الجمعة 09 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

المثقفون والحرب.. كيف شارك أمل دنقل وفؤاد نجم ويوسف إدريس ونوال السعداوى فى معركة أكتوبر 73؟

حرف

- شارك المثقفون فى معركة أكتوبر بكل ما تنطوى طاقاتهم على عزيمة وحب وفداء لهذا الوطن

- المثقفون تناسوا الخلافات مع السادات وتماهوا مع الهدف الاستراتيجى المتمثل فى تحرير الأرض

- كانت حرب الاستنزاف تمهيدًا حاسمًا لتدريب قواتنا المسلحة على الانتصار

منذ سبعين عامًا، وفى 29 من شهر أكتوبر عام 1956، صدر الإنذار البريطانى بالحرب ضد مصر عقابًا لها لما أقدمت عليه بتأميم قناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية، وبالفعل بدأ العدوان الغاشم والشرس والاستعمارى بالتعاون بين المملكة المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل، دون أى حق، سوى ذرائع استعمارية بغيضة، وبدأت الطائرات تعربد فى سماء مصر المستقلة، هنا قرر الشعب المصرى بالإجماع أن يقاوم ذلك الهجوم الغاشم بكل ما يملك من إمكانات، وكذلك شحذ المثقفون قواهم للتصدى للعدوان بالكلمة، وباللحن، وبالأغنية، وبالنشيد، وبالمسرحية.

وفى ذات شهر، أكتوبر، حدث الانتصار الأهم فى تاريخ مصر المعاصر عام ١٩٧٣، وكان انتصارًا عظيمًا، ما زلنا نتنسّم ونتنفس تحت سقفه، رغم كل ما جرى بعد ذلك، وما زال الكيان الغاصب يشكل عقبة كئودًا فى نهضة بلادنا، ولا يكف عن تدبير المكائد لشعبنا بكل مكوناته وفئاته وطبقاته وطبعًا جيشه، وتظل دولة الكيان هى السبب الرئيسى لتعويق بلادنا فى كل ما تسعى له من تقدم وتطور والخروج من عنق الزجاجة التاريخى. 

جمال الغيطانى على الجبهة
جمال الغيطانى على الجبهة

ولم يكن عاما ١٩٥٦ و١٩٧٣ العامين اللذين شهدا مواجهة شرسة فقط، بل كانت هزيمة ١٩٦٧، التى ما زالت آثارها تعمل فى جسد المصريين لسنوات طويلة، كذلك كانت المواجهة مع ذلك الكيان على أرض غير مصرية عام ١٩٨٢ عندما اجتاح الجيش الإسرائيلى أرض لبنان لمحو المقاومة الفلسطينية واللبنانية فى أغسطس ١٩٨٢، وفى تلك المواجهات الأربع لم تكن الجيوش النظامية هى التى تواجه فقط، بل كان المثقفون يشكلون رأس حربة فى كل ميادين المعركة بالكلمة واللحن والفن التشكيلى والكاريكاتير وخلافه من أدوات الشعراء والأدباء والفنانين.

فى ٢٦ أكتوبر عام ١٩٥٦، تولى الأستاذ أحمد حمروش إدارة الفرقة المصرية الحديثة، وكان شديد التخوف من ذلك المنصب الذى لا تتوافر فيه عناصر النجاح بالنسبة له، لذلك كان مترددًا، لولا كلمات الدكتور حسين فوزى التى كانت أقوى من تردده عندما قال له: «إن معاملة الفنانين أقسى من ترويض الوحوش، إن أعصابهم حساسة وفى أطراف أناملهم قلوبهم بيضاء.. وأصواتهم عالية، وهم يحتاجون دائمًا إلى إنسان يملكهم بالحب..»، وبعد أن التقى الأديب الكبير يحيى حقى مدير مصلحة الفنون، الذى أوصله بوزير الثقافة والإرشاد القومى فتحى رضوان، اقتنع بقبول المنصب، وكان الدكتور حسين فوزى- الذى كان يشغل وكيل أول وزارة الثقافة- هو الذى اقترحه لذلك المنصب.

