الأستاذ الأول والعميد الأبدى.. فضل لطفى السيد على طه حسين
- نصحه لطفى السيد بأن يروض نفسه ولكن لم يكن يجد إلى ذلك من سبيل
- كان لطفى السيد يكبح جماح ثورة طه فيكفكف من حدة قلمه ويعلّمه كيف يتأنى
- تأثر طه حسين بلطفى السيد فى ثقافته وأفكاره تأثرًا ملحوظًا خاصة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية
- لطفى السيد ساعده فى تشكيل أفكاره ودعمه فى أن يواصل عمله فى الجامعة
- لطفى السيد كان الشاهد الأول على عقد قران أمينة ابنة طه
- كان طه يعرف أن كل ما أنجزه فى حياته الفكرية لأستاذ الأجيال نصيب فيه
- لطفى السيد رفض استقالة العميد من الجامعة وقال له: أرجوكم تعودوا إلى عملكم
فى حوار تليفزيونى مع عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين فى حلقة من برنامج «كاتب وقصة»- يمكن أن تشاهدونه على اليوتيوب- سألته المذيعة سميرة الكيلانى عمن تأثر بهم.
ذكر طه حسين عددًا من الأسماء، من بينهم الجاحظ والمبرّد، وتوقف عند أستاذه فى الأزهر الشيخ سيد على المرصفى.
اكتفى العميد بذكر اسم شيخه، ولم يقُل لنا عنه كثيرًا أو قليلًا، ربما لقِصَر مدة البرنامج.
بحثت عن علاقة طه بالمرصفى وسر إعجابه به، فوجدت أن الشيخ الصغير جذبته جرأة الشيخ الكبير، فقد كان المرصفى ساخطًا على شيوخ الأزهر وعقلياتهم وأساليبهم التى يتبعونها فى الدراسة.
ضاق شيوخ الأزهر بالشيخ المرصفى وبانتقاده لهم وحديثه عنهم، ونجحوا بالفعل فى إبعاده عن إلقاء الدروس واللقاء بطلابه.
ورغم الروح الناقدة التى كان يتمتع بها الشيخ المرصفى فإنه خذل تلميذه طه حسين، فقد استسلم لشيوخ الأزهر، عكف فى بيته وقرر أن يبتعد عن التدريس.
لكن وفاء طه لأستاذه- رغم غضبه منه- جعله لا ينقطع عن زيارته، يواسيه ويدفعه دفعًا إلى معاودة دروسه ولو فى بيته، لكن الشيخ تمسك بموقفه.
كان طه حسين مختلفًا، فلم يحُل غضب الشيوخ عليه بينه وبين أن يواصل غضبه على ما كان يجرى فى الأزهر.
فى كتابه «طه حسين.. وثائق مجهولة» يحدثنا إبراهيم عبدالعزيز عن أن طه حسين لم يكن هو الطالب الوحيد المتمرد فى الأزهر، فقد كان معه صديقان ينحوان نحوه، ويوافقانه فى موقفه من الأزهر وشيوخه، أحدهما هو أحمد حسن الزيات والثانى هو الشيخ محمود الزناتى، وكان ثلاثتهم يسخرون من الأزهر شعرًا ونثرًا ويجادلون شيوخهم، حتى بلغ الأمر شيخ الأزهر حسونة النواوى فطردهم، لولا وساطة أحمد لطفى السيد، فأعيد طه وصديقاه إلى الأزهر بعد فترة طرد قصيرة.

هنا يظهر أحمد لطفى السيد على خريطة طه حسين، ليس كسند عابر فقط، ولكن كأستاذ ومعلم وصاحب أثر كبير فى حياة العميد، بل وفى تشكيل منهجه.
ونقرأ عند شيخ الصحفيين، حافظ محمود، ما كتبه عن اللقاء الأول بين طه حسين وأحمد لطفى السيد، يقول: نحن الآن مع الطالب الأزهرى ذى الثمانى عشرة سنة، وهو يتلمس طريقه فى لهفة واشتياق وعجلة من حى الأزهر إلى شارع حسن الأكبر، كان قد سمع أن فيلسوف عصره لطفى السيد قد افتتح جريدة «الجريدة»، ثم افتتح معها وداخل حجراتها قاعة للمحاضرات، يحاضر فيها الشباب، وفى قاعة المحاضرات بدار «الجريدة» التقى الطالب الأزهرى الصغير الفيلسوف الكبير، فقد كان لقاء العمر الذى لم تنفصم عُراه أبدًا.
