الإثنين 28 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قبل أن يضيع اليمن.. جريمة الحوثيين فى الأرض

حرف

- أزاحت الحرب وجه اليمن المبتسم بأغانيه وفنونه لتشيّد جدران العزلة وصوت البارود والتفتت الجغرافى

- كلما تحركنا على خريطة اليمن يتغير القماش تحت أعيننا لينطق بلهجة الأرض بوضوح

- العلاقة بين اليمنى وخنجره تجاوزت حيز التزيين الخارجى لتغدو لغة جسد قائمة بذاتها

- الخناجر الملتفة حول الأجساد ترسم خريطة الجغرافيا اليمنية بدقة وتعلن المكانة والنسب دون حاجة لسؤال شفهى

- الجنبية التى نراها قطعة من الزى يقرأها أهلها كوثيقة صامتة تعلن منبت الرجل ووزنه ومكانته بين قومه

- كلما تحركنا على خريطة اليمن تغير القماش تحت أعيننا لينطق بلهجة الأرض بوضوح

فى يونيو 2005، زرت اليمن للمرة الأولى. كان حينها عبدالملك الحوثى اسمًا مألوفًا لوجه غير معروف، قبل أن تصبح كلمة «اليمن» فى نشرات الأخبار مرادفًا للحرب والانقسام والحوثيين وباب المندب.

أتذكر اليمن الذى عرفته آنذاك.. بلدًا ذا مذاق خاص، فى شوارعه وملابسه ولهجاته وعاداته، هو مزيج فريد بين القبيلة والمدينة والتاريخ. حتى فى تدينه، يصلى الشافعى والزيدى فى مسجد واحد، لا فرق بين من يرسل ومن يضم.

كانت علاقتى باليمن قد بدأت قبلها بعامين، حين كنت أدرس الماجستير فى الإعلام. التقيت زميلين يمنيين، أحدهما شافعى ينتمى سياسيًا إلى حزب المؤتمر الحاكم، والآخر زيدى ينحدر من صعدة. قبل أن يظهر الحوثيون بالمعنى المعروف، جمعتهما الدراسة والقاهرة، وفرقتهما السياسة لاحقًا.

بعد ما يزيد على عشرين عامًا تقريبًا، أعود إلى اليمن من نافذة مختلفة تمامًا: صور يمنية تجتاح مواقع التواصل الاجتماعى، وسوريون وعرب يرتدون الجنبية والمعوّز والثوب والشال اليمنى، فى مشهد تضامنى يلتف حول الشعب.

توقفت عند الجنبية، استعدتُ المرة الأولى التى رأيتها فيها على خصر رجلٍ يمنى استقبلنى قديمًا. لم أكن أدرك وقتها أن قطعة صغيرة كهذه يمكن أن تحمل كل هذا القدر من هوية وطن، تختزل فى شكلها تاريخًا وذاكرةً وانتماءً. لم يرتدِ الناس علمًا سياسيًا ولا شعار حزب، ربما لأنهم انحازوا لصورة ثقافية تجمعهم، وتختصر اليمن الذى بقى، كأنهم، وسط كل ما فرّق اليمنيين، بحثوا عن شىءٍ لا يزال يشبههم جميعًا، رمز أقدم من السياسة، وأبقى من الانقسام.

 

تغيرت ملامح زميلى تمامًا حين التقيت به ذاك الصباح، بزيّه التقليدى الكامل. اختفى القميص والبنطال اللذان اعتدتُ رؤيته بهما، ليظهر فى ثوب أبيض واسع، يلتف حول منتصفه حزامٌ عريض مطرز بإتقان، يستقر فى منتصفه خنجرٌ منحنى بثبات، يميل قليلًا نحو اليمين.

تعلقت عينى بهيئته، يحمل الرجل قطعة سلاح حادة بشكل علنى فى الشارع، لكنك لا تشعر بأى تهديد أو ريبة. يرتديها بتلقائية تشبه ارتداء ساعة اليد، كأنها قطعة أصيلة نبتت من جسده، تكمل هيئته دون تكلف.

وقف يبتسم باعتزاز بينما أطالع تفاصيل الحزام المنسوج بخيوط حريرية ملونة، والمقبض الذى اكتسب لمعة خفيفة من كثرة استخدامه وملامسة الأيدى له. يمسك الغمد المنحنى بيده عند الحديث، يحركه بخفة تكشف أن العلاقة بين اليمنى وخنجره تجاوزت حيز التزيين الخارجى لتغدو لغة جسد قائمة بذاتها.

تضرب الجنبية بجذورها فى عمق التاريخ لأكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تشهد النقوش التاريخية وتماثيل الملوك الحميريين فى ظفار ومأرب كيف عانق الخنجر المنحنى خصور الفرسان والملوك قديمًا، بينما تكشف النقوش والتماثيل القديمة فى جنوب الجزيرة العربية عن حضور الخناجر المنحنية فى حياة الملوك والفرسان. ومع تدفق الزمن، مرت بتحول استثنائى فى تاريخ الأدوات الحادة، فقد انسحبت هادئة من ساحات المواجهة المباشرة والتراشق، لتستقر فى عمق الثقافة الشعبية: من سلاح قتال إلى رمز شهامة، وعلامة نضج اجتماعى، ووثيقة شرف غير مكتوبة يحملها الرجل.

