الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 4

محمد عيد إبراهيم.. الوحيد فى متاهة المعانى

حرف

- اختار التمرد من خلال اللغة.. وحاول إعادة إنتاج تجربة أنسى الحاج فى «لن» و«الرأس المقطوع»

- كان من أوائل الشعراء المبشرين بقصيدة النثر فى السبعينيات ولم يبدأ شاعرًا تفعيليًا

- كتب قصيدة النثر بروح باطنية غنوصية واعتبرها واقعًا بديلًا محكومًا بالحلم والرغبات المقموعة

التقيت الشاعر الراحل محمد عيد إبراهيم «1955- 2020» فى العام 1993 بأتيليه القاهرة، وكنت أحمل نسخًا من الطبعة الأولى من ديوانى الأول «استئناس الفراغ»- منشورات أدب الجماهير بالمنصورة، صدر فى طبعة ثانية بعنوان «الأبُ وقصائد المطر»، أعطيته ديوانى فاستقبله بحرارة وفتح شنطة جلدية كان يحملها وأخرج ديوانًا له بعنوان « قبرٌ لينقضّ»، قطع صغير وعليه رسمة لعصفور رأسه إلى أسفل، ضحك عندما عكست الديوان لأتمعن فى لوحة الغلاف، وقال: عدلى رزق الله، مشيرًا إلى تصميم الغلاف الملفت، لكنه عاد لى إلى مكانى فى الأتيليه بعد نصف ساعة ونادانى: «يا شاعر عازمك على قهوة»، وخرجنا من يوم الأتيليه- أيام كان فعالًا مزدحمًا إلى مقهى قريب يسألنى عن رأيى فى الشعر والشعراء السابقين والحاليين ولمن أقرأ وما مشاريعى، وبين نوبات الكلام يجلجل بضحكة بريئة صافية، واتفقنا على لقاء الثلاثاء المقبل أخبره فيه برأيى فى ديوانه الصغير.

فى الأسبوع التالى، كنت متحمسًا للكلام عن ديوانه بكثير من الأسئلة عن علاقته باللغة وعن أنسى الحاج تحديدًا وديوانيه «لن» و«الرأس المقطوع»، وعن العنف الظاهر والكامن فى القصيدة، وعن صعوبة التلقى لقصائده الغنوصية، لكن محمد عيد إبراهيم الذى بدأ الكلام عن ديوانى بتقريظ مبالغ فيه وطلبه عددًا من النسخ يوزعها على أصدقائه من الكتاب والشعراء وجميعهم من المشاهير آنذاك، أخجلنى وعطل شراستى الطبيعية وتلقائيتى فى تناول النصوص والوفاء بعهدى للسيد الشعر المقدس، لكننى صارحته بأن اتجاهه للعنف فى تكوين العبارة الشعرية لا بد أن يكتمل كصيحة ذئب نحو القمر أو يتراجع إلى صيغة جمالية أخرى، واستمر الحوار رحبًا حول العبارات التى تشبه الطرق المقطوعة بقصف جوى، أو تلك الدروب المنحوتة حول الجبال، تكاد تهوى بمرتاديها فى أى لحظة، ليتوقف القراء عن استكمال القصيدة، لكننى لاحظت أنه ممرور من تكرار كلمة «القتلة» على عديد من المجايلين الذين لا يحسنون تلقى تجربته ولا يتعاطون بموضوعية أو فهم مع توجهه الجمالى.

واجه الديوان الأول لمحمد عيد إبراهيم «طور الوحشة»- ١٩٨٠ الكثير من الرفض والهجوم، بل السخرية من أقرانه ومجايليه ومن سابقيه من الشعراء على السواء، فى تلك الأثناء كان صلاح عبدالصبور وأمل دنقل وحجازى ومعهم عفيفى مطر يهيمنون بدرجات على الحياة الشعرية فى مصر، ويصنعون الأشباه على طريقة الإله خنوم، وكان المقلدون والأتباع كثيرون لهؤلاء الأربعة، حتى ضمن شعراء جماعتى أصوات وإضاءة، التى انتمى محمد عيد إبراهيم للجماعة الأولى ورافق شعراء الثانية على درب الحلم بقصيدة تخالف قصائد الرواد وتكتسب المشروعية من قدرتها على التجديد، لكن ضخامة موجة التقليد وإسباغ المشروعية على فعل التقليد نفسه بالذوبان فى مشاريع الرواد، عطل إلى حد كبير نزوع الشعراء الجدد إلى التمرد وتكوين تيار عام مهيمن، واحتاج الأمر أكثر من عشر سنوات أخرى حتى ينهار الأساس المفاهيمى والتعبيرى والجمالى لتابوقصيدة التفعيلة، ويظهر من يجاهر بأن الوفاء للآباء ليس باتباعهم، بل بالتهامهم وإزاحتهم عن الطريق بعدما شاخوا.

