قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 5
عبدالمقصود عبدالكريم.. المزدحمُ بالغضب والكوابيس
- منذ بداياته لم يتأثر بقصائد السابقين ولم ينبهر بالمد الأدونيسى
- طوال أربعين عامًا ظل الشاعر يكتب ويضيف إلى ديوان واحد «ازدحم بالممالك»
عبدالمقصود عبدالكريم شاعرٌ غاضبٌ لا يخفى غضبه، ناقمٌ متجهمٌ متشائمٌ بالفطرة، أو لنقل: إن حدس الشاعر لديه، كان يدرك مبكرًا، حتى قبل أن يحسن التعبير، ما يتأسس عليه العالم من قسوة وصراع لا يرحم، وفخاخ منصوبة فى كل مكان وداخل كل نفس بشرية.
سبعون عامًا لم تستطع أن تخفف من غضبه ونقمته على العالم.. وربما بسبب جذوة غضبه التى لم تنطفئ داخله، لم تستطع أحذية الشعراء السابقين أن تدوس على وجوه قصائده، ولم نلمس عربدات الآباء والأجداد على بداياته، ولم يستسلم للتيارات العنيفة من التقليد والاتباع فى مجتمع وسط البلد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
لا نقول إن بداياته المتمثلة فى ديوان «ازدحم بالممالك»- المكتوب بين 1976 و1978 والمنشور ضمن سلسلة «كتاب أصوات» 1980 ، كانت الانطلاقة الكبرى التى شكلت نقلة مهمة فى مسار جيله أو مساره الشعرى، لكنها كانت، إذا شئنا الدقة، بدايته الخالصة وصوته الخاص، ذهبه وترابه، صفاءه وارتباكه، ثماره الطيبة والنيئة معًا، التى تشى بالشاعر الذى سيكون فى قابل الأيام
لا أدرى سببًا لتصورى المسبق عن الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، إذ كنت أراه بصورة ما، شبيهًا فى الشخصية بالشعراء الروس الرومانتيكيين، بنزعتهم الأصيلة فى الانتحار، سيرجى يسنين وفلاديمير ماياكوفسكى وغيرهما من الشعراء الذين انتحرهم وقهرهم ستالين، وكنت أرى أن الرفض الخالص للعالم بهذه الطريقة- على طريقة عبد المقصود- سينتهى بالمغادرة العنيفة، لكن الشاعر أطال الله فى عمره وجد طريقه فيما يبدو للتعامل مع فخاخ العالم، ربما بسبب إفادته من تخصصه العلمى فى الطب النفسى، والهروب من التهويمات الشعرية إلى قصيدة المواجهة والبوح، وكذلك بسبب ترجماته التى تهتم بالبحث عن معنى ما لهذا العالم، يكفى أن نعرف أنه من ترجم كتاب «الإنسان والبحث عن المعنى» لعالم النفس النمساوى الشهير فيكتور فرانكل.
الغضب الغُفل، الممتزج بالنزعة الرومانتيكية فى الديوان الأول أو السِّفر الأول من مجموعة «ازدحم بالممالك»، سينمو ويستفحل وتكون لديه مبرراته ضد البداوة والصحراء القاحلة التى تحاصرنا بالاغتراب والإفقار، وضد المدينة الكبيرة الساحقة التى انتزعت الشاعر من حضن قريته الأولى « طنامل» ، وضد الحبيبة الخائنة وضد الفقد الذى يسقط الشاعر جولة بعد جولة، وسنجد أنفسنا دائمًا، ونحن نتجول فى عالم عبدالمقصود عبدالكريم أمام قصائد احتجاجية وإدانات مباشرة وتيار من الصور الصادمة المنحازة إلى جماليات القبح والواقع الخشن.


