قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 9
ياسر الزيات.. عائشٌ فى الموت.. ميتٌ بالحب
- يحيا ويكتب ويتنفس داخل قصيدة درويش «أنا العاشق السيئ الحظ.. تمرد قلبى علىّ»
- «خوف الكائنات» نقلة فى مسار ياسر الزيات.. نفَس جديد فى الكتابة يتحرر من كل الأشكال العالقة حول الشعر
- «اسمعينى يا أثينا» فُرجة مسرحية مزدحمة بالأصوات والأماكن والأقنعة الأسطورية وتحتاج دراماتورجى
- الهاجس البارز للموت فى أعمال الشاعر يكشف عن محبة عميقة للحياة لكنها محبة مثقلة بالهزائم والشعور بالاغتراب
كان من المفترض أن يموت ياسر الزيات «1965» فى ريعان شبابه، تمامًا مثل شبيهه فى الشغف بالموت والحب الشاعر الإنجليزى جون كيتس «1795- 1821»، سنُهرع-نحن أصدقاؤه- إلى جمع قصائده فى دواوين، نختلف على عناوينها فيما بيننا، لكننا سنُغلّب مبدأ اختيار العناوين من عبارات وردت فى سياق قصائده، وكلما وجدنا كومة من المخطوطات، سارعنا إلى فك اشتباكاتها بأقصى درجات الأمانة، ولا مانع من أن يبكى كل منا داخل قصائده، أو أن ندوّن فى الهوامش أحكامنا عليه بالحبر السرى، ثم نذهب لنحتفل فى «الكاب دور» أو «الجريون» بصدور قطعة لحم منتزعة من مخالب الموت، وتتوالى العناوين «أحسد الموتى»- الدار 2008، «دمى ملوث بالحب»- النهضة العربية 2011، «خوف الكائنات»- المتوسط 2018، «طفولتى الموجزة»- ميريت 2019، وننتظر إصدار أحدث المخطوطات المكتشفة «اسمعينى يا أثينا».

المفاجأة، أن ياسر الزيات لم يمت فى ريعان شبابه مثل جون كيتس، بسبب لعنة غامضة أو جريمة كونية ارتكبها سرًا ولم يملك شجاعة الاعتراف بها، والنتيجة الواقعية أمامنا، أن الموت حكم على ياسر الزيات بالإرجاء، بالإبعاد والنفى، باللعنة، ولعنته أن يحيا طويلًا شقيًا داخل قصيدة محمود درويش «أنا العاشق السيئ الحظ»، وأن يقضى سنواته كلها يبكى المرأة التى انتزعت قلبه بيديها المتسختين ومضت، أو يبكى ذاته الضائعة، وكلما تمنى الموت أو كتب قصيدة جديدة من أجله، يسمع القهقهة المرعبة فى أحلامه، ويستيقظ لتخدعه امرأة جديدة، قبل أن تكشف عن وجهها، وتظهر على صورة المرأة التى انتزعت قلبه بيديها المتسختين وألقته فى النار.
من جانبى، كنت أدرك أن ياسر الزيات يسكن سرًا فى قصيدة «أنا العاشق السيئ الحظ» لدرويش، ليس بمعنى أنه متأثر بدرويش الذى نحبه جميعًا، لا.. هو بعيد إبداعيًا عن تجربة درويش، ولكن قصيدة درويش التى أشرت إليها هى بيت ياسر الزيات الأساسى مهما تعددت المساكن التى يبيت فيها، ينطلق منها فى حياته ويعود إليها، محكوم بخطوطها الأساسية كأنها لعنته، كأنها ساعات أيامه الآتية، وهو يلوذ بها كأنها كل ما يعرف من الحياة.


