السفير محمد كامل عمرو يروى شهادته من 25 يناير حتى 30 يونيو
مذكرات وزير خارجية مصر بين ثورتين.. تسريب المراسلات السرية برعاية رجال مرسى فى الرئاسة
- الجنزورى قال لى إن استمرارى فى الوزارة بعد حكم مرسى سيحقق مصلحة لمصر
- عصام الحداد ومجموعته كانوا يشعرون بأن وزارة الخارجية معادية لهم
صدر حديثًا عن دار الشروق كتاب «وزير خارجية مصر بين ثورتين» للسفير محمد كامل عمرو، وزير الخارجية الأسبق، الذى يفتح صفحات من كواليس السياسة الخارجية المصرية فى مرحلة استثنائية من تاريخ البلاد، كاشفًا جانبًا من تفاصيل العمل الدبلوماسى فى سنوات التحول السياسى، فى الفترة ما بين 25 يناير و30 يونيو، وما صاحبها من تحديات وضغوط.
وتنشر «حرف» جانبًا من مذكرات محمد كامل عمرو، يركز على فترة توليه وقت حكم جماعة الإخوان، وكيف كان يتحرك مساعدو محمد مرسى للشئون الخارجية، ومحاولاته للحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية المصرية أمام ضغوط الجماعة.

وفى اليوم التالى، قدم رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كمال الجنزورى، استقالة الحكومة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى قبل الاستقالة، وكلف الحكومة بتصريف الأعمال لحين انتهاء الرئيس المنتخب من تشكيل حكومته الجديدة.
وخلال فترة تصريف الأعمال، كان الدكتور الجنزورى يلتقى الرئيس مرسى لوضعه فى الصورة بالنسبة إلى اجتماعات مجلس الوزراء، التى كانت مستمرة على النحو العادى، وكذلك بالنسبة إلى الأوضاع عمومًا؛ كتمهيد لانتقال السلطة إلى النظام الجديد.
وفى نهاية عشاء وداعى أقامه وزير السياحة، منير فخرى عبدالنور، فى ساحة القلعة لأعضاء الوزارة المستقيلة بعد الإعلان عن تعيين رئيس مجلس وزراء جديد، أشار الدكتور الجنزورى إلىَّ لأجلس بجانبه، حيث قال إنه يعلم أن الرئيس محمد مرسى سيعرض علىَّ الاستمرار فى الحكومة الجديدة وزيرًا للخارجية، وإنه يرى أن أقبل العرض.
وقد فوجئت بهذا الحديث، حيث إننى كنت قد هيأت نفسى ومعى زوجتى، لترك العمل فى مجال السياسة، خصوصًا بعد الضغوط التى تعرضنا لها فى المرحلة السابقة، وانعكاساتها، سواء على المستوى الشخصى، أو الأسرى.
وكان هناك أيضًا البعد الذى يتعلق بموقفى من جماعة الإخوان وفكرها، بصورة عامة، والذى تكوَّن فى مرحلة مبكرة من حياتى عندما كنت تلميذًا فى المرحلة الإعدادية. وقامت الجماعة بفتح مركز للشباب فى قرية شبراريس التى كنا نتبعها، وزودته ببعض الأدوات الرياضية، مثل مائدة تنس الطاولة؛ بهدف اجتذاب الشباب. وعندما أخبرت والدى بأننى أعتزم الذهاب للمركز للعب هناك؛ حيث كنت أهوى هذا النوع من الرياضة، رفض تمامًا، موضحًا أنه لا يتفق مع فكر الجماعة، سواء سياسيًا أو دينيًا، من قريب أو من بعيد، وأن هدفهم الأساسى من افتتاح مثل هذا المركز هو اجتذاب الشباب إليهم، كبداية لبث ما يتبنونه من أفكار.
وقد ظلت هذه الواقعة معى طيلة حياتى، بما انعكس دائمًا على موقفى من جماعة الإخوان.
وعندما أوضحت هذا للدكتور الجنزورى مبديًا رغبتى فى عدم الاستمرار، قال إنه مع تقديره كل هذه الاعتبارات فإنه يرى من خلال معرفته بى خلال الفترة التى عملنا فيها معًا أن استمرارى فى الحكومة سيحقق مصلحة لمصر، فى المرحلة المقبلة؛ باعتباره سيكون ضمانًا لاستمرارية السياسة الخارجية على نحو يراعى فى المقام الأول المصالح القومية المصرية، ولا يسمح بتأثير أى اعتبارات أيديولوجية على هذه السياسات. وبعد تفكير، ورغم اعتراض أسرتى على الاستمرار، قررت قبول العرض، آخذًا فى الاعتبار ما ذكره الدكتور الجنزورى، وأنه فى كل الأحوال فإننى أملك قرار الاستقالة، إذا تبينت أننى لن أستطيع الحفاظ على استقلالية السياسة الخارجية المصرية، أو على كيان وزارة الخارجية كمؤسسة منوط بها إدارة هذه السياسة، الأمر الذى عبرت عنه بوضوح عندما عرض علىَّ الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء المكلف، الاستمرار فى منصبى.