فى قلب صنعاء القديمة، وتحديدًا فى حارة «سوق الجنابى»، تتنفس الحرفة عبر ضربات المطارق على الحديد المحمى وصوت صقل الخامات الصلبة. يبدأ خلق الجنبية من «الرأس» أو المقبض، وهو الجزء الأكثر أهمية وقيمة، يُنحت بصبر من قرون الحيوانات كالكركودان «وحيد القرن» أو الصيفانى أو العاج أو الخشب الصلب. يتلوه «النصلة» أو «السلة»، وهى اللسان المعدنى ذو الحدين اللذين ينتهيان برأس حاد، يمتد فى منتصفه خط مجوف يُدعى «العين» يحفظ توازن القطعة وقوتها.

تستكين النصلة داخل «العسيب»، وهو الغمد الخشبى المنحوت من خشب البرقوق أو العتم الخفيف، والمغلف بجلد ناعم يحمى المعدن من الرطوبة، قبل أن يُثبت الكل فوق الحزام العريض المطرز بخيوط الفضة والقصب بأشكال هندسية توحى بالأصالة والبهجة.

لا تنفصل الجنبية عن حركية الحياة اليومية، ترتفع إلى الأعلى فى رقصات «البرع» الشعبية، حيث يلوح بها الرجال فى الهواء بإيقاع جماعى متناسق يجسد الفرح والقوة. ترافق صاحبها فى حله وترحاله، وتضبط وقار جلسته فى المجالس وسوق القات، إذ يُحظر فى العرف القبلى إشهار حدها المسلول خارج أغمادها إلا لحاجة أو قتال، فيظل معدنها البراق حبيس الغمد احترامًا لسكينة الحاضرين.

وقفتُ أطالع خنجر زميلى مجددًا بشغف لا تخطئه عين، مشدودةً إلى نقوشه الدقيقة التى تكسو غمده. ابتسم الرجل، بعدما قرأ أفكارى والدهشة التى ارتسمت على وجهى، ثم قال بصوت لا يخلو من اعتزاز: «الجنبية التى ترينها هنا لا تظهر بشكل واحد لدى الجميع.. كل منطقة فى اليمن تنحت خنجرها بطريقتها، وترسم عليه خريطتها الخاصة».

عدتُ أتنقل بعينى بين تفاصيل خنجره المشدود على خصره، تملكنى فضول التقطه هو بذكاء، فغمز بإبهامه أطراف غمد خنجره، ليُبرز النقوش المذهبة نحو الضوء قبل أن يلتفت نحوى بنظرة تسكنها ثقة موروثة وابتسامة ماكرة أعرفها جيدًا: «كل جنبية لها ثمن، ونوع مقبضها وشكل غمدها يرويان نسب صاحبها ومكانته قبل أن يتفوه بكلمة».

تفكك كلمته شفرة المهابة والقبول فى المجتمع اليمنى، فالجنبية التى نراها قطعة من الزى، يقرأها أهلها كوثيقة صامتة تعلن منبت الرجل ووزنه بين قومه. إذ تكفى نظرة واحدة فى المجالس اليمنية لتحديد هوية الوافد الجديد فور دخوله. ويترجم العارفون بأسرار القبيلة تفاصيل الحزام والمقبض بسرعة الخاطر، فتنساب عيون الحاضرين تلقائيًا نحو الخصر. يتفحص كبار السن نوع القرن وطريقة احتزام الخنجر، فيعرفون من أى وادٍ أقبل الرجل، وأى عشيرة ينتمى إليها، وقدر نفوذ بيته بين الناس دون حاجة لسؤال شفهى. فالخناجر الملتفة حول الأجساد ترسم خريطة الجغرافيا اليمنية بدقة متناهية، وتعلن المكانة والنسب بصراحة تامة.

تتفاوت أثمان الجنابى بتفاوت المادة التى تصوغ «الرأس» الماثل فى أوجها. يعتلى «الصيفانى» العرش بلا منافس، فالخنجر المصنوع من وحيد القرن يكتسب بمرور العقود صفاءً أخاذًا، إذ تتغير عتمته الداكنة بسبب ملامسة الأكف المستمرة إلى لون شفاف يماثل الزجاج الصافى، وينبعث منه البريق الداخلى كأنه قطعة من جوهر حى. يليه فى المرتبة المقبض «الأسعدى» المنسوب للملك الحميرى أسعد الكامل، ثم «الزراف» الذى يقطعه الصناع من أطراف القرون، وصولًا إلى مقبض «الكرك» الذى ينحته الحرفيون من قرون الأبقار والجاموس لعموم الناس.

تتراوح أسعار القطع المحفوظة فى السوق المحلية بين ١٠٠ ألف و٣٠٠ ألف دولار حسب صفاء رأسها الخرتيتى ونسب العائلات التى تعاقبت عليها، إذ يتداول شيوخ القبائل جنابى صيفانية يعود تاريخ صنعها الموثق إلى أكثر من ٨٠٠ عام، وفى عدد من الصفقات الكبرى، صعدت قيمة جنبية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلى نحو ٤٤٠ ألف جنيه إسترلينى، فيما تربعت جنبية الإمام أحمد حميد الدين على عرش أغلى القطع فى التاريخ الحديث، إذ انتقلت ملكيتها بين أئمة اليمن لكبار الشيوخ حتى حسم الشيخ ناجى بن عبدالعزيز الشايف اقتناءها بمبلغ يناهز مليون دولار أمريكى. ويبقى الخنجر المنحوت على خصر تمثال الملك الحميرى «معدى كرب» بأرض مأرب كأقدم شاهد أثرى على أن الجنبية هوية تتوارثها الأجساد قبل أن تدونها الكتب.

