الأحد 08 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

صديقى العزيز.. زيارة جديدة إلى عالم أنور عبدالملك

أنور عبدالملك
أنور عبدالملك

- صاحب مؤلفات أذهلت العالم قبل أن تترجم إلى اللغة العربية

فى ربيع عام 1997، وفى مقر مجلة القاهرة التى كانت تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكان مقرها فى 1117 شارع كورنيش النيل، وفى الغرفة التى كان يجلس فيها الدكتور رشاد رشدى فى عقد السبعينيات، حيث كان يترأس تحرير مجلة «الجديد»، التى كانت تمثّل الجانب الرجعى فى الثقافة المصرية فى ذلك الوقت، فى ذلك الربيع المذكور كنت أجلس مع الكاتب والناقد والمثقف الكبير الدكتور غالى شكرى، رئيس تحرير مجلة القاهرة، وكان قد تولاها منذ سنوات قليلة بعد عودته من باريس، بعد القاص والروائى عبدالرحمن فهمى الذى ترأس تحريرها فى أول تأسيس لها عام 1984، ثم جاء بعده الناقد إبراهيم حمادة، ثم خلفه الدكتور غالى شكرى الذى جعل منها منارة مشرقة ومضيئة وجريئة فى ذلك الوقت، وكان دائمًا يتصدى فى المجلة لقضايا كانت شبه محرمة فى الثقافة المصرية، وأذكر أنه من أكثر المجلات شجاعة وجرأة التى فتحت ملفات شائكة، مثل: مطاردة نصر حامد أبوزيد وتكفيره، وأعاد نشر كتاب «فى الشعر الجاهلى»، والملف المهم الذى أعدته المجلة عندما تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال فاشلة، وغيرها من الممنوعات التى غابت طويلًا عن الساحة الثقافية المصرية.

أنور عبدالملك
أنور عبدالملك

كان غالى شكرى كثيرًا ما يستأنس بما أطرحه من آراء وملفات عديدة، ونجلس معًا فى هدوء بعيدًا عن أى إزعاج، وينبه على الموظفين بأنه فى اجتماع مفتوح، فى ذلك اليوم سأل: ماذا عندك من مقترحات جديدة وضرورية للمجلة فى الأعداد المقبلة؟، وأخذنا نفكر معًا فى ما هو يلح على الثقافة المصرية فى ذلك الوقت، ومن بين ما اقترحت عليه، كان «ملف السيرة الذاتية للكتاب والمفكرين»، كان غالى شكرى لا يستمع إلى الفكرة، ويضعها فى أدراج المكتب وينتظر وقتًا طويلًا حتى يبدأ فى تنفيذها، ولكنه على الفور، بدأ يضع الأسماء التى يراها مفيدة فى الملف، وكان من بين الأسماء التى طرحها، كان المفكر دكتور أنور عبدالملك، الذى كان قد أبهرنى وأربكنى فى كثير من كتاباته، شغفى كان عظيمًا بذلك المفكر صاحب المؤلفات التى أذهلت العالم، قبل أن تترجم إلى اللغة العربية، وتذهلنا نحن كذلك، حيث إنه كان يكتب باللغة الفرنسية مباشرة، وبعدها يتم ترجمتها إلى العربية، عدا كتاباته الأولى، والتى جمعها فى كتاب يكاد يكون مجهولًا، وهو «دراسات فى الثقافة الوطنية»، قلت للدكتور غالى شكرى: سأذهب إلى الدكتور أنور عبدالملك، وسوف أجرى معه حوارًا مطولًا عن حياته الفكرية والسياسية التى بدأت منذ منتصف الأربعينيات، ووافق دكتور غالى شكرى على الفور، وأجرى مكالمة سريعة مع الدكتور أنور، وتخللت المكالمة بعض مداعبات طريفة، حيث كانت علاقتهما قوية منذ أن كان غالى شكرى يقيم فى باريس، ثم أعطانى سماعة التليفون لكى أتفق مع دكتور أنور لتحديد الميعاد الذى سنلتقى فيه، وأخبرنى بالعنوان: ٤٨ شارع نهرو خلف حديقة الميريلاند بمصر الجديدة الدور السادس، وكنا يوم الثلاثاء، وحددنا ميعادنا يوم الأحد التالى، أى بعد أيام قلائل.