والحقيقة أن ملابسات تكليف الدكتور قنديل بتشكيل الحكومة تستحق الذكر. فخلال فترة عمل حكومة الدكتور الجنزورى فى تسيير الأعمال، سافرت أنا والدكتور هشام قنديل بصفته وزيرًا للموارد المائية والرى، والمهندس محمد رضا إسماعيل وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، مع الرئيس مرسى للمشاركة فى مؤتمر قمة الاتحاد الإفريقى بأديس أبابا فى الفترة من ١٥ إلى ١٧ يوليو ٢٠١٢.
وفى أثناء عودتنا على متن الطائرة الرئاسية وفى بداية الرحلة، حضر أحد أمناء الرئاسة وأبلغ الدكتور قنديل بأن الرئيس يرغب فى التحدث إليه فى الجزء المخصص له بالطائرة. وعادة كان الرئيس يطلب فى أثناء رحلة العودة، التحدث مع الوزراء أعضاء الوفد، إما كمجموعة وإما بشكل فردى لاستعراض ما تم فى أثناء الزيارة. لذلك كان المتوقع أن يستدعى الرئيس بعد قليل باقى الوزراء للتحدث معهم. ولكن المقابلة الثنائية مع الدكتور هشام قنديل استغرقت أغلب زمن الرحلة. وقبل هبوط الطائرة بوقت قصير فى مطار القاهرة، خرج الدكتور هشام قنديل من جناح الرئيس واحتل مقعده إلى جوارى وأجرى اتصالًا هاتفيًا مع مدير مكتبه، وبدأ يملى عليه بيانًا صحفيًا عن نتائج الزيارة، حيث استرعى انتباهى أن ما أملاه لم يقتصر فقط على نتائج الزيارة فيما يتعلق بنطاق اختصاصه وزيرًا للرى، بل شمل أيضًا جوانب العلاقات الخارجية وما جرى من مقابلات مع رؤساء الدول على هامش القمة، الأمر الذى عادة ما يقوم به وزير الخارجية. وبعد أن أنهى مكالمته التليفونية قلت له ضاحكًا: «إيه الحكاية يا دكتور: إنت اتعينت وزيرًا للخارجية؟»، فلم يرد مكتفيًا بابتسامة، بينما بدا التعجب على وجه المهندس محمد رضا إسماعيل.
وبعد عودتنا للقاهرة، كان هناك اجتماع مصغر مع الدكتور كمال الجنزورى صباح يوم ٢٤ يوليو ٢٠١٢ فى مكتبه بوزارة الاستثمار، حضره معى الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء، والدكتور هشام قنديل لبحث مشاركة الدكتور قنديل فى اجتماع مزمع لمجموعة دول مبادرة حوض النيل التى تضم إلى جانب مصر، السودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وبوروندى وتنزانيا ورواندا وكينيا وإريتريا. وكان موقف الخارجية فى هذا الشأن أنه رغم عدم التوافق بين موقف مصر وغالبية دول المبادرة فيما يتعلق بما يعرف بالاتفاقية الإطارية التى تنظم مبادئ عملها فإنه من المهم أن يكون حضور مصر على المستوى الوزارى فى الاجتماع حتى لا يوفر غيابنا عنه، أو تمثيلنا فيه على مستوى دون الوزارى، حجة للدول الأخرى لإثبات أن مصر غير مهتمة بهذا الموضوع الذى كان يمثل أولوية لدينا خصوصًا فى ظل ما كان مثارًا حول بدء إثيوبيا التمهيد لبناء سد النهضة.

وقد عبرت عن هذا الموقف أثناء الاجتماع، بينما لم يبد الدكتور هشام قنديل حماسًا للمشاركة فى الاجتماع، وفى لحظة ما قبل نهاية الاجتماع، أخرج الدكتور حسن يونس هاتفه من جيبه ونظر إلى ما بدا أنه رسالة وصلته؛ حيث قال على إثر ذلك إنه قد تم تعيين هشام قنديل رئيسًا للوزراء. وللوهلة الأولى، خصوصًا أن الدكتور يونس تحدث بنبرة صوت حيادية تمامًا، ولم يكن هناك أى تعليق من أى من الجنزورى أو قنديل، بدا الأمر وكأن ما ذكره وزير الكهرباء دعابة.
وعندما اختتم الدكتور الجنزورى الاجتماع، توجهت إلى د. هشام قنديل الذى كان جالسًا إلى جوارى لأؤكد له ضرورة حضور اجتماع وزراء دول حوض النيل، وكانت إجابته: «لا يمكننى الحضور، فكما سمعت، تم تعيينى رئيسًا للوزراء». ومن فرط دهشتى لا أتذكر إذا ما كنت قد تلفظت بكلمات التهنئة المعتادة فى مثل هذه المواقف.