ويضيف: لم يكن الفتى طه فى تلك اللحظة صاحب البيان السمح المتفجّر الساحر الذى عُرف به، وعُرف عنه فيما بعد، فلما أراد أن يعقّب على ما سمعه من المحاضرات كان تعقيبه بالكلمات المكتوبة التى فتحت لها «الجريدة» صدرها، وكان هذا أول اتصال مباشر بين طه حسين وبين صاحبة الجلالة، وهنا قامت أول معركة من معارك طه، وكانت هذه المعركة هى معركته مع نفسه، لقد كان ثائرًا بطبعه، فكيف السبيل وهو لم يجد مكانًا لثورته، فى أعمدة الحكمة التى كان ينشرها الرجل الذى بادله الحب والتقدير.
ويقارن حافظ محمود بين طه ولطفى، يقول: كان طه فتى ثائرًا، وكان لطفى السيد رجلًا حكيمًا، فكان يكبح جماح ثورة طه، فيكفكف من حدة قلمه، ويعلّمه كيف يتأنى فى تفكيره ويختار لفظه الموجز المعبّر دون إسهاب أو تطويل، وإن كان طه لم يستطع أن يتخلى عن طريقته فى الإسهاب والتطويل والاستطراد والإفاضة والإعادة والتكرار بأكثر من طريقة وأسلوب.

ويرصد حافظ أثر لطفى السيد على طه حسين، وهو الأثر الذى يمكن أن نعتبره ملمحًا من ملامح التجديد والتحديث فى الفكر الدينى.
يقول حافظ: تأثر طه حسين بلطفى السيد فى ثقافته وأفكاره تأثرًا ملحوظًا، يتبين ذلك فى مقارنة بين فكر طه حسين الخاص بالشريعة الإسلامية قبل تعرفه بلطفى السيد وفكره فى نفس الموضوع بعد أن تأثر به وأخذ عنه، فقد كان طه حسين متمسكًا بالشريعة الإسلامية، يدعو إلى تطبيقها بحذافيرها لتحقيق الفضيلة التى لا تساهل فيها ولا تعزير، فالضرب أو أى عقوبة تأديبية لا يرتجى منها الخير، وإنما من يهدر الفضيلة يهدر، يقول طه فى قصيدة له تحمل عنوان «النيل»: نسيت مصر دينها فعداها/ كل خير وجللتها كل الشرور، ولكن تحول طه عن رأيه على نحو جديد، فقال: إن الدين بعد أن ينزل به الوحى من السماء ويودعه نفوس الناس عن طريق الأنبياء والمرسلين، لا يكاد ينتقل من وطن إلى وطن ومن بيئة إلى بيئة حتى يأخذ شكلًا خاصًا وصبغة معينة هى بتلك البيئة أشبه.
ويضع حافظ محمود خطًا فاصلًا بين طه ولطفى، يقول: على أن طه حسين وقد تأثر بأفكار أستاذه لطفى السيد، إلا أنه لم يكن يستطيع أن يتمثل حكمته، فلم يحتمل الكتابة فى «الجريدة» التى يديرها أستاذه الفيلسوف، حيث إن صحيفته لا تحتمل نفسه الثائرة، وكثيرًا ما نصحه لطفى السيد بأن يروض نفسه، ولكن لم يكن يجد إلى ذلك من سبيل.
تحدث طه حسين كثيرًا عن الأثر الذى تركه لطفى السيد فى نفسه.
وهنا يمكن أن نستمع إلى طه حسين وهو يتحدث فى حفل تأبين أستاذه، فى ٢١ أبريل ١٩٦٣، يحكى لنا عن أول معرفته به، وعن تأثيره فيه.
بدأ طه كلمة تأبينه للطفى السيد بقوله: أشهد أيها الزملاء والسادة لقد فقدت كثيرًا من الإخوان والأصدقاء الأحباء إلىّ، الكرام علىّ، فوجدت ما يجد الإنسان من اللوعة والأسى لفقد الإخوان والأصدقاء، ولكنى أجد من ذلك الفقد لهذا الأب البر والأستاذ الكريم والصديق الحميم أحمد لطفى السيد- ما لم أجد مثله قط لفقد أب أو أخ أو صديق.