وبينما يصاغ النصل أو «السلة» لسان الخنجر الحاد وروح قوته القتالية القديمة، فى الجنابى الثمينة من الذهب الخالص أو الفضة المطعمة بالنقوش، يأتى الحزام المربوط حول الخصر ليكمل الحكاية، حيث ينسج الحرفيون بأيديهم خيوط «السيم» الذهبية والفضية فوق أقمشة سميكة كالجوخ والكتان، لتظهر نقوش هندسية كلاسيكية تحمل أسماء العائلات والمناطق التى ابتكرتها. ويتصدر «المفضلى» الأحزمة جودة وجمالًا، فيما تحفظ النقوش «الكبسية» و«المتوكلية» و«الطيرية» برونقها التاريخى الذى حفرته أيدى الأجداد، لصاحبها مهابة فورية بين قومه دون حاجة لإفصاح شفهى.

تنطق أشكال الأغماد بأسماء مدرجات الجبال وكثبان الصحراء. تحافظ مناطق الجبل فى صنعاء وصعدة وعمران وحجة على «العسيب الحاشدى» المنتصب رأسيًا فى منتصف البطن، بشكله المعقوف نحو اليسار كحرف اللام، فيما يرتدى الفقهاء والقضاة فى تلك الجبال «العسيب البكيلى» المائل كحرف الراء، واضعين الخنجر فى غمد فضى خالص يسمى «التوزة»، يوحى بالحكمة والوقار.

وتتغير النبرة تمامًا بالاتجاه شرقًا نحو الهضاب، حيث يستبدل أبناء الجوف ومأرب والبيضاء وشبوة ذلك الشكل بجنابى بدوية ذات مقابض عريضة وأحزمة مائلة تتلاءم مع حركة الترجل السريعة وقسوة الترحال. أما فى شبوة وحضرموت، فترتقى الفخامة بأغماد تزدان بـ«شكائم» معشقة بالذهب الحميرى، بينما ينحنى «العسيب اليافعى» فى الجنوب كـهلال عريض يختزل ثقافة الساحل.

رمزية الجنبية تتجاوز إشهار النسب وتأطير الجغرافيا، لتتحول فى لحظات الخلاف إلى سلطة وأداة احتكام، لسانها أبلغ من الكلام. يضع المتخاصم جنبيته فوق بساط الشيخ أو المُحكم باسم «الرَّهْن»، معلنًا الامتثال التام لقواعد الحق والعدالة القبلية. يعنى رمى الخنجر تجريدًا طوعيًا من الهيبة حتى صدور الحكم، بينما يمثل كسر «العسيب» الاعتراف الصريح بالخطأ والتكفير عنه أمام الملأ.

أنهى زميلى حديثه وهو يعيد تثبيت حزام جنبيته فوق خصره بحركة متقنة. يبتسم الرجل مستعيدًا صدى صوت والده حين قلّده خنجره الأول فى يوم بلوغه سن السادسة عشرة، مدركًا أن الخنجر المستقر فى منتصف جسده يحمل خريطة وطنه ونسب أجداده فى قطعة واحدة.

تتصاعد دقات «النول» الخشبى العتيق فى أزقة الأسواق القديمة بالحديدة ولحج وتعز، عازفة إيقاعًا منتظمًا ينسجم مع حركة أقدام الحرفيين وأيديهم. يستغرق غزل القطعة اليدوية الواحدة أيامًا من العمل، إذ يشترك أكثر من صانع فى إنجاز الثوب الواحد لإخراجه بأبهى صورة، يجهز الأول الخيوط ويشدها بدقة فوق الهيكل الخشبى، بينما ينهمك الحرفى الآخر فى تمرير «المكوك» بين السداة واللحمة بحركية متناسقة.

تتشابك ألوان الخيوط القطنية برشاقة لافتة تحت سقف المشغل الترابى، فتولد قطعة «المعوّز» تدريجيًا لتختزل حكاية قماش يلتف حول أجساد غالبية أهالى اليمن، ويمنح المشهد التراثى بهاءً مفتوحًا، كأن كل ثوب معلق لوحة تشكيلية تحمل بصمة المنطقة التى خرجت منها. تحيك خيوط الثوب الملتف ذاكرةً تمتد إلى عصور بعيدة فى التاريخ العربى، متتبعةً أثر «البُرُد اليمانية» المشهورة فى كتب السيرة والمخطوطات العتيقة، حيث أطلق اليمنيون القدماء اسم «المِقْطَب» على المنسوج الأبيض البسيط المنقوع فى صباغ نبات «النيلة». ومع تحولات الزمن، أُدخلت الخيوط الملونة والتطريز المتقن على الصنعة النسجية، فاختفت أحواض الصباغة البدائية لتحل محلها تقنيات الحياكة المتطورة بأشكالها الهندسية، وشاعت تسمية «المعوّز» بين القبائل والبلدات لتصف اللباس اليومى المرن الذى يلائم حركة العامل والتاجر والفلاح دون تعقيد أو قيود.