وخرجت من الاجتماع ومعى السفير محمد الملا، الذى كان يرافقنى، وأثناء هبوطنا بالمصعد نظر إلىّ بدهشة واضحة متسائلًا عما إذا كان ما سمعناه حقيقيًا بالفعل، فأجبته بما أكده لى هشام قنديل. وكان رد الملا: «أرجوك يا سيادة الوزير، لو طلب منك انتدابى للعمل بمكتبه رئيسًا للوزراء فلا توافق على ذلك». وكنت أعلم أن خشية الملا من هذا الأمر ترجع إلى أنه كان يسافر دائمًا مع الدكتور هشام قنديل ممثلًا للخارجية فى أى اجتماعات تتعلق بموضوعات المياه، وكان الدكتور قنديل عادة يعبر لى بعد عودتهم من هذه الاجتماعات، عن إعجابه الشديد بما يتمتع به الملا من علم ودراية فيما يتعلق بموضوعات المياه. وهو ما كنت أنقله إلى محمد الملا تقديرًا لدوره وجهوده فى هذا الشأن، الأمر الذى استمر حتى الوقت الحالى.
وحتى أخفف من قلقه، أكدت له أننى لن أوافق على انتدابه لأى جهة خارج الوزارة، حيث إننى فى حاجة لخبرته كمستشارى الأول فيما يتعلق بملف المياه ونهر النيل.
وفى أول اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة الجنزورى بعد إعلان تكليف هشام قنديل بتشكيل الحكومة، اقترب منى وزير الزراعة محمد رضا إسماعيل وهمس فى أذنى قائلًا: «هل أدركت الآن لماذا قام الدكتور هشام قنديل على إثر لقائه الرئيس مرسى عند عودتنا من أديس أبابا بإملاء البيان الصحفى الذى تطرق ليس فقط لمجال اختصاصه، ولكن أيضًا لموضوعات تتعلق بالسياسة الخارجية؟».
ومنذ البداية كنت أدرك أننى مقبل على تجربة غير اعتيادية ولا مسبوقة فى تاريخ الخارجية المصرية بالنسبة إلى شكل العلاقة بين الوزارة ومؤسسة الرئاسة وفريق العلاقات الخارجية بها، الذى كان أبرز أعضائه القيادى الإخوانى عصام الحداد مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية؛ ما جعلنى حريصًا فى كل موقف على وضع النقاط فوق الحروف، فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين وزير الخارجية ومؤسسة الرئاسة ككل، ورئيس الجمهورية على وجه الخصوص.

وبدأت معرفتى بفريق السياسة الخارجية فى مؤسسة الرئاسة قبل الانضمام إلى حكومة قنديل؛ حيث التقيت عصام الحداد لأول مرة عندما ذهبت إلى مقابلة الرئيس بناء على طلبه، قبل تشكيل الوزارة الجديدة حين كانت وزارة الدكتور كمال الجنزورى ما زالت مستمرة فى تسيير الأعمال. وصلت إلى الاتحادية فى المساء، وفى أثناء انتظارى للقاء الرئيس فى قاعة مجاورة لمكتبه، حضر شخصان لتحيتى والجلوس معى؛ أحدهما أحمد عبدالعاطى الذى عين مديرًا لمكتب الرئيس ومعه شخص آخر عرفت فيما بعد أنه عصام الحداد، ثم دخلنا للقاء الرئيس، حيث كان واضحًا أنه طلب اللقاء للتعارف والتحدث حول أمور العلاقات الخارجية بصورة عامة.
بعد ذلك بدأت الأمور تتضح بالنسبة إلى ماهية الفريق الذى يعمل مع الرئيس فى مجال العلاقات الخارجية، من خلال اللقاءات التى كانت تتم بين الرئيس والشخصيات الأجنبية التى كانت تحضر لزيارة مصر؛ وزراء خارجية أو كبار مسئولين، وكنت أحضرها بحكم منصبى فكان دائمًا يتواجد خلال هذه المقابلات عصام الحداد وخالد القزاز.
وكان واضحًا من البداية أنه ليست لديهم معرفة بوزارة الخارجية كمؤسسة، فكانوا مثلًا يعتقدون أن وزير الخارجية لديه طائرة خاصة لتنقلاته، ودهشوا عندما أخبرتهم بأن الوزير يستخدم الطيران التجارى عادة وفى حالات خاصة جدًا، وحين لا تتوافر رحلات الطيران التجارى تستأجر الوزارة إحدى الطائرات الخاصة التابعة للقوات الجوية. والأمر نفسه بالنسبة إلى مرتبات أعضاء السلك الدبلوماسى فى أثناء وجودهم فى ديوان عام الوزارة. وأذكر أن الرئيس سألنى مرة عما يتقاضاه الملحق الدبلوماسى، وعندما أجبت بأنه يتقاضى حوالى ١٧٠٠ جنيه شاملة كل البدلات، تساءل أحد المساعدين: «تقصد ١٧٠٠ دولار؟»، فأجبت أننى أعنى جنيهًا مصريًا، وكان يبدو عليهم جميعًا علامات التعجب أو عدم التصديق.