يحدثنا طه عن أول معرفته بلطفى السيد، يقول: لقد عرفته فى الثامنة عشرة، فاتصل الود بينه وبينى أكثر من نصف قرن، ثم فقدته الآن، أَحب ما كان إلىّ وأكرم ما كان علىّ وآثر ما كان عندى، لم يكد يلقانى لأول مرة حتى امتلأ قلبى إكبارًا له وإعجابًا به وتمنيت لو أتيح لى أن ألقاه فى كل يوم، وكنت أعتقد، بل كنت أثق بأنى إنما أتمنى شيئًا لا سبيل إليه، وأين يكون طالب فى الأزهر لا خطر له من مدير «الجريدة» ذاك الذى كان حديث الناس فى كل بيئة وفى كل مكان منذ أخذ الناس يقرأون مقالاته الرائعة فى الجريدة كل مساء، ولكن لم أصدق أذنى حين هممت بالانصراف عنه فسمعت صوته العذب يطلب إلىّ أن أعود لزيارته كلما أحببت ذلك، سمعت هذه الدعوة الكريمة فلم أملك نفسى من الابتهاج والغبطة، وأكببت على يده أريد أن أقبّلها كما كنا نقبّل أيدى أساتذتنا فى الأزهر، ولكنه يمتنع علىّ، وما أشعر إلا بقبلة يضعها على جبهتى، فأنصرف من عنده وقد ملكنى العجب والتيه.
بدأت رحلة تعلم طه حسين على يد لطفى السيد، يقول: ثم تتصل زيارتى له، وإذا أنا ألقى منه حنانًا يزداد كلما اتصلت الزيارات، ثم رآنى أختلف إليه فى مكتبه أكثر أيام الأسبوع، وإذا أنا قد أصبحت له تلميذًا لا ألمّ به مرة إلا استفدت منه علمًا جديدًا وعلمًا بأشياء لم تكن تخطر لى ولا لزملائى من الطلاب الأزهريين، فقد كان يحدثنى عن أوروبا ويذكر لى أسماء لم أسمع بها من قبل أن ألقاه، يذكر لى فولتير، وروسو، وديدرو، ومونتسكيو، ويحدثنى عن أثر هؤلاء فى بيئاتهم الفرنسية وعما كانوا يكتبون وعما كان يعرض لهم من الأحداث، وعما كانوا يهيئون لوطنهم من هذه الثورة الفرنسية الكبرى التى لم أسمع بها قبل أن ألقاه، ثم فتنت بها فتنة أى فتنة بعد أن سمعت منه بعض حديثها، وكذلك أصبح لى أستاذًا وفيًا وأصبحت له تلميذًا، وإذا هو يغرينى بتعلم اللغة الفرنسية فأسمع منه ثم أقول لنفسى وربما قلت له: وأين أنا من اللغة الفرنسية؟
وينتقل بنا طه حسين إلى مساحة أخرى من مساحات علاقته بأستاذ الجيل، يقول: ثم تفتح الجامعة المصرية فيغرينى أحمد لطفى السيد بالالتحاق بها والاختلاف إلى ما سيلقى فيها من الدروس والمحاضرات، وإذا هو ثانى اثنين فتحا لى من أبواب المعرفة ما لم يكن يخطر لى على بال، أحدهما كان يحدثنا فى الأزهر عن الأدب العربى القديم «الشيخ المرصفى»، والثانى كان يحدثنى ويحدث كثيرًا غيرى من طلاب المدارس العليا عن الحياة الأوروبية الحديثة وما يملؤها من فنون المعرفة.

ويضيف: وإذا أنا أنصرف عن دروس الأزهر إلى حديث هذين الأستاذين الكريمين، ثم أرانى أكتب المقالات قصارًا أحيانًا وطوالًا أحيانًا أخرى، وأعرضها عليه فيصلح ما يحتاج منها إلى الإصلاح، ويأمر بنشرها، ويشجعنى على المضى فى الكتابة، ومهما أقل، ومهما أكتب، فلن أستطيع أن أصور- كما ينبغى- تأثير هذا الأستاذ الجليل فيمن كان يختلف إليه مثلى من الشباب، فقد أحيانًا حياة جديدة، وفتح أمامنا من الآفاق ما لم يستطع أحد غيره أن يفتح أمام الشباب.