غالى شكرى
غالى شكرى

بالتأكيد كدت أطير من الفرح والسعادة لأننى سألتقى أحد أعمدة الفكر والثقافة والسياسة فى مصر على مدى أكثر من عقود من الزمان، وعدت إلى المنزل وأنا مفعم بحيوية غريبة، لأننى سوف ألتقى تلك الشخصية التى كتبت كتاب «نهضة مصر»، و«المجتمع المصرى والجيش»، والذى تمت ترجمة عنوانه دون الرجوع إليه، وكنت أتابع كثيرًا من دراساته ومقالات وكل ما كان ينشر فى الصحف والمجلات.

بدأت أقلب فى مكتبتى عن كل ما يخصه، واستللت عددًا من مجلة «الآداب» اللبنانية صدر فى مايو ١٩٧٤، وفردت المجلة صفحات عديدة لنشر أوراق المؤتمر الذى عقد فى الكويت من ٦ أبريل حتى ١٢ من العام نفسه، وكذلك نشرت المجلة تعقيب الناقد والمفكر محمود أمين العالم على بحث عبدالملك، وكان عنوان ورقة د.أنور «الخصوصية والأصالة»، وكان تعقيب الناقد محمود العالم شديد اللهجة، وفيه من الحدة الكثير، وكتب بعد ذلك بسنوات عديدة أستاذنا العالم عما حدث فى ذلك المؤتمر، وأفرد العالم صفحات طوالًا فى كتابه «الوعى والوعى الزائف فى الفكر العربى المعاصر»، وأخبرنا فى دراساته التى تصدى لما جاء به عبدالملك، بأنه قرر بعد تلك الندوة لن يتعرض لمناقشة أنور عبدالملك فى أفكاره من قريب أو بعيد، حيث إنه عند مناقشته وتعقيبه على ما ألقاه فى مؤتمر الكويت، لم يغضب عبدالملك فقط، ولم يعقّب على ما أبداه العام من نقد وتفنيد لأفكاره فحسب، لكنه قرر ترك المؤتمر فورًا وعودته إلى باريس، ما دفع أستاذنا العالم للدهشة والاستغراب، وبالنسبة لى كنت أتلقى تلك الحكايات الفكرية بكل أسى وحزن، إذ كيف لا يستطيع المفكرون العرب أن يصلوا إلى طريقة حوار تنقذهم من ذلك اللغط والعوار الذى يصيبنا، خاصة لو كانت الخلفيات الفكرية شبه مشتركة، إذ إن العالم وعبدالملك كانا ابنين للحركة الوطنية الشيوعية المصرية فى الأربعينيات، وإن كان عبدالملك قد ترك فى عام ١٩٥٩ البلاد إلى باريس، عندما تم القبض على كل اليساريين فى ذلك الوقت، وكان عبدالملك قد تخفف من العمل السياسى، ولكن كانت السلطات لا تجرى أى تمييز آنذاك بين يسارى وغير يسارى، واختفى أنور عبدالملك فى ذلك الوقت، والذى ساعده فى الاختفاء كان صديقه الشاعر والقاص والكاتب الصحفى عبدالرحمن الخميسى فى منزل الفنانة الشابة سعاد حسنى قبل أن تصبح نجمة فى سماء الفن، وظل مختفيًا فى بيتها، حتى قام الخميسى بترتيب سفر عبدالملك خارج البلاد، حتى يستقر به المقام فى باريس، ويجعل منها منصّة إطلاق عظيمة لكتابة كل دراساته وأبحاثه التى أدهشت العالم.