لم يكمل «حمروش» ثلاثة أيام فى منصبه حتى جاء الإنذار البريطانى لمصر فى ٢٩ أكتوبر، والذى رفضه جمال عبدالناصر، وقال إننا سنقاتل حتى النهاية، ودقت طبول الحرب بقوة، وحدث هجوم جوى على بورسعيد، ولم يكن فى وسع أحمد حمروش، ذى الخلفية العسكرية، سوى أن يقنع أنور السادات بإصدار مجلة عنوانها «المعركة» عن دار التحرير، والتى كان السادات مديرًا لها، وتحمس السادات للفكرة، واستعان حمروش بعدد من الكتّاب والفنانين فى تحرير المجلة، منهم محمود أمين العالم الذى كان يمضى يومه كله فى الكتابة والتحليل- وكان وجهه ممزوجًا بالإصرار والتفاؤل- كما يكتب حمروش فى كتابه «المسرح.. من الكواليس»، وبعد أن يكون منير حافظ، مدير الرقابة، قد وفر كل المعلومات، تبدأ كتيبة المجلة تنفذ؛ الفنان راجى عنايت يعمل على الماكيت، وقد أنجبت زوجته- والطائرات تحلّق فوقهم- فى تلك اللحظة ولدًا أسمته جمال، وكان «عنايت» بعيدًا عنها وهى كانت فى المستشفى، وكان باقى الكتيبة يعمل بكل جد وحماس، منهم: الفنان جورج البهجورى، يرسم الكاريكاتير كأنه طلقات رصاص، ومعهم فهمى حسين الذى كان يؤدى كل ما يُطلب منه فى صمت، ثم يسافر إلى بلده الشرقية، وكذلك شارك صالح مرسى، ومحمد صدقى، ومحمد سالم، وبهيج نصار وغيرهم، لإنشاء مجلة مقاومة ذات قوام عظيم.

فى المسرح كانت مسرحية «إيزيس» لتوفيق الحكيم جاهزة للعرض، ولكن الفنانة أمينة رزق اعتذرت عن المشاركة، وقالت لحمروش إنها لن تستطيع أن تؤدى دورها فى المسرحية وهى منفعلة بأحداث المعركة، وقرر حمروش إلغاء المسرحية، وتم إخراج مسرحية «كفاح الشعب» لمحمد محمود شعبان، ومسرحية أخرى «دنشواى الحمراء» لخليل الرحيمى، وتحمس كل ممثلى الفرقة ما عدا الفنانة برلنتى عبدالحميد، التى لم يكن لها عنوان لكى تحضر، ثم حضرت فجأة ولكنها تغيبت مرة أخرى، وبالفعل تم إخراج المسرحيتين، وكانت هناك عقبة واجهت حمروش لأن الدولة قد فرضت حظر تجول، فقرر حمروش أمرين فى غاية الأهمية، الأول هو فتح أبواب المسرح للجمهور من الساعة الثانية ظهرًا، حتى الساعة الخامسة، أما القرار الثانى فهو أن يكون الدخول مجانًا لجميع الناس. وبعد نجاح المسرحيتين، وإقبال الجمهور الكثيف، كتب ألفريد فرج مسرحية «صوت مصر»، وتم إسناد إخراجها لحمدى غيث، و«عفاريت الجبانة» لنعمان عاشور، وأخرجها نبيل الألفى، و«معركة بورسعيد» لعبدالرحمن خليل وأخرجها فتوح نشاطى، ولا يمكن حصر المتابعة التى خاضها المثقفون، من أدباء ومفكرين وفنانين وإذاعيين وشعراء وكتّاب أغانٍ، لذلك الحدث الذى ظلّت أحداثه تلهم الأدباء المصريين حتى الآن، وأحدث من كتب عن معركة بورسعيد الكاتبة الدكتورة جمال حسان بروايتها «١٩٥٦».