يستدعى غزل القطع المنسوجة تركيزًا ومهارة تتطلب تنسيقًا كاملًا بين العين واليدين والدمّاستين الخشبيتين. والصنّاع يوزعون إنتاجهم إلى ثلاثة أصناف رئيسة تلبى أذواق المجتمع ومناسباته المختلفة. ظهر نسيج «السادة» بلون واحد خالص، ليلائم الاستخدام اليومى السريع وفى أوقات العمل الميدانى. ويطعم طراز «القِدا» لونين أساسيين بخطوط هندسية متوازية تتخلل الحواشى بتناسق، بينما تتربع «المعاوز المنقوشة» على عرش الفخامة والسمك، إذ يدخل الحرفيون خيوط «السيم» الفضية والذهبية لترسم زخارف معقدة تتطلب أسابيع من الجهد الصبور.

وكلما تحركنا على خريطة اليمن تغير القماش تحت أعيننا لينطق بلهجة الأرض بوضوح. فى لحج وعدن، يرتدى الثوب ألوانًا مشرقية ناعمة بنسيج لحجى خفيف ونقوش قليلة هادئة تتناسب مع حرارة الساحل ورطوبة البحر. وبالانتقال نحو الجبال، ينفرد «المعوّز البيضانى» بقوة نسيجه وثقل وزنه، ميالًا إلى الألوان الزاهية والنقوش البارزة التى تتوجها حواشٍ مذهبة تعكس مهابة القبيلة بالبيضاء. وتتكاثف الهندسة النسجية شرقًا نحو وادى حضرموت، حيث يتزاحم «المعوّز الحضرمى» بكثافة عالية من الخطوط والنقوش الدقيقة، ليصير «المعوّز الشبوانى» بجواره أكثر خفة وأرق حاشية ليلائم حركة الترحال فى الهضبة، بينما يفاجئك «المعوّز الوصابى» بتنوع نقوشه وتعدد تشكيلاته التى لا تلتزم بنمط واحد، كأن كل حائك يطبع فيه قصيدته الخاصة.

يرتدى الرجل معوزته بطريقة طى محكمة تسمى «الشدّة» أو «التطويرة» حول الخصر، مثبتة بحزام الجنبية أو بطية القماش نفسها. وبينما تتطلب الأناقة التقليدية تناسقًا بصريًا بين حواشى المعوّز «الكرشة» وألوان الشال المصاحب الملقى فوق الكتف، يتنقل المواطن بفضل جامع الهوية النسجية بين حقول الزراعة وأروقة الدوائر الرسمية وصالات الأفراح بثقة كاملة، متجاوزًا الفوارق الطبقية. وتُستدعى المناسبات الوطنية والأعراس ارتداء المعاوز المنقوشة ذات الخيوط اللامعة، ليتحول الحفل إلى استعراض بصرى لمهارة الحياكة اليمنية.

تنتهى حكاية خصر الرجل عند التحام القماش المنسوج بشدة الحزام والخنجر، لتعود الذاكرة إلى الخريطة التى تشكلت منها الصورة: الجنبية قالت لنا: من الرجل؟ والمعوّز يخبرنا: عن الأرض التى جاء منها. فعلى الجسد اجتمعت خرائط صغيرة من مناطق مختلفة، تحمل كل واحدة منها لونها ونقشها وذاكرتها، ثم تلتقى كلها فى صورة واحدة اسمها: اليمن.

لم تكتفِ الجنبية بموضعها عند خصر الرجل، إذ سرعان ما وجدت لها متكأً جديدًا فى قلب القصيدة. كأن الذاكرة اليمنية لم تكتفِ بأن تحفظها فوق الجسد، فحملتها إلى اللغة أيضًا. أخذ النصل معه تاريخًا طويلًا من جغرافيا الأرض، وظلت الجنبية علامةً تختصر شيئًا من صورة اليمن فى الوجدان والمخيلة الشعبية.

فى الشعر الحضرمى، أمسك حسين أبوبكر المحضار بالخنجر من طرفه الآخر، وذهب إلى صانع الجنابى باقطيان يقول:

«يا باقطيان صلح لى زهاب الجنبية»

ثم يمدح صنعته الراقية، فتدخل الجنبية القصيدة محمولةً على تاريخ الحرفة وذائقة المكان، ويصير وصفها استدعاءً لعالم يعرف فيه اليمنى قيمة النصل من شكله وصنعته ومعدنه.

وتتجلى الجنبية بصورةٍ حية فى المساجلات الشعرية بفن الدان الحضرمى بين الشاعر عوض بن سبيتى والمحضار؛ إذ تتحول تفاصيل الخنجر وأجزاؤه إلى مادةٍ غزيرة يتبارى الشعراء برسمها وغزل جمالياتها. يصف ابن سبيتى دقة الصقل والمقبض العاجى بشاهدٍ موثقٍ من حوارهما الشعرى:

«يا حَلى مَدّ فوقها قَدِيمِى دُوِيلة

تِلاَلِى من المَسْقَلَة

رَأْسُهَا عَاج والتَّحْضِير مَاكِن وخِنَاق فَوْق الرَّأْس مَعْدُول».

