تفييش هوامش الثقافة.. عن كارثة غياب «العقل المركزى»
- لدينا وفرة فى الفعاليات لكنها لا تعنى بالضرورة الأثر لدينا ندوات كثيرة لكن كثرة الندوات لا تصنع وحدها حركة ثقافية
- المطلوب تيار يعرف قيمة الثقافة المصرية ودورها لكى يصنع مركزًا يؤثر لسنوات قادمة
• أمال كمال رايح فين؟
• راح يفيش الهوامش.
• إيه؟
• يفيش الهوامش.
• هو غاب كده ليه؟ عايزين نمشى من هنا بقى.
• طول بالك، قلت لك بيفيش الهوامش.
• هوامش إيه وزفت إيه؟ ما تتكلم زى الناس إنت راخر.
• يفيش الهوامش يعنى يوصل الكهربا لسلاسل الحديد اللى مربوط بيها الصفايح تحت المايه عشان محدش يقرب ناحيتها.
• كده.
• ويفش الهوامش يعنى يقطع عنها تيار الكهربا، فهمت؟
• وليه ما خدكش تفيش معاه؟
• يظهر إن مكان الفش والتفييش سرى، محدش يعرفه غيره.
من حوار دار بين «شكرى» حسين فهمى و«د. كمال» محمود عبدالعزيز فى فيلم «العار» (1982) تأليف: محمود أبوزيد- إخراج: على عبدالخالق.
لا تبدو الجملة غريبة إطلاقًا فى عالم فيلم «العار»، فالهدف من «تفييش الهوامش» حماية المخدرات. وعندما تنتهى الحاجة إلى حمايتها أو عند الرغبة فى الوصول إليها، يأتى دور «فش الهوامش» أو قطع التيار.
ظلّت العبارة فى ذهنى طويلًا، لأننى اكتشفت بعد سنوات أنها تصلح لوصف أشياء كثيرة خارج العار. من بينها الثقافة. ليس لأن الثقافة المصرية أصبحت هامشًا، فهذا حكم قاسٍ وإن كان صحيحًا من زاوية ما، ولا لأن مصر فقدت قدرتها على إنتاج الكتاب والفنان والمثقف. مصر ما زالت تكتب وتنشر وتترجم وتنتج فنًا، وإن اختلفنا حول قيمة أغلبه، وما زالت لديها مؤسسات ومهرجانات ومعارض وفعاليات لا تتوقف، وإن فقدت جزءًا من حضورها لأسباب مختلفة. لكن شيئًا آخر أكثر التباسًا يحدث: الإنتاج موجود، بينما التيار الذى يحوله إلى أثر عام يبدو أضعف بكثير من ذى قبل.
لكن من المهم قبل السؤال عمن يصل إلى الهامش أن نسأل: من الذى يصنع الهامش أصلًا؟ فالهامش ليس جغرافيا فقط، وليس كل ما يقع خارج القاهرة أو خارج المؤسسات الكبرى. قد يكون الهامش كاتبًا يعيش فى قلب العاصمة لكنه خارج دوائر العلاقات الثقافية، أو تجربة لا تشبه الذائقة السائدة، أو صوتًا نسائيًا لا يجد من يراهن عليه، أو مشروعًا يصعب تصنيفه داخل القوالب المعتادة. المركز، فى هذه الحالة، ليس المكان بمعناه الحرفى، لكنه المكان داخل شبكة من العلاقات والفرص والاعتراف.
هنا تبدأ مشكلة «تفييش الهوامش». فالثقافة لا تعيش بالأعمال وحدها. الكتاب الجيد يحتاج إلى من يوصله إلى قارئه، والمبدع الجديد يحتاج إلى مؤسسة تراه، والترجمة تحتاج إلى مشروع يتجاوز صدور كتاب هنا أو هناك، والناشر يحتاج إلى شبكة تجعل الكتاب المصرى حاضرًا خارج سوقه المحلية، والمثقف يحتاج إلى فضاء يستطيع فيه أن ينتج ويؤثر.
المشكلة إذن فى حركة الثقافة، لا فى وجودها، فهى موجودة فى كل الأحوال، حتى بغياب وزير الثقافة أو رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب.
مصر امتلكت، فى لحظات كثيرة من تاريخها الحديث، قدرة استثنائية على تحويل المنتج الثقافى إلى تيار يصل إلى العالم العربى ليصنع وجدانًا مشتركًا للمجال الثقافى العربى.
اليوم، الصورة التى تبدو فارغة أكثر تعقيدًا. لدينا وفرة فى الفعاليات، لكنها لا تعنى بالضرورة الأثر. لدينا ندوات كثيرة، لكن كثرة الندوات لا تصنع وحدها حركة ثقافية. لدينا كتب، لكن الكتاب المنشور لا يصبح تلقائيًا حدثًا ثقافيًا. ولدينا أسماء شهيرة، لكن ظهور الاسم لا يعنى بالضرورة أن هناك مشروعًا يراهن عليه، مع الأسف.
هنا تأتى أسئلة:
من الذى يفيّش الهوامش؟
من الذى يمد السلك من المركز إلى الأطراف؟
من الذى يقول إن هذا الكاتب الجديد يستحق أن يصل؟ وإن هذه الترجمة يمكن أن تفتح نافذة جديدة؟ وإن هذا المشروع الثقافى الصغير يمكن أن يصبح مشروعًا مصريًا عربيًا؟ وإن ما يحدث فى محافظة بعيدة عن المركز يمكن أن يكون جزءًا من صورة الثقافة المصرية.
