الأحد 01 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

شرق عدن.. موسم العودة إلى «قابيل وهابيل»

حرف

- الرواية تعيد قراءة صراع ابنى آدم من خلال عائلتين فى ولاية كاليفورنيا الأمريكية

- العمل يدور حول ماهية الشر وحرية الاختيار وثنائيات النور والظلام والأمل واليأس

- الرواية تثير تساؤلًا: «هل الإنسان محكوم بماضيه أم يملك مصير اختيار طريقه؟»

- «شرق عدن» تواصل إلهام صناع الفن وتتحول إلى مسلسل على «نتفليكس»

على الرغم من مرور عقود على صدورها، لا تزال رواية «East of Eden/ شرق عدن» للروائى الأمريكى جون شتاينبك، تحتفظ بمكانتها كواحدة من أبرز أعماله وأكثرها اكتمالًا على مستوى السرد وثراء الشخصيات وما تطرحه من أسئلة أخلاقية وفلسفية عميقة.

صدرت الرواية عام 1952 عن دار نشر «Viking Press»، وتدور أحداثها فى وادى «ساليناس» بولاية كاليفورنيا الأمريكية، المكان الذى تربى فيه «شتاينبك» واستلهم منه جانبًا كبيرًا ومهمًا من عالمه الروائى.

وتعود أهمية الرواية لسردها حكاية عائلية على طول جيلين، تحاول من خلالهما فهم ماهية الشر الإنسانى، والحاجة إلى الحب، والصراع بين الآباء والأبناء وإمكانية تحررهم من شرور ماضيهم.

يستند جون شتاينبك فى روايته «شرق عدن» على قصتى آدم وحواء وقابيل وهابيل، ليعيد طرح أسئلة قديمة فى سياق أمريكى حديث، من خلال شخصيات تعيش فى عالم يبدو واقعيًا وتاريخيًا، وفى الوقت نفسه يحمل بنية أسطورية وأخلاقية.

تبدأ الرواية بوصف طويل لوادى «ساليناس» المحصور بين سلسلتين جبليتين فى كاليفورنيا. هذه الطبيعة الجغرافية شبه الحبيسة والمتناقضة لها الأثر الأكبر فى أجواء الرواية وتكوين الشخصيات.

مفهوم التناقض هو الفكرة الفلسفية الأساسية التى تقوم عليها الرواية. فالجبال لها جانب يغمره ضوء النهار كل يوم، بينما الجانب الآخر أكثر قتامة. وفى الوسط يمتد الوادى الذى يجمع الماء والتربة والنباتات والبشر. وبذلك يرسم هذا التناقض صورة تمهيدية للتوتر الذى يحكم الرواية: النور والظلام، الأمل واليأس، الخير والشر.

تدور الأحداث حول عائلتين رئيسيتين: عائلة «هاملتون» التى تمثل جزءًا من تاريخ المنطقة، وعائلة «تراسك» التى ستصبح مركز الصراع الأساسى.

تبدأ حكاية عائلة «تراسك» قبل ولادة «كال» و«آرون» بوقت طويل. ويظهر الأب «سايرس تراسك»، وهو رجل غريب تتشكل صورته من خلال الخدمة العسكرية والمكانة الاجتماعية، ورغبته فى أن يصير ذا شأن يومًا ما.

ينتقل ابنه «آدم» بين تجارب الطفولة والحياة العسكرية والبحث عن الاستقرار، وبين علاقته المضطربة بأخيه «تشارلز»، الذى يختلف عنه فى الطبائع وفى طريقة التعامل مع الأب.

يصبح الصراع بين الأخوين أول تكرار واضح لنمط سيعود فى الجيل التالى: أخوان يتنافسان على حب الأب، ويشعر أحدهما بأن الآخر نال ما حُرم منه.