كتب الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم السِّفر الأول من ديوان «ازدحم بالممالك» بين ١٩٧٦ و١٩٧٨، ونشره ضمن سلسلة مجلة أصوات المستقلة عام ١٩٨٠، وبعد عشر سنوات نشر السفر الثانى بالعنوان نفسه عن الهيئة العامة للكتاب فى العام ١٩٨٨، وظل نحو أربعين عامًا ينشر تباعًا أسفار ازدحم بالممالك، فنشر السفر الثالث بعنوان «يهبط الحلم بصاحبه» عن هيئة قصور الثقافة عام ١٩٩٣ والسفر الرابع بعنوان «للعبد ديار وراحلة» عام ٢٠٠١ عن مكتبة الأسرة ، ونشر السفر السادس بعنوان «يوميات العبد على حافة بئر الأميرة» فى العام ٢٠١٣ عن الهيئة العامة للكتاب ، ثم أتى لاحقًا الجزء الخامس المنشور عن المجلس الأعلى للثقافة فى عام ٢٠١٦ بعنوان «نسخة زائفة».
القارئ للأسفار الستة المكونة لديوان «ازدحم بالممالك» الممتد على مدى أربعين عامًا تقريبًا، يرصد مجموعة من الملاحظات الأساسية، أولاها أن الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم لم ينطلق من النقطة التى بدأ منها معظم أبناء جيله، كأن يكون تابعًا مقلدًا لحجازى أو صلاح عبدالصبور أو أمل دنقل أو أدونيس، ولم ينشغل بالجدل النظرى ولا التطبيقى الذى غرقوا فيه ولم يخض معهم معاركهم فى البحث عن أب بديل لصلاح عبدالصبور أو أمل دنقل ، ولم ينحز لأدونيس كما انحازوا على حساب الشعريات المصرية، فلم يكن يشغله- وهو المتخصص فى الطب النفسى-البحث عن أب رمزى للاحتماء به وتقليده، بل كان مجاهرًا بضرورة قتل الأب على ما تعلم من فرويد، نافرًا من شبهة وجود آثار للشعراء السابقين على قصائده، كما تشدد فى الخروج على الجماليات المشاع فى كتابة القصيدة آنذاك، بدءًا من التهويمات والكتابة الهلامية واتباع التداعى الكلامى على البحور السهلة مثل المتدارك والمتقارب والرجز، مرورًا بترصيع القصيدة بالمفردات الشائعة مثل النوارس والبحر والمهاجر والشتاءات والحبيبة الوطن.
الملاحظة الثانية، أن عبدالمقصود لم يبذل جهدًا فى نشر قصائده ودواوينه، فكان النشر لديه بالمصادفة، عندما يتوافر الظرف المناسب فى منفذ من منافذ النشر بالدولة، هيئة الكتاب، قصور الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة، مكتبة الأسرة، حتى إنه نشر السفر السادس من عمله «ازدحم بالممالك» فى العام ٢٠١٣ قبل السفر الخامس المنشور بعد ثلاث سنوات عن المجلس الأعلى للثقافة

الملاحظة الثالثة، أن ما تسلل من المجال الثقافى العام آنذاك إلى شعره، كان مندغمًا فى تربته معجونًا بمعجمه وخياله، ومن ذلك على سبيل المثال الكتابة على منوال المواقف والمخاطبات للنفرى التى كانت كليشيه وقالب جاهز لصب القصائد عند جميع شعراء السبعينيات، يكتبون من خلاله قصائد تدعى الوجد وتتنطع على حساب التجربة الروحية العظمى للصوفى المجاهد محمد عبدالله النفرى، لكن عبدالمقصود حين كتب على منوال النفرى فى مدخل ديوانه الأول لم يستعر القالب ليكتب من خلاله بقدر ما استعار مفتاحًا للقول الشعرى يمضى بعده إلى قصيدته وما يهتم بالتعبير عنه:
فى الأرض أوقفنى الترابُ
وقال: «لا تبرحْ
بدون الأرضِ لا بدءٌ»
ضممتُ الأرضَ، قالت: «لا مفرِّقَ بيننا»
حدثتُها عنى؛
عن الأحلام فى امرأةٍ أحنَّ من الرصيفْ
«وفمٍ ألذَّ من الرغيفْ»- ازدحم بالممالك ١٩٨٠

واللافت أن مدخل الديوان الأول كان من قصيدة التفعيلة بينما قصائد الديوان جميعها من قصيدة النثر.