كانت الاتصالات واللقاءات مع الرئيس ومؤسسة الرئاسة ككل، خلال الفترة التى سبقت تشكيل حكومة هشام قنديل، متعددة؛ حيث كنت أرافقه فى السفريات إلى الخارج. ورغم أننى لم أكن قد قررت بعد ما إذا كنت سأستمر فى منصبى وزيرًا للخارجية فى الإدارة الجديدة، فإننى أكدت بوضوح أن تعاملى سيكون أساسًا مع الرئيس الذى يعتبر المسئول الأول عن السياسة الخارجية، وليس مع أى من مساعديه، الأمر الذى جرى عليه التعامل طيلة وجودى فى هذا المنصب. فبالنسبة إلى المقابلات مع الرئيس فى مكتبه، كان يحضرها مساعدا الشئون الخارجية، على نحو ما ذكرت، وفى حالة ما إذا كانت هناك حاجة لطرح موضوع أعتبر أنه مهم، كنت فى نهاية المقابلة أتساءل إذا ما كان لدى الرئيس وقت لحديث قصير، وكانت هذه إشارة للمساعدين للخروج من المكتب وتركنا على انفراد.

الشىء نفسه بالنسبة إلى الاتصالات التليفونية، حيث كانت تتم مع الرئيس مباشرة، سواء كانت بناء على طلبى لمناقشة موضوع معين معه، أو لإحاطته علمًا بأى اتصالات قد أرى أهمية معرفته بها، أو من ناحيته، حيث كان فى الكثير من الأحيان يطلبنى لأخذ الرأى بالنسبة إلى موضوع يتعلق بالسياسة الخارجية أو الاستفسار عن أحداث جارية يريد معرفة تفاصيلها.
وكانت هذه الاتصالات التليفونية تتم عادة فى فترة متأخرة من المساء نحو الساعة الحادية عشرة بعد عودته إلى مقر إقامته عن طريق التليفون المباشر الموجود بالمنزل، الذى يربطنى بالرئيس؛ ما أعطانى الانطباع برغبته فى الحديث بقدر من الحرية بعيدًا عن طاقم مساعديه فى الرئاسة.
وفى السياق نفسه، قد يكون من المناسب الإشارة إلى واقعة لها دلالاتها، فعندما كنت أرافق الرئيس فى زياراته الخارجية على طائرة الرئاسة قبل تشكيل الوزارة الجديدة، كان هناك نظام معين للجلوس فى الطائرة تحدده أقدميات المرافقين، فالطائرة نفسها، وهى من طراز إيرباص إيه ٣٤٠، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء؛ الجزء الأول فى مقدمة الطائرة خاص بالرئيس ويضم قاعة بها مقعد للرئيس وأمامه طاولة على الجانب الآخر لها مقعد آخر، ثم عدد من المقاعد الأصغر، إلى جانب غرفة للنوم وحمام خاص.
ويلى ذلك جزء يضم عشرة مقاعد؛ أربعة مقاعد تواجه بعضها البعض وبينهما طاولة على كل من الجانبين الأيمن والأيسر للطائرة، ومقعدان متجاوران فى الوسط. وهذا الجزء من الطائرة يشغله عادة كبار المرافقين؛ كالوزراء أو كبار المسئولين وذلك إلى جانب كبير الياوران ورئيس الديوان إذا كان من ضمن الوفد المسافر. وترتيب الجلوس فى هذا الجزء يخضع أيضًا لأقدمية المرافقين، فالأقدم يجلس على الجانب الأيمن فى المقعد المجاور لنافذة الطائرة وأمامه من يليه. وهكذا. وعند صعود الطائرة تكون هناك بطاقات بالأسماء موضوعة أمام كل مقعد، وهى الأمور التى تتولاها أمانة الرئاسة ولهم فيها خبرة وباع طويل. ثم يلى ذلك باقى الطائرة المخصص للمرافقين من سكرتارية وأمن وغيرهما.