يعكس السجال الشفهى صلةً وثيقة بتراب الأرض؛ فقديمى الخنجر ومقبضه العاجى وشكل حزامه المصنوع بأيدى الحرفيين تجسد أصالة الهوية اليمانية وتجذرها فى الذاكرة الأدبية.

وفى المثل الشعبى تترك الجنبية أثرًا آخر فى اللغة: «ما جات اليد على الجنبية»، عبارة تختزن فى كلمات قليلة معنى الهوان والخذلان، وتكشف مقدار ما ترسخت صورتها فى الوجدان حتى صارت جزءًا من التعبير عن الموقف نفسه.

ويرتقى الدكتور عبدالعزيز المقالح بالرمزية إلى أفقٍ أرحب فى القصيدة الفصحى، حين يعلن بلسان الشغف باليمن:

«إذا سألونى عن اسمك

أشير إلى الجنبية والعسيب».

يصير الخنجر والعسيب جوابًا عن اسم الوطن ورسمه، فتتحول القطعة المستقرة عند الخصر إلى علامة هوياتية جامعة لبلد كامل، بتاريخه وذاكرته وصورته التى تسكن العين قبل الكلام.

يعبر معدن الجنبية بسلاسة من الخصر ليعيش فى أفق الكلمة؛ تلتقى انحناءة النصل بإيقاع الشعر، فيتحول الخنجر إلى شريان يحرس جذور الهوية.

فى ضيافة السفير اليمنى بالقاهرة آنذاك، سمعت من يقول للضيوف بترحيب حار قبل بدء الطعام: «اتفضلوا اغسلوا أيديكم» تحرك الجميع نحو المغاسل بهدوء تام، كأنها خطوة ملزمة تسبق الجلوس إلى المائدة. غسلتُ يدى وأنا أردد فى سرى بإعجاب: «شعب شديد النظافة، جعل غسل اليدين طقسًا يسبق الأكل» غير أننى حين عدتُ ورأيت الأكف تمتد نحو الأطباق مباشرة، اكتشفتُ أننى فهمتُ المشهد من الجهة الخطأ. يتناول الحاضرون طعامهم بأيديهم ببراعة وآداب موروثة. ضحكتُ من نفسى. فالكلمات التى بدت لى حرصًا عاديًا على النظافة حملت فى الحقيقة جزءًا من منظومة كاملة لتناول الطعام، يتجاور فيها سحر الطهى مع خفة الدعابة، حين يتندر الضيوف أمامى بحجم «الدجاج المصرى» المثير للدهشة فى الأفلام والمسلسلات.

تبسط المائدة اليمنية فلسفة كرم تتعدى فكرة الطعام لتؤسس طقس حوار وتلاحم، يؤكد أن الهوية سلوكٌ يومى يمارسه الناس، لا شعارٌ يرفعونه. تتصدر «الحَرَضَة» أو «المَدَرة» المائدة، وهى أوانٍ حجرية سوداء منحوتة من صخور الجبال، تحفظ حرارة الطعام وتغلى بشدة فوق النار. بينما يتسرب عبق «السَّلْتَة» و»الفَهْسَة» مع لحم الضأن المطبوخ ببطء ليمزج نكهة المرق برغوة «الحُلْبَة» المخفوقة بالماء والكسبرة والخضار. يمتد اللحاف الدافئ لخبز «المَلوُح» الذهبى بطبقاته الهشة، مسهمًا فى جمع الأكف حول طبق واحد، قبل أن تتوج الجلسة بصينية «بنت الصحن» برقائقها المورقة والمنقوعة فى السمن البلدى وعسل السدر الشهير.

ولأن الحكاية لا تتوقف عند المائدة، حملتنى الرحلة إلى صوتٍ يختصر أحيانًا ما تعجز عنه السياسة. فبينما كان اللقاء برئيس لجنة الوساطة بين الدولة والحوثيين عام ٢٠٠٥ يكتسى بأبعاد سياسية حادة بكل معانيها، أخذنى سائق سيارة الأجرة فى مسار آخر تمامًا. فما إن التقط من لهجتى أننى مصرية حتى رفع صوت المذياع، ليملأ صوت الفنان إيهاب توفيق أرجاء السيارة والشارع، وينطلق هو بحديث دافئ عن حبه لمصر وتعلقه بالمصريين. كان يتحدث بحماس صادق لا يصف علاقةً رسمية بين بلدين، يستعيد عاطفةً حيّة اختزنتها الذاكرة عبر الأغانى والوجوه والأسماء.

نزلتُ من السيارة وأنا أفكر فى أن ما يجمع الشعوب لا تصنعه الاتفاقيات الدولية وحدها، ولا ترسمه السياسة دائمًا؛ تبعثه أحيانًا أغنية بسيطة يسمعها رجلٌ بمفرده فى سيارة أجرة، فتوقظ فى داخله وطن آخر يحبّه.