ورغم انتهاء معركة بورسعيد بانتصار دبلوماسى وسياسى، وبالتالى عسكرى ملحوظ- ولا يمكن هنا فصل النضال السياسى عن المواجهة العسكرية- فإن الصراع استمر بين مصر ودولة الكيان التى ظلت تناوش وتتجاوز حتى تأزمت الأمور إلى درجة قصوى فى مايو ١٩٦٧، وكان جمال عبدالناصر لا يريد حربًا، ولكن الحرب فرضت نفسها. وبعيدًا عن أى جدل سياسى كان كل مثقف وفنان وكاتب مصرى يعتبر أن المعركة معركته، وكانت الروح المعنوية مرتفعة حتى عنان السماء، للدرجة التى جعلت كثيرًا من الفنانين والكتّاب يعتقدون أن النصر قادم لا ريب فيه، ففى عدد يونيو ١٩٦٧، قبيل العدوان بأيام، أعدت مجلة «المسرح» عددًا جنّدت كل مادته فى حدث المواجهة مع إسرائيل، وأجرت تحقيقًا مع أهل المسرح من الممثلين والمخرجين والكتّاب لكى يقولوا: كيف يرون تلك المواجهة، وأدهشنى رد الفنانة أمينة رزق التى قالت: «أتمنى أن أكون أول ممثلة تمثل فى تل أبيب بعد عودتها لأصحابها الشرعيين، وربنا ينصر رئيسنا والقادة الذين معه.. وإن شاء الله سننتصر بقوة إيماننا وقوة روحنا العالية وقوة الحق...»، أما الفنانة سميحة أيوب فقالت: «ما جدوى الفن.. ما جدوى الأدب.. ما جدوى المسرح.. بل ما جدوى الحياة نفسها فى معركة المصير تلك التى نخوضها؟ أفكار تدور بعقلى وقلبى.. هل أقف مكتوفة الأيدى فى القاهرة وجنودنا.. رجالنا.. أبناؤنا.. يلهب حر الصحراء أجسادهم.. إننى أرجو أن تقبلوا تطوعى كسميحة أيوب المواطنة العربية، وليست سميحة أيوب الفنانة، ففى ميدان القتال سأجد راحة للقلق الذى يعتمل فى نفسى..»، وقال كرم مطاوع: «آن الأوان لننهى نهائيًا على تلك الشوكة الكئيبة التى استمرت تهددنا مدة طويلة، وهذا لكى تعود فلسطين الشقيقة إلى أصحابها الشرعيين، وأول ما يلفت النظر ويثير الفخر تلك الثورة الجماعية التى تثور فى قلوب ووجدان الشعوب العربية حول قائدها وزعيمها الرئيس جمال عبدالناصر...». نكتفى بتلك الاقتباسات المفرطة فى حماسها للمسرحيين، وكان قد شارك فى ذلك التحقيق بشهادات شديدة الثقة فى قوتنا، وفى قدرتنا على الانتصار الأكيد: توفيق الحكيم، وفتوح نشاطى، وألفريد فرج، ومحمود تيمور، وسعد الدين وهبة، وميخائيل رومان، وسناء جميل، وأنيس منصور، ومحمود السعدنى، وغيرهم، وقد أبدى الجميع بأن مكانهم الطبيعى ليس بعيدًا عن الميدان، ولا بد من مشاركة المثقفين والفنانين جنودنا البواسل فى تلك المعركة المصيرية بيننا وبين إسرائيل، وذلك التحقيق المحدود كان تعبيرًا نموذجيًا عن الحالة التى كانت سائدة بين المثقفين والفنانين، وكتب الشعراء قصائد مفرطة فى الحماس، وهناك قصيدة للأبنودى لم يضمنها أى ديوان له عنوانها: «أعرفها»، يبدأها بـ:

«بيت بيت.. وشارع شارع..

بالمدرسة..

بالفدان..

بالطرحة.. بالنبتة.. بالجامع

مع إنى ماعديش البحر..

ماخطيتش السلك

ما شفتش فيها نور مطفى أو والع

....

وأعرف شكل بناتها..

وتفصيلة الفساتين

إذا شفت بنية ف ألف

أقول: دى م الحتة الفلانية فى فلسطين..

مع إنى معديتش البحر».

ويكتب فتحى سعيد:

«يا ناصر..

الشعب وراءك.. قدامك هادر

فاضرب بيمينك يا ناصر

تخضر الصحراء وتعشب دنيا البسطاء

واضرب بشمالك يا ناصر

ينشق البحر ويبتلع الطوفان الأنواء

من غيرك يا ناصر ربان؟».