وبعد الجلوس فى الطائرة تقوم الأمانة بتوزيع كتيب صغير يضم أسماء المرافقين، مرة أخرى حسب أقدميتهم وتفاصيل أخرى مثل أرقام السيارات التى سيستقلونها وأرقام الغرف فى مكان الإقامة فى جهة الزيارة. وحيث إننى كنت أحتل الأسبقية الأولى بين الموجودين على الطائرة خلال السفريات إلى الخارج، فقد كان ذلك ينعكس على ترتيب الجلوس والتعامل بصفة عامة على النحو المذكور. وبعد تشكيل الحكومة الجديدة واستمرارى وزيرًا للخارجية، كانت هناك زيارة رئاسية للصين فى ٢٨ أغسطس بعد يومين فقط من قرارات تعيين مساعدى الرئيس، وعند صعودى الطائرة توجهت للمقعد الذى أشغله عادة، ولكننى وجدت البطاقة الموضوعة أمامه تحمل اسم عصام الحداد، بينما يوجد اسمى فى المقعد المواجه. واعتبرت أن ذلك خطأ غير مقصود من المراسم؛ فقمت بتغيير البطاقات والجلوس فى مقعدى المعتاد. وعندما وصل عصام الحداد جلس فى المقعد المواجه لى، كما هى العادة، ولم يقل شيئًا. وبعد ذلك تم توزيع الكتيب الذى يتضمن تفاصيل الزيارة، وعندما تصفحته وجدت أن اسم عصام الحداد يأتى قبل اسمى بمعنى أنه يسبقنى فى الأقدمية، وكان يجلس إلى جوارى السفير محمد رفاعة الطهطاوى رئيس ديوان رئاسة الجمهورية؛ فهمست فى أذنه متسائلًا عما يحدث، فذكر لى أن الرئيس محمد مرسى أصدر قبل يومين قرارًا بتعيين عدد من المساعدين له منهم عصام الحداد مساعدًا للرئيس للشئون الخارجية، إلى جانب تعيين الدكتورة باكينام الشرقاوى، مساعدًا للشئون السياسية، والدكتور سمير مرقص عبدالمسيح، مساعدًا للرئيس فى ملف التحول الديمقراطى، وعماد عبدالغفور، مساعدًا للرئيس لملف التواصل المجتمعى، على أن يكونوا بدرجة نائب لرئيس الوزراء، وهم بالتالى يسبقون الوزراء فى الأقدمية.

وأضاف أن تعيين مساعدين للرئيس بدرجات عليا أمر جرى عليه العمل منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر عندما كانت تحدث تعديلات وزارية ويفقد بعض الوزراء القريبين منه مناصبهم فيعينهم مستشارين أو مساعدين بالرئاسة. أجبته بأن الوضع السابق كان أقرب لتعويض شكلى لمن فقدوا مناصبهم الوزارية، حيث لم يكن لهم دور فعلى فى العمل الحكومى بحكم مناصبهم الجديدة؛ وبالتالى لم يكن ينعكس على أعضاء مجلس الوزراء. أضفت أننى بصفتى أقدم وزير فى الوزارة الحالية، فإن الحالة الوحيدة التى يمكن أن يأتى فيها شخص قبلى هى أن يكون نائبًا فعليًا لرئيس مجلس الوزراء وعضوًا فى المجلس، وليس شخصًا من خارج المجلس تم منحه هذه الدرجة لظروف خاصة. أضفت أنه إذا كان هناك إصرار على هذا الوضع فلن يمكننى الاستمرار فى عملى وزيرًا للخارجية، حيث إن هذا الأمر يتعدى حدود الشكليات؛ لأن ترتيب الأقدميات سينعكس خلال المقابلات التى ستتم مع أى شخصيات أجنبية تلتقى الرئيس فى حضورى؛ ما سيكون له بالضرورة تأثير على نظرة الأطراف الخارجية بالنسبة إلى من له الأسبقية فى مجال السياسة الخارجية.
ويبدو أننى كنت منفعلًا، حيث قال السفير محمد رفاعة، وهو زميل قديم منذ سنوات العمل بالوزارة، إنه سيتحدث مع الرئيس فى هذا الشأن. وفعلًا نهض على الفور وذهب إلى حيث يجلس الرئيس، ثم عاد بعد فترة وذكر لى أنه نقل وجهة نظرى تفصيلًا للرئيس الذى أبدى تقبلًا لها، وطلب منه إعادة الوضع إلى ما كان عليه فى السابق أثناء هذه الزيارة، وأنه سينظر فى الموضوع بعد عودتنا للقاهرة. وبالفعل قام السفير محمد رفاعة باستدعاء كبير الأمناء الموجود على الطائرة، وطلب منه تعديل الأسبقيات على نحو ما كان يجرى عليه العمل فى السابق. وبعد العودة للقاهرة، صدر قرار من الرئيس بأن مساعدى الرئيس ممن هم بدرجة نائب رئيس الوزراء يسبقون الوزراء فى الأقدمية فيما عدا وزيرى الدفاع والخارجية، وهو ما جرى عليه العمل طيلة الفترة التالية. ربما أكون قد أسهبت فى الحديث عن هذه النقطة؛ حيث تأتى فى إطار حرصى منذ البداية على وضع قواعد واضحة لعلاقتى كوزير للخارجية مع مؤسسة الرئاسة، وأن تعاملى هو أساسًا وفى المقام الأول مع رئيس الجمهورية وليس مع أى شخص آخر.