يكتسب هذا الصراع أهمية خاصة بسبب طباع الأخوين. فـ«آدم» طيب متسامح، لكنه ليس قادرًا على فهم الآخرين أو التعامل مع الحقائق المؤلمة. أما «تشارلز» فيمتلك سمات عنيفة، لكنه يعانى أيضًا شعورًا عميقًا بالرفض، ويخشى أن يكون أقل قيمة فى نظر والده.

فى المقابل، يتعامل «سايرس» الأب مع ابنيه بطريقة تزرع الغيرة بينهما. يعتقد «تشارلز» أن أباه يفضل «آدم» عليه. وفى إحدى الوقائع، يمنح «آدم» والده هدية عيد ميلاد متواضعة فيفرح بها الأب ويتلقاها بتقدير يفوق بكثير تقديره لهدية «تشارلز»، وهو ما يعمق شعور الأخير بالظلم. ثم يتحول هذا التنافس بينهما تدريجيًا إلى عنف جسدى، ويصل إلى اعتداء يترك أثرًا فى علاقة الأخوين.

يطرح «شتاينبك» هذه الخلافات العائلية كتمهيد مبكر لقضية ستعيد الرواية طرحها عن سبب شعور الإنسان أن حب الآخرين مورد محدود، وأن حصول شخص آخر على هذا الحب يعنى بالضرورة حرمانه منه.

يبدو «تشارلز» فى هذا السياق أقرب إلى «قابيل»، بينما يرتبط «آدم» بـ«هابيل» فى بعض جوانب البناء الرمزى. لكن «شتاينبك» لا يعبر عن هذه المطابقة بطريقة مباشرة، إذ يمنح الشخصيات تاريخًا نفسيًا يجعلها أكثر تعقيدًا من مجرد رموز دينية.

يتبلور عالم «شرق عدن» من خلال الأحداث والشخصيات التى يقف بعضها عند المنطقة الرمادية بين الخير والشر، وبعضها يبدو وكأنه يجسد أحد طرفى الصراع الإنسانى، وفى مقدمة هذه الشخصيات «كاثى أميس»، وتُعرف لاحقًا بـ«كيت»، الشخصية الأكثر التباسًا وإثارةً للقلق فى الرواية.

تمتلك «كيت» قدرة فريدة على التلاعب بالآخرين وإخفاء نواياها، ويقدم الكاتب تاريخها المبكر بوصفه مفتاحًا لفهم علاقتها بالعنف والسيطرة. فهى ليست مجرد شخصية شريرة تظهر لتعطيل حياة الأسرة، وإنما تمثل اختبارًا قاسيًا لتصورات الرواية عن طبيعة الشر وإمكانية فهمه وحدود التعاطف معه.

تظهر «كاثى» فى الرواية كامرأة غامضة منذ طفولتها. وتتناول الرواية تاريخ زواجها السابق بما فيه من خيانات وعنف ومحاولات للهروب من القيود التى يفرضها عليها المجتمع. هى شخصية لا تدخل العلاقات باعتبارها حبًا واستقرارًا بقدر ما تتعامل على أن العلاقات وسيلة لتحقيق غاياتها أو السيطرة على المحيطين بها.

وبعد سلسلة من الأحداث العنيفة تلتقى بـ«آدم تراسك»، الذى ينجذب إليها ويعتقد أنه وجد فيها فرصة لبداية جديدة. لكنه لا يعرف حقيقة ماضيها، أو لا يريد أن يرى ما قد يهدد الصورة المثالية التى رسمها لها. هنا يبدأ واحد من أكبر التوترات أهمية ترتكز عليه الرواية عن الفرق بين الشخص الذى نحبه كما هو، والشخص الذى نتخيله ونريد أن يكونه.

يتزوج «آدم» بـ«كاثى» وينتقل معها إلى كاليفورنيا، ويشترى أرضًا ويحاول بناء حياة جديدة مستقرة بعيدًا عن ماضيها. لكن «كاثى» لا تشاركه تصوراته عن الزواج أو الأسرة أو المستقبل. لذا، ما يراه «آدم» بداية لحياة سعيدة تراه هى قيدًا تحاول الفكاك منه. وبعدما تحمل بتوأم تزداد رغبتها فى الهروب من الحياة التى لم تخترها.