الملاحظة الرابعة أن الانقطاعات عن كتابة الشعر وكذلك عن النشر، أثرت سلبًا على تجربة عبدالمقصود عبدالكريم، وانحرفت بها مثلما تنحرف أمواج البحر الغاضب بالمركب الشراعى، فبعد بدايته الخاصة فى الديوان الأول الذى ضم مجموعة مبشرة من قصائد النثر، توقف عن الكتابة لنحو عشر سنوات، ويبدو أن التوقف كان انقطاعًا عن الكتابة والتفاعل أيضًا لأن عودة الشاعر لم تكن إلى أرضه الأولى واقتراحاته الجمالية التى قدمها فى السفر الأول الذى تضمن ممالك «فان جوخ» و«السل» و«البومة العمياء» و«الحب» والأيتام»، بل عاد الشاعر وكأنه يكتب من درجة الصفر، باحثًا عن منطلقات جمالية يتلمس منها الخطى، ولذلك، كان غريبًا أن شاعر قصيدة النثر يكتب الديوان الثانى بالكامل من قصيدة التفعيلة «ازدحم بالممالك ١٩٨٨»، مجموعة قصائد متتابعة من دون رؤية جامعة ولا بناء يحكمها كما هو الحال فى الديوان الأول، وإذا كنا نختلف حول الرومانتيكية الصارخة فى الديوان الأول، فإننا سنكون أمام قصائد إثبات الذات ضمن جماليات التفعيلة السائدة، وأيضًا سيستمر الحال بالشاعر العائد فى السفر الثالث المعنون بـ«يهبط الحلم بصاحبه»؛ ليكون ضمن جماليات قصيدة التفعيلة، وكان على الشاعر أن ينتظر عشر سنوات أخرى ليستعيد لياقته الجمالية ويقرر الانتقال من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر مرة أخرى فى السفر الرابع المعنون بـ«للعبد ديار وراحلة» الذى جاء مختلطًا جامعًا بين قصائد التفعيلة ومناخاتها وقصائد النثر، إلا أن عبدالمقصود منذ أن اهتدى إلى أرض قصيدة النثر مرة أخرى لم يبرحها حتى الآن.


منذ ديوانه الأول وعلى مدار تجربته، انحاز عبدالمقصود عبدالكريم لشعرية المعنى مقابل شعرية التهويمات والإنشاء التى سادت خلال عقدى السبعينيات والثمانينيات تأثرًا بأدونيس وخطابه المعتمد على المجاز الإنشائى والتداعى والترصيع بمفردات وأسماء يمكن أن تكسب النص الشعرى دلالات فرعية تعويضًا عن خواء النص من الدلالات الكلية
يقول فى «مملكة السل» من السفر الأول:
«أرى أنى أبصقنى دمًا
وأراكمْ تفزعونَ، من حضرتى تولُّون الفرار
أصيرُ بقعةً فى الأرضِ، تتشرَّبُنى الأرضُ
يجتمعُ العذابُ حولى وينفضُّ كلُّ شىءْ
كلُّ العوالمِ ظنٌّ، وحده العذابُ عالمُ اليقينْ،
العيشُ ينصرفُ
والموتُ ينصرفُ
والعذابُ ليس ينصرفْ.
أرى أنى أبصقنى دما
يجتمع العذابُ حولى وينفضُ كلُّ شىء.». ازدحم بالممالك ١٩٨٠
وراء هذه النزعة التشاؤمية تأثيرات من الشعراء الرومانتيكيين الروس، لكن وراءها أيضا نزوع جاد للاختلاف عن السائد ورغبة فى التعبير الصادق عن واقع الحال وما يكابده الشاعر، بعيدًا عن التلبس الزائف للحالة الشعرية وما يتبعها من نزوع إلى الإنشاد والإنشاء والتعبيرات المصنوعة، الشاعر هنا يختار الصدام، من أول المفردات المختلفة مثل دال «السُّلّ» المميت والذى شاع فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وكان المرض الأكثر حضورًا فى الأدبين الروسى والفرنسى، مرورًا بالتعبير عن حالة الاغتراب التى يكابدها الشاعر ويعبر عنها بـ «العذاب الدائم».