«طور الوحشة» كان ديوانًا نثريًا خالصًا، يخالف المألوف والسائد من القصائد والدواوين آنذاك، طريقة فى إعلان الغضب داخل اللغة، غمغمات لم تجد مسارها، ولم تفصح عن هيأتها بعد، قصائد من التركيبات الغرائبية والجمل المقطوعة الأوصال وعناوين ملغزة وسياقات تحتاج إلى جهد فى تفسيرها وتأويل مراميها، تصطدم بنوع من التلقى السهل ممن يقلدون الكبار أو يطالبون بقطيعة جزئية معهم أو الإبقاء على بعض جماليات قصيدة التفعيلة والنشيد الحماسى والشفاهية الفخمة التى تأسر المسامع، كان هؤلاء يرفضون اقتراحات محمد عيد الجمالية ويخشونها، حتى باعتبارها حلًا جماليًا فرديًا يخصه وحده، فلم يكن مسموحًا فيما يبدو إلا بالتجريب داخل الإطار المعجمى والنغمى الذى ساد آنذاك، بما يعنى السير على الطرق التى عبدها رواد قصيدة التفعيلة. 

وفى تلك الأثناء، أيضًا، لم يكن زلزال «لن» أنسى الحاج وحراك مجلة شعر اللبنانية مؤثرًا على نطاق واسع فى مصر الخاضعة لمراقبة الكتب الواردة وقبل السماوات المفتوحة وثورة الاتصالات والإنترنت والسوشيال ميديا، كما كان المد القومى فى الشعر والأدب والحماسة التى تنقل النضال من السياسة إلى الشعر دون فلاتر جمالية التأثير الأكبر على الوعى الثقافى العام، لكن عمل أنسى الحاج كان مسموعًا ومؤثرًا إلى حد كبير فى روح وتفكير ورؤية محمد عيد إبراهيم المنفتح على الشعر الغربى والعربى الحديث، وبدلًا من «لا تصالح» أمل دنقل أو «مذكرات الصوفى بشر الحافى» لصلاح عبدالصبور أو «أنت واحدها وهى أعضاؤك انتثرت» لعفيفى مطر، أو حتى «مفرد بصيغة الجمع» لأدونيس، كان اكتشاف الاقتراحات التى حملها ديوان « لن» مزلزلًا لوجدان محمد عيد إبراهيم، ومن خلاله وجد طريقه الخاص للتعبير، بل إعلان غضبه واكتشافاته داخل القصيدة، وفى الوقت نفسه ألهمته قراءاته الموسعة فى الشعر المكتوب بالإنجليزية مناخات مخالفة لراهن القصيدة المصرية، جاهد طويلًا للبحث عن معادل لكتابتها بالعربية.

بعد الصدمة الأولى فى «طور الوحشة» التفت محمد عيد إبراهيم إلى الترجمة، وحاول أن يسبغ على ترجماته أسلوبه الغاضب فى صياغة العبارة، وبعد عشر سنوات تقريبًا أصدر ديوانه الثانى على نفقته الخاصة وبعنوان أكثر استفزازا لأقرانه ومجايليه من الشعراء «قبرٌ لينقضَّ»، ولم يكن حظه أفضل من سابقه فى التلقى، وتعرض الشاعر إلى حملات استهجان، وكان من السهل أن يشبع عنه أنه بتعمد الغرابة واختيار التراكيب الحوشية والعبارات الملغزة والسياقات المبتورة، حتى يختلف لمجرد الاختلاف، لكنه لم يتراجع عن مساره الشعرى الذى اختاره لنفسه، وتتابعت أعماله..» على تراب المحنة، فحم التماثيل/ الملاك الأحمر/ مخلب فى فراشة/ بكاء بكعب خشن/ خضراء الله، السندباد الكافر، حتى ديوانه الأخير «عيد النساج».