أهمية المؤسسات الثقافية منح الثقافة اتجاهًا، وهذا ما يجعل وجود مسئول واعٍ على رأس هذه المنظومة يحدث فارقًا، أما عدم الشعور بغيابه فيعنى أنه لا رؤية موجودة، وتسيير العمل واقع على موظفين يقضون وقتهم فى التسكع داخل الأروقة.
إن غياب رأس المؤسسة، أو طول الفترة الانتقالية داخل مؤسسة ثقافية، خطر حقيقى يتجاوز كونه مشكلة إدارية، فتحول المؤسسة إلى جهاز يعمل بالحد الأدنى من الحركة، وتغيب عنه الرؤية التى تربط أجزاء المشهد ببعضها.
إن الثقافة لا تحتاج إلى مدير يجلس فى مكتبه بقدر حاجتها إلى شخص يعرف أين يمر التيار، يعرف ماذا يحدث على أرض الواقع الثقافى فى النشر المصرى، ماذا يكتب الشباب، وما الذى يترجم عن العربية وإليها، وما الذى يصل إلى القارئ العربى، وما الذى يمكن أن يصل إلى العالم، ولماذا تراجعنا، وكيف يمكن أن نستعيد موقعنا.
أن تصبح الثقافة مجرد مجموعة من الجزر المنفصلة: مؤسسة تعمل هنا، ناشر يعمل هناك، كاتب يحاول وحده، مترجم يبحث عن فرصة، شاب يكتب على منصته، مهرجان يقيم فعالياته، وجائزة تعلن فائزها، ثم ينتهى كل شىء من دون أن تتجمع هذه الحركة فى أثر ثقافى مصرى واضح.
وفى وسط هذه الجزر يغيب أحيانًا الطرف الذى يفترض أن تصل إليه كل هذه الحركة: القارئ. فقد تتحرك المؤسسات والناشرون والكتاب والمهرجانات داخل الدائرة نفسها، بينما يظل القارئ خارجها. وما لم يتحول النشاط الثقافى إلى قدرة حقيقية على صناعة قارئ جديد، أو استعادة قارئ ابتعد، أو الوصول إلى قارئ لم يكن حاضرًا أصلًا، فإن الحركة ستظل تدور داخل المجال الثقافى بدلًا من أن تتحول إلى حياة ثقافية.
ثم إن الوصول إلى المركز الثقافى نفسه له تكلفة لا تظهر فى البيانات الرسمية: تكلفة السفر، والوقت، والقدرة على التفرغ، والعلاقات، ومعرفة الطريق إلى المؤسسة المناسبة. الكاتب الذى يستطيع أن يحضر عشرات الفعاليات، ويتنقل بين المدن، ويبنى شبكة علاقات، يملك فرصًا مختلفة تمامًا عن كاتب آخر قد يكون أكثر موهبة، لكنه يعيش بعيدًا عن المركز ويعمل طوال اليوم ولا يعرف إلى أى باب يطرق. لذلك فنحن فى أمسِّ الحاجة لتكافؤ فرص حقيقى.
ربما لهذا تتجاوز «تفييش الهوامش» كونها جملة داخل العار، فالهوامش ليست الأماكن البعيدة فقط. قد يكون الهامش كاتبًا شابًا لم يدخل بعد إلى الدائرة، أو قارئًا لم يجد كتابه، أو محافظات لا تحظى بما يكفى من النشاط الثقافى، أو لغة لم تدخل إليها الترجمة المصرية، أو فكرة جديدة لا تجد مؤسسة مستعدة للمغامرة بها. وقد يكون الهامش، فى لحظة ما، هو موقعنا فى المستقبل نفسه وفق معطيات الحاضر.
إن المركز الذى لا يمد إليه التيار يكتشف بعد سنوات أن حتى الهامش لم يعد ينتظره. لهذا لا أظن أن السؤال الحقيقى اليوم هو: هل ما زالت مصر تمتلك ثقافة لها قدرة على ترك أثر؟ هل نستطيع أن نجعل كل ركن فى بلدنا مركزًا يتفاعل مع الأطراف، لا مدنًا للاستهلاك؟
المطلوب الآن ليس حتى إعادة الماضى كما هو. فالثقافة تغيرت، ووسائطها تغيرت، والقارئ تغير، والعالم نفسه لم يعد كما كان.
وقد يبدو أن العالم الرقمى حل هذه المشكلة جزئيًا، إذ أصبح بإمكان الكاتب أن يصل إلى قارئه من دون المرور بالمؤسسة. لكن هذا الحل خلق مركزًا آخر تحكمه معايير مختلفة: سرعة الانتشار، والحضور الشخصى، وقابلية المحتوى للتداول. لم يعد احتكار المنصة فى يد المؤسسة وحدها، لكنه لم يختفِ؛ انتقل إلى شبكة أخرى. والسؤال الأساسى أصبح: من يستطيع أن يكون مرئيًا؟
المطلوب هو تيار جديد. تيار يعرف قيمة الثقافة المصرية ودورها لكى يصنع مركزًا يؤثر لسنوات قادمة، تيار لا يقيس نجاحه بعدد الفعاليات التى أقامها، ولا يكتفى باكتشاف الكاتب، ولا يتعامل مع الترجمة كإصدار منفرد، ولا ينظر إلى الأطراف باعتبارها أماكن ينبغى الوصول إليها مرة واحدة.
فى العار، كان كمال يقوم بهذا الأمر بنجاح، لكنه فشل فى مهمته لأنه لم يكن مسئولًا يومًا عن التخزين. والآن، فقدنا القدرة على «تفييش الهوامش» أيضًا.