ويحدثنا طه حسين عما أحدثه لطفى السيد فى تكوينه وتثقيفه، فيقول: كان يحدثنا فى غير تكلف عن السياسة المصرية وعن السياسة العالمية، ولأول مرة سمعنا منه ألفاظ الديمقراطية والأرستقراطية وحكم الفرد وحكم الجماعة وحق الأمة فى أن تحكم نفسها بنفسها ولنفسها، وآراء أرسطاطليس وأفلاطون، أو سيدنا أرسطاطليس وسيدنا أفلاطون، كما كان يقول فى أنواع الحكومات على اختلافها، وعن آراء مونتسكيو فى كتابه «روح القوانين»، وآراء روسو فى كتابه «العقد الاجتماعى»، وذلك كله إلى ما كنا نقرأ فى مقالاته من أن الأمة هى الكل فى الكل، ومن أن مقام الأمة فوق كل مقام، ومن أن الحكام ليسوا فى حقيقة الأمر إلا خدامًا للشعب يخدمونه ويأخذون أجرهم منه، فإذا استقاموا ونصحوا للشعب فهم خُدّام أمناء، وإذا جاروا وغشوا الشعب فهم خُدّام خونة لا فرق فى ذلك بين أمير ووزير وموظف مهما يكن مركزه.
ومن لطفى السيد سمع طه حسين لأول مرة قول أبى العلاء: ظلموا الرعية واستجازوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أُجراؤها، ومنه سمع لأول مرة أن أبا العلاء قد أخذ فلسفته العملية والنظرية عن الفيلسوف اليونانى أبيقور الذى زهد فى الحياة ولذاتها اجتنابًا للألم، والذى أعلن أن الكائنات لم تخلق للإنسان بل خلقت كالإنسان، ومنه سمع قصيدة أبى العلاء المشهورة التى أولها: أراكَ مريض العقل والدين فأْتنى أنبئك أنباء الأمور الصحائح.
يقول طه: وهو الذى حبّب إلىّ أبا العلاء حتى أخذت فى درسه واستقصاء أدبه وفلسفته، وتقدمت برسالة عنه إلى الجامعة أبتغى بها درجة الدكتوراه، وقد قرأ هذه الرسالة بعد أن قبلتها الجامعة، ولست أنسى يومًا لقيته فيه بعد أن فرغ من قراءة هذه الرسالة، فإذا هو يأخذنى بين ذراعيه ويقبّلنى قائلًا: ستكون- إن اجتهدت- أبا العلائنا، ولست أغلو إذا قلت إن هذا الأستاذ الجليل قد أنشأ فى مصر جيلًا جديدًا. ولست أنا وحدى الذى يقول هذا، بل كثيرون من تلاميذه قالوه، وما زالوا يقولونه، فهو أستاذ الجيل غير منازع، وهو الذى علّم الشباب المصريين حق الأمة فى أن تحكم نفسها بنفسها، وعلّمهم أن مصر يجب أن تكون لأبنائها، وأن تخلص لهم دون التُرك العثمانيين أصحاب السيادة حينئذٍ، ومن دون الإنجليز المحتلين.
ويستكمل طه ما كان بينه وبين لطفى السيد، فيقول: وقد سافرت بعد ذلك إلى أوروبا فلم ينسنى ولم أنسه، وإنما اتصلت الرسائل بينه وبينى، ولم أقدم رسالتى عن «ابن خلدون» إلى السوربون لأنال بها الدكتوراه إلا بعد أن قرأها وأجازها، وكلف الجامعة أن تكتب إلىّ بذلك، وأن تأذن لى فى تقديم الرسالة كما كانت القاعدة تقضى بذلك فى تلك الأيام، ثم عدت من أوروبا أستاذًا فى الجامعة، فكانت رعايته لى أستاذًا كرعايته لى تلميذًا، لم ينقطع عطفه علىّ وبرّه بى فى يوم من الأيام، ثم عملت معه أستاذًا فى الجامعة الحكومية فلم تتغير سيرته معى، وإنما ظل دائمًا أبًا بارًا وصديقًا وفيًا، وقد استقال من الجامعة حين أُخرجت منها فى بعض الأزمات السياسية ولم يعد إليها إلا بعد أن عدت أنا إليها.
ويختم طه حسين تأبينه لأستاذه، يقول: أستطيع أن أطيل فى هذا الحديث أضعاف ما أطلت، بل أستطيع أن أكتب كتابًا ضخمًا عن أحمد لطفى السيد إن أذن الله لى بذلك، وأنا واثق كل الثقة بأنى إن فعلت وأكثر من هذا مقصّر أشد التقصير عن أداء حقه علىّ والوفاء بدينه عندى.