من أين يأتى هذا العذاب الدائم إلا من الشعور بالوحدة حتى وسط الأهل والأصدقاء، فى التجمعات والندوات، فى المدينة التى يقطنها أو المدينة التى اضطر للعيش فيها من أجل التكسب والعمل، يقول فى قصيدة بعنوان «وحدة»:
«يحبو وحيدًا إلى الليلِ
إلى عُشْبَةٍ طرَّزَتْ صدرَها
ليس يلتقيانِ
ينامُ على عشبةٍ
وتنامُ على عشبةِ الموتِ
يعبثُ
تعبثُ بالنارِ هامدةً بين أعشابهِ
يدلقُ النهرَ
تدلقُ بيتًا من البرتقالِ
يعتِّقُ رائحةَ الأمهاتِ
ينامُ على رجفةٍ.»- السفر الثالث «يهبط الحلم بصاحبه».
كأن الوحدة قد هيمنت وفرضت شروطها على جميع العلاقات بما فيها العلاقة مع الحبيبة، حيث لا يقدر أحد على كسر ذلك الشعور المريع بالاغتراب، وحيث لا يستطيع الشاعر أن يمنح مساحات من نفسه للمشاركة مع أى أحد أو أى مكان، وياله من عذاب
الشعور الطاغى بالوحدة مرتبط بشعور آخر بارز فى قصائد عبدالمقصود عبدالكريم وهو الشعور بالخذلان، خذلان الأرض، وخذلان العائلة وخذلان الحبيبة، وحتى خذلان الرحم الأقرب «الأم»، والشعور بالخذلان يظهر فى عدد ملحوظ من قصائد الأسفار الستة لازدحم بالممالك، يقول فى قصيدة بعنوان «كابوس١»:
«خذلتْكَ القبيلةُ
أو خذلتْكَ الحبيبةُ
ما الفرقُ؟
يا «عبدُ» فى الموتِ ترتاحُ
يأكلُ جثَّتَكَ القبرُ
ما الفرقُ إن أكلتْكَ الحبيبةُ
أو أكلتكَ الثعابينُ؟
يا «عبدُ» لا تبتئسْ
خذلتْكَ الحبيبةُ أو رفستْك الحمارةُ
أنتَ دلقْتَ حليبَ النعاجِ
ودسْتَ على ذيلِ قطَّةِ أمِّكَ
نمْتَ
ركبْتَ العفاريتَ
أصرخُ يا أمِّ ضرعُكِ جفَّ
وأصرخُ أن تعجنى من دماى فطير القرافةْ»- السفر الثانى «ازدحم بالممالك ١٩٨٨».
الشاعر الذى يشعر فى لحظة أنه فقد كل الصلات مع الحياة، بعد تتابع تجارب الخذلان من الوطن والأسرة والحبيبة وحتى من الأم، ينحاز إلى المعنى الذى يمثلة الموت، كنهاية جذرية للتجربة، لا يكون الموت هنا نوعًا من الانتحار أو الرغبة فى الفرار بل يكون المعنى الضرورى اللازم أن تنتهى به تجارب الخذلان فى حياة الشاعر.

شاع بين رواد الشعر العربى الحديث، الحنين إلى مسقط الرأس، سواء كان قرية مجهولة، أو مدينة صغيرة نشأ فيها الشاعر ثم انتقل إلى العاصمة الكبيرة القاسية المليئة بالغرباء والجفاء والعلاقات الباردة ، حيث يمكن أن يموت فيها الغريب من البرد أو من الجوع ، بينما مسقط رأس الشاعر عادة ما يكون مكانًا محدودًا مليئًا بالدفء والتعاون والعلاقات الاجتماعية القوية والأهم الشعور بالحماية والأمان، وعندما يخرج الشاعر من هذا الرحم المكانى الأول، غالبًا ما يكتب القصائد حنينًا إلى هذا المكان الدافئ الذى يوفر الحماية والألفة.