بعد ولادة الطفلين تطلق النار على «آدم» وتتركه وترحل لتبدأ حياة أخرى بإدارة بيت دعارة، مستغلةً ذكاءها وقدرتها على التلاعب بالآخرين والسيطرة عليهم، ساعية إلى المال وممارسة العنف والسيطرة فى حياة جديدة بعيدًا عن أسرتها.

تمثل هذه الواقعة الشرخ الأكبر فى حياة «آدم»، الذى بهروبها فقد زوجته، وتأكد من أنها، رغم حبه لها، لم تكن ذلك الشخص الذى ظنه، بالإضافة إلى نشأة التوأم «كال» و«آرون» من غير أم، ما سيؤثر على علاقتهما وتصور كلٍّ منهما عن نفسه.

لكن القدر ربما مد يد الرحمة لـ«آدم» وابنيه، عندما يرسل إليهم «لى»، خادم «آدم» ومساعده، وهو صينى أمريكى تتجاوز وظيفته حدود الخدمة المنزلية. ذكى للغاية ومتقد الذهن، ويمتلك قدرة فريدة على التفكير النقدى، وسيكون من أهم الشخصيات التى تساعد «آدم» وأبناءه على فهم أنفسهم.

تكشف شخصية «لى» عن التناقض بين الصورة النمطية التى يفرضها المجتمع الأمريكى على المهاجرين الآسيويين، وبين الإنسان الذى يمتلك تاريخًا ورغبات وأفكارًا مستقلة. ويُعد «لى» من أهم شخصيات الرواية وربما من أكثرها تأثيرًا. فهو شاهد على الأحداث ومشارك فى النقاشات التى تمنح الحكاية معناها الفلسفى.

يظهر ذكاؤه فى الطريقة التى يتعامل بها مع اللغة والتاريخ والدين، وفى قدرته على رؤية ما تعجز الشخصيات الأخرى عن رؤيته بسبب تعلقها بأوهامها أو مآسيها. بالإضافة إلى أنه يربط الرواية بمسألة الهوية الثقافية. فهو يعيش داخل المجتمع الأمريكى، لكنه لم يُختزَل فى صورة المهاجر الذى يؤدى دورًا هامشيًا، ولديه أسلوبه الخاص واهتماماته ورؤيته للعالم.

إذا كان «لى» يجسد الحكمة الهادئة، والقدرة على قراءة النفس البشرية، فإن «صمويل هاملتون» يمنح عالم الرواية وجهًا آخر.

«صمويل» مزارع ومخترع يتمتع بروح مرحة وشخصية عملية، ويمثل عالمه نقيضًا لعالم «تراسك»، الذى تسيطر عليه مآسى الأسرة وصراعاتها.

استلهم «شتاينبك» هذه العائلة من تاريخ أسرته الأم، وهو ما يمنحها صلة مباشرة بتجربته الشخصية وذاكرته عن كاليفورنيا.

تتسم شخصية «صمويل» بالكرم والقدرة على مساعدة الآخرين، ويحاول التغلب على ضغوط الحياة اليومية بعدما اختبر الفقر وخيبات الأمل، لكنه يحتفظ بقدرته على الضحك والتأمل.

يؤدى دورًا مهمًا فى حياة «آدم»، إذ يساعده على تأسيس حياته الجديدة ثم يصبح قريبًا من أبنائه ويشارك فى تشكيل البيئة التى ينشآن فيها.

تكتسب شخصية «صمويل» أهمية إضافية لأنها تربط بين الرواية بوصفها حكاية خيالية وبين التاريخ الشخصى لـ«شتاينبك». ففى حين تنتمى مأساة «تراسك» إلى البناء الروائى، تحمل عائلة «هاملتون» أصداء من حياة الكاتب نفسه، ومن الأشخاص الذين عرفهم فى طفولته.