«الجماهير فى العراء/ حبيسة غرفتى/ الذى سنبنيه/ فحشٌ فى الأرض/ هل يفيد اعبروا عن الحلم بى- على تراب المحنة ص١١».

افتحوا أرصفة الأرض/ كلما كنت وحدى/ تيه ملفق محتمل/ ينتخب الأسماء كالطاعة/ دون وجل/ بينما يسهو عن سلاحى/ وكأننى المغدور- فحم التماثيل ص٢٨».

الأعمال الشعرية للراحل محمد عيد إبراهيم، مجال خصب للغاية أمام الباحثين فى اللغة وفلسفتها، وخصوصًا ما يتعلق بنظرية المعنى، فإذا كان التعبير والإيصال أو التبليغ هما الوظيفتان الأساسيتان للغة، فإننا بحاجة إلى تفسير واف للغابات والسهول والجبال وسائر جغرافيا اللغة فى قصائد الشاعر، ما طبيعة العلاقة بين الصوت والمعنى؟ وما العلاقة هنا بين اللغة والواقع؟ كيف تتم عمليات تمثيل الأشياء والعلاقات وإدراكها تصوريا داخل قصائد محمد عيد إبراهيم؟ إننا بصدد طرح أسئلة فلسفية ولغوية حول استخدام الشاعر للكلمة المفردة وبناء شبكة من العلاقات اللغوية الجديدة من خلال تكوين العبارات الشعرية بطريقة خيالية أو غير معتادة، أو لنقل: تتجاهل المعنى الشائع سواء للكلمة المفردة أو لطبيعة الاستخدام الدارجة للمفردات، وتزرعها فى حقل تركيبى ودلالى جديد من خلال نحت العبارات المكونة من كلمات لا تجتمع فى سياق يهتم بالمعنى المباشر، ومثالًا على ذلك عنوان ديوانه «بكاء بكعب خشن»- ميريت ٢٠٠٣.

يقول فى قصيدة «الملاك الأحمر»:

«ثم طافَت إلى فمهِ

بخُصلَةِ شَعرِها، 

كالغُصنِ للأرضِ، بُرعمٌ وحَفيفٌ. 

أوهَمَت

كالآمرِ المغلوبِ:

عندى، تذوبُ الساعةُ».

هذا المدخل اللغوى لقراءة قصائد محمد عيد إبراهيم، لا مفر منه لعدة أسباب، أولها الحصيلة اللغوية الكبيرة للشاعر الراحل، فقد دأب منذ أعماله الأولى لانتخاب مفردات تشكل معجمًا خاصًا يتنامى ويتسع مع كل ديوان جديد، فضلًا عن قصديته فى توظيف المهجور من الأفعال والألفاظ والاشتقاقات، حتى بات معجم الشاعر ضخمًا لا يمكن اختصاره فى مفاتيح معدودة.

يقول فى قصيدة بعنوان «النوم على جناح المريد»:

رجلٌ شبيهٌ بعصفورٍ، خلفهُ ثعلبٌ يتقلّبُ من الضحكِ.

وامرأةٌ تميلُ كأنْ خلفَها ريحٌ صافرةٌ،

لكن تبيّنَ أنهُ ضبعٌ سَحِيمٌ.

والاثنان فى مشهدٍ جبليٍّ، لكأنهُ غابةٌ قاحلةٌ

مقطوعٌ دابرُها، تحتَ سَماءٍ كلها كائناتٌ

حولَها أسلاكٌ شائكةٌ، ضِمنها طيرٌ يتخفّى

من صوتهِ، وسطَ أعشاشٍ تطيرُ»

والسبب الثانى، أن طريقة الشاعر فى السبك ونحت العبارة وبناء القصائد، تشى برغبة واضحة فى الاختلاف والتفرد، وقد خاض فى سبيل ذلك المشاق، كما أبدى صلابة مشهودة فى الحفاظ على حلمه التعبيرى الجمالى فى مواجهة كل أشكال الاستبعاد والتهميش والتجاهل، كما لو كان أسلوبه الشعرى هو مساره فى المقاومة وإثبات الذات جماليًا وإنسانيًا أيضًا، يقول فى قصيدة بعنوان «توتوناديكا»:

«لكأنهُ قالَ: «لا يبقَى طائرٌ فى عُشّهِ

لو قَصَصنا الجَناحَ»، وهو بلا أُذنَين،

كمَن هُتِكَت أسرارهُ، أو قَضَى دَينًا

بأن باعَ قُرطَ حياتهِ

لِقاءَ حِملَيْ طَحينٍ...»