لم يكن أحمد لطفى السيد سندًا فكريًا لطه حسين فقط، بل دعم مسيرته العلمية، وأعتقد أنه لولا وجود أستاذ الجيل فى حياة العميد ما كانت تجربة طه حسين الفكرية والتجديدية اكتملت، أو أصبحت ما هى عليه، وهى التجربة التى لا تزال تتجدد بيننا حتى الآن.
هذه المساندة يحكى لنا عنها الدكتور محمد حسن الزيات فى كتابه «ما بعد الأيام»، الذى يأتينا ذكر ما كان بين العميد وأستاذ الجيل فى كثير من صفحاته.
فبعد قيام ثورة ١٩١٩ يتحدث طه حسين إلى أستاذه وصديقه القديم أحمد لطفى السيد عن سعادته بيقظة الشعب المصرى وتصميمه على أن يحصل على استقلاله، ولكن لطفى السيد يتساءل وماذا بعد الاستقلال؟ إنه يرى أن على المواطنين أن يفكروا منذ الآن فى طبيعة الحكم الوطنى بعد الاستقلال، وهذا الحكم فى رأيه لا يجوز أن يكون حكم الخديو المطلق، لأنه يرفض حكم الفرد الذى يلغى الحرية كل الرفض، ولا بد أن يكون الحكم هو حكم الشعب لنفسه بنفسه، أى الحكم الديمقراطى.
وفى موضع آخر يحكى محمد حسن الزيات أن طه حسين التقى لطفى السيد، ووجده يقول له: سنحتفل قريبًا بذكرى الإمام محمد عبده فحضّر نفسك ماليًا وأدبيًا.
ويرد طه: ماليًا نعم.. كم يدفع الباشوات والمشايخ الكبار؟
فيقول لطفى: خمسة جنيهات.
يلتزم طه بالنصف، أى بجنيهين ونصف الجنيه، أما أدبيًا فإنه يعتذر، لأن حفلة التكريم يجب بطبيعتها أن تكون كلها إشادة بامتياز الشيخ، وطه حسين يراه من أعظم المصلحين ومن أفذاذ المجددين، ولكنه لا يستطيع أن يتابعه فيما اتجه إليه من محاولة تفسير القرآن الكريم بحيث يكون ملائمًا للعلم كما نعرفه فى وقتنا الحاضر، لأن القرآن ثابت والعلم متغير، والإيمان بالقرآن الثابت لا ينبغى أن يحتاج إلى محاولة الملاءمة بينه وبين ما يعرفه الناس من العلوم فى جيل ما، فى بلد ما، قد ينقضه علم جيل آخر أو بلد آخر.
وتأتى سيرة لطفى السيد عرضًا عندما يتحدث الزيات عن علاقة طه حسين بمحمد حسين هيكل، وتعاونه معه فى تحرير الصفحة الأدبية فى جريدة «السياسة»، يقول: هيكل يوافق طه حسين ويتحمس له، وهما يتذكران كيف تعارفا، حين كانا ناشئين، فى مكتب الأستاذ لطفى السيد مدير «الجريدة»، وكيف كانا يختلفان إليه فى الضحى بين حين وحين فيراقبان عمله فى إدارة الجريدة وتحريرها، ويسمعان أحاديثه فى السياسة والفلسفة والمنطق وفى الأدب العربى أيضًا.
يقول طه لهيكل: كنت أنت طالبًا فى مدرسة الحقوق عند ذلك، وكنت أنا مجاورًا فى الأزهر ثم طالبًا فى الجامعة المصرية، وسافرت أنت إلى فرنسا لإتمام دراسة الحقوق وتركتنى فى مصر.
ويقول هيكل: نعم.. وعلينا نحن الآن إدارة صحيفة «السياسة» وتحريرها، ونرجو أن نكون قد استفدنا من ترددنا على «الجريدة» ومن علم وتجربة أستاذنا لطفى السيد.
وعندما انتقل طه حسين إلى فيلته «رامتان»، التى كانت أول دار يملكها، يحدثنا الزيات عن طقوس العميد فى بيته الجديد، وكان من بين هذه الطقوس زيارة لطفى السيد له.
يقول الزيات: كان يحضر أحيانًا الأستاذ لطفى السيد الذى لم ينقطع عن زيارته مع بُعد المسافة بين منزليهما، بين مصر الجديدة والهرم.
الوقفة الكبرى التى وقفها أحمد لطفى السيد إلى جانب طه حسين كانت عند إخراج العميد من منصبه فى كلية الآداب، وجرت هذه الواقعة فى العام ١٩٣٢.