تتدفق الموسيقى فى شرايين الحياة اليمنية كأنفاس نديّة تجدد الهواء فى مجالس «المَقْيَل». ينفض الرجال والنساء عناء اليوم بلقاءات يمتزج فيها الفن بالشعر، حيث يرتفع صوت «الَقَنْبُس»- ذلك العود اليمنى العتيق المنحوت من قطعة خشب واحدة ببطنه الجلدى وصوته الخافق— لينشر حنينًا شفيفًا فى أرجاء المكان. تتجلى خصوصية الصوت فى نغمات «الدان الحضرمى» التى تتصاعد بطيئةً وموجعةً كأنها صدى أودية حضرموت وبساتينها المبتعدة، فيما تتهادى ألحان «اللون الصنعاني» برقةٍ تتسلل بين أوتار العود وقوافى القصائد الشجية. يتخذ الناس الغناء لغةً حيّة تلملم طوارق الشوق ووجع الفقد ودفء التجمع؛ فيعيد النغم صياغة الألفة الإنسانية بصوتٍ يعلو فوق ضجيج التحزب وركام الانقسام.

تتلاشى الخلافات والتباينات فور اجتماع الناس حول صينية طعام واحدة أو على إيقاع أغنية شجية تجمع القلوب. المائدة والموسيقى تبنيان مساحة دافئة يصعب غزلها فوق نول أو حياكتها على خنجر؛ إنه الجزء الحى الذى لا يُلبس فوق الخصر، ويسكن فى عمق الروح والذاكرة، معلنًا أن اليمن يتذوق هويته بفنه وكرمه بقدر ما يحفظ تاريخه بزيه ورموزه.

لم أفهم فى البداية سر الأفواه الممتلئة. يتحدث الرجل معى بفمٍ ممتلئ من ناحية واحدة، وكلما التفتُّ نحو آخر وجدته بالصورة ذاتها. سألتُ بفضول الشاهد، فجاءنى الضحك الصريح: «بنخزن». أدركتُ حينها أننى أمام طقس اجتماعى كامل له اسمه وموعده ومجلسه. القات فى اليمن لا يستهلكه الناس على عجل، ولا يمر كحدث عابر؛ تلتف حوله جلسة تمتد لساعات، ورفاق يتبادلون الحديث، بينما تستقر أوراقه الخضراء فى جانب الفم لترسم ملامح اليوم.

حضور القات فى عالم «المَقْيَل» يقارب منزلة الشاى فى دواويننا؛ ثوبٌ معتاد يلبسه البيت واللقاء. وحين سألتُ صديقًا يمنيًا بعفوية الغريب: «كيف يتدبر الناس تكلفة القات اليومية وسط ضيق العيش؟» ابتسم بهدوء واثق يختصر يقينًا حافيًا: «الله فى اليمن». تختزن الكلمة ذاتها إيمانًا شعبيًا عميقًا بأن الرزق يتدفق بطرق غير مرئية ليحفظ بهجة المجلس ويؤنس الجلساء.

أتذكر أننى مازحت صديقى أيام الثورة عام ٢٠١١، وسألته عن الناس وكيف توازن بين القات والاحتجاجات، أطلق الرجل ضحكة وقال: «للثورة وقتها، وللمقيل حرمته؛ نوقف الثورة لنخزن ثم نعود إلى الميدان». التناقض قد يبدو صارخًا لكنه منطقى لمن يعرف قصة اليمنيين مع القات؛ رجال يخرجون إلى الشارع فى واحدة من أكثر اللحظات السياسية احتقانًا، ثم يتركون الميدان قليلًا ليجلسوا معًا ويخزنوا القات. كانت السياسة فى أعلى صوتها، بينما يفرض القات هدنة ملزمة ويحتفظ بمساحته داخل اليوم اليمنى.

لكن خلف المفارقة الاجتماعية تتخفى أرقامٌ ضخمة تحرك أسواق البلاد؛ إذ تتجاوز قيمة التداول فى تجارة القات ١٢ مليون دولار يوميًا، بما يناهز ٤ مليارات دولار سنويًا. يمنح القطاع سبل عيش مباشرة وغير مباشرة لنحو مليون يمنى تتوزع بين الزراعة والتجارة والنقل، بينما تنفق بعض الأسر نسبًا مرتفعة من دخلها لشراء القات تصل بحسب تقديرات إلى بين ٢٠ و٥٠ فى المائة من ميزانيتها، وإن كانت دراسات أخرى تشير إلى متوسط أقل.

يتمدد الشجر الأخضر فوق المدرجات الزراعية ليشغل أكثر من ١٦٠ ألف هكتار، بينما يستنزف القات نحو ٤٠ فى المائة من المياه المتجددة بما يقارب ٨٠٠ مليون متر مكعب سنويًا؛ لتتنقل النبتة التى تجتمع حولها المجالس إلى قلب معادلة الأرض والماء، مما يضع الجغرافيا والمستقبل أمام ضغط بيئى حرج.

طاقةُ التجمع الإنسانى فى المجلس تتفوق على التبعات الاقتصادية والبيئية. تذوب الفوارق الطبقية فوق المتكآت الممتدة؛ يجلس التاجر بجوار العامل البسيط بلا تكلف ليفضى النزاعات وينسج أواصر الصداقة بعفوية حية. فالقات ليس نباتًا يمضغونه، إنه ثقافة كاملة وجزءٌ أصيلٌ من صورة اليمن التى عرفتُها، تفضح طريقة اليمنيين فى الاجتماع وقضاء الوقت وصناعة الألفة.