وكان لدى مجموعة العلاقات الخارجية بالرئاسة إحساس واضح بأن وزارة الخارجية فى مجملها غير متعاطفة معهم، بل إن هناك توجهًا معاديًا لهم داخل الوزارة. وقد انعكس هذا الإحساس من خلال تصرفاتهم وأحاديثهم معى. فعلى سبيل المثال طلب عصام الحداد أن أدعوه لزيارة الوزارة والالتقاء بمساعدى الوزير، وأجبته فى حينه أننى سأفكر فى الأمر، بنبرة كافية لإعطائه انطباعًا بأننى لا أقبل هذه الفكرة، ولكنه بعد فترة أثار الموضوع مرة أخرى خلال لقاء مع الرئيس، مضيفًا: أنه «يبدو أن معالى الوزير لا يريد استضافتى بالوزارة». ووجدتها فرصة لوضع النقاط فوق الحروف، فأجبته بأن زيارته للوزارة ولقاءه المساعدين أمر غير وارد، ولكن يمكن ترتيب لقاء للرئيس، إذا رغب فى ذلك، مع المساعدين.
وتدخل الرئيس فى الحديث، مشيرًا إلى أنه يرحب بهذا. وبالفعل تم ترتيب لقاء بقصر القبة يوم ٢٠ ديسمبر ٢٠١٢ بين الرئيس ومساعدى وزير الخارجية الذين أكدت لهم أن لديهم حرية كاملة فى التعبير عن كل ما يرونه من أمور خلال اللقاء.
وبالفعل تميز اللقاء، الذى حضره المستشار محمود مكى، نائب رئيس الجمهورية، بقدر كبير من الصراحة والأسئلة المباشرة من جانب عدد من المساعدين.
وأذكر أن السفيرة سمية سعد، مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية متعددة الأطراف والتعاون الدولى، وجهت سؤالًا للرئيس عما يثار عن أن هناك دورًا لجماعة الإخوان المسلمين فى رسم السياسة الخارجية، ويبدو أن هذا السؤال أصاب نقطة حساسة لدى الرئيس، فأجابها بنبرة يشوبها الانفعال، وكان جواب الرئيس أن هذا غير صحيح بالمرة، وأن السياسة الخارجية تصنعها وزارة الخارجية مع رئيس الجمهورية، وأن ما يثار غير ذلك فى الإعلام أمر ليس صحيحًا، وأنه يتواصل ويتفاعل مع وزير الخارجية بشكل دائم، مضيفًا أنه يؤكد بشكل قاطع أن كل ما يثار بشأن مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية غير حقيقى بالمرة!.
أمر آخر، وإن كان يبدو شكليًا إلا أنه يعبر عما كان يشعر به عصام الحداد من حساسية تجاه الفرق فى المعاملة بينه وبين وزير الخارجية خلال الزيارات الخارجية على وجه الخصوص، فمثلًا كان يثير موضوع أن برنامج الزيارة الذى تضعه الدولة المضيفة يشير إلى وزير الخارجية بصفته «صاحب السعادة» His Excellency بينما لا يضيفون هذا اللقب إلى اسمه.
كما كان يبدى حنقه من أن الدولة المضيفة تخصنى بسيارة خاصة كوزير للخارجية، بينما يشارك هو فى سيارة مع أشخاص آخرين من أعضاء الوفد المصرى. وكان هذا الموضوع بالذات مثار تعليقات منه أثناء حضور الرئيس دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر ٢٠١٢ عندما خصصت الحكومة الأمريكية لى سيارة كاديلاك مصفحة، على نحو ما هو متبع عند قيام وزير الخارجية بزيارة رسمية للولايات المتحدة، مع وضع تأمين له من جانب الخدمة السرية الأمريكية، بينما كان هو يستقل سيارة عادية مع خالد القزاز. وقد تحدث معى خالد القزاز فى هذا الأمر متسائلًا عن إمكانية أن يشاركنى عصام الحداد فى السيارة، فأوضحت له أن ذلك غير ممكن، حيث إننى لدىّ ارتباطات واجتماعات فى أماكن مختلفة فى نيويورك؛ مما يحتم استخدام السيارة بشكل مستمر.
من ناحية أخرى، أُثير فى أكثر من اجتماع مع الرئيس ومساعديه الحديث عما يتردد بأن العاملين فى عدد من سفاراتنا بالخارج يعبرون فى جلساتهم الخاصة عن انتقادات شديدة للسياسات الداخلية التى تتبناها الإدارة الحالية وأفكار جماعة الإخوان بصفة عامة، مع ذكر أمثلة لسفارات بعينها، الأمر الذى أجبت عليه بوضوح بأنه لا يمكننى أن أحجر على ما يتداوله أعضاء سفاراتنا فيما بينهم فى لقاءاتهم الخاصة، وما يعبرون عنه من آراء بالنسبة إلى ما يدور من أحداث فى مصر؛ حيث إن هذا حق لهم. ولكن المهم أنهم يقومون بعملهم الرسمى على وجه احترافى سليم.
وقد ذكر لى السفير محمد رفاعة الطهطاوى أن هذه المعلومات عما يدور من أحاديث خلال الجلسات الخاصة لأعضاء السفارات تصل الرئاسة من خلال بعض أعضاء الجاليات المصرية المنتمين للإخون فى الخارج، وكذلك من التقارير التى يرسلها بعض ممثلى الجهات الملحقة بالسفارات.
