الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ما وراء الأنف.. كيف تغيرت علاقتنا بالروائح عبر التاريخ؟

حرف

- نستخدم الشم باستمرار لكننا لا نمنحه المكانة نفسها التى نعطيها للبصر والسمع

- لم تتغير رائحة أجسادنا وبيوتنا فقط بل تغيرت رائحة العالم من حولنا أيضًا

تعد الروائح واحدة من أقدم لغات الحياة، فمنذ أن وُجد الإنسان على الأرض، كانت الرائحة جزءًا من حياته، ووسيلة أساسية للبقاء والتواصل؛ فالكائنات تتعرف إلى بعضها عبر الروائح، فتقترب أو تنفر، وتهتدى بها إلى الغذاء، وتستشعر الخطر، وتستخدمها فى التعارف والتكاثر.

ومع مرور الوقت، ساعدت حاسة الشم الإنسان على تمييز الأشياء وفهم العالم من حوله، وتخزين تجاربه واستدعائها لاحقًا، حتى أصبحت الروائح جزءًا من الذاكرة والوجدان؛ فرائحة بعينها قد تعيده إلى أشياء دُفنت فى ذاكرته؛ يمكن أن ننسى شكل مكان مررنا به، وتأتى رائحته لتعيد إلينا تفاصيله فى لحظة، وربما تستدعى معها زمنًا كاملًا لم نفكر فيه منذ سنوات.

ومع تلك الأهمية، تبدو هذه الحاسة اليوم أقل حضورًا فى وعينا من البصر والسمع وبقية الحواس، رغم أننا نستخدمها طوال الوقت دون أن نشعر. من هذه المفارقة ينطلق كتاب «الشم: سيرة حاسة تتلاشى.. كيف شكّلت الروائح تاريخ الإنسان ووجدانه؟» لبيورن بيرجيه، بترجمة محمد حبيب، والصادر عن دار آفاق للنشر.

يقول بيرجيه: «فى عصر يستحوذ فيه الذكاء الاصطناعى باطراد على مجالات أوسع من الحياة، قد تأتى لحظة تفقد فيها حاسة البصر هيمنتها بوصفها أداة رئيسية للإدراك. لكن ثمة مصيرًا أسوأ ينتظر حاسة الشم، فهى تواجه خطر الانقراض الأبدى. لا سيما لكونها الحاسة الوحيدة المقاومة للرقمنة، وغير القابلة للترجمة إلى بيانات».

يتتبع الكتاب تاريخ حاسة الشم، كيف تغيرت علاقتنا بها عبر التاريخ، وكيف ساعدت الإنسان على فهم الطعام والمكان والعمل والمرض والآخرين، ثم كيف تغيرت هذه العلاقة مع تغير المدن والصناعة وعادات النظافة والحياة الحديثة. ويرصد علاقة البشر مع حاسة الشم المتقلبة عبر العصور، حيث احتفوا بها لفترات طويلة باعتبارها أرقى الحواس وأكثرها إفادة، وفى فترات أخرى جرى تغليفها بالمحرمات، واستُغلَّت لوصم مجموعات معينة فى المجتمع، مثل النساء، والفلاحين، والعمال، والمهاجرين.

يشير الكتاب إلى أننا نستخدم الشم باستمرار، لكننا لا نمنحه المكانة نفسها التى نعطيها للبصر والسمع؛ فالروائح تؤثر فى انطباعاتنا عن الأشخاص والأماكن والطعام، ويمكن أن تحمل معلومات عن البيئة والجسد، حتى عندما لا ننتبه إلى أننا التقطنا هذه المعلومات. 

يذكر بيرجيه: «نحن نعيش فى عصر الهيمنة البصرية، حتى صار المظهر أهم من الجوهر». ومع هذه الهيمنة، أصبح البصر والسمع أكثر ارتباطًا بالمعرفة والعقل، بينما ارتبط الشم والتذوق واللمس بالجسد والعمل والمادة. وعليه، تراجعت قيمة الروائح الطبيعية- كرائحة الجسد- فى الحياة اليومية، وأصبح التخلص منها جزءًا من مفهوم النظافة والتمدّن. وصار الهواء النظيف هو الهواء الخالى من الروائح المزعجة، والجسد النظيف هو الذى لا تفوح منه رائحة واضحة. وشيئًا فشيئًا، أصبحت الرائحة الطبيعية شيئًا ينبغى التحكم فيه أو إخفاؤه.

