكاية وهو يعرف ما الذى يجب أن يشك فيه، دون أن يعرف بالضرورة ما الذى ينبغى أن يصدقه.
لكن الإشكالية فى أن تتحول عملية «كشف التضليل» نفسها إلى طريقة جديدة لصناعة التضليل؛ حين يجرى انتقاء ما يستحق التدقيق، وما لا يستحقه، وما يُعرض كاملًا، وما يُترك مبتورًا، وما يُطرح كسؤال، وما يُقدم كحقيقة. لا يتعلق الأمر فقط بحقيقة ما قيل، وإنما بما جرى اختياره من بين أشياء كثيرة يمكن قولها.
ولذلك فإن أدهى ما فى بعض الخطابات الرقمية أنها تدفعك تدريجيًا إلى فقدان الثقة فى كل الروايات، باستثناء تلك التى جاءت إليك فى هيئة الشك. ليجد القارئ نفسه فى النهاية أسيرًا لمنصة لا تقول له دائمًا: «صدقنى»، وإنما تكرر أمامه: «لا تصدقهم»، حتى يبدو صاحب الشك أكثر صدقًا من ناقل الحقيقة.
السوشيال ميديا لم تخترع اللعبة؛ الصحافة والدعاية والسياسة عرفت منذ زمن طويل قوة الكلمات فى صناعة المعنى. غير أن الشاشة أعطت الكلمة سرعة لم تكن تملكها من قبل. جملة قصيرة تستطيع أن تهدم سمعة، ووسم قد يختصر قضية، ومقطع مجتزأ يعيد هندسة الذاكرة، وحساب يكرر الشك آلاف المرات يستطيع أن يجعل الشائعة تبدو أقدم من الحقيقة نفسها.
تبلغ الخيانة صورتها الأكثر نعومة: حين لا نخون الحقيقة بكذبة، وإنما حين نجعل الوصول إليها مستحيلًا، لأن الحقيقة التى تُدفن تحت طبقات لا تنتهى من التشكيك، لا تتطلب أن تُكذَّب؛ يكفى أن يفقد الناس قدرتهم على تمييزها.

بعد أن تهدأ صراعات الخرائط، وتسكن حدة الخناجر، وتتلاشى الكلمات الملونة التى ملأت شاشات العصر الحديث، يتبقى هناك نمط آخر من الخيانة؛ هادئ، صامت، لا يحتاج إلى جيوش، ولا يُكتب فى قواميس السياسة، ولكنه يملك الأثر الأشد فتكًا بالروح الإنسانية.
أن يعرف الإنسان فى لحظة ما أنه يبتعد عن نفسه؛ فيبدل قناعاته، ويتنكر لذاكرته، ويتنازل عن مبادئه، ثم يمنح كل ذلك اسمًا أجمل حتى يستطيع الاستمرار. الانعطافة الأخيرة لا تحدث فجأة فى وضح النهار، تبدأ دائمًا بتنازل صغير غير مرئى يمر كتفصيل عابر ولا يوقظ أى جرس إنذار فى الوعى. خطوة واحدة إلى الوراء، متبوعة بتبرير ذكى، ثم تراجع آخر يُطلق عليه فى قاموس اليوم مرونة، وكذب صامت يُسمى مقتضيات العيش.
الذاكرة البشرية شريك ماهر فى إعادة صياغة نفسها حتى تتسع للتنازلات؛ تعيد ترتيب الصور حتى يحتمل صاحبها النظر إليها. تخفف حدة الموقف الذى كان يراه مهينًا. تنقل الحلم القديم إلى زاوية بعيدة من العمر. تعيد طلاء الماضى بلون يناسب الحاضر. الإنسان لا يزور ذاكرته دائمًا بقصد واعٍ؛ أحيانًا تفعل الذاكرة ذلك رحمةً به، وأحيانًا تحرس له بابًا يخرج منه من ثقل ما عرفه عن نفسه. وفى هذا الفراغ المراوغ، تتآكل المبادئ تدريجيًا؛ يراها صاحبها وهى تفقد ملامحها، ثم يتركها تمضى. يترك الإنسان حلمه يذبل أمام عينيه، ثم يسمى موته نضجًا. تتهاوى مواقفه القديمة، فيعتبر التخلى نجاة والسكوت حكمة. ومع كل تنازل، تتسع المسافة بينه وبين وعيه الأول، حتى يغدو حارسًا لنسخة مشوهة من نفسه، مدافعًا عن وجودها بكل ما أوتى من مبررات.
الخيانة فى جوهرها ليست فعلًا موجهًا نحو الآخرين فقط؛ تشبه بيتًا ينسحب منه أهله غرفة بعد غرفة. تظل الجدران واقفة. يظل العنوان نفسه على الباب. لكن الدفء يرحل، ولا يبقى فى الداخل إلا أثر باهت لصاحب المكان. إنها عملية اغتراب كاملة عن الوعى الشخصى، سقوط هادئ فى فخ المرايا المضللة.
والتاريخ والسياسة ليسا سوى مرآة مكبرة لسلوك الأفراد؛ فكل طعنة غيرت خريطة العالم، وكل كلمة قيلت لتزييف الوعى الجمعى، وكل قناع وُضع لإخفاء وجه الغدر، كان امتدادًا لتلك اللحظة الأولى والسرية؛ التى جلس فيها الإنسان مع روحه، ووافق على التنازل، وسلم مفاتيح عقله وذاكرته لخوفه أو لمصلحته الشخصية.
ومن ثم قد يكون السؤال الحتمى الأكثر إرباكًا: هل تبدأ كل خيانة كبرى بأخرى صغيرة وصامتة للذات؟
نعم، يمكن للإنسان أن يخون نفسه قبل غيره؛ بأن يدرك الحقيقة ثم يبتعد عنها، ويتذكر ملامح وجهه القديم ثم يتعايش مع آخر صنعته التنازلات والتبريرات. وعندما يصبح هذا الوجه الجديد مألوفًا، لا تكون الخيانة قد وقعت فى لحظة واحدة، فقط اكتملت على مهل، حتى يصير الإنسان غريبًا عن الشخص الذى كانه ذات يوم.