شهدتُ بنفسى كيف احتضن المِقْيَلُ والمسجدُ جغرافيا التنوع بتسامح فطرى، مستندًا إلى عمق تاريخى يمتد لآلاف السنين فى اليمن القديم. كان الشافعى يجاور الزيدى فوق متكأ واحد، يتبادلان أطراف الحديث ويتقاسمان أوراق القات ونكهة الشاى. يصلّون فى المسجد ذاته؛ يرسل أحدهم يديه إلى جانبيه، بينما يضم الآخر يديه فوق صدره، بسلاسة تعكس ألفة موروثة تعايشت معها المذاهب والقبائل لسنوات طويلة. لم أشعر وقتها بغربة المذهب أو نبرة المنطقة؛ فالجبل والساحل، وصنعاء وعدن وحضرموت، بدت أجزاء متجاورة فى وطن واحد يتنفس بأريج التآخى والتضامن.

لكن فهم ما يجرى اليوم قد يتطلب العودة قليلًا إلى الوراء. جاء إعلان الوحدة فى ٢٢ مايو ١٩٩٠ بآمال عريضة حلم بها اليمنيون لدمج الشطرين فى كيان واحد، غير أن الشراكة لم تصمد طويلًا أمام الخلافات حول السلطة وترتيبات الحكم وتقاسم النفوذ. انقلبت الفرحة صدمة خاطفة مع اندلاع حرب صيف ١٩٩٤، وانتهت بانتصار القوات الموالية للوحدة وسيطرتها على الجنوب. خلفت الحرب جروحًا عميقة فى الجسد الجنوبى، وتراكمت معها شكاوى التهميش والإقصاء، لا سيما بعد تسريح آلاف العسكريين والموظفين الجنوبيين، لتستحيل مع الأيام إلى «قضية جنوبية» ينبض قلبها بشعور متزايد بالغبن والاستبعاد.

لم يبقَ الشعور حبيس الذاكرة؛ ففى عام ٢٠٠٧ خرج «الحراك الجنوبى» إلى الشارع. بدأت المطالب بحقوق المتقاعدين والعسكريين والموظفين الجنوبيين، ثم اتسعت لتعيد فتح ملف الوحدة نفسه، وظهرت داخل الحراك تيارات تطالب بإصلاح الدولة وأخرى ترتفع بالسقف نحو استعادة دولة الجنوب. تجلى حينها أن الجنوب يتشكل من مناطق وخصوصيات ورؤى متعددة لا تختزلها كتلة واحدة.

تململت جبال صعدة الشاهقة فى أقصى الشمال لتشهد ولادة جبهة جديدة للصراع؛ إذ خرج الحوثيون من كهوف مران، المعقل الميدانى والفكرى الأول للحركة، لتخوض ست جولات حرب متتالية ضد الدولة بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠١٠. لم تتوقف التصدعات عند حدود المواجهات العسكرية، فقد ارتبط الصراع بتحولات سياسية واجتماعية ومذهبية أوسع، أخرجت الخلاف من دوائر الجدل إلى ساحات السلاح، لتتراكم قوة الحركة داخل بلد لم يحسم بعد أسئلة الدولة والتمثيل.

ومع انطلاق أحداث ٢٠١١، تسارع الانهيار السياسى لتنزلق البلاد نحو مرحلة انتقالية أكثر هشاشة. خرج اليمنيون إلى الشوارع، وانتهى الأمر بتنحى على عبدالله صالح من الرئاسة عام ٢٠١٢ وانتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادى بموجب المبادرة الخليجية. انعقد مؤتمر الحوار الوطنى عام ٢٠١٣ كمحاولة لفتح الملفات المؤجلة: الجنوب، والحوثيون، وشكل الدولة، غير أن الحوار لم يصل إلى تسوية تحسم الخلافات المتراكمة.

فى عام ٢٠١٤، دخل الحوثيون صنعاء لتتفكك التسوية الانتقالية سريعًا وتتمدد قواتهم نحو مناطق أخرى. انفجر الصراع الشامل، ومع حلول عام ٢٠١٥ اتسعت المواجهات ودخلت أطراف إقليمية على خط الحرب، لتشتعل جبهات متعددة ويتحول اليمن إلى ساحة صراع تتشابك فيها القوى المحلية والإقليمية وتتعدد معها مراكز النفوذ.

تسللت السياسة بهدوء خبيث من مؤسسات الدولة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتغير وجه المِقْيَل؛ استحالت الأحاديث الشجية وسجالات الأدب منصات للتحزب. بدأ الجليس يزن كلمات جليسه، ويفتش فى نبرته عن انتماء مناطقى أو مذهبى. خفت صوت العود وابتعدت ألحان الدان لتحل محلها شعارات التحريض، وانقسمت المساحات التى اتسعت للجميع، بينما انقلبت النقاط الفاصلة بين مناطق النفوذ إلى معابر للتفتيش على الاسم والمنشأ، واستقبلت المدن لغة السلاح والحواجز بدل الأعراس والموائد.

أزاحت الحرب وجه اليمن المبتسم بأغانيه وفنونه لتشيّد جدران العزلة وصوت البارود والتفتت الجغرافى. اقتحمت النسيج الاجتماعى ذاته لتعـيد تعريف الاختلافات الثقافية بوصفها خنادق صراع واصطفاف؛ لتتحول التفاصيل التى صنعت غنى الهوية اليمنية إلى خطوط تماس تقسم أبناء الوطن الواحد.