اسمح لى يا أبانا محمود درويش أن أقتطع سطورًا من قصيدتك وأن أرتبها كما أريد لإضاءة كلامى، فأنا أعتبرها مصابيح فى ليل فكرتى، ومن يريد أن يقرأها كاملة، فهى متوافرة ويمكن الوصول إليها بسهولة بنقرة بسيطة على جوجل:
«أنا العاشق السيئ الحظ/ تمرد قلبى علىّ... أمرّ على ساحل الحب ألقى السلامْ/ سريعًا، وأكتب.../ رسائل منِّى إلىّ.../ كم امرأةٍ مزقتنى/ كما مزَّق الطفل غيمةْ/ فلم أتألم، ولم أتعلَّم. ولم أحْمِ نجمهْ/.../أخاف الرجوع إلى أىِّ ليل عرفتُهْ/... ويا حُبّ، يا من يُسَمُّونه الحبَّ، من أنتَ حتى تعذب هذا الهواءْ/ ومَنْ أنت يا سَيِّدى الحب حتى نُطيع نواياك أو نشتهى أن نكون ضحاياكَ؟/..../ نامى لأنساكِ.. نامى لأنسى مقامى.../ ونامى لأحفر مجرى لروحى التى هربتْ من كلامى... أنا العاشق السيئ الحظَّ لا أستطيع الذهاب اليكِ. ولا أستطيع الرجوع إلىّ.../ تمرد قلبى علىّ».
فى قصيدة درويش التى سنصطلح على تسميتها مؤقتًا «بيت ياسر الزيات» أو «الإطار»، وصفٌ لشاعر قدرُه العشق، به يحيا وبه يموت، لا يرى فى العالم مسارًا إلا الحب، يستعيض به عن الكائنات، عن البلاد والماضى والمستقبل، يتلقى اللطمات والطعنات وينزف ويشارف على الموت ويعود إلى الحب ثانية، بل يشتهى أن يكون من ضحاياه مرة واثنتين وعشرًا، نوع من العشق الأشبه بالقدر، بالمأساة التى لا فكاك منها وهى تراجيديا مقبولة ومرحب بها من الشاعر، لأنه لا يرى ذاته إلا فى ضوء العشق المهلك، يعيش ويكتب نفسه، يتطامن مع هذا العشق الذى يُشبه الموت ويحيا به ويعيش ويرى من خلاله، كأنه ما يُكسب حياته المعنى والقيمة ويمنحه القدرة على الاستمرار، حتى فى أحلك اللحظات التى تمثل مأزقًا وجوديًا «لا أستطيع الذهاب إليكِ.. ولا أستطيع الرجوع إلىّ».. إذن.. هذا هو «الإطار» الذى أحدده لنقرأ معًا من خلاله تجربة ياسر الزيات.
ياسر الزيات أوقف تجربته الشعرية على العشق وعلى رثاء الذات وعلى تقصى الموت فى ذاته لإدراكه أنه ابن موت، وإدراكه أيضًا أنه منذور للعشق المهلك لصاحبه، وعندما يجتمع الطبعان لدى شاعر واحد، فإنه فى الحقيقة لا ينسج شعره فى الحب أو مطاردة العشيقة، إنما يكون مهمومًا- واعيًا أو غير واعٍ- برثاء ذاته والوقوف على أطلال نفسه والبكاء عليها فى كل عمله.
وقصيدة درويش هذه بها مجموعة من المشاعر العميقة والمتضاربة، من انقسام الذات على نفسها «تمرد قلبى على»، ومن رثاء الذات «أنا العاشق السيئ الحظ»، إلى الانهمام بالذات أولًا قبل المعشوقة المخاطبة فى القصيدة «وأكتب رسائل منى إلىّ»، والدهشة المتواصلة من انسحاق الذات تحت عجلات الحب، وعدم التعلم من أخطاء الماضى، بل السعى إلى تكرار تلك الأخطاء وكأن تجربة العشق تنسحب على تجربة الحياة بأكملها «فلم أتألم، ولم أتعلَّم. ولم أحْمِ نجمهْ»، وصولًا إلى نظر الشاعر ابن الموت إلى نوع من الخلاص من هذا العالم القبيح الذى لا يرحم «لأحفر مجرى لروحى التى هربتْ من كلامى»، خلاص لا يجده إلا فى التحقق والهروب واللواذ بالعشق، بامرأة حضن وملجأ ووطن.