وحدثت الهزيمة قاصمة الظهر فى يونيو ١٩٦٧، وفى البداية من هول الصدمة نصب الشعراء والمثقفون سرادق عزاء كبيرًا فى طول والعرض، وبعد ما حدث، بأن أقبل جمال عبدالناصر فى خطابه على التنحى، تولّدت شرارة جبارة للشعب وللمثقفين، وكتب الشعراء أجمل قصائدهم التى ما زلنا ننشدها حتى الآن، ولكننا لن ننسى تلك الكتابات التى عملت على تسجيل بعض ما حدث فى عام ١٩٦٧ بعد ٥ يونيو وقبله، وهنا تأتى روايتان مهمتان لم تأخذا اهتمامًا لافتًا من النقاد، وهما «قصة حب من يونيو ١٩٦٧»، للكاتب والأديب عصام دراز، وهى قصة حب من يونيو ١٩٦٧ ليست بالمعنى التقليدى، إنها تجربة شخصية عاشها المؤلف، وهى ليست سيرته الذاتية، بل مجموعة من الأحداث، كان هو أحد أبطالها، وتقاسمها مع زملاء له، واجهوا حربًا غير عادية، انتهت بمأساة الهزيمة ومرارتها، وبين الشظايا المتناثرة للقذائف والصواريخ تحت أزيز الطائرات فى نيران المعركة. أما الرواية الثانوية فهى «إسكندرية ٦٧» للكاتب السكندرى مصطفى نصر، كما سجل الكاتب والمقاتل فؤاد حجازى تجربته فى الأسر الإسرائيلى وفى معسكر عتليت، وتحدث عن لحظات كانت حاسمة فى المعركة، وتحولت التجربة إلى رواية عنوانها «الأسرى يقيمون المتاريس».

ومنذ عاد الرئيس جمال عبدالناصر لممارسة القيادة مرة أخرى، بدأت خطط مواجهة الكيان بقوة وحماس وعلم وطاقة جبارة على الأمل، وكانت حرب الاستنزاف تمهيدًا حاسمًا لتدريب قواتنا المسلحة على الانتصار الذى حدث فى السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، عندما قرر محمد أنور السادات، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، خوض المعركة المصيرية فى مواجهة إسرائيل، ذلك القرار الذى أثلج قلوب المصريين، ونفض غبار الهزيم الذى تكثف عبر ستة أعوام كاملة، وتم إحراز نصر أسهم فيه العامل والفلاح والموظف وكل فئات الشعب وطبقاته، متمثلة فى جيشه العظيم الذى أبرز عقيدة قتالية لا لبس فيها، وكان الجيش النظامى، بكل عتاده وأسلحته، يمثل كل قوى الشعب المصرية التى انتظرت ذلك القرار الشجاع بكل عزيمة وصبر، ومن عاش تلك الأيام كان سيرى الأفراح التى كان يقيمها الناس فى الشوارع والحوارى والأزقة، وفى الأحياء الشعبية والراقية، فجأة ارتفعت الروح المعنوية للشعب إلى عنان السماء، والتفت الجماهير كلها حول قيادتها بكل ثبات وقوة، ما عدا هؤلاء الذين كرهوا وما زالوا يكرهون الوطن وكل تمثيلاته الإيجابية، بالعكس حاولت قوى كثيرة التسخيف من الانتصار الذى هز جدران العالم، بغض النظر عن أى نتائج حدثت فيما بعد، لكن ذلك النصر الذى حدث فى أكتوبر العظيم كان مقدمة لأشياء إيجابية أخرى.