أما السبب الثالث، فيخص خيال الشاعر وحالته المزاجية والنفسية وعمل الذهن فى تصور العالم، فالنص الشعرى لدى محمد عيد إبراهيم بديل عن العالم الواقعى، مهربٌ، ملاذ وملجأ، كما أنه من ناحية ثانية مجال للانتقام والثأر و إظهار الأنياب فى مواجهة الآخرين، بل فى مواجهة العالم. يقول فى قصيدة بعنوان « ألمع خيالى كحذاء قديم»:

لو كانَ لى أن أسطّرَ الفراغَ

لكتبتُ ألفاظًا لها رنينٌ فى دماغى

ألفاظًا مجهولةً، تسبحُ فى غيرِ سياقٍ،

ألفاظًا بيضاءَ مِن غيرِ سوءٍ

أُحوِّرُها لتحمِلَ آثامنا، كما فعلَ قابيلُ بأخيهِ…

إننا فى أعمال محمد عيد إبراهيم إما أن نكون فى جولات حلمية وشطحات خيالية تعوض فقد الواقع وغيابه، أو نكون أمام حالات عنف انتقامية داخل اللغة من أعداء جاثمين على الصدر أو قاهرين لا سبيل إلى إزاحتهم فى الواقع، والشاعر هنا كيشوت يحمل رمحه وينطلق إلى مواجهة الأعداء الذين يراهم ويعرفهم، على الأرض التى حددها بنفسه، أرض اللغة الخاصة التى صممها على هيئة متاهة من المعانى والتعبيرات والرموز، وحده من يعرف فك مغاليقها، ووحده من يعرف سبيل الخروج منها آمنًا معافى..

«عندَ رؤيةِ الفراغِ، أضحكُ مِلءَ عمرى

عمرى الذى ضاعَ من حِرمانِ ما يُمليهِ الفراغُ

علىّ، فى شهوةِ أن يرانى الناسُ

سِحليةً فى الشمسِ تبحثُ عن عَقربٍ باردٍ

لا لتأكلَه، بل تُناورَ مِخيالَه بهزيمةٍ ومقتلَةٍ…-» ألمع خيالى كجذاء قديم»

يمكن الإشارة إلى مرحلتين فى مسار الشاعر محمد عيد إبراهيم، المرحلة الأولى ونسميها الغلو فى تحطيم المعنى المباشر وإعلان الغضب من خلال اللغة، وهذه المرحلة تشمل دواوين «طور الوحشة/ قبر لينقض/ على تراب المحنة/ فحم التماثيل»، وفى تلك الدواوين حارب الشاعر مجموعة من الثوابت مثل اللغة الدالة والمعنى الواضح المستقيم، عن طريق التركيبات الغرائبية واستخدام الاشتقاقات المهجورة والكلمات وحارب التزلف إلى الجماهير باللجوء إلى عبارات شعرية شبيهة بزمزمات الكهنة الأوائل وإبطال الإنشاد، كما حارب الواقع الراكد بغلبة الأحلام على القصيدة واللجوء إلى مناخات باطنية فى قصائده. 

يقول محمد عيد إبراهيم فى شهادة شعرية منشورة:

«كنتُ ولا أزال ضدّ أىّ سلطة تضطهد خيالى، حتى ولو فى الشعر، على كلّ مثقف أن يناهض السلطة، يكتب وفى خياله «اليسار» منها دائمًا، «اليسار» بمعناه الواسع لا السياسىّ المباشر، وقد عانيتُ جرّاء ذلك كثيرًا، فقد كنتُ أكتب بشكل مُغاير نسبيًا لجيلى، وهناك سخرية مما أُنشئ من نصوص، لكن دار الزمن إلى أن صار ما أكتبه هو المتن، وصار غيره هامشًا، وهى دورة الزمن التى لا يأمنها أحد». 