أحمل معى «الإطار»، وأدخل تجربة ياسر الزيات من باب السؤال: هل يكرر ياسر الزيات نفسه؟ هل يكتب قصيدة واحدة فى كل دواوينه؟ هل يشتهى الشاعر الموت حقًا أم يتوق للحياة لكن الحياة تهزمه؟
أذكر أننى عندما قرأت الديوان الأول لياسر الزيات «أحسد الموتى» كتبت: «يعكس هذا الهاجس البارز للموت فى كل ثنايا الديوان، محبة عميقة للحياة، لكنها محبة مثقلة بالهزائم والشعور بالاغتراب»، وما زلت عند ما كتبت فى السابق، فالسعى وراء الموت ومناجاته ومناطحته واستفزازه واللعب معه والهوس بوصفه والتوق إليه، لا يشير إلا لرغبة عارمة فى الهروب منه وعيش الحياة والإمساك بلحظاتها الجميلة ومنعها من الإفلات، لكن طبيعة الوجود مسألة أخرى، ولا أحد يمكنه أن يوقف الزمن أو يبقى السعادة نائمة فى فراشه.
محبة الحياة مقرونة بالوعى الفطرى لدى الشاعر بأنه منذور للحب، راغب باستمرار فى خوض تجاربه، ليس على طريقة دون جوان الذى يوقع بفرائسه ويمضى، إنما يدخل التجربة تلو الأخرى يقدم قلبه قربانًا مستعدًا للهزيمة فى الحب، كل مرة بالطريقة نفسها، وكأنه عندما يغادر التجربة ممزقًا مكتئبًا، يعود إلى غرضه الأساسى وهو رثاء الذات والبحث عنها فى العالم الملىء بالنفايات.
«نعم أنا ياسر الزيات/ تركت لكم كل شىء على حاله: المحبة الحارقة والموت الفجائى، القصائد الخربة والحياة المؤجلة، العزلة الوراثية والقسوة الأبدية، تركت لكم كل شىء على حاله، فرتبوه إن استطعتم، أو اتركوه على حاله، وتخلصوا منى لتحررونى، حررونى أنا الهائم فى جحيم ذاتى، حررونى»- دمى ملوث بالحب ص٩.
قد يبدو العشق غرضًا أساسيًا فى كتابة ياسر الزيات، لكن المتأمل فى التجربة، يجد كل محاولة للتواصل مع الحبيبة هى نوع من ردم الهوة باتجاه الذات، محاولة لمعرفة الذات والتصالح معها والتيقن من تحققها واكتمال وجودها، وما السعى وراء الحب إلا الطريقة الوحيدة التى يعرفها الشاعر حتى يوجد.. يتحقق.. يشعر بذاته، أنه على قيد الحياة يسير فى هذا العالم المزدحم بالكائنات الغريبة.
«يفتش عن جسد بلا معنى، ليكون شيئًا، مجرد شىء مكتمل له نهاية واحدة تجعله وحيدًا خائفًا، أو ميتًا حقيقيًا تحضنه رمال حقيقية، يبعثرها هواء حقيقى، كلما مرت حبيبته عليه»- ص١٣.
لكن كيف يستمر الشاعر الذى يعيش فى الموت ويبحث عن تجربة حب جديدة حتى يتأكد أنه على قيد الحياة؟ بأن يدخل كل تجارب الحب مهزومًا مسبقًا كأن الهزيمة مكتوبة على جبينه، وأن يبذل جهدًا كبيرًا فى مواساة ذاته وطمأنتها، كما يبذل الجهد نفسه فى شيطنة الحبيبة الغادرة، فى هجائها وتمزيقها بالكلمات، فى صلبها عارية بين الفاعل والمفعول وطمس أيامها المقبلة..
«ذات يوم ستبقى النفايات وحدها والأكاذيب وحدها وابتسامتك وحدها وصوتك المستعار وحده. ستمتلكين ثروة من روائح الرجال ودمائهم وجلودهم. ستستيقظين كل يوم على لمسة جديدة مكررة، ذات يوم»- ص٤٣.