يتربى التوأم «كال» و«آرون» فى منزل يهيمن عليه «آدم»، الذى يحاول أن يمنحهما حياة مستقرة بعد غياب الأم. لكنه لا يساوى بينهما فى المعاملة، فيتعامل مع «آرون» باعتباره الابن الطيب المثالى، على العكس من «كال»، الذى يثير قلقه بسبب اندفاعه وغضبه وشخصيته الكتومة.

وهكذا يتكرر التنافس الذى عرفه «آدم» و«تشارلز» فى طفولتهما، لكن فى صورة جديدة. فهذه المرة، يتنافس الأخوان على حب الأب فقط، ولدى كل واحد منهما تصور مختلف عن نفسه وعن أخيه وعن العالم.

«آرون» أقرب إلى الصورة التى يريد «آدم» أن يراها فى ابنه، فهو هادئ وبريء وملتزم أخلاقيًا. أما «كال» فيشعر بأنه لا يستطيع منافسة أخيه فى هذه السمات، وأن أى محاولة منه للحصول على الحب قد تنتهى بإثبات أنه أقل استحقاقًا له.

هذه هى المأساة الأساسية فى علاقتهما. فالأب لا يتعامل مع ابنيه بوصفهما شخصين مختلفين يحتاج كل منهما إلى فهم خاص، لكنه يقيس ويقارن أحدهما بالآخر، فيتحول الاختلاف إلى شعور بالنقص والرفض.

يعتبر «كال» من أكثر الشخصيات تعقيدًا فى الرواية. فهو يدرك جيدًا أنه قادرٌ على الإيذاء ويخشى أن يكون قد ورث عن أمه شيئًا يجعله مختلفًا عن الآخرين. لكنه فى الوقت نفسه يريد أن يكون محبوبًا، ويبحث عن تقدير من والده. لذا يعيش صراعًا بين رغبته فى إثبات ذاته وبين خوفه من استحالة تغيّر طباعه.

وتظهر المشكلة عندما يبدأ «كال» فى الاعتقاد بأن حب «آدم» مشروط بأن يصبح نسخة من «آرون». فكلما رأى والده يفضل أخاه ازداد اقتناعه بأنه إذا أنجز شيئًا مختلفًا فسوف ينال ما يستحقه من اهتمام أبيه. لذا حاول أن يجمع ثروة تجعل أباه فخورًا به.

هنا تتحول الرواية من حكاية عن صراع بين الخير والشر إلى دراسة دقيقة للاحتياج العاطفى. فـ«كال» لا يريد أن يكون شريرًا لمجرد الشر، بل يبحث عن مكان له فى قلب أبيه، ويخشى أن يكون هذا المكان محجوزًا لأخيه للأبد.

أما «آرون»، رغم أنه الابن المفضل للأب لما يمتلك من براءة وصلاح، يحمل جانبًا خفيًا فى شخصيته. هو لا يأخذ مساحة كافية ليكون إنسانًا مستقلًا، له أخطاؤه ورغباته وتناقضاته، بل يصبح الشخص الذى يعلق عليه أبوه آماله، والمرآة التى يقيس من خلالها «كال» قيمته.

من هنا تنشأ مفارقة أنه قد يكون الابن المفضل ضحية للتفضيل نفسه، لأن الحب الذى يتلقاه يصبح مرتبطًا بصورة مثالية يجب أن يحافظ عليها.

بين أخوين يطارد أحدهما حب أبيه، بينما الآخر يضمن مكانته لديه، تدخل الفتاة «أبرا» حياتهما، لتفتح الرواية جانبًا جديدًا عن طريقها لفهم الحب والقبول، بعيدًا عن المقارنة التى ظلت تحكم علاقتهما.