ويوضح بيرجيه أن الإنسان قضى قرونًا فى محاولة فهم الروائح لأنها كانت تخبره بما يحيط به، ثم قضى وقتًا طويلًا فى محاولة التخلص منها، حتى أصبح غياب الرائحة علامة على النظافة والراحة. 

بيورن بيرجيه
بيورن بيرجيه

إذا كان عالم الروائح قد تغير إلى هذا الحد، فكيف يمكننا أن نعرف كيف كانت رائحة الماضى؟.

يوضح بيرجيه أنه لا توجد رائحة طيبة أو كريهة فى ذاتها، فالتجربة هى التى تمنحها معناها. قد تصبح رائحة منفرة محببة لأنها مرتبطة ببيت قديم أو شخص نحبه، وقد تثير رائحة أخرى النفور لأنها مرتبطة بتجربة مؤلمة. ولهذا فإن مدى ارتباطها بالألم أو بالمتعة، هو ما يقرر ما إذا كنا سنستقبلها كرائحة طيبة أم كريهة. كما تدخل الثقافة والمكان والعُمر فى تشكيل هذه العلاقة، فما يبدو مألوفًا ومحببًا فى مجتمع قد يكون غريبًا فى مجتمع آخر.

المشكلة هنا، لا تتعلق باختلاف تفسير الروائح فحسب، وإنما بصعوبة وصولها إلينا أصلًا، فالرائحة تختفى بمجرد زوال مصدرها، ولا تترك أثرًا ماديًا يمكن للمؤرخ العودة إليه، ولهذا فإن ما وصلنا من روائح الماضى هو فى الغالب ما اعتبره الناس جديرًا بتسجيله والكتابة عنه ووصفه: العطور والبخور والزهور واللبان والروائح المرتبطة بالطقوس والاحتفالات، أما روائح الشوارع والمنازل والأسواق والعمل اليومى، فكثير منها بقى مخفيًا بين السطور.

وعلى سبيل المثال، ارتبطت الروائح العطرية فى مصر القديمة بالولائم والطقوس الدينية. وفى روما، أصبح البخور والعطر والزهور جزءًا من حياة الطبقات الغنية، ودخلت الرائحة فى التعبير عن المكانة الاجتماعية، وارتبطت كل مدينة برائحة ما تميزها، ولكن كل ما نعرفه عن روائح الماضى لا يغطى بالضرورة كل ما كان الناس يشمونه معظم الوقت، لذا، هناك روائح كثيرة مفقودة ولا نعرفها.

‫مع عصر التنوير، فى القرن الثامن عشر، بدأت مكانة حاسة الشم تتراجع بحدة، وبعكس البصر الذى خضع للقياس والتنظيم، ظلت هذه الحاسة عصية على التصنيف وغير قابلة للقياس، ما تسبب فى المشكلات للعلوم الطبيعية الناشئة، التى ارتبطت بدورها بمشاريع القوة، والهيمنة. وكان إيمانويل كانط من أكثر من عبّروا عن هذا التصور، حين كتب عن حاسة الشم: لا جدوى من تنميتها، ولا من تحسينها للاستمتاع بها. 

أما الحياة العملية فكانت تقول شيئًا مختلفًا، حيث ظل الأنف أداة أساسية من أدوات الحرفيين، فمن خلال الرائحة كان الحرفى يستطيع أن يميز جودة المادة وحالتها، وأن يكتشف أحيانًا ما لا يمكن معرفته بمجرد النظر إليها، فمثلًا يستطيع الخبير فى صناعة الجعّة أن يميز رائحة الشعير ما إذا كان جيدًا أو فاسدًا، وكذلك فى بقية الصناعات المرتبطة بالطعام والشراب كالقهوة والشاى والتبغ والأسماك وغيرها. 

مع الثورة الصناعية، بدأ هذا النوع من المعرفة يتراجع، وانتقلت مهام كثيرة من الحواس البشرية إلى الآلات وأدوات القياس، وأصبحت العملية الصناعية تستهدف نتيجة ثابتة لا تعتمد على خبرة العامل الحسية.