وربما كانت قصيدة بدر شاكر السياب عن قريته «جيكور» التابعة لمحافظة البصرة، من أشهر النماذج التى اشتهرت فى باب حنين الشعراء إلى موطنهم الأول، جيكور جيكور يا حقلاً من النور/ ... جيكور مسى جبينى فهو ملتهب/ جيكور لمى عظامى وانفضى كفنى/ من طينه واغسلى بالجدول الجارى/ قلبى الذى كان شباكًا على النار».
أما الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، فهو يجعل من قريته «طُنّامل» التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية أيقونة شعرية، يتوجه إليها بالقصائد ويتغزل فيها ويسعى إلى العودة إلى رحمها فرارًا من المدن القاسية الباردة، بل ويهجو بين يديها القاهرة المتوحشة وغيرها من مدن الاغتراب التى دفعته الحياة للعيش فيها ولو مؤقتًا، يقول:
«طُنَّاملُ»
ربما مجرد حلمٍ
وحصانٍ من خشبْ
مملوكها
ليس فارسًا
إنه صبىٌّ من ورقْ
مهلهلٌ
يتشبثُ بالكوابيسِ والجغرافيا
يجوِّفُ النهارُ رأسَهُ
رأسُه أينعُ ما يكونْ
حين تحرِّرُه الكوابيسُ
من ضوءِ النِّهار وضوضاءِ الكتبْ
وحين يفتح كوَّةَ كائناتهِ
لعلَّ النومَ حرفتُه الوحيدةْ
حين ينامُ
تدثِّره الكائناتُ
وطمى الحنينْ»- « لا تهلك أسى- للعبد ديار وراحلة» ٢٠٠١.
القرية الرحم الأول ومصدر الدفء والأمان، تُستدعى فى الغربة، عندما تسيطر الوحشة على العلاقات، ويصبح الشاعر غريب الوجه واليد واللسان، ولا يجد ما يربطة بالمكان الذى يطأه بقدميه، وهنا المكان يصبح مصدرًا للعذاب والهواء الذى يتنفسه مصدرًا للعذاب، ويكون الزمن بطيئًا كأنه مصنوع من المطاط لا يمكن تحمله، إلا باستدعاء الحرية الداخلية والأمن الداخلى المتمثلين فى القرية الأولى، القرية الرحم، حيث يختار الشاعر أن ينتقل نفسيًا للعيش فيها هربًا من وطأة الواقع، يقول:
«طُنَّاملُ
ومملوكٌ يرنو
إلى الظِّلالِ والحشرات والمردةْ
يخوِّضُ فى الحشا والطينْ
يتزوَّد بالعفونةِ وروائحَ لا يميزها.
كولدٍ طيِّعٍ
يجلسُ فى حِجْرِها
تكوِّر قطعة العجينْ:
«هذا
ثدىُ أمِّكَ
حصنك الحصينْ» ديار- «للعبد ديار وراحلة» ٢٠٠١.
من ناحية أخرى، تظهر قرية الشاعر وكأنها حلقة فى سلسلة الاغتراب، ولا تقدم العزاء أو الملجأ للشاعر، وكأنه مطعون بالاغتراب والخذلان أينما ذهب، وسواء ذهب إلى المدينة الكبيرة القاسية القاهرة، أو اضطرته الأيام للهجرة بحثًا عن القوت الضرورى، فهو مطارد بالاغتراب والوحدة والخذلان، كأن الشاعر عندما ضيع أمانه وقدرته على التواصل والاندماج فى القطيع، ضيعها وهو ما زال يتعلم اللعب على تراب قريته «طنامل»، نعم كأننا نسمع أبيات كفافيس فى قصيدة «البرابرة»، «مادمت خربت حياتك فى هذه البقعة من العالم فهى خراب أينما حللت»، ويعبر عن ذلك عبدالمقصود عبدالكريم بقوله:
«رذيلةٌ
أن يكونَ غريبًا
وربما
رذيلة أن يهتز لذكرى قريةٍ أو بارْ
تسقطه القاهرة بالضبط
كما أسقطتْه «طناملُ»
وتسقطه «طناملُ» كما أسقطتْه يدُ اللهِ
أو حنكةُ القابلةْ.