ياسر الزيات لا يكرر نفسه، ولكنه مؤمن أنه العاشق السيئ الحظ، تمرد قلبه عليه، ولذا يتمنى الموت ويحسد الموتى ويبحث عن المرأة الحلم بالطريقة نفسها كل مرة، وعند النهايات يعود إلى نفسه، يجلس على حافة العالم ويبكى متطلعًا إلى الموت البعيد الضاحك.


فى «خوف الكائنات»- دار المتوسط ٢٠١٨، إياك أن تنخدع بالعنوان وتسير وراء دلالات الخوف، سنرى وجهًا ولسانًا جديدين للعاشق سيئ الحظ. فهذا كتاب فى بدء التكوين، سعىٌ شعرىٌ لإعادة قصة الخلق من جديد، وفى القلب منها حواء المرأة الأولى والعاشقة الأولى والقاتلة الأولى والأم الأولى ومركز كل شىء، ومن أجل ذلك يتخلى ياسر الزيات عن لغته، يسلمها إلى أصلها، إلى الريح التى تحمل الأصوات، والموسيقى التى تُوجد النغمات، ويستعير بدلًا منها لغة العهد القديم، ولا بأس من أن ينادى على «جبران»: تعال يا جبران ومعك «النبى»، وينادى على «أنسى»: تعال يا أنسى ومعك «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، ومن أجل ذلك أيضًا يعود بالزمن إلى طفولته، حيث الكائنات مجرد أشجار ووحوش وغزالات والأيام مجرد نهارات وليال والعناصر ريح ونار وتراب وماء، البراكين لم تستقر بعد والأرض مرتبكة والبشر حطابون وبستانيون وصيادون ومتطلعون إلى ما وراء النهر، لا يدركون المدى الذى تصله أصواتهم.
ينتقل ياسر الزيات بالزمن إلى طفولته ويبدأ الكلام من جديد، وكل كلمة تصنع وجودها وتخلق الشكل الذى تريده، الحب.. الشعر.. اللغة.. الموت.. المرأة الأولى.. الحرية.. الزمن، العدم الذى ننتهى إليه، وفى البدء كان الحب، قبل الكلمة وقبل الأشياء، لكنه كان فقيرًا وشاحبًا ومتعبًا، وكان لصًا وجبانًا وبخيلًا، أراد الحب أن يسرق البيت بدل أن يبنيه، ولما انتفض البيت فى مواجهة اللص، خاف الحب وصنع من خوفه كلبًا ظل يطارده إلى النهاية.. هكذا يبدأ الشاعر قصة التكوين، بالحب المشوه الناقص الذى يعذب كل من يتقاطع معه كأنه مرض، كأنه لعنة، ويظل الحب على حاله حتى النهاية جبانًا خائفًا بخيلًا سارقًا ومسروقًا، «الحب كوجبة فاسدة»، ومن هنا كان الألم فى العالم، وكانت الصراعات والحروب ونزوع الكائنات إلى تدمير ذاتها.
الشعر هنا مسافر بلا وجهة، مسافر أبدى يهرب منه الخيال، «ولسنوات كان يلهو بالموت كطفل وبالحب كمراهق وبالحرية كعجوز ضل طريقه إلى الحياة. ينام كالشحاذين فى الشوارع ويبكى كالتائهين فى آخر الليل...» ص١٤، على أمل النجاة من عالم ملىء بالنفايات، لكنه بالطبع لم ينج، وضاع بين أصوات الكائنات المنحطة والأدعياء والمرائين.
اللغة أرض عطشى بحاجة إلى رقصة جديدة تحت غيمة حتى تسترد سعادتها المفقودة، لكن لا أحد يلتفت إلى عطش اللغة ومعاناتها، لا أحد يهتم إذا فسدت أو نمت عليها الطحالب أو أكلتها الطيور الجارحة، والشاعر يوصى «عندما ترونها تتحول إلى جدار أو شجرة أو جثة أو حب قديم، فاعلموا أن اللغة خائفة.. وهذا ما يجعل الكلمات يتيمة وضائعة» ص١٦.