كان لهذا القرار مقدماته التى تدلنا على ما كان طه حسين وما كان أستاذه أحمد لطفى السيد.
لنقرأ مقدمات ما جرى فى «ما بعد الأيام».
فقد اعتمد مراد سيد أحمد باشا، وزير المعارف، تعيين طه حسين أول عميد مصرى لكلية الآداب، ويبلغ هذا الخبر لمدير الجامعة أحمد لطفى السيد أثناء اجتماع لمجلس الجامعة كان طه حسين يحضره ممثلًا لكليته، فيقدم المدير تهنئته للعميد الجديد، ويقترح عليه أن يقابل الوزير فى صباح اليوم التالى للشكر.
ويعرف مدير الجامعة أثناء الجلسة أن رسولًا أرسله وزير المواصلات توفيق دوس باشا يريد مقابلة الدكتور طه حسين مقابلة عاجلة، فيأذن للعميد الجديد فى مغادرة المجلس لمقابلة رسول الوزير، ويعود طه حسين بعد مدة قصيرة إلى قاعة الاجتماع صامتًا، ثم ينصرف عند انتهاء الاجتماع دون أن يتحدث إلى الرئيس أو إلى الأعضاء فى أمر الرسالة التى حملها إليه رسول وزير المواصلات.
وفى صباح اليوم التالى يستقبل وزير المعارف عميد كلية الآداب الجديد وقد جاء للشكر على التعيين، ولكن الوزير الذى يكرر تهانيه ينتقل إلى موضوع كلفه رئيس الوزراء بالحديث فيه.
إن جريدة جديدة باسم جريدة «الشعب» ستصدر قريبًا بإمكانات غير محدودة لتكون لسان حال الحزب الذى أسسه صدقى باشا، وهو حزب «الشعب»، ودولة الرئيس يعرض على طه حسين رئاسة تحرير هذه الجريدة.
وطه حسين يجيب بأن دولة الرئيس كان فى اليوم السابق قد كلف شخصين آخرين بأن يتحدثا معه فى هذا الموضوع، وهما وزير المواصلات توفيق دوس باشا وعبدالحميد بدوى باشا، وأن جوابه فى الحالين كان هو الرفض بغير تردد، إنه لم يمضِ على انتخابه عميدًا لكلية الآداب غير يوم واحد، وهو أول عميد مصرى للكلية، وهو لا يريد أن يترك دراساته ولا زملاءه الذين انتخبوه ولا تلاميذه ولا كليته.
ويقول مراد سيد أحمد إن إسماعيل صدقى لا يريده أن يترك دراساته، بل يريده أن يتابع فى صحيفة «الشعب» نشر مقالاته الأدبية وبحوثه إلى جانب المقالات السياسية، وأنه سيكون حرًا فى التحرير حرية كاملة، ورئيس الوزراء يؤكد أيضًا أن مطالب طه حسين كلها، مادية وغير مادية، مجابة مقدمًا.
ويكرر طه حسين الرفض.
يقول الوزير: يظهر أن دولة الرئيس يعرفك جيدًا، فقد كلفنى أن أعرض عليك إذا لم ترغب فى التفرغ لرئاسة التحرير أن تبقى عميدًا لكلية الآداب على أن تكتب المقال الافتتاحى للجريدة فقط.
ويرد طه حسين: ليس إلى هذا سبيل؟
فيقول الوزير وهو يرجع إلى ورقة أمامه: إن صدقى باشا يقترح عليك موضوع المقال الافتتاحى فى العدد الأول للجريدة، وهو أن وجود حزب «الشعب» ضرورى لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة.
ويرد طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة فيها شىء من الأسى: دولة الرئيس يحسن اختيار العناوين.
ويقول الوزير: وهو أخيرًا يرضى بأن تكتب المقال على أن يُنشر بغير إمضاء.
فيقول طه حسين: ليست المسألة يا معالى الوزير أن أكتب مقالًا يُملى علىّ موضوعه أو لا يُملى، وأن أُمضيه أو لا أُمضيه، وأن أتحكم فى مقابله المادى أو لا أتحكم، إننى لا أستخفى إذا أردت أن أقوم بعمل من الأعمال، المسألة يا باشا أننى لا أعرف إن كان وجود حزب «الشعب» ضروريًا لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة أم لا، ولكنى أعرف أن المصالح الصحيحة هى فى انصرافى إلى عملى فى كلية الآداب، الذى لم يمضِ على تعيينى عميدًا لها غير يوم واحد، إن كتابتى فى جريدة «الشعب» تضرنا جميعًا ولا تنفع أحدًا، وليس من مصلحة الحكومة أن يعرف الناس أن الموظفين يكتبون فى صحيفتها، ولا ينبغى لعميد كلية الآداب أن يسخّر نفسه للكتابة فى صحف الحكومة فيتعرض بذلك لازدراء الزملاء والطلاب جميعًا.