إنه يترنح الآن فى بادية «الرياض»- يقول الملوكْ
أو «مكةَ»- يقول الشيوخْ
ربما فى «يثرب» حيث يستريحُ نبىٌّ
من عبء الرسالةِ- لا تهلك أسى- للعبد ديار وراحلة

رغم أن أبا الطيب المتنبى يقول «حُسْنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ وفى البداوة حسنٌ غيرُ مجلوب»، انتصارًا للبراءة والطبيعية والفطرية فى جمال المرأة روحًا وجسدًا، إلا أن عبدالمقصود عبدالكريم ومن واقع اغترابه لسنوات فى الصحراء من أجل العمل، له رأى آخر حاسم وقاطع فى نقد البداوة ومظاهرها وأعراضها وقشورها أيًا كانت، فهو ينتصر للمصرية نزعة ومكانًا وجماليات وأسرارا كامنة فى الزمن وفى النفوس التى تقطن المكان، ويمكن اعتبار السفر الخامس من أسفار «ازدحم بالممالك» والمنشور فى ٢٠١٦ بعنوان «نسخة زائفة»، سِفرَ نقد البداوة والانتصار لجماليات الحضارة المصرية، وفى قصيدة مفاجئة مستفزة ينتقد الشاعر اللسان العربى واللغة التى دمغت وعينا ودفعتنا إلى صناعة العالم من خلالها لنصاب بالشيزوفرينيا بين حضارة قديمة خالدة لها أسرارها ولغة محملة بالرمال نازعة إلى الزخرفة والتكرار والإصاتة، يقول:
«بكلَّ تلك القرون العربيةِ
عذَّبنى
هذا اللسانُ.
إذا كنْتَ جسورًا لتطلَّ من نافذةِ دارِكَ
على كتابٍ فى النحو العربىِّ
فلابدَّ ستلقى بنفسك فى النهر فورًا
لتغتسلَ إذا كنْتَ لا تزال حصيفًا
أو إذا سارعْتَ بالهروبِ
قبل أن يفقسَ بيضُ البداوةِ
فى الدماغ»ْ.
«بداوة»- نسخة زائفة ٢٠١٦.
وإذا تتبعنا عبدالمقصود عبدالكريم فى الأسفار/ الدواوين الست لعمله الأساسى «ازدحم بالممالك»، سنجده ينتقد ويهجو ويتبرأ من كل مظاهر البداوة التى عكرت علينا حياتنا، بدء من اللغة المستوردة التى قسمت وعينا ودفعتنا لأن نفكر بطريقة تختلف عن عيشنا حياتنا، ومرورًا بالمظاهر القشرية الزائفة والاستعراض الفارغ للبداوة، والذى تفشى فى مفاصل حياتنا.
ديوانان من الدواوين الستة الأولى يحملان عنوانًا ساخرًا من مظاهر البداوة «للعبد ديار وراحلة- ٢٠٠١، و«يوميات العبد على حافة بئر الأميرة»- ٢٠١٣.
وعندما اختار عبدالمقصود عبدالكريم شاعرًا جاهليًا يكتب إليه اختار طرفة بن العبد، الشاعر المنبتّ اليتيم الذى ظلمه أعمامه، وكان يدرك مبكرًا أن الحياة لا تستأهل العذاب والشقاء فقضاها لهوًا وشرابًا، وضرب فى الأرض حتى صار من ندماء ملك الحيرة عمرو بن هند، لكن طيشه دفعه إلى هجاء ابن هند، الذى حمله رسالة تتضمن أمرًا بقتله إلى والى البحرين وحتى بعد أن علم طرفة بمضمون الرسالة رفض أن يهرب، يقول:
إنه فى شوارع القاهرةْ
يلملمُ
ربما القمامةَ أو كهنوتَ البداوةْ
ربما العويلْ
أو نزيفَ الأمهاتْ.