وجاء يوم الأحد، وكنت مزدحمًا بكمية أفكار وحكايات كثيرة، وكلما اقتربت من المنزل، كان قلبى يدق من هول اللقاء، حتى إن وصلت إلى باب الشقة فى الميعاد المتفق عليه بدقة، ودست على ذر الجرس، وفتح لى الباب، رجل طويل القامة، وجهه يميل إلى الاحمرار كأنه من بلاد الفرنجة، شعره غزير ومرتب وناعم، كان يرتدى «الروب دى شامبر»، وكأنه انتهى من ماتش تينيس فى أحد النوادى الرياضية، كانت ابتسامته العريضة والمبهجة بوابة كبيرة لى للاطمئنان والراحة، ولفت نظرى أنه يشبه الفنان العظيم الذى أحبه كثيرًا وهو سليمان نجيب، لم يكن وجه الشبه فى الشكل الخارجى فقط، لكن صوته وطريقة الأداء فى الكلام تكاد تكون متطابقة بينهما، باختصار كان مريحًا للغاية بترحيبه الذى شعرت بأنه مبالغ فيه، ولكننى أدركت فيما بعد أنه رجل بشوش ولا يحمل أيا من العقد النرجسية التى نعرفها عند الكتاب والمفكرين، وذلك أثار دهشتى، خاصة أن موقفه من محمود العالم فى الكويت، وعدم احتماله للنقد أوحى لى بنرجسية مستترة، ولكننى عزوت ذلك الغضب إلى نزعة براءة كان يتمتع بها عبدالملك، تلك البراءة جعلتنى أتشجع وأنا أرى فى مواجهة باب الشقة عندما تدخل مباشرة، صورة شهدى عطية الشافعى معلقة على الحائط فى برواز كبير، وبجوارها فى برواز بنفس الحجم لامرأة طاعنة فى العمر، فسألته قبل أن نجلس: مَن تلك السيدة؟، فرد على الفور: «دى ماما، وهى وشهدى عطية أعز وأغلى وأعظم من فى حياتى كلها».

قضينا بعد الوقت فى التعريف بنفسى، وبعدها أخرجت جهاز الكاسيت، وأجريت معه على لقاءين حوارًا طويلًا، نشرت منه جزءًا فى مجلة القاهرة مايو ١٩٩٧، وتركت باقى اللقاء للزمن، ولكن أحدهم- من أقرب الناس لى- أخذ منى التسجيلات، واستثمرها فيما لا أعلم بعد ذلك، ولكن العلاقة صارت أكثر عمقًا وتوطدًا مع عبدالملك، واقترح علىّ أن أعمل معه فى كتابة مقالاته بالأهرام، هو يملى وأنا أكتب مقابل مرتب شهرى، وقبلت فورًا، لا لسبب، سوى لتقديرى العظيم له، ولكننى لم أحتمل، وقلت له إننى فاشل فى قدرتى على الاستمرار، وقال لى بكل أريحية: «إذن خلينا أصدقاء»، وقد كان، وكان فى الوقت الذى كان يقضيه فى القاهرة يقيم ندوة أسبوعية فى منزله، ولم أفوّت ندوة واحدة، هناك تعرفّت على كتاب ومفكرين صاروا بعد ذلك أصدقاءً، وعلى رأسهم الكاتب والباحث الكبير نبيل عبدالفتاح، والدكتور أحمد عبدالله رزة، وكان الاثنان أكثر الحاضرين شغبًا فى الحوارات الفكرية المهمة التى كانت تدور هناك فى ذلك الصالون، وكان يحضر ذلك الصالون على سبيل المثال: د.رءوف عباس، د.ليلى عنان، الكاتب والصحفى عادل حسين، ووليم سليمان قلادة وغيرهم، وبالطبع لقرب منزلينا وأفكارنا كنت ألتقى به كثيرًا، وعندما كان يسافر إلى باريس، لا ينقطع، فإما يهاتفنى، أو يرسل فاكسات يدلى بها ببعض ما يريد أن يقوله لى، وفى أغسطس عام ٢٠٠١، قررت أن أعقد خمس ندوات للكاتب الكبير يوسف إدريس بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله، ونشرت خبرًا فى جريدة الحياة، والتى كان منتظمًا فى قراءتها، وفى الكتابة لها، وعندما قرأ الخبر، أسرع على الفور فى إرسال ذلك الخطاب الذى لم أنشره من قبل، وسوف أواصل الكتابة عن بعض من مفاجآت اكتشفتها وعرفتها فى مسيرة رجل وطنى ومفكر عظيم اسمه أنور عبدالملك فى الحلقات المقبلة إن شاء الله.