أما المرحلة الثانية التى تشمل دواوين «الملاك الأحمر/ مخلب فى فراشة/ بكاء بكعب خشن/ خضراء الله، حتى ديوانه الأخير «عيد النساج»، فهى مرحلة البحث عن القول الجمالى أو استخراج كلام الشاعر من اللغة بما تشى به من بحث أسلوبى ومكابدات تقنية مثل التدوير والتكرار، وصولًا إلى الغنائية المقطرة، وبقدر غضب الشاعر وتوحشه فى المرحلة الأولى جاءت محاولاته الجمالية فى المرحلة الثانية متصالحة مع المعنى وراغبة فى هدنة بين حضور المعنى فى قصائده وتلقيه من قبل القارئ، يقول فى شهادته الشعرية:

«أحاول أن أقترب من الغامض وغير المألوف، الحداثى وما بعد الحداثى، الأجيال الشعرية فى العالم، الكتابات المختلفة عن السائد، حتى أكوّن خلفية معرفية لما أكتبه. لكن، كلما تكبر يصفو خيالك وتصبح النيران أهدأ وتكتب بطريقة مختلفة، دون حشو أو زوائد، تحاول الوصول إلى الشعرية من أقصر الطرق، وقد أفادنى شخصيًا معاقرة الثقافات الأخرى، عن طريق القراءة والترجمة، فانفتحت سبل كثيرة أمامى، وتحررت من قيود كثيرة كانت تعيق قصائدى القديمة، وفى النهاية لكل شاعر قارئ، سواءً كان غامضًا مركّبًا أو بسيطًا كراحة يد، من مردّ اختلاف البضاعة حتى لا تبور الأسواق.»- المصدر السابق

ارتبط العنف اللغوى والنزوع الانتقامى داخل قصائد محمد عيد إبراهيم باختياراته المقاومة وتوجهاته المتمردة فى الترجمة، فقد انحاز للهامش الأقصى فى الأدب العالمى وللتطرف الجمالى وكسر التابوهات والنزوع الوحشى فى الإبداع، مثل اختياره ترجمة جوستين للماركيز دو ساد، أو توجهه لترجمة أعمال جورج باتاى، والنصوص الإيروسية للشاعرات المعاصرات أو النصوص الممنوعة فى الأساطير والتراث القديم، وكذلك النصوص المصنفة على أنها نتاج اختلال عقلى أو اضطراب نفسى، معتبرًا أنها فرع من المقاومة ومواجهة المستقر المتكلس فى الأدب والمجتمع.

المقاومة فى اختيارات محمد عيد إبراهيم للترجمة إلى العربية، ارتبطت إذن بما يعرف بالمسكوت عنه، وغير المستساغ فى المجتمعات المستقرة التى تصنع متنًا عامًا سواء من الأعراف الاجتماعية ومنظومات الأخلاق المرعية أو الخيال الإبداعى المهيمن، ويصبح الخروج على الأعراف الاجتماعية أو الخيال الأدبى المهيمن، مهمة النفوس الثائرة والأرواح المتمردة التواقة للتغيير والتجديد، وعلى مدار التاريخ الاجتماعى أو تاريخ الأدب، ارتبط التغيير والتجديد بظهور تلك الأعمال التى تكفر بالسائد المهيمن وتهيل عليه التراب، أو تحطم الأصنام السائدة سواء فى المجتمع أو الإبداع، ولعل تلك الفترات من الخروج على السائد تصنع الفارق الملهم للمبدعين وتضفى مزيدًا من التوهج على شعلة الإبداع ومسارها التاريخى كلما اتجهت للذبول. 

وبالطبع لن نستطيع الاستشهاد بنماذج من القصائد المتمردة التى ترجمها محمد عيد إبراهيم فى هذا السياق، إلا أنها موجودة ومنشورة على مدونته النشطة مازالت على السوشيال ميديا.

فى ديوانه الأخير «عيد النساج»، يتخفف الشاعر إلى حد بعيد من المنطق الصراعى مع اللغة، ويتجه إلى السرد المطعم بالإشارات التراثية والسبك المحكم والجمل التى تكتسب إيقاعها من قصرها وتتابعها، وكأنه ينحو إلى المصالحة مع اللغة التى اعتاد تقطيع أوصالها وتفجير علاقاتها المستقرة الشائعة، باعتماد خطاب تراثى فى القول والكتابة.