ويقول الوزير: لا داعى لأن أخبرك طبعًا أنك لو قبلت فإنك ستكون محل التقدير والامتنان من أعلى مقامات البلد، على أنى قد أبلغتك رسالة دولة الرئيس، وسمعت كلامك وفهمت عذرك، وسأنقل ذلك كله للرئيس، فلا داعى إذن للاستمرار فى هذا الحديث.
فى مساء اليوم نفسه يزور طه حسين لطفى السيد ويقص عليه كل ما حدث، ولطفى السيد يبادر فيكلم الأستاذ عبدالحميد بدوى بالتليفون ويقول له: الموضوع الذى تحدثت فيه مع الدكتور طه بالأمس ليس هذا وقت العتاب، ولكننى أرجو أن تعمل كل ما تستطيع لتصرف عنا وعن الجامعة هذه الكارثة.
ويعود طه حسين لدروسه فى كلية الآداب، ولكنه يعلم ذات يوم أن صدقى باشا قد عدل وزارته وأسقط منها مراد سيد أحمد باشا الذى عُيّن وزيرًا مفوضًا لمصر فى بلجيكا، وعيّن مكانه حلمى عيسى باشا وزيرًا للمعارف.
ويقبل لطفى السيد لزيارة طه حسين فى منزله ذات مساء فيذكر أثناء الحديث أن طلب الجامعة الخاص بترقية عميد كلية العلوم مستر بنجهام وعميد كلية الآداب طه حسين قد رُفض، ولكن الوزارة قررت زيادة راتب مستر بنجهام لتعويضه عن عدم الترقية، ويسمع طه حسين الخبر فلا يعلّق، فقد كان يعلم أن رفضه إطاعة أوامر رئيس الحكومة لن يمر بغير عقاب، ولكن المدير يضيف- فى أسف- أن اقتراح كلية الآداب إنشاء قسم للآثار بها قد رُفض أيضًا.
لم يكن هذا هو العقاب الوحيد الذى تلقاه طه حسين بعد أن أصبح عميدًا لكلية الآداب.
يعود أحمد حسن الزيات ليحكى لنا ما جرى.
يتصل وزير المعارف الجديد محمد حلمى عيسى باشا بمدير الجامعة لتنظيم احتفال كبير يشرّفه جلالة الملك، وتمنح الجامعة أثناءه عددًا من درجات الدكتوراه الفخرية لعدد من الأجانب، منهم إنجليزى وفرنسى وإيطالى وألمانى وبلجيكى، ولعدد من المصريين، يريد الوزير أن تُمنح الدرجة الفخرية له هو شخصيًا أولًا ثم لمدير الجامعة لطفى السيد ثانيًا، ثم لرئيس مجلس الشيوخ يحيى إبراهيم باشا، ولرئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا، وأخيرًا لأحد الوزراء الحاليين وهو على ماهر باشا.
ويرد مدير الجامعة بأنه من غير المعقول أن يطلب درجة دكتوراه لنفسه، ويفطن الوزير إلى أنه من غير المعقول كذلك أن يمنح هو هذه الدرجة وهو رئيس الجامعة الأعلى، فيسحب الاسمين اسم لطفى السيد واسمه هو.
ويقول المدير أيضًا إن قانون الجامعة يقضى بعرض هذا الموضوع على مجالس الكليات، ويعترض عميد كلية الآداب طه حسين بأن مرسوم إنشاء الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة، بناء على قرار من مجلس الكلية، هو الذى يختص بمنح درجات الشرف المطلوبة، وليس للوزير أن يقرر شيئًا فى هذا الصدد أو أن يقترح شيئًا، إنه يخشى أن يكون المطلوب هو استعمال الجامعة فى إقامة مهرجان سياسى كبير للحكومة.
ويقول طه حسين: إن الحكومة تريد أن تمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص من الأجانب لا تعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا بأنفسهم لتسلم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبعة وعشرين من فبراير.