تبدأ علاقة «أبرا» بـ«آرون» كحب رومانسى مثالى يتفق ونظرته الحالمة للعالم. أما علاقتها بـ«كال» فتختلف كليًا. فهى الوحيدة التى تقترب من مخاوفه وشعوره بأنه أقل استحقاقًا للحب من أخيه، وهى التى ستعينه على فهم وتقبل ذاته كما هو بضعفه وأخطائه. وبوجودها يبدأ «كال» فى رؤية نفسه بصورة مختلفة لا تحكمها مخاوفه من أن يكون شريرًا بطبعه.

ومن خلال «أبرا»، يطرح «شتاينبك» تصورًا للحب بعيدًا عن المنافسة والتفضيل، حبًا يساعد «كال» على تقبّل ضعفه واستيعاب فكرة أنه غير مقدر له أن يكون شريرًا ويملك القدرة على اختيار طريقه بنفسه.

تجرى هذه الأحداث فى سياق تاريخى يرتبط بالحرب العالمية الأولى وبالتحولات الاقتصادية التى شهدتها الولايات المتحدة. ويصبح المال بالنسبة إلى «كال» وسيلة لتحقيق غاية عاطفية. فهو لا يريد الثراء للثراء، بقدر ما يريد أن يثبت لوالده أنه قادر على النجاح.

يستعين بـ«كيت»، أمه، فى مشروعه مستفيدًا من قدرتها على توفير المال. لكنه لا يدرك أنه يحاول شراء حب أبيه بالمال الذى يأتى من عالم المرأة التى تركت الأسرة ودمرت حياة الأب.

وعندما ينجح المشروع، يشعر «كال» بأنه أصبح قادرًا على تقديم شىء ذا قيمة. ويأمل أن يؤدى ذلك إلى تغيير نظرة «آدم» إليه ويحصل على التقدير الذى طالما طمح إليه. لكن ما يحدث يفضح الفارق بين النجاح المادى والحاجة الإنسانية. فـ«آدم» لا يرى فى الهدية ما يراه «كال» ولا يستقبلها بالطريقة التى كان الابن يرجوها.

تصبح هذه اللحظة واحدة من أكثر لحظات الرواية قسوة، لأن «كال» يواجه مرة أخرى شعوره القديم بأنه غير محبوب رغم كل ما فعله لإثبات أنه يستحق الحب.

يكتشف «كال» أن أمه حية وتدير بيت دعارة، فيقرر أخذ «آرون» إليها بدافع الغضب والرغبة فى الانتقام. لكن المواجهة لا تحرر «آرون» من الصورة المثالية التى عاش بها بل تحطمها، إذ يجد نفسه أمام حقيقة لم يكن يعرفها عن أمه ولم يكن مستعدًا لمواجهتها، فينهار نفسيًا ويعجز عن المواءمة بين ما يعتقده عن نفسه وعائلته وبين ما اكتشفه للتو، بعدها يلتحق بالجيش ويموت فى الحرب.

تكشف النهاية أن تصرف «كال»، وإن لم يكن هو المسؤول الوحيد عن المأساة، كان جزءًا من سلسلة أفعال أدت إلى نتائج لا يمكنه التراجع عنها.

هنا يعود السؤال الأخلاقى الأبرز: هل يكفى أن يكون الإنسان مجروحًا كى يصبح ما يفعله مفهومًا أو مقبولًا؟ وهل يتحول ألمه إلى مبرر لإيذاء الآخرين؟ يضع «شتاينبك» قارئه أمام هذه الأسئلة من دون أن يقدم إجابات سهلة.

بعد انهيار «آرون»، يعود «كال» إلى أبيه مثقلًا بالذنب، لكنه يظل أسيرًا لإحساس أنه لم يحصل على الحب الذى احتاجه. وتتحول المواجهة بينه وبين «آدم» إلى لحظة تكشف جراح الاثنين. فـ«كال» يرى نفسه مسئولًا عما حدث لأخيه، بينما يواجه «آدم» عجزه عن فهم احتياج ابنه إلى الحب والقبول.