وهكذا، غيرت الصناعة طريقة إنتاج الأشياء وقيمة المعرفة التى تأتى من الحواس، بل والبيئة التى يعيش فيها الإنسان أيضًا، فامتلأت المدن الصناعية بروائح الفحم والجلود والمواد الكيميائية والورق والغراء والأسمنت، إلى جانب الدخان والمخلفات. 

ومع تطور الصناعة، أمكن التخلص من جزء كبير من الانبعاثات ذات الرائحة، لكن المفارقة أن بعض المواد والملوثات الخطرة لا يستطيع الأنف اكتشافها. وهكذا أصبحت الرائحة مؤشرًا محدودًا على سلامة البيئة؛ فلم يعد غيابها دليلًا على نظافة الهواء أو سلامته، بعدما اعتاد الإنسان أن يعتمد على أنفه فى ملاحظة ما قد يشكل خطرًا فى البيئة المحيطة به. 

ويظهر هذا الاعتماد على الرائحة بوضوح فى تاريخ المدن؛ ففى القرن التاسع عشر، انتشرت نظرية «الميازما» التى افترضت أن الأبخرة والروائح الضارة هى التى تنقل الأمراض. كانت النظرية خاطئة علميًا، لكنها تكشف كيف كانت الرائحة واحدة من أهم العلامات التى يستعين بها الناس لفهم البيئة المحيطة بهم، خصوصًا فى مدن كانت مليئة بروائح روث الخيول ومخلفات الحيوانات والجلود والدخان والأطعمة والمجارى والمقابر. ومع نمو المدن، أصبح التخلص من هذه الروائح جزءًا من مشروع أوسع للتنظيف والتهوية وإعادة التنظيم والحداثة.

ومع بدايات القرن العشرين، انتقل الإنسان من عالم يحاول التخلص من الروائح إلى عالم يستطيع صناعة الرائحة والتحكم فى روائح الجسد، فاتسع حضور منتجات النظافة والعطور فى الحياة اليومية، وظهرت منتجات مثل غسول الفم ومزيل العرق والصابون والشامبو المعطر، وأصبح الحفاظ على رائحة منعشة جزءًا من صورة الإنسان وحضوره فى المجال العام.

فى تلك الفترة، صارت رائحة الجسد تحمل دلالات اجتماعية ويُصنف الإنسان من خلالها، فقد ارتبطت رائحة العرق وروائح المهن والحِرف بالعمل والطبقات العاملة، بينما ارتبط العطر والملابس النظيفة بالقدرة المادية والرفاهية. 

امتدت هذه التحولات إلى البيوت أيضًا، فالمنظفات ومعطرات الجو والشموع والمنتجات المعطرة منحت المكان رائحة مقصودة، يمكن اختيارها وصناعتها مسبقًا.

يقول بيرجيه: «نحن ما يفوح منا»، لكن ربما تلك التحولات غيرت المفهوم قليلًا.. وهكذا، لم تعد هناك خصوصية تتميز بها البيوت، ولم تعد تنفرد بروائح طعامها وسكانها وموادها. ولم يعد الإنسان يفوح برائحته الطبيعية، بعدما أصبح قادرًا على التحكم فيما يضعه من معطرات وتزييف رائحته. 

يقول بيرجيه: «نحن ما يفوح منا». لكن كيف يمكن ذلك والبيوت لم تعد تنفرد بروائح طعامها وسكانها وموادها كما كانت من قبل، ولم يعد الإنسان يفوح برائحته الطبيعية، بعدما أصبح قادرًا على إخفائها واستبدالها برائحة أخرى؟

يظهر هذا التحول بوضوح عندما نسافر، ففى الماضى، كان اختلاف المكان يعنى اختلاف روائحه: الأسواق والمطابخ والمواصلات والبيوت والأجساد والهواء، كلها تحمل خصائص محلية تجعل المدينة مختلفة تمامًا عن الأخرى.

