رسالة الله للإنسان.. قراءة روحية فى أعمال محمد خان
- الله يرى الإنسان الذى يحاول أن يقوم بعد سقوطه
- نحن أحيانًا ننظر إلى أنفسنا من خلال أخطائنا فقط
- الله يرى ضعف الإنسان ويقبله ويسنده ثم يعمل فيه ويقوده إلى التغيير
تعمد المخرج محمد خان فى كثير من أعماله الاحتفاء بالمهمشين، والمترددين، والضعفاء؛ أولئك الذين رغم هشاشتهم يستطيعون الاستمرار فى مواجهة ثقل المواقف وقسوتها.
لم يبحث خان عن الأبطال الذين لا يسقطون، أو الشخصيات التى تدخل الحياة وهى تمتلك كل الإجابات. بل كان دائمًا قريبًا من الإنسان العادى؛ ذلك الإنسان الذى يحمل خوفه، وتردده، وضعفه، وأحلامه الصغيرة، ويحاول رغم كل شىء أن يكمل الطريق.
لذلك جاءت شخصياته قريبة من الناس الحقيقيين، بأخطائهم وضعفهم وترددهم، بعيدًا عن صورة البطل المثالى الذى لا يخاف ولا يتعثر. ولهذا جاءت شخصياته مختلفة عن الصورة التقليدية للبطل السينمائى؛ فهو لا يقدم لنا إنسانًا خارقًا ينتصر دائمًا، لكنه يقدم إنسانًا يشبهنا، يخطئ ويتعب ويحاول، وربما يهرب أحيانًا من مواجهة نفسه، لكنه يظل يبحث عن معنى لحياته.
وهنا نجد نقطة التقاء عميقة بين عالم محمد خان ورسالة الله للإنسان فى الكتاب المقدس؛ فالكتاب المقدس لم يقدم الإنسان باعتباره كائنًا كاملًا لا يعرف السقوط، بل كشف ضعفه بكل صراحة، لكنه فى الوقت نفسه أعلن أن الله لا يرى الإنسان فقط من خلال لحظة ضعفه، ولا يختصره فى خطئه أو فشله، بل يرى داخله إمكانية التغيير والعودة.
ومن هنا يمكن قراءة بعض شخصيات محمد خان قراءة روحية أو قراءة لاهوتية، أى نظرة من زاوية محبة الله للبشر الضعفاء، ويده الممدودة لهم دائمًا، وحبه لهم رغم ضعفهم؛ فهم أبطال فى عينه حتى وإن كانوا هم أنفسهم لا يرون ذلك؛ ليس لأن أعماله كانت دينية بالمعنى المباشر، ولكن لأن أسئلته عن الإنسان اقتربت كثيرًا من الأسئلة التى يطرحها الإنسان عن علاقته بالله، والتى أجابها الله ببراعة عبر مواقفه الممتلئة حنوًا وحبًا فى كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس.


فى فيلم «خرج ولم يعد» نجد عطية، ذلك الإنسان البسيط الذى يعيش حياة المدينة بكل ضغوطها وإرهاقها، فيخرج منها فى رحلة تبدو فى البداية مجرد رحلة لإنهاء أمر متعلق بميراث والده، لكنه يكتشف مع الوقت أن الرحلة لم تكن إلى مكان جديد فقط، بل كانت رحلة لاكتشاف ذاته.
فالمدينة التى عاش فيها لم تمنحه الراحة التى كان يبحث عنها، والضغوط التى أحاطت به جعلته يشعر وكأنه فقد شيئًا من نفسه، ولعلنا نقرأ جزءًا من السيناريو لم يُكتب، أو لعله كُتب بضمير الغائب؛ فعطية هذا حتمًا له أصل فى القرية الجميلة البسيطة المريحة، إلا أنه تركها مفضلًا ضخب المدينة، ظنًا منه أنه سيجد فيها ضالته، والدليل على ذلك هو الإيراد الذى كان يحصل عليه سنويًا من أرضه المؤجرة فى القرية، لكنه بكل أسف رجع إلى القرية مجددًا بخفى حنين.
لكن جمال شخصية عطية أن محمد خان لا ينظر إليه باعتباره إنسانًا تجب إدانته، بل يقترب منه ويحاول أن يفهمه.
وهنا نستطيع أن نرى صدى لقصة الابن الضال فى الإنجيل.
فالابن الضال لم تكن مشكلته فقط أنه ترك بيت أبيه، ولكن أنه ظن أن الحياة الحقيقية موجودة بعيدًا عن المكان الذى ينتمى إليه. خرج يبحث عن الحرية، لكنه اكتشف بعد ذلك أنه فقد نفسه.
ويقول الإنجيل عنه:
«فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ».
وهذه الجملة تكشف عمق القصة؛ فالعودة الحقيقية لم تكن مجرد رجوع إلى المكان، لكنها كانت رجوعًا إلى الإنسان الذى ضاع بداخله.
وهكذا يمكن أن نرى رحلة عطية؛ فهو لم يكن يبحث فقط عن مكان أكثر هدوءًا، لكنه كان يبحث عن نفسه التى أرهقتها الحياة.
كما يمكن أن نلقى ضوءًا آخر على قصة من أروع قصص الكتاب المقدس، وهى قصة إيليا.
إيليا كان نبيًا قويًا، لكنه وصل إلى لحظة تعب وانكسار، فهرب إلى البرية وقال:
«قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِى».
المثير هنا أن الله لم يقابله بالتوبيخ، ولم يقل له: كيف تهرب وأنت نبى؟
بل اقترب منه، وأطعمه، وترك له وقتًا، ثم أعاده إلى رسالته.
الله يقبل الإنسان المتعب، ويقترب منه ويعيد إليه نفسه.
فهو الذى قال: تَعَالَوْا إِلَىَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِى الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.