هنا لا يصور المؤلف «آدم» على اعتبار أنه أبٌ قاسٍ، لكنه ضحية هو الآخر. ويكشف كيف أسهمت أخطاء كلٍّ من «آدم» و«كال» فى المأساة.

وفى النهاية، يستعين «شتاينبك» بكلمة من «سفر التكوين» تحمل معنى الاختيار، ليؤكد أن الإنسان ليس محكومًا بالشر مهما كان ماضيه أو الظروف التى نشأ فيها، ويظل قادرًا على اختيار طريقه وتغيير مصيره. وهو ما فعله «آدم» فى النهاية مع ابنه «كال».

لفهم طبيعة العالم الذى تنتمى إليه رواية «شرق عدن»، من المهم التوقف عند كاتبها جون شتاينبك (١٩٠٢ – ١٩٦٨)، الروائى الأمريكى المولود فى مدينة «ساليناس» بكاليفورنيا، والحاصل على جائزة «نوبل» فى الأدب عام ١٩٦٢.

يدور محور أعمال «شتاينبك» من بداياته حول حياة العمال والفقراء والمهمشين، وجمع فى كتاباته بين تفاصيل الحياة اليومية وطرح أسئلة أوسع عن المجتمع والأخلاق والطبيعة البشرية.

دفعه هذا إلى استلهام الكثير من أعماله من البيئة التى نشأ فيها، ومن التحولات التى شهدها المجتمع الأمريكى، خاصة معاناة الفلاحين والفئات التى ألقتها الأزمات الاقتصادية فى الفقر وأجبرتها على التنقل بحثًا عن العمل.

يتجلى ذلك بوضوح فى روايته «عناقيد الغضب»، أشهر رواياته الصادرة عام ١٩٣٩، التى تناول فيها آثار «الكساد الكبير» وما فرضه من هجرة قسرية على العائلات الزراعية.

أما فى رواية «شرق عدن» فيخرج «شتاينبك» إلى مساحة أكثر اتساعًا، ويتناول الصراع بين الخير والشر، وتأثير الماضى على الإنسان، وقدرته على الاختيار وتغيير مصيره.

وفى «شرق عدن»، بدلًا من تناوله السابق لمجموعة من الناس تواجه ظروفًا اقتصادية قاسية، يبنى عالمًا عائليًا يمتد عبر أجيال، ويستخدم تاريخ أسرة واحدة لاستكشاف أسئلة تتعلق بطبيعة الإنسان وعلاقته بأسرته ومسؤوليته عن اختياراته.

لم يتخل «شتاينبك» عن المكان الذى تربى فيه وعرفه جيدًا، بل عاد إلى وادى «ساليناس»، مستفيدًا من معرفته بجغرافيته وتاريخه وأهله، وحوّل المكان إلى فضاء تتقاطع فيه التجربة الشخصية والتاريخ المحلى والتأمل فى طبيعة الخير والشر.

تحتل الرواية مكانة خاصة فى مسيرته، إذ وصفها «شتاينبك» فى يومياته المرتبطة بكتابتها بأنها كتابه الأهم أو «الكتاب الأول» بمعنى العمل الذى أراد أن يضع فيه خلاصة ما لديه. كما كتبها وهو يضع أبناءه نصب عينه ساعيًا إلى نقل شىء من تاريخ عائلته والمنطقة التى تربى فيها، إليهم.

بدأ «شتاينبك» الإعداد للرواية قبل البدء فى كتابتها الفعلية بسنوات. وتشير اليوميات المرتبطة بتأليفها إلى أنه أجرى دراسةً وبحثًا عن وادى «ساليناس» وتاريخه، واستعان بمواد أرشيفية محلية، ثم بدأ كتابة المسودة فى يناير ١٩٥١، وأنهاها فى نوفمبر من العام نفسه، قبل أن تُنشر الرواية فى سبتمبر ١٩٥٢.