إلى جانب هذا، كانت هناك محاولات لفتح قنوات اتصال مباشرة فيما بين مجموعة الرئاسة وبعض سفاراتنا فى العواصم المهمة، وكانت أبرز هذه المحاولات ما حدث مع سفارتنا فى واشنطن؛ فعقب زيارة للعاصمة الأمريكية قام بها وفد ضم عصام الحداد وحسين القزاز مستشار الرئيس لشئون التنمية المتكاملة، وخالد القزاز سكرتير الرئيس للشئون الخارجية، وآخرين فى أوائل ديسمبر ٢٠١٢، التقوا خلالها بالعاملين فى بعض مراكز البحث ومسئولى الإدارة الأمريكية بمن فيهم الرئيس باراك أوباما، اتصل بى سفيرنا فى واشنطن، السفير محمد توفيق وأخطرنى أنهم أثاروا معه إمكانية وجود قناة اتصال مفتوحة بين السفارة ورئاسة الجمهورية لمتابعة تطورات الأحداث فى واشنطن وذلك، على حد تعبيرهم، بهدف الإسراع فى نقل المعلومات. وقد أجابهم السفير محمد توفيق بأن ما لديه من معلومات يتم إرسالها من خلال قنوات الاتصال المتعارف عليها إلى وزارة الخارجية، وأن الوزير هو من يقرر ما يحتاج لعرضه على الرئاسة.
وفى أول مقابلة مع الرئيس، بعد أيام قليلة من هذه المكالمة وفى حضور مساعديه أشرت إلى هذه الواقعة، مؤكدًا أن هذا التصرف غير مقبول بالمرة، وأننى لن أقبل فتح قنوات اتصال مباشرة مع أى جهة فى مصر تتخطى وزارة الخارجية ولا تخضع لإشراف الوزير. وقد حاول عصام الحداد وخالد القزاز إنكار هذه الواقعة، ولكننى أكدت ثقتى فيما نقله لى السفير، وتوجهت بالحديث إلى الرئيس ذاكرًا أننى المسئول الوحيد عن عرض ما أرى أهمية عرضه من معلومات عليه وتلقى أى طلبات منه إذا ما كان فى حاجة لمعلومات معينة.
وكان من الواضح أنهم يولون لواشنطن بالذات أهمية خاصة؛ حيث أثاروا معى فى إحدى المرات إمكانية تعيين وائل هدارة، المنتمى لجماعة الإخوان ومستشار الرئيس للإعلام الخارجى الكندى الجنسية، فى منصب المستشار الإعلامى فى السفارة؛ ليكون فى الوقت نفسه، نقطة اتصال مع السفارة فيما يتعلق بالجالية أو «غير ذلك من الأمور» وقد أوضحت لهم أن ذلك غير مقبول بالمرة؛ حيث إن السفارة مفتوحة أمام أى عضو من الجالية المصرية يحتاج إليها فى أى أمر من الأمور.
مرة أخرى طرحوا فكرة إنشاء جماعة بحث «Think tank» إسلامية فى واشنطن يكون من بين مهامها إجراء اتصالات مع الكونجرس، الأمر الذى رفضته أيضًا على أساس أن هذا سيحدث ازدواجية مع عمل السفارة، إلى جانب أن إضفاء صفة دينية على جماعة البحث سيكون من جرائه إحداث انقسام داخل الجالية المصرية بين من يريدون هذا التوجه الدينى ومن يعارضونه. وبالفعل تم صرف النظر عن هذه الفكرة.

فى مقابل التوجس من جهاز الخارجية وعدم الاطمئنان إلى ميول ومشاعر العاملين بها، وربما كرد فعل له ومحاولة لتغيير المعادلة، كان هناك توجه لدى الرئيس للقيام بما من شأنه استرضاء العاملين فى الوزارة. فكان دائمًا فى أحاديثه معى يسهب فى توجيه المديح للعاملين بالخارجية والإشادة بكفاءتهم، مؤكدًا أن كل ملفات السياسة الخارجية تقع الآن فى اختصاص الوزارة ولن تتدخل أى جهة فى عملها.
وأذكر أنه فى إحدى المرات قال لى إنه علم بأنه كان يجرى العمل فى السابق على منح أفراد السلك الدبلوماسى أوسمة عند وصولهم إلى درجات معينة، مثل وزير مفوض ثم سفير، وأن هذا الإجراء قد توقف منذ فترة، وأنه شخصيًا ليس لديه مانع فى إعادة العمل بهذا التقليد، كما كان يردد دائمًا أن ما يثار حول توتر علاقات الخارجية بالرئاسة هدفه الوقيعة بين الجانبين مثلما هو الحال مع الجيش والداخلية والمخابرات.