فى هبوب الرياح والعواصف لا يسع البحارة والنواتية إلا أن يقوموا بالتخلى عن أمور قد يرون أنها فعلًا مهمة فى تقديرهم، إلا أن ذلك يؤدى إلى تخفيف الحمل والنجاة بالقارب والحياة؛ فهى الأهم.
هكذا نرى فارس الذى تخلى عن كرة القدم لينجو بحياته، وزكا الذى تخلى عن أمواله ليربح نفسه.. وهنا تكتمل رسالة الله: اترك ما أنت متمسك به، وقد يكون سببًا لدمارك.. وقد تظن أن هذا هو مستقبلك، إلا أن نظرتك للأسف خاطئة.
بالنظر إلى فيلم «الحريف» نجد فارس، الرجل الذى ترتبط حياته بكرة القدم؛ ليست باعتبارها مجرد لعبة، ولكن باعتبارها المكان الذى يشعر فيه بقيمته ووجوده.
كرة القدم بالنسبة له ليست فقط موهبة، لكنها جزء من هويته.
وهنا يظهر السؤال الذى يحمله الفيلم:
من أنا عندما أفقد الشىء الذى كنت أظن أنه يجعلنى مهمًا؟
وهذا السؤال يقترب من رحلة زكا فى الكتاب المقدس.
فزكا العشار رمز للإنسان الذى كان يعانى من عدم قبول الآخرين، إلا أن الله شخصيًا أعلن أنه مقبول فى عينه ومحبوب جدًا لديه.
فعلى الرغم من أن زكا كان رجلًا ناجحًا ماديًا، لكنه كان مرفوضًا اجتماعيًا، كان لديه المال، لكنه لم يكن لديه القبول، وفارس أيضًا لديه مساحة يشعر فيها بقيمته من خلال كرة القدم، لكنه يعيش صراعًا مع مكانته فى الحياة.
إلا أن الجميل هنا أن المسيح لم يطلب من زكا أى شىء، بل ذهب إليه كما هو.
وفعل زكا الأمر الواجب علينا جميعًا العمل به؛ تخلى عن أمواله التى محبتها هى أصل كل الشرور، كما تخلى فارس عن كل ما كان متمسكًا به، وتدمر بسبب تمسكه به بكل أسف.
لعل دعوة الله لك الآن: اترك ما أنت متمسك به، وقد يكون سببًا فى دمارك.

شاكر يعود من الغربة وهو يحمل تصورًا بأن ما جمعه فى الخارج يمكن أن يعيد له ما فقده، لكنه يواجه حقيقة مُرّة: أن المال لا يحقق كل شىء، وأن هناك أمورًا لا تُشترى بالمال، وأن غيابه عن منزله وعن الوجود فى حياة ذويه للأسف تسبب فى تدميرهم، وأن وجوده كان أهم من أمواله.
وهنا أقوى رابط هو سفر الجامعة وشخصية سليمان.
سليمان امتلك الحكمة والغنى والمكانة، لكنه وصل إلى سؤال عميق:
هل يستطيع الإنسان أن يجد الشبع الحقيقى فى الغنى أو المال أو الجاه؟
وهنا يصبح شاكر نموذجًا لإنسان يكتشف أهمية أن يستخدمه الله فى حياة الآخرين، وليس أن يستخدم هو الأشياء أو الأموال لإسعاد الآخرين.
مثل الأب الذى يرهق نفسه فى العمل ولا يعرف أى شىء عن أسرته، ليفاجأ بأن أبناءه قد تدمروا نتيجة غيابه، ولم تنفعهم أمواله التى عاد بها من العمل؛ فالأسرة تحتاج الأب أكثر من الأموال