ربما الآنَ
تسترقُّه البداوةْ
قد يرى خطواتِ طرفةْ
أو يرى
«لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثمهدِ..
لا تهلكْ أسى وتجلَّدِ».
وقد ينشدُ:
«لك يا عبدُ أطلالٌ وتبغٌ
لك يا عبدُ
جرةُ الذكرياتِ وقيحُ الكبدِ»- «لا تهلك أسى- للعبد ديار وراحلة».
ومن نقد البداوة والانحياز إلى الخارجين عليها، إلى نقد الانتساب البدوى العربى، وإعلاء الانتساب المصرى القديم الذى يعنى عنوان حضارة سامقة، يقول:
مع أننى قد أكون، حيث لا شىء أكيدٌ، حفيدَ «إيزيس»
هل كنتُ حقًّا حفيدَ «حفصةَ»؟
إلا أننى لا أرى أحدًا يسعى إلى لمِّ أشلائى
من تحت أقدام المارة:
تكتفى العجوز بالعويلِ
وبعض الذكرياتِ عن هدوء طفولتى.
وتلهو تلك المرأةُ بالفرجة على الأفلام القديمةِ
والبحث بين أوراقى عن امرأةٍ
حتى وإنْ كانت «ليلى» أو «عبلة»
وتصرخُ حتى لو فاحتْ من بين الأوراقِ
قروحُ المجنونِ أو سيفُ ابن الأَمَةِ،
إنها، بالطبع، لن تكتشفَ موتى. «أشلاء- نسخة زائفة ٢٠١٦

بعد الأسفار الستة لـ«ازدحم بالممالك» أصدر الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم ديوانين «كما لم تكن قط»- دار آفاق ٢٠٢١، و«آخر أعراض إنسانيتى»- مؤسسة هنداوى ٢٠٢٢، وله ديوان غير منشور اطلعتُ عليه بعنوان «ظلان فى العتمة».
فى هذه الدواوين الثلاثة يتضح تأثير السنوات على الشاعر، نعم الغضب ما زال موجودًا لكنه أشبه بالوحش الذى تم نقله من البرية إلى الأقفاص، حيث هيمنت الحكمة السوداء على خيال الشاعر، واستغرق فى مراجعة للتاريخ والأحداث والمواقف والعلاقات، وأصبح التعليق الساخر أو الإقرار بعبثية الوجود وضعف الإرادة الإنسانية أمام سطوة الزمن منطلقات للكتابة بدلًا من مجابهة العالم ونقد القبح والألم، يقول فى قصيدة بعنوان «ما فائدة المشيّعين؟»:
«يفكِّرُ:
- ما فائدةُ المشيعين؟
- يمضون بالموتى
إلى أطراف المدينة
- لماذا؟
- كى لا تفوحَ رائحةُ المدينةِ.
يفكِّر:
يمضى المشيعون بالموتى
إلى أطراف المدينة
لأنهم يخشون الموتى.
يفكِّرُ:
ينبغى أن أموت
قبل أن ينقرضَ المشيعون»- ظلان فى العتمة
المفارقة أيضًا أحد المنطلقات لكتابة القصيدة فى تلك المرحلة، وهى مفارقة ناتجة عن التأمل فى أحوال العالم، أو التأمل فى ما خطت يده من قصائد أو فى حوارات إنسانية تطفو على الذهن الملول المكتئب، يقول فى قصيدة بعنوان «ويل للشعراء مما يكتبون»:
«فى خندقٍ واحدٍ يَنامان
الفَارسُ الذى لا يحاربُ معركةَ بلاده
والشَّاعرُ الذى لا يَكتبُ قصائدَ حبٍّ إلى حبيبتِه».
هكذا كَتبَ مُنذُ شهور.