وكما حدث فى ١٩٥٦ أثناء العدوان الثلاثى، وفى هزيمة أو نكسة- لا فرق عندى فى النتيجة- ١٩٦٧، شارك المثقفون بكل ما تنطوى طاقاتهم على عزيمة وحب وفداء لهذا الوطن المصرى العظيم، وتناسى هؤلاء المثقفون خلافاتهم الثانوية مع السادات، وتماهوا معه فى ذلك الهدف الاستراتيجى، وهذا ما حدث سابقًا فى ١٩٥٦ و١٩٦٧، فكتب الشاعر أمل دنقل، الذى كتب كل شعره تقريبًا فى الاختلاف مع السلطة السياسية منذ قصيدته «كلمات سبارتاكوس الأخيرة»، فكتب مقالًا قصيرًا عنوانه «هى معركة الوجود كله»، جاء فيه: «أستطيع أن أقول الآن إنه صار لنا مستقبل، هذه الأمة التى عاشت ست سنوات من التيه فى الصحراء السوداء، إن الذى عبر القناة ليس هو الجيش المصرى فحسب، وإنما أمة بأسرها من المحيط إلى الخليج، عبرت فى تلك الساعات المجيدة من ضفة لضفة، ومن مواقع السكون والجمود إلى حيوية الصراع والحياة.. إن المعركة بيننا وبين إسرائيل ليست معركة على الأرض فقط، وإنما هى معركة الوجود نفسه، لقد أرادوا لنا أن نكون موتًا حيًا يتحرك ويتنفس، لكن بلا ذاكرة وبلا مستقبل..»، كما كتب يحيى الطاهر عبدالله كلمة قصيرة عنوانها «وكنت الوطن» جاء فيها: «فى الصباح كنت الصباح، وللضحى كنت وردة، وبالظهر كنت الدم والجمرة والوردة المشتعلة، وكنت الظهر والعصر والمغرب الجوهرة.. لم يلحقنى العشاء، سبقته وكنت فجرًا، كنت الفجر الذى انطلقت من جوفه حمامة ورصاصة وقنبلة...»، وكتب الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة على هيئة بيان، عنوانها: «منشور وطنى علنى رقم ١»، جاء فى مطلعها:

«أيها المواطنون

أيها المواطنات

مصر من طول السكات

بتناديكوا 

تسمعون؟:

عطرونى بالبارود

كحلونى باللمون

نفسى أغمض 

أو أفتح

يرجع الشوف للعيون

والقى سينا جوه حضنى

بالمناجم 

والزتون

ياحبايبى

ياجنودى

ما عساكم تفعلون؟».

وكتب يوسف إدريس مقالًا عنوانه «بداية ثورة رابعة»، نقتبس منه ما يلى:

إن ما حدث فى مصر ولمصر يوم ٦ أكتوبر سنة ١٩٧٣، لا يمكن أن نسميه بداية حرب تحرير فقط، لأن فى هذا غبنًا له أى غبن، إنه فى الواقع بداية للثورة الرابعة للشعب المصرى، تلك الثورات التى بدأت بثورة أحمد عرابى ١٨٨٢، ثم ثورة ١٩١٩، ثم ثورة ١٩٥٢، ثم ثورة ٦ أكتوبر ١٩٧٣، بل أكاد أقول إنها أعظم هذه الثورات جميعًا، لانها بدأت والشعب فى حالة من الإحباط، وفى حالة من فقدان الشخصية، وفى حالة من اليأس، وفى حالة من التردى فى مغارات الحرمان، وانتفضت به من الأعماق كلها، إلى قمة الثورة..»، كما كتبت دكتورة نوال السعداوى مقالًا عنوانه: «الألم..والشعب العظيم»، جاء فيه: «لقد عبر الجندى المصرى مانعًا من أصعب الموانع التى قابلت جيشًا فى العالم، حين قرأت هذه العبارة فى صحف الصباح، أوحت لى على الفور بأن الإنسان المصرى قد عبر أصعب مانع بينه وبين نفسه..». 

وبالطبع لا يمكن استدعاء مئات المقالات التى كتبها أدباء ومفكرون وفنانون، لكننى آثرت أن أستدعى ذلك الصوت المستبعد، ذلك الصوت الوطنى الذى كان مختلفًا مع السلطة فى بعض سياساتها، ولكن ذلك الصوت الذى تتم مواراته وإخفاؤه وتغييبه، كان مرتفعًا وقويًا عندما استدعت لحظة وطنية لكى يشارك، فترك كل خلافاته جانبًا، وألقى بنفسه فى غمار المعركة، ولا ننسى هنا الأديب العظيم جمال الغيطانى الذى كان مراسلًا على خطوط المواجهة، وكتب أفضل التغطات هو وزميله حمدى الكنيسى، كما كتب الغيطانى عددًا من الكتابات القصصية والروائية العظيمة التى لم تعمل على تخليد الأحداث فقط، ولكنها كتابات كشفت عن معدن وجوهر وعقيدة المقاتل المصرى الذى كان العدو يعمل على التشكيك فيها عبر ست سنوات عجاف من ١٩٦٧ حتى ١٩٧٣، خاصة فى كتابه العظيم «المصريون والحرب».. وللحديث بقية إن شاء الله.