ربما كان محمد خان يحتفى بالشخصيات الضعيفة لأنه كان يرى خلف هذا الضعف إنسانًا له حكاية، إنسانًا له ماضٍ وألم وأحلام ومحاولات.
وهنا يلتقى عالمه السينمائى مع رؤية الكتاب المقدس للإنسان. فالكتاب المقدس لا يخفى ضعف الشخصيات التى يقدمها:
موسى شعر أنه غير قادر على الكلام.
إرميا قال إنه مجرد ولد.
إيليا النبى هرب فى لحظة خوف.
بطرس الرسول أنكر المسيح فى لحظة ضعف.
لكن الله لم يختصر هؤلاء فى لحظة سقوطهم.
لم يرَ موسى من خلال خوفه فقط.
ولم يرَ إيليا من خلال هروبه فقط
ولم يرى إرميا إنه صغير فقط.
ولم يرَ بطرس من خلال إنكاره فقط.
بل رأى الإنسان كله، ورأى ما يمكن أن تصنعه النعمة داخله.
وهنا تكمن الرسالة العميقة:
الله لا يرى الإنسان كما يرى الإنسان نفسه.
فنحن أحيانًا ننظر إلى أنفسنا من خلال أخطائنا فقط، أو فشلنا، أو اللحظات التى لم نستطع فيها أن نكون كما نريد.
لكن الله يرى المحاولة.
يرى الإنسان الذى يحاول أن يقوم بعد سقوطه.
ويرى الذى يكمل رغم خوفه.
ويرى الذى لا يملك أحيانًا إلا خطوة صغيرة، لكنه يتشجع ويقوم بها.

وهنا نقترب من واحدة من أعمق العبارات التى قالها الرسول بولس: «لِأَنَّ قُوَّتِى فِى الضَّعْفِ تُكْمَلُ».
فالإيمان لا يقوم على فكرة أن الإنسان يجب أن يكون قويًا طوال الوقت، وإنما يكشف لنا إلهًا يقترب من الإنسان فى ضعفه، ويسنده عندما يعجز، ويعضده عندما يشعر أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار. ولذلك قال المسيح: «تَعَالَوْا إِلَىَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِى الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ».
فالمسيح لا ينتظر الإنسان بعد أن ينتهى من ضعفه حتى يقترب منه، بل يدعوه وهو متعب، وهو مثقل، وهو فى قلب المعركة.

وهنا ربما يصبح المعنى أكثر قربًا إلينا.
فأحيانًا لا نكون بحاجة إلى أن يخبرنا أحد بأننا ضعفاء؛ نحن نعرف ذلك جيدًا. نعرف المرات التى ترددنا فيها، والقرارات التى عجزنا عن اتخاذها، والمواقف التى هربنا منها، والأيام التى لم نكن فيها قادرين حتى على فهم ما يحدث لنا.
لكن المشكلة أننا أحيانًا نتصور أن الله ينظر إلينا بالطريقة نفسها التى ننظر بها نحن إلى أنفسنا.
ولذلك نرى أن الكتاب المقدس يقدم لنا صورة مختلفة.
الله يرى محاولاتنا.
يرى الإنسان الذى يحاول أن يقوم بعد سقوطه، والذى يحاول أن يبدأ من جديد، والذى يكمل رغم خوفه، والذى لا يملك أحيانًا إلا خطوة صغيرة، لكنه يأخذها.
ولذلك لا يصبح السؤال فقط: لماذا أنا ضعيف؟ وإنما: هل الله يرانى وأنا فى ضعفى؟
والإجابة الكتابية واضحة: نعم، ويحبنى جدًا.
«تَكْفِيكَ نِعْمَتِى»
ربما كان محمد خان يحتفى بالإنسان المهمش لأنه كان يرى خلف ضعفه إنسانًا يستحق أن تُروى حكايته، لكن الكتاب المقدس يأخذنا إلى ما هو أعمق؛ إلى الله الذى لا يرى الإنسان من الخارج فقط، إنما يعرف أعماقه، ويرى تعبه ومحاولاته، ويظل حاضرًا معه حتى فى أكثر لحظاته هشاشة.
وهنا تصبح جملة «يقبله على ضعفه» ذات معنى مختلف. فالله يرى ضعف الإنسان، ويقبله، ويسنده، ثم يعمل فيه ويقوده إلى التغيير.
وفى النهاية، ربما كانت شخصيات خان تشبهنا نسبيًا؛ بشرًا يخافون ويترددون ويتعبون، لكنهم يحاولون أن يكملوا.
والأجمل فى الإيمان المسيحى أن نعرف أن هذه المحاولات ليست خفية عن الله، وأننا لسنا مهمشين فى حكايته.. إحنا متشافين.
والله يرى ما لا يراه الآخرون، ويعرف ثقل ما نحمله، ولذلك يقول للإنسان وسط ضعفه:
«تَكْفِيكَ نِعْمَتِى».