وفى ١٩ فبراير ٢٠١٣ حضر لمقابلتى السفير ياسر عثمان؛ ممثلنا لدى السلطة الفلسطينية فى رام الله، الذى كان متواجدًا فى إجازة بالقاهرة، وقال إن موسى أبومرزوق القيادى فى حركة حماس أبلغه بأنه يطلع على كل ما ترسله سفارة مصر برام الله إلى القاهرة من برقيات وتقديرات؛ حيث كانت حماس تعتبر أن وزارة الخارجية المصرية تختلف معها فى العديد من الأمور، وأقرب إلى السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس «أبو مازن». بالطبع كان هذا الأمر إذا صح، يمثل خطورة كبيرة، حيث يشير إلى وجود تسريب للمعلومات التى ترسلها بعثاتنا فى الخارج للقاهرة إلى جهات خارجية، وهو أمر لا يمكن السكوت عليه.
وكان استنتاجى أن مصدر هذا التسريب فى الغالب لا بد أن يكون من خلال طاقم الرئاسة؛ حيث جرى العمل دائمًا على موافاة الرئاسة بنسخة كاملة من البرقيات السرية الواردة من سفاراتنا بالخارج. وفى ضوء علاقات طاقم الرئاسة بحماس، كان الاستنتاج البديهى أنهم ينقلون ما يرد من بعثتنا فى رام الله من تقديرات إلى حركة حماس، وهو أمر يمثل خرقًا لأمن المعلومات بالوزارة. عندئذ قررت وقف إرسال أى برقيات سرية واردة من سفاراتنا فى الخارج إلى الرئاسة وهو ما لم يحدث بالمرة فى السابق.
وكلفت السفير إيهاب فوزى؛ مدير المكتب، بالإطلاع على جميع البرقيات الواردة من سفاراتنا واختيار أربع أو خمس برقيات لا تمثل أى أهمية خاصة وإرسالها إلى الرئاسة يوميًا؛ حتى لا يكون هناك انقطاع كامل للبرقيات يمكن ملاحظته. واستمر هذا الإجراء حتى تركى للوزارة.
وفى ١ ديسمبر ٢٠١٢، سلم المستشار حسام الغريانى، رئيس الجمعية التأسيسية، مشروع الدستور الجديد للرئيس محمد مرسى الذى دعا لإجراء الاستفتاء عليه فى ١٥ ديسمبر ٢٠١٢.
بعد صدور قرار طرح مشروع الدستور للاستفتاء بما يتبع ذلك من قيام الخارجية بتنظيم استفتاء المصريين بالخارج، أرسل نحو ٢٠٤ من أعضاء السلك الدبلوماسى من درجات مختلفة بيانًا إلى الصحافة يوم ٦ ديسمبر ٢٠١٢ قالوا فيه إنهم يرفضون المشاركة فى الإشراف على الاستفتاء بالبعثات المصرية فى الخارج؛ لما صاحب إعداد هذه المسودة من الدستور من مواجهات دامية بين المؤيدين والمعارضين من أبناء الشعب المصرى.
وإثر نشر بيان الدبلوماسيين الرافضين للمشاركة فى الإشراف على الاستفتاء، تحدث معى الرئيس عن ضرورة معاقبة هؤلاء الدبلوماسيين مقترحًا نقلهم إلى وزارات أخرى، مشيرًا إلى سوابق حدثت فى هذا الشأن؛ على أساس أن رفضهم المشاركة فى تنظيم الاستفتاء يعتبر امتناعًا عن العمل، وأشار إلى أنه من المعروف أن أعضاء السلك الدبلوماسى موظفون محترفون يقومون بتنفيذ ما يصدر إليهم من تعليمات، وأن هذا الموضوع لا يجب أن يمر بدون عقاب.
أجبت الرئيس بأنه بالفعل هناك التزام مهنى على العاملين بالسلك الدبلوماسى بتنفيذ التعليمات الصادرة لهم، وعدم التعبير بصورة علنية عن آرائهم الشخصية والتى قد تكون غير متفقة مع هذه التعليمات، إلا أن مصر كلها تمر بظروف استثنائية لم تشهدها من قبل، وأن العاملين فى الخارجية مثلهم مثل باقى المواطنين يتأثرون بهذه الظروف، ومن هنا فإننى أرى أنه يجب مراعاة ذلك عند التعامل مع من عبروا عن آرائهم الشخصية بهذه الطريقة، موضحًا رفضى توقيع أى عقاب عليهم بإبعادهم عن الخارجية وسأكتفى بإصدار منشور داخلى يعيد التأكيد على ضرورة الالتزام بمهنية وقواعد العمل الدبلوماسى، كما جرى العمل عليه دائمًا. وأضفت أنه لو أصر الرئيس على موقفه فعليه اختيار شخص آخر لتولى منصب الوزير والقيام بمثل هذا الإجراء.
وكان رد الرئيس الذى جاء وهو يبتسم لتلطيف الجو: «إنك يا سيادة الوزير حِنَيّن جدًّا»، فكان ردى أن المسألة ليست «حِنَيّة»، لكنها مراعاة لصالح وزارة الخارجية فى هذا الوقت الدقيق من تاريخ مصر.