رسالة خاصة

من أنور عبدالملك إلى شعبان يوسف أغسطس ٢٠٠١

السيد الأستاذ | يوسف شعبان

الشاعر والمشرف على ورشة الزيتون الإبداعية:

باريس ١ أغسطس ٢٠٠١ 

تحية عاطرة وسلامًا، وبعد

فاجأتنى، فاجأتنا، «جريدة الحياة» بالأمس بخبر مفاده أن «ورشة الزيتون الإبداعية» ستحتفل بالذكرى العاشرة لرحيل كاتب مصر المشرق الرائد يوسف إدريس، وكان لنا دومًا فى الهيام والعذاب، فى الظلمات والمباهج خير أخ وزميل وحبيب..

وقد رأيت أن أتوجه إليك بصادق الشكر والامتنان لهذا العمل الوطنى الرفيع، الذى يقتحم حائط الانحدار والتسول، وكذلك يتحدى التغييب، كما أود أن تنقل إلى جميع زملائنا المشرفين والمشاركين فى الندوات الخمس نفس هذه المشاعر وذلك العرفان، كان جيل يوسف إدريس هو الجيل الفاتح لثورة مصر تجاه النهضة الحضارية، منذ مطلع الأربعينيات، حتى السويس وأكتوبر، لذا كانت تلك الحملة الشرسة لمحاصرته والاستهزاء بمكانته وريادته وإقصائه من دائرة النور، نور السماسرة والعملاء، نفس عملية التغييب التى أصابت الرعيل الطليعى لثورة مصر حول اللجنة الوطنية للعمال والطلبة عام ١٩٤٦.

لذا كان لزامًا علينا أن نقف عند مغزى حياته وملمح رئيس عنده، بدءًا من كتابته آلاف الصفحات التى جددت فن كتابة القصة القصيرة فى مصر والعالم العربى، وإنما أيضًا من حيث اعتبارها تعبيرًا عن الريادة التاريخية فى مواجهة تحديات المستقبل المجهول، ومن هنا كان الموقف التساؤلى، إن جاز التعبير، الذى تتسم به نهاية معظم كتاباته وهو فى ذلك يوازى أدب أنطون تشيخوف فى روسيا قبل اندلاع الثورة، كلاهما يستشعر نهاية عهد دنس مقام الإنسان وإنسانية المجتمع، فأصبح مرفوضًا تاريخيًا، بينما لم يكن من الممكن فى روسيا فى بداية القرن العشرين، ولا فى مصر المحروسة فى الأربعينيات من هذا القرن أن ترسم صورة واضحة ودقيقة لنمط المجتمع بعد الثورة وكذا موعد اندلاعها ومسارها، ومن هنا كان الرائدان الكبيران يقومان بدور الفاتح بكل معانى الكلمة، الفاتح الذى ينقب ويتحسس ويلهم ويضىء.

من هنا كان طابع التحدى لكتابات يوسف إدريس التى طالما استفزت المغرورين والمستوظفين وأدعياء الثقافة، وبقدر ما كانوا فى كوكب بعيد عن شعب مصر، وما زالوا، بقدر ما كان يوسف إدريس يعبر عن وجدان وحاسة ونبض وإيقاع الإنسان المصرى فى مطلع عصر الثورة، إنه جيل أقام أعمدة التجديد الفنى والأدبى وكذا الثقافة الوطنية بجدارة وبراعة لم ينسها شبابنا رغم التغييب لأسماء نادرة فى بحر واسع: عبدالرحمن الشرقاوى فى الرواية، عبدالرحمن الخميسى، كمال عبدالحليم، صلاح جاهين، فى عالم الشعر، جمال السجينى وكوكبة زملاء فى ساحة الفنون الجميلة، نعمان عاشور بين «الناس إللى تحت، والناس إللى فوق»، أحمد رشدى صالح أستاذ الأدب الشعبى، لطيفة الزيات زعيمة الشباب والروائية المرموقة، مختار العطار ناقدًا للفن، عشرات الأسماء من بينها من يواصلون المسيرة والحمد لله: محمود أمين العالم، وعبدالعظيم أنيس، التراث الحى لصلاح أبوسيف، وشادى عبدالسلام، فى عالم السينما، جيل كامل من علماء مصر فى الذرة والعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلم المصريات والجغرافية، والجيولوجيا.