الموت حاضر فى الديوان، أيضًا، بالخيال الذى يشبه أفلام التحريك، والكائنات تفر أمامه والجبال تزحف والسماء تشنق نفسها والشاعر يتعلم الكراهية من المسافة بين الطائر والرصاصة وبين نظرة الصياد وعين السمكة وإذ ينشده الشاعر «أمن المنون وريبها تتوجع» ص٣١، لأبى ذؤيب الهذلى الذى فقد أبناءه الخمسة بالطاعون فى عام واحد، ينام الموت على الحافة وأحلامه تتقافز طوال الليل صاخبة وحمراء.
حواء المرأة الأولى، محور العالم ومركز الكون ومنبع كل شىء، من أجلها جاءت العناصر كتمهيد وبعدها جاءت السعادة ومعها نقيضها، وللمرة الأولى لا نجد الشاعر يشكو دموية العشيقة وغدرها ووحشيتها، كما لا نجده يلح فى طلب الموت والاستنجاد به «ولم أتذكر متى صنعتك وكيف نجوت وحيدة هكذا من الطوفان، ولكن كان سرور بين السماء والأرض، فنسيت صراخ الأشياء، ووضعت على رأسك ليلًا فنمتْ أحلام طازجة وتساقط منها الغرباء على الأرض، فكان الصيادون والقتلة وكان الحطابون والحمالون وكان الشعراء وحفارو القبور» ص٧٢.
«وأتممت عليك جنونك حتى فاض على الكون فكانت منك حياة لكل كائن وكان موت عظيم»- ص٨٣.
«خوف الكائنات» نقلة فى مسار ياسر الزيات، من خلاله سيمتلك نفسًا جديدًا فى الكتابة، سيظل معه فيما هو قادم، إيقاع التراتيل الجنائزية، التحرر من كل الأشكال العالقة فى الذهن حول الشعر والانسياب مثل نهر يشق الأرض للمرة الأولى ويصنع ضفتيه، العذوبة التى لا تخشى المجاز ولا الإفراط فى التصوير؛ لأن الخيال يحملها على أجنحته القوية، والانطلاق فى التعبير حتى لو كان مستندًا إلى الحكمة المجردة أو العبارات المصكوكة، لا بأس ما دام يأتى عفويًا مندغمًا مثل الأصداف التى يحملها الموج إلى الشاطئ.
وتظل المرأة العاشقة المهيمنة بتجلياتها المختلفة، الشاغل الأهم فى تجربة ياسر الزيات، لأنها المعبر إلى ذاته، ولأنها الوحيدة التى تمنحه المبرر للبكاء على حاله وعلى العالم، وهنا لن نراها على صورة الخائنة القاتلة أو الوحش المفترس أو الكائن الأسطورى المسخ، إنما سنراها العنصر الأساسى فى قصة الخلق، منها تتدفق الكائنات وقبلها كانت العناصر تمهيد لها، وبعدها السعادة مقرونة بالألم.


مخطوط «اسمعينى يا أثينا» تنويع على الثنائية المفضلة لدى ياسر الزيات، ثنائية العشق والموت، وهنا نحن أمام «فُرجة مسرحية» مزدحمة بالأصوات والأماكن والأقنعة الأسطورية، والخط الرئيسى فى هذه الفرجة المسرحية، يبدأ بالعاشق المغدور، «الشخصية المفضلة لدى الشاعر» الذى قتلته الخيانة، خيانة حبيبته الناعمة الشهية التى تخفى بداخلها وحوشًا وأرواحًا شريرة وقدرة لا نهائية على القتل. ومقتل الشاعر أو الرواى الأساسى فى هذه الفرجة المسرحية ليس العقدة الوحيدة، ولكننا أمام أحداث ومشاهد ونقلات فى المقاطع الشعرية المتتالية، تحيل إلى أكثر من عقدة مسرحية، فالراوى/ الشاعر المقتول، ميت وليس بميت، هو فى منطقة الظلال أو الأعراف ولا يستطيع حسم مصيره.