اليومَ يُتَّهَمُ بأنَّه لم يَعُدْ يُحبُّ
يَسْتفسرُ: «لماذا؟»
تَردُّ ببساطةٍ:
«لم تعدْ تَكتبُ قصائدَ حُبٍّ إلى حبيبتِكَ».
يَقولُ بنبرة تأكيد: «أحبُّكِ».
ترد بتلقائية: «لماذا إذنْ
تَنامُ فى الأيَّامِ الأخيرة
فى خندقٍ واحدٍ
مع ذلكَ الفارسِ الجَبان
الذي لا يُحارِبُ مَعْركةَ بِلادِه؟»- «كما لم تكن قط».
الشعر الحاضر الغائب أيضًا يصلح موضوعًا للكتابة والتأمل والسخرية، فى تلك المرحلة الرمادية التى يغلب عليها العبث والنزعة العدمية وأحيانًا الاتجاه إلى الصمت لأن الكلمات لا تحمل المعنى ولا الطاقة الموازية للوقائع، يقول فى قصيدة بعنوان «القصيدة التى طارت»:
«كانَ فى رأسِه قصيدةٌ
وحين استيقظَ طارتْ بعيدًا
كانتْ على بُعْد ثانيةٍ أو اثنتينِ من قبضتِه
على بُعْد مليمترات من كتابِه
لكنها طارتْ
ولم يَعُدْ يرى شيئًا
ولم يَعُدْ يتذكَّرُ شيئًا
حتى اسمها طار معها
كل ما يتذكَّرُه أنها كانت جميلة
ولأنها طارت بسرعة
ربما كانت أجمل القصائد
ربما أكثرها رشاقة
لكنها طارتْ على أىِّ حال- كما لم تكن قط.
وعندما يصبح الصمت خيارًا للشعراء ، فإننا بصدد الاختيار المعلن للموت، مثلما تفعل الأفيال عندما تدرك اقتراب النهاية، فتسير إلى حيث ترقد رقدتها الأخيرة، وهنا الشاعر يدرك لا جدوى الكلمات فى العالم المنحط، العالم المسخ، العالم الذى لا يصدر لنا إلا المرض والتشويش والكآبة الناتجة عن قتل المعنى والانحراف بالفطرة وتحويل الإنسان إلى مجرد شىء، الصمت إذن هنا يعنى التسليم بعدم الجدوى أمام الحالة البربرية السائدة، راية بيضاء فى وجه الكابوس المتمدد.. النزوع إلى الصمت متكرر فى أكثر من ديوان بالمرحلة الأخيرة عند الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، يقول فى قصيدة بعنوان «من الطبيعى أن تصمت»:
«كيف تحوِّلُ إلى كلماتٍ رصاصةً
تنطلقُ فى قلبِ فتاةٍ
ووردةٍ،
كيف تحوِّلُ إلى كلماتٍ وردةً
تغرقُ فى دماء فتاةٍ
كيف تحوِّلُ إلى كلماتٍ فتاةً
تغرقُ فى دماءِ وردةٍ،
فتاةً تتِّخِذُ من وردةٍ رايةً،
فتاةً تطوفُ الميدانَ بوردةٍ،
تَحْتجُّ بوردةٍ
وكأنها ذاهبةٌ إلى موعدٍ رومانسىٍّ
لا إلى الموت- «كما لم تكن قط»
ويقول فى قصيدة بعنوان «حنين»:
يتدرَّب على الصَّمْتِ،
يصمت
حتَّى لو انزلقت ساقاه إلى «مَكْلَمةٍ»
يَصمتُ حتَّى فى الأحْلام- «آخر أعراض إنسانيتى».
لكن إذا كان الصمت خيارًا أيها الشاعر، ألا يصبح الاستسلام للقبح خيانة؟ ألا يكون التفريط فى الكلمة المقدسة عارًا؟ ألا يعنى التشدق بالكلام عن الصمت استمراءً للقبح؟ ابتسامةً فى وجه الهزيمة!