أما اليوم، فتتشابه كثير من الأماكن فيما تفوح به؛ المطارات والفنادق ومراكز التسوق والمتاجر تستخدم منتجات وروائح متقاربة، والأشخاص فى بلدان مختلفة يستخدمون العطور ومزيلات العرق ومنتجات العناية نفسها. يقول بيرجيه: «لم تتغير رائحة أجسادنا وبيوتنا فقط، بل تغيرت رائحة العالم من حولنا أيضًا. فالرحالة الأوروبيون الذين سافروا إلى بلدان أخرى فى بدايات القرن العشرين كانوا يصفون روائح الأسواق والشوارع والطعام والناس بوصفها جزءًا أساسيًا من تجربة المكان. أما اليوم، فقد أصبحت الأماكن الحديثة أكثر تشابهًا؛ المطارات ومراكز التسوق والفنادق والمطاعم تستخدم منتجات وعطورًا متقاربة، حتى أصبح من الممكن أن تشبه رائحة مدينة رائحة مدينة أخرى تبعد عنها آلاف الكيلومترات». وهكذا فقدت الحاسة جزءًا من المعلومات التى كانت تحصل عليها من العالم.

مع تزايد إنتاج العطور والمنتجات المعطرة، اكتشفت الشركات القيمة التجارية للروائح، فبدأت فى دراسة علاقتها بالذاكرة والمشاعر وكيف يمكن الاستفادة منها فى التأثير على سلوك المستهلك، واستخدمت المتاجر روائح الخبز والقهوة والفانيليا والقرفة والحمضيات وغيرها لصناعة أجواء معينة حول المتسوق وتشجيعه على قضاء وقت أطول وتسوق أكثر. وهذه نقلة لافتة فى تاريخ الشم، فبينما أصبحت الروائح الطبيعية أقل حضورًا، ازداد حضور الروائح المصنّعة التى صُممت لأداء وظيفة محددة: أن تجعل مكانًا أكثر راحة، أو منتجًا أكثر جاذبية، أو تجربة أكثر ارتباطًا بذاكرة معينة.

- رغم ما تواجهه من تراجع وخطر الانقراض، يؤكد بيرجيه أن حاسة الشم لم تختفِ، فما زلنا نستطيع تمييز الطعام الفاسد من رائحته، ونتعرف على الأشياء، وما زالت روائح الطبيعة والطعام والأجساد تحمل معلومات لا نحصل عليها بالطريقة نفسها من الصور أو البيانات. المشكلة هى أن علاقتنا بهذه المعلومات تغيرت، فنحن نعيش اليوم وسط عدد أقل من الروائح الطبيعية، ونستخدم منتجات أكثر لإخفائها أو استبدالها، ونقضى وقتًا أطول فى أماكن متشابهة فى رائحتها.

لهذا، فإن «تلاشى» الشم، كما يقدمه بيرجيه، لا يعنى فقدان القدرة على الشم، وإنما اتساع المسافة بين الإنسان والعالم الذى كان يمنحه هذه الروائح. فقد اختفت من حياتنا روائح كانت تخبرنا عن المكان، والطعام، والعمل، والناس. أى أن الحاسة ما زالت موجودة، لكن العالم من حولها أصبح أقل تنوعًا فيما يقدمه للأنف، وأصبحنا أقل انتباهًا لما نشمه. فالرائحة التى تختفى من المكان تأخذ معها ذكرى، أو علامة تميز مدينة عن أخرى، أو معرفة كان الإنسان يكتسبها بحواسه من دون أن يفكر فيها. وما يتلاشى، فى النهاية، ليس الحاسة نفسها، وإنما جزء من العالم الذى كانت تساعدنا على معرفته.

وبحسب الكتاب، استعادة هذه الحاسة مرة أخرى لا تحتاج إلى اختراع روائح جديدة، إنما ستنشط مع الانتباه إلى الروائح الموجودة بالفعل من حولنا فى الطبيعة؛ أن نلاحظ رائحة المكان والطعام والهواء، البحر والجبال، الفاكهة والخضروات، المطر والقهوة والزهور، التراب والدماء، حتى روائح أجسادنا وجلودنا وأعضائنا، دون استخدام أى معطرات.

فالشم، كما يؤكد بيرجيه، يحتاج فقط إلى إنسان يستخدم أنفه ويمنحه الوقت الكافى للانتباه.