العاشق المقتول بالخيانة يبحث عن قبر أو خلاص، كما يبحث عن إجابة لسؤاله الوحيد: لماذا يقتل الحبُّ العاشقين؟ وهو فى سبيل ذلك يشيد هذا البناء المسرحى ليضعنا داخل أجواء استيهامية غير واقعية، بدءًا من استدعاء أثينا وقناع الشاعر الأعمى هوميروس.. «أنا الأعمى الميت الأعمى الذى جاءك الآن ليحكى لك كل شىء».
الرواى فى هذه الفُرجة المسرحية يتوحد مع صوت هوميروس الحكاء الذى تُنسب إليه الإلياذة والأوديسا، ويستدعى العديد من الأقنعة الأسطورية الأخرى ليُدخلها إلى خشبة المسرح، وثانى الأقنعة قناع ميدوزا العذراء الجميلة التى ضاجعها بوسيدون إله البحر فى معبد أثينا فعاقبتها أثينا بأن حولت شعرها إلى ثعابين ولعنتها بأن كل من تنظر إليه يتحول إلى حجارة.. يقول ص٣ من المخطوط:
«أنا الأعمى، الميت الأعمى الذى جاءك الآن ليحكى لك كل شىء/ كانت ضفائرها ثعابين وأذرعها التسع حبال سفن غارقة/ قلت لها إننى ميت وغريب لكن ضحكتها جعلت السماء سوداء».
ويبرر الرواى/ المؤلف استدعاءه لأثينا فى القصيدة لأن أثينا مثله غارقة فى الزمن: «أنت مثلى غارقة فى الزمن، مثلى ميتة على غير رغبتك/ مقتولة ومطهوة فى إناء قديم/ خانوك مثلى يا مدينتى العزيزة/ خانوك مثلى ودفنوك تحت أقدام المقاتلين والتجار».
ويستمر صوت الراوى/ المؤلف فى الحكى واستعراض تجربته المؤلمة مع العاشقة القاتلة، العاشقة الوحش، ونقول «الراوى/ المؤلف» وليس الشاعر، لأن الراوى بعد قليل سيُدخل صوتًا فى البناء الذى بين أيدينا يسميه الشاعر، وسيكون لدينا صوتان صوت «الراوى/ المؤلف» وصوت الشاعر، والمؤلف يقدم صورة فى غاية البشاعة للعاشقة الغادرة، قاتلة أطفال ونهمة للجثث وتلغ فى الدماء: «وكنت عاريًا فألبستنى رداء من الدم والبكاء/ وقالت: «هو أنت الآن وحش سيأكلنى كلما قتلت طفلًا، وآكله عندما يفيض البحر بالجثث/ ثم أخذت قلبى وانتزعت منه إلهين صغيرين، فسمعت صراخ الأفاعى على الجبل»- ص٥.
ويمضى «الراوى/ المؤلف» فى استعراض المشاهد ليوحى بمتاهة العاشق على غرار متاهة أوديسيوس بعد حرب طروادة: «أيتها الأرض الغريبة أى موت ينتظرنى فى شوارعك/ ليس لدى سيوف ولا أحصنة وليس لدى درع أو يقين/ أنا المحارب القديم، المحارب المنسى على ترابك، أسرتنى الحديقة المروية بالدم»- ص٦.
ثم يعود الراوى من جديد إلى فصول مقتله على يد العاشقة الخائنة: «ورأيتها تخلع عينيها وتدفن فى صدرها وحشين، قبل أن تذبح طفلين جديدين ثم عصرتنى وابتلعتنى فى رحمها كأننى ترياق الحياة ورأيت روحى تصعد فى جسدها حيث مررت بقتلاها»- ص٧.