التركة هائلة حقيقة، وكذا ضراوة عملية التغييب، وكان المطلوب هو تبديد تركة الثورة المصرية وحذف صفحات نيرة من تاريخنا الوطنى، وكان من الطبيعى أن تلتبس الأمور كما حدث هذه الأيام بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل يوسف إدريس.

أعود بالذاكرة إلى أمسية دافئة من ربيع ١٩٤٥، كنا مجتمعين فى ختام أسبوع كامل من اجتماعات اللجان البحثية المتخصصة، وكان شهدى عطية الشافعى قد أخبرنا أن برنامج هذا الخميس من ربيع ١٩٤٥ قد تغير، وأن هناك مفاجأة، وكانت المفاجأة، قدّم شهدى إلينا شابًا وسيمًا، قوى البنى، لامع العينين، يرتدى الشورت الرياضى الصيفى، قال لنا شهدى إنه طالب فى كلية طب قصر العينى، وأنه بدأ يكتب منذ قليل القصة القصيرة، وقد رأى شهدى رحمه الله أوسع رحمة أن يقدم لاجتماعنا هذا الشاب، وكنا نحو مائتين من طلائع الشباب الوطنى التقدمى، ومن أوائل طلبة الجامعات والمؤسسات العمالية والشعبية، قال: إن القصة الأولى للكتاب الأول لهذا الشاب بدت له وكأنها بداية عصر جديد فى القصة المصرية، طالبًا منا أن ننصت ونتمعن ووقف يوسف إدريس أمامنا وقرأ بصوت ثابت لصفحات قلائل لقصة «أرخص ليالى»، والتى أصبحت فيما بعد عنوانًا لأول مؤلفاته، الكتابة على مستويات، وكذا عبر مداخل مختلفة، هذه وتلك تتشابك، اللغة فصحى صريحة حاضرة، إيقاع القصة يتمدد ثم يتعجل وكأنه تعبير عن التساؤل والأمل والشجن، عالم أحاط بشخصيات القصة، يحاولون النفاذ إلى غد أكيد لا يعرفون معالمه بعد: أيكون النجاة أو السعادة، الجرح أو التحرر، ولكنه هكذا استشعر إنسان أرخص ليالى، ولا بد وأن يكون إلى النور.

ساد الصمت، ثم وقفنا نصفق ونحن مشدوهين، أين ترتجل الأحداث، واختناق العبارات، وامتدادها على عشرات الصفحات، حتى نهايات مرصودة مقدمًا، أمن الاختناق والدوران فى حلقة مفرغة؟، استشعرنا فى لحظات أن هذا الشاب الصديق من الفاتحين الرواد الذين يضيئون طريقًا غير مرصود، طريق مصر الغد المرتقب.

لست هنا فى مقام التأريخ والسرد، ولكن المسيرة النيرة من «أرخص ليالى»، وجمهورية فرحات، حتى بيت من لحم، والفرافير إحدى مسرحياته، أطاحت بأصنام وثوابت، وأقامت علامات ترصد المستقبل بدءًا من التراث الحى، وكلها تتسم بالإمساك بخصوصية مصر، والاعتزاز بها، والإيمان بقدرتها على الاستمرار والتجديد والفتح.

ليت الأمر يقتصر على الأدب، ولكن تاريخ يوسف إدريس فى قمة الحركة الوطنية الثورية فى الأربعينيات ضد الاحتلال والطغيان لا يقل أهمية عن السيرة الأدبية، له مجال واسع سوف يطرقه شباب الباحثين فى يوم قريب.

«كان سيكون» حسب عبدالله النديم، وسام على صدر مصر..

أ.د. أنور عبدالملك