«عيدُ النسّاجِ، فَحْلٌ من القُرى، يكِدُّ نهارًا ويَسهَرُ ليلًا. شارِبٌ مقسُومٌ مِثلَ هتلرَ، وشفَتان مُزمَّمتان كابنِ أبى طالب. وَجهٌ وامِضٌ، مِثلَ أنورَ وجدى، ثم انقلَبَ معَ الأيامِ إلى نَمطِ الريحانىّ. حياةٌ تفتَحُ السِّدادَة، بضَجّةٍ أقَلّ، وصَحنُ كُمِّثرى جنبَ مِبسَمِ شِيشَةٍ. ساطِعًا، يرقَى السلالمَ، بيدٍ مفتوحَةٍ، لتلَقِّى عصفورٍ من رَحمةٍ بالسماءِ. ويبكى مرّةً، فينهالُ رزٌّ على بلاطِ الشقَّةِ»- عيد النساج.

صورة الأب التى تلوح فى الذاكرة كلما أوغل الشاعر فى العمر، فكأنما يستعيد أيامه الأولى كلها، ما شهده من مكابدات وما صادفه من عقبات والطريق الطويل الذى سار فيه كادحًا ناحتًا فى الصخر، وذلك من خلال استحضار الأب بوصفه الخارجى والداخلى، وكأننا أمام دورة زمن، حيث النقطة نفسها التى عبرها الأب والتقطها الابن، ها هو الشاعر يعبرها بعد كر السنين، فإذا به يعود لمشهد الأب ويوظفه كمرآة ينظر فيها إلى نفسه، وفى قصيدة أخرى بعنوان «١٩٥٥» تاريخ ولادة الشاعر، نكون أمام نوع من الحوليات التراثية وأيام الأعيان، حيث يسرد الشاعر بكثير من السخرية والتلاعب أحداثًا وقعت فى مثل هذا اليوم ولكن قبل مئات وآلاف السنين، ويضع حواشى وهوامش ونهايات مختلفة.

الديوان الذى يعد سيرة ذاتية جمالية، يغلب عليه الوصف واستحضار شخصيات غائرة فى الذاكرة، تقاطع معها الشاعر عبر محطات حياته المختلفة، عبدالمقصود عبدالكريم، عفيفى مطر، أنسى الحاج، صلاح فائق، وهو يلجأ فى كثير من الأحيان لاستخدام آلية قراءة الصور القديمة، لتضمينها دفقة المشاعر الغالبة عليه، بأسلوب مغرق فى نثريته ووقوفه بالتفاصيل الدقيقة وإن كان يراهن على المفارقة أو على إضاءة النص بجملة مفتاحية تدفع القارئ لأن يعيد القراءة مرة بعد مرة.

يقول فى قصيدة باسم الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم:» صورة قديمة عمرها ٤٠ عامًا يبدو فيها عبدالمقصود عبدالكريم، أول يمين، متأثرًا للغاية، وهو يأكل ساندوتش ويداه معقودتان على حقويه من الأمام، بنصف اللفة، يمنى على يسرى، وجهه مثل نجوم البلوز فى خمسينيات أمريكا، بشعر مهوش كثيف وملامح غاضبة ثائرة مع نظارة واسعة وشارب كث غليظ كانت البنات تخاف منه أيام الجامعة».

وفى قصيدة بغداد ١٩٧٥، يورد الشاعر نص خطاب ورد إليه من الشاعر عفيفى مطر يدافع فيه عن نفسه ويلب قصائد لشباب الشعراء وينتقد موقف نجيب سرور، وفى قصائد أخرى مثل «x٢٤٢٤» أو «مات الأدمن» نلاحظ لجوء الشاعر إلى وصف نثرى للغاية لبعض التفاصيل الحياتية التى تجرى من حوله، لحظات مرضه مثلًا أو امتعاض ابنه أمام تعطل نظام التشغيل فى أحد المواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى إيراد كثير من الشروح والهوامش من مصادرها وإثباتها فى قصائد الدجيوان حسب السياق، وكأن الشاعر يؤكد ارتباط تحوله نحو السرد النقى لإيصال معنى مباشر بانفلاته نحو المتردم من نثريات الحياة والواقع إذ تتبدى من حولنا.