نقلات المؤلف/ الراوى تشير إلى أكثر من عاشق وإلى أكثر من حبيبة خائنة وإلى أكثر من مدينة، فأثينا التى يخاطبها الراوى فى المقطع الأول بقوله «اسمعينى يا أثينا» ليست هى المدينة التى يخاطبها فى المقطع الثامن بقوله «قتلوك أيتها المدينة الحمقاء ووزعوا أحجارك على السموات، قتلوك مثلى أنا الذى وزعوا جثته على الأزمنة والأمكنة وصرت ترابًا مثلك»، وليست المدينة التى يخاطبها فى مقاطع أخرى «يا مدينتى»، كما يعود لينفى فى المقطع التاسع أنه أعمى «ولم أفقد عينى، لكن الحب كهف مظلم تحرسه الخفافيش». ثم يعود فى المقطع العاشر ليوحد بين المدن التى يخاطبها فى مونولوج يبدأ بقوله:
يا مدينتى، يا مدينتى الحزينة/ من أنا لأموت تحت أحجارك... لست إلهًا لتهابنى نساؤك/ ولست بطلًا فى حروبك المضحكة/ أنا حربك الخاسرة يا أثينا/ أنا أسطورتك التى لن يحكيها أحد، فأنا غريب وأعمى وميت».
ثم يحكى الراوى قصة ميلاده بين جبلين فى مناخ من الخوف والقتل، حيث يتحول القتلى إلى حيوانات منقوشة على الجدران فى الليل، ساردا حادث مقتل الأب، وتخبط الراوى فى طبقات الظلام إلى أن أصبح رفيقا للموت.. «أحببت الموت وبنيته قطعة قطعة، فصار سفينتى وبحارى».
وفى سفينة الموت تلك يبحر بنا الراوى إلى مشاهد بأصوات وشخصيات جديدة وكأننا فى سفينة أوديسيوس التائهة وعلى متنها الجنود والعواصف تضربهم والأغانى تهون عليهم غضب البحر، لكن ما يلف نظرنا هنا أن الأغانى تدعو الراوى إلى تحرير حبيبته، فأى حبيبة يعنى؟ وهل هناك حبيبة أخرى غير العاشقة الوحشية النهمة للدماء..؟!
«اذهب أيها المقاتل لتحرر من أحببت
حرر الحبيبة التى لم ترها، ولم تعرفها إلا فى النداء
اذهب أيها المقاتل، اذهب سريعًا
ولا تنم حتى تحملها بين ذراعيك»- ص ١٦.

ويدلف بنا الراوى إلى مشهد أوضح يحاكى مشهد أوديسيوس على سفينته التى تتقاذفها الأمواج «الصباحات تلعب مع الأسماك والأماسى تلهو بالغيم. يريد الجنود مزيدًا من الخمر ويطالبون الشاعر بالتكرار، يخبئ الحداد نيرانه ويطارد الحطاب الفئران من شجرة إلى شجرة، أما أنا فأراقب البحر.. وكنت أسمع الشاعر يغنى ليغالب صوت الأمواج.. الأرض التى ابتعدت تنادى الأرض التى تقترب.. موتى الماضى يلوحون لموتى المستقبل.. نحن ذاهبون إلى أرض العواصف، حيث يختلط الحب بالموت» ص١٧.
ونتبع المشاهد التى تتواصل حيث الراوى متيقظ فى سفينته والجنود نيام وإذا به يسمع الصوت فى داخله يأمره بأن يأخذ الجنود إلى الموت، حيث لا نجاة من العاصفة ولا نجاة من الحب، وبالفعل تأتى الظلمة ويموت الشاعر ويهتف الراوى سأحمل صليبى مستحضرًا قناع المسيح، بينما الجنود يهتفون بصرخته على الصليب «لماذا تركتنا.. لماذا تركتنا؟».