تجاوز مشروعه مجرد كتابة رواية عائلة أمريكية، فقد أراد صياغة قصة باتساع التاريخ البشرى، مستفيدًا من قصص الكتاب المقدس بوصفها نماذج تتكرر فى حياة الناس، حتى عندما لا يكونون واعين بصلتهم بتلك القصص.

من هنا جاء الجمع بين عائلتين مختلفتين: عائلة «تراسك»، التى تتركز فيها الصراعات العنيفة على الحب والغيرة والقبول، وعائلة «هاملتون»، التى ترتبط أكثر بالعمل والحياة اليومية والتاريخ الشخصى للكاتب.

يمنح هذا الجمع الرواية توازنًا مهمًا. فبينما يبدو عالم «تراسك» مسكونًا بالمنافسة والشك والجراح العائلية، تقدم عائلة «هاملتون» مساحة أوسع للملاحظة والتأمل والفكاهة والحكمة.

فى عام ١٩٥٣، وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة للجوائز القومية الأمريكية للكتاب فى فئة الرواية. أما عنوانها فلم يكن من وحى خيال الكاتب فقط، فالاسم يحمل دلالة دينية وأخلاقية أساسية لفهم العمل.

يرتبط العنوان بقصة «قابيل» فى «سفر التكوين»، بعد قتله أخاه «هابيل». ففى الرواية الدينية يخرج «قابيل» من حضرة الرب ويقيم فى أرض «نود» الواقعة شرق عدن. و«عدن» هنا هى الجنة التى عاش فيها «آدم» و«حواء» قبل خروجهما منها.

يستحضر «شتاينبك» هذه الصورة ليضع شخصياته فى عالم البشر خارج الجنة بعد فقدان البراءة الأولى، حيث الرغبة والحب والغيرة والعنف والخطيئة والموت.

غير أن الرواية لا تستخدم هذه الإحالة الدينية لتقول إن البشر محكوم عليهم بتكرار الخطيئة إلى الأبد، ولا يقدم «شتاينبك» شخصياته كنسخ لشخصيات الكتاب المقدس. هو فقط يستخدم التشابه بين الحكايتين لفتح باب التأويل؛ فقد يحمل شخص واحد صفات ترتبط بأكثر من شخصية دينية، وقد تتغير دلالة الرمز من جيل إلى آخر.

ورغم مرور عقود على معالجة هذه الرواية على الشاشات، لم تفقد جاذبيتها بعد لدى صناع السينما والتليفزيون. عادت الرواية هذا العام ٢٠٢٦ إلى الشاشة فى مسلسل «شرق عدن» من إنتاج منصة «نتفليكس» الأمريكية. ٧ حلقات كتبتها زوى كازان، وتؤدى بطولته فلورنس بيو فى دور «كاثى أميس»، إحدى أكثر شخصيات الرواية غموضًا وتعقيدًا.

لكن رحلة الرواية إلى الشاشة بدأت قبل ذلك بوقت طويل. ففى عام ١٩٨١، قُدمت فى مسلسل تلفزيونى قصير من بطولة جين سيمور، تناول حكاية العائلة وعلاقاتها المضطربة، قبل أن يسبق ذلك المعالجة السينمائية الأشهر عام ١٩٥٥، حين أخرج إيليا كازان فيلمًا بنفس اسم الرواية، بطولة جيمس دين فى دور «كال تراسك»، الشاب الذى يخوض صراعًا قاسيًا للفوز بحب أبيه، وسط منافسته لشقيقه «آرون».

ورغم أن الفيلم اقتصر على جزء من أحداث الرواية، ظل من أبرز الأعمال المرتبطة بها، ليؤكد استمرار قدرة نص «شتاينبك» على إلهام معالجات فنية تعيد طرح أسئلته عن الحب والغيرة والعلاقات الأسرية وحرية الإنسان فى مواجهة ماضيه.