قصائد الديوان لا تخلو من حسية طافحة وولع بتفاصيل الأنثى أيًا كان موقعها، عابرة أو فى صورة فوتوغرافية أو فى الباص، يقول فى قصيدة بعنوان «المرأة والكلب»: «تَتَخَطَّرُ فى شَفِيفٍ، لكنهُ غيرُ كاشِفٍ، كمِشْيَةِ شَهوانيّةٍ عَزباءَ. فى يدِها «مَجُّ» نِسكافيهَ، وترشُفُ منهُ على تَواتُرٍ، كلُّ خُطوتَين وأُخرَى، فى لَهوٍ برىءٍ. لو رَسَمناها بالفَحمِ لبانَ هَيكلُها مِعطاءً، كمنحوتةٍ تقيِسُ الزمنَ ولا تقبَلُ الفَناءَ. ولو فتَحنا بالَها، لتَكَشَّفَ عن ضِحكَةٍ حَمراءَ تلوى قَسماتِها قبلَ الأوانِ».

وفى قصيدة بعنوان «ركبتاى فى السطر الأخير كالمرق»: «كدت أن أهجم اليوم على النساء بالباص، خاصة الطويلة مدمكة الإليتين، ذات الحجاب.. كانت المرأة فى زاوية قرابة ٤٥ درجة يمين الكرسى الموازى لعينى، بربع الإلية اليسرى مدلوقًا فائضًا عن حاجة الكرسى، فكأنى أرى من ذيل ذكرياتى «خديجة» وهى تراودنى.

يمكن القول إن الشاعر محمد عيد إبراهيم، كان من أخلص شعراء جيله لفكرة الخلق والتجديد والمواكبة والانفتاح على الآخر، سواء على مستوى إنتاجه الشعرى أو ترجماته التى سد بها نقصًا فى المكتبة العربية، وبينما كان رفقاء الحلم والشعارات ينكسرون ويتحولون إلى نوع من الأصولية الثقافية البغيضة أو الجمود الإبداعى ويواجهون الأجيال الطالعة بما ووجهوا به من تعسف وعنصرية وضيق أفق وجمود، كان محمد عيد إبراهيم ماضيًا فى طريقه الذى اختاره لنفسه، يرحب بكل جديد ويواصل البحث عن روافد مختلفة لمشروعه الإبداعى ويسعد بالتفاعل مع الأجيال الأصغر منه ويشارك بحماسة فى فعالياتهم، حتى يمكن أن نقول باطمئنان إنه الراهب المتجاهل فى محراب قصيدة النثر المصرية.

«أتظاهر فى آخر الليل أنى معك/ فأخلع ذكرياتى/ وأحشو ضحاياك على طبق/ أغذى به النار/ فلا أعود أحتاج إلى متعذب»- الملاك الأحمر.

«فيما يرى النائم/ كنت أسير جنب البحر/ يأكلنى القهر/ منسجما بأنك معى/ دخنت سيجارتين/ على حالى أروح/ أجئ ثم أروح، وهكذا/ مثل صراف التفليسة»- مخلب فى فراشة.

«من أين يبدأ/ هل يحلم بامرأة سمينة/ تضع فخذا على فخذ، وهى تميل بصفحة ظهرها عن الكرسى/ ككفل ناقة حقود/ فيأكل من لحمها وهو سكران/ من أين يبدأ؟»- السندباد الكافر.

كان الهم الأول للشاعر محمد عيد إبراهيم أن يجد لنفسه طريقًا، وكأى شاعر مثقف، كان الطريق يبدأ وينتهى باللغة وبتصوره عنها وبقدرته على التعامل معها، وبينما كان شعراء عديدون يتصورون اللغة مجرد وعاء لفكرة أو كأس مزخرفة يُصَبّ فيها الشعر، كان محمد عيد إبراهيم يعى أن لغته هى وعيه وتصوره عن العالم وإرادته للتغيير وطلسماته لخلق عالم مواز أو عالم جديد، ومن ثم كان سعيه لإيجاد عالمه بلغته يبدأ بإعلان الحرب على كل طرق القول والإنشاد والترديد التى سادت فى زمنه، بل وإعلان الحرب على العبارة الوديعة المطيعة للمعنى المباشر والتى تعمل ساعى بريد لدى الشعراء، وصارت القصائد عزائم وزمزمات وزفرات غضب وتفجيرات انتحارية داخل فضاء المعنى لاستفزاز القارئ الكسول الذى يجلس مضطجعًا أمام شاشة العرض، لينهض ويستكمل أحداث الفيلم وعبارات الحوار ويملأ فراغات الصمت والبياض بخياله وانفعالاته وتفسيراته.

الوحيد فى متاهة المعانى.. من قصائد محمد عيد إبراهيم