وإذ يستيقط الراوى على الشاطئ وحيدًا تائهًا مثل أوديسيوس، يأتيه صوت جديد يذكره بأنه له عذاب مقيم وموت خالد فى الجحيم، ونلتقى بقناع بينلوبى زوجة أوديسيوس وهى تذهب إلى البحر ترجوه أن يمنحها جثة زوجها إن كان قد مات، ونراها تغزل ثوب الإرجاء للخاطبين الملحفين كما فى الملحمة الشهيرة:
«فى الخلف، خلف الزمن وخلف الألم، وراء بحرين ونهرين كان المغزل يتوجع والثوب يذوب... ذهبت السيدة إلى البحر وعادت من البحر، ذهبت إلى الموت وعادت من الموت، بلا جثة وبلا رائحة، قالت امنحنى أيها الموج جثة أو رداء قديمًا، امنحنى أثرًا أو وداعًا، امنحنى قلبًا لأحتمل كل هذا الغياب... رقد الثوب على فخذيها وبكى، أدرك رائحة الشوق فذابت خيوطه، انحل كما تنحل الموجة وبكى، لا أحد يعود، لا أحد يذهب» ص٢٤.
ومن أجواء الإلياذة ومعاناة بينلوبى وضياع أوديسيوس فى الأراضى الغريبة بعدما فقد جنوده وسفينته وسنوات عمره، يفاجئنا الراوى بنقلة عنيفة إلى مناخ مختلف تمامًا مع عينية أبى ذؤيب الهذلى الذى قالها فى وفاة أبنائه الخمسة بالطاعون: أَمِنَ المَنون وريبِها تَتَوَجَّعُ/ والدهرُ ليس بِمُعتِبٍ من يجزَعُ/ قالت أُميمَةُ ما لجِسمِكَ شاحِبًا/ منذُ اِبتذلتَ ومثلُ مالِكَ ينفعُ/ أَم ما لجنبِكَ لا يُلائِمُ مضجَعًا/ إِلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضجَعُ، وهذه القصيدة تحديدا تتكرر فى أجواء ياسر الزيات، فقد استشهد بنفس الشطرة فى ديوانه «خوف الكائنات» ص٣١.

«أمن المنون وريبها تتوجع ؟» لا، ولكن العين بالعين والطعنة بالطعنة والحب بالموت. إذن الراوى المؤلف هنا يمهد لنا أن العاشق المغدور الذى قضى على يدى حبيبته المتوحشة يسعى للثأر، لكننا لا نصادف ثأرًا ولا صراعًا فى المشاهد التالية، إنما ينتقل الراوى نقلة أخرى أو قفزة أخرى، حيث يصعد إلى الجبل، مع قناع أسطورى جديد- قناع موسى الكليم- ويخاطب إله المدينة بحثًا عن الخلاص فيتلقى المعرفة لكن نار المعرفة تشق ثيابه، وحين يشكو يتلقى الرد الفاحم: سألت فأُُجبت ولا نجاة لروحك إلا بالدم، ومن مشهد الجبل إلى مقام الخوف وفقدان الاتجاه، ولا يجد الراوى إلا أن يعود لمشاهد الحبيبة الغادرة من جديد ليؤكد المقولة الأساسية التى يعود إليها مرارًا وتكرارًا:
«نحن الذين فقدوا قلوبهم فى ومضة حب
لم نحسب الحب فخا»
هذا التطواف الأسطورى واللغة الجنائزية والأصوات المتداخلة فى نص «اسمعينى يا أثينا» يحتاج إلى دراماتورجى، وظيفته الأساسية تتبع الأصوات والشخصيات فى هذه الفُرجة المسرحية الشعرية والوصول بها إلى بداية وذروة ونهاية، فلا بد من معالجة النهايات دراميًا، نحن أمام حس شعرى عالٍ وأصوات متداخلة وما يشبه الرؤية المسرحية المستوحاة من إلياذة هوميروس، لكننا أمام اختلاط فى الأصوات واضطراب فى بعض المشاهد أو المقاطع وتناقض فى المسميات، وظهور الراوى بأكثر من صفة دون تبرير جمالى، وكأن مقاطع النص قد كتبت على فترات متباعدة ولم يحدث أن ألفت بينها يد الشاعر وخياله.