تبدلت صورة اليمن التى قرأتها فى ملابس أهلها وعاداتهم؛ فما بدا فى البداية تنوعًا فريدًا فى الجنبية والمعوّز واللهجة والمائدة، يختزن فى عمقه تاريخًا من الانتماءات المتجاورة. وحين استباحت السياسة المساحات الإنسانية، تخطى الواقع حدود الاستفسار البديهى: كيف يجتمع اليمنيون؟ ليجابه تساؤلًا أشد قسوة: كيف يتسع وطنٌ واحد لكل اليمنيات؟

لم يعرف عبدالرحمن فى تعز أن سنوات الحرب ستأخذه بعيدًا عن مقعد المدرسة. كان فى الصف الخامس حين حزم حقيبته للمرة الأخيرة، ليبدأ العمل معنيًا بقوت أسرته؛ يبيع البيض والمثلجات والخضراوات، وينفق نهاره فى شارع ضيق بدل الجلوس بين الكتب والدفاتر. انقضت أربع سنوات كاملة قبل لجوئه إلى الفصل مجددًا ضمن برنامج تعليمى أعاد ترتيب حياته.

حكاية عبد الرحمن ليست استثناءً؛ فقد خرج أكثر من ٣.٢ مليون طفل يمنى بين الخامسة والسابعة عشرة من التعليم بحلول عام ٢٠٢٦، بينما طال التدمير والضرر ٢٫٧٨٣ مدرسة. فالحرب تغير شكل الحياة بصمت؛ لا تكتفى بإطلاق انفجار تتردد أصداؤه فى الشاشات، تتسلل إلى حياة فى صورة حقيبة مدرسية لا يحملها، ومهنة صغيرة يبدأها قبل أوانها، وأربع سنوات تختفى من عمره.

وفى مجتمع جسد فيه الطعام طقسًا راقيًا من طقوس الكرم والضيافة الشائعة فوق المائدة اليمنية، تحول تحصيل اللقمة إلى معركة ضارية يخوضها الناس كل صباح، ويحتاج أكثر من ٢٢ مليون يمنى إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، وبينما يواجه ١٨.٣ مليون شخص انعدامًا حادًا فى الأمن الغذائى، يعانى الأطفال من موجات متصاعدة من سوء التغذية.

الأكف التى علقت فى ذاكرتى مجتمعة فوق الأطباق بدفء إنسانى يختصر ثقافة كاملة، تعكس أدبيات العيش المشترك. تبدو أكثر قسوة اليوم؛ إذ يستورد اليمن نحو ٩٠٪ من احتياجاته الغذائية، مما ينقل أى اضطراب اقتصادى أو تجارى مباشرة إلى عمق البيت والأسرة.

حتى المرض صار له وجه آخر؛ فبلوغ الطبيب أو تأمين جرعة الدواء يعد جزءًا أصيلًا من صراع البقاء؛ إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى توقف قدرات المستشفيات والمراكز الصحية، حيث تقتصر الخدمة الكاملة على ٥٩.٣٪ فقط من المرافق، بينما تتضاعف أعباء الأوبئة المترصدة كالكوليرا والحصبة.

بدوره، انسحب الاقتصاد من المشهد بصورة مريعة؛ فقد تقلص الحجم الإجمالى للاقتصاد اليمنى بأكثر من ٥٠٪ منذ انطلاق النزاع، وهوى نصيب الفرد من الناتج المحلى إلى دون النصف، بينما يرزح أكثر من ٨٠٪ من السكان تحت خط الفقر، حسب تقديرات الأمم المتحدة.

على امتداد تلك السنين لم تفقد اليمن الأرواح والجدران فحسب، خسرت نبض إيقاعها القديم؛ فالحرفة التى تنتقل بين يد وأخرى، والسوق التى تحفظ ملامح روادها، والمقيل الشارح للأفئدة، والعرس الذى تتجاور فيه الجنبية والمعوّز ولحن الغناء، والمائدة التى تتسع للغريب، كلها خضعت تحت ضغط الحرب والنزوح والفقر. يستمر شطر منها بعناد، ويتغير آخر، بينما ينطفئ شطر ثالث فلا يعود كما عهده الأجداد.

ولأن الأشياء الصغيرة أكثر قدرة على مقاومة الغياب، لم تأتِ صور التضامن العربى مع اليمن من فراغ؛ فحين ارتدى عرب وسوريون الجنبية والمعوّز والثوب والشال، كانوا يستدعون صورة بلدٍ كامل كما يعيش فى ذاكرة الناس، لا كما تظهره خرائط الحرب. حتى أنا حين عدت إلى أطياف اليمن التى رأيتها، لم أتذكر أولًا تخوم السياسة ولا أسماء المتصارعين؛ تذكرت الجنبية التى قرأنا فيها الرجل، والمعوّز الذى كشف لنا الأرض، والأغنية التى حفظت شيئًا من صوته؛ كلها فى النهاية تفاصيل وطن ظل يحمل صورته فى ذاكرة من عرفوه، ليعلن: «هنا كان اليمن.. وهنا لا يزال».