ويطلب المدير إلى العمداء مقابلة الوزير للتحدث فى هذا الموضوع، ويذهب طه حسين ومعه الدكتور عبدالوهاب عزام بالنيابة عن كلية الآداب، ويحاولان إقناع الوزير بالعدول عن طلباته، ولكنه يظل مصرًا على رأيه، بل يتحدث بلهجة الأمر، فيرد طه حسين على الوزير قائلًا: إن عميد كلية الآداب ليس عمدة يا معالى الوزير.
ويُعرض الموضوع على مجالس الكليات الأربع، فيرفض مجلس كلية العلوم برئاسة المستر بنجهام البريطانى، ويطلب مجلس كلية الآداب برئاسة طه حسين إحالة الموضوع إلى لجنة تنسيق بين الكليات الأربع للنظر فيه، أما مجلسا كليتى الطب والحقوق فإنهما يقبلان.
وبعد ذلك بأيام يعلم عميد كلية الآداب أن الوزير لم يصدّق على اللائحة الجديدة للجامعة، التى كان قد اشترك فى إعدادها، وهى لائحة تنص على ضمانات للأساتذة شبيهة بضمانات القضاء.
ويُقام الاحتفال فى موعده، وعند انتهائه يلاحظ الملك أن الهتاف لجلالته لم يكن من الحماس بالشكل الذى يرضيه، وأثناء الزيارة الملكية للجامعة يسير الملك محاطًا برجال الحكومة والجامعة، وهو يحيى الطلاب المجتمعين فى الأماكن التى حددها لهم رجال الأمن، وكان المنتظر أن يعلو هتاف الطلاب للملك، ولكنهم جعلوا يهتفون للجامعة وأساتذتها.
وبعد أربعة أيام من إقامة هذا الاحتفال يقرأ قُراء جريدة «المقطم» خبرًا صغيرًا نصه: إن حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية قد قرر نقل الأستاذ الدكتور طه حسين من كلية الآداب إلى وزارة المعارف العمومية فى وظيفة مساعد لمراقبة التعليم الأولى.
أجمل محمد حسن الزيات ما جرى، كان مهذبًا فى عرض ما حدث بعد إقالة طه حسين من عمادة كلية الآداب.
فما جرى أن الملك فؤاد لم يغضب فقط من تجاهل الطلاب له، وعدم حماسهم فى الهتاف باسمه، ولكن لأنه رصد هجومًا عليه وعلى رئيس وزرائه إسماعيل صدقى.
كان موقف طلاب كلية الآداب رائعًا، فقد اعترضوا على قرار الملك، وطالبوا عمداء الكليات الأخرى بأن يستقيلوا من مناصبهم احتجاجًا، وأعلنوا أنهم لن يعودوا إلى الدراسة مرة أخرى إلا بعد عودة العميد إلى منصبه.
احترامًا وتقديرًا لمدير الجامعة أحمد لطفى السيد امتنع الطلاب عن التظاهر أو إظهار الغضب، اكتفوا بتشكيل لجنة لمقابلته.
قابل لطفى السيد الطلاب الذين اعتقدوا أنهم سيتحدثون معه فى مسألة عميدهم طه حسين، لكنهم فوجئوا بأنه يحدثهم فى مسألة أخرى تمامًا.
قال لهم: كنا مجتمعين نتباحث فى ترجمة كلمة «صوفى» اليونانية إلى العربية، ومن كان منكم عنده رأى فليبدِه فى اجتماعنا هذا، فلعلنا نستفيد من بعضنا لأنكم أساتذة المستقبل.
عقدت المفاجأة ألسن طلاب الآداب، لكن لطفى السيد واصل حديثه، قال: إننا نستطيع أن نسمى الصوفيين أهل السماحة.. فهل توافقون؟
دون مبالاة قال الطلاب فى صوت واحد تقريبًا: نوافق بالطبع، لكن أحدهم قطع هذا الحديث وقال للطفى السيد: لقد جئنا نطلب منك الانضمام إلينا والاستقالة احتجاجًا على نقل عميدنا الدكتور طه حسين.
كان لطفى السيد قد كتب استقالته بالفعل، وقال لطلابه: سوف أرسلها إلى السكرتير الآن لينسخها، حتى أقدمها إلى وزير المعارف.
كان وزير المعارف وقتها حلمى عيسى باشا.
كتب إليه لطفى السيد يقول: أتشرف بإخبار معاليكم أنى أسفت لنقل د. طه حسين عميد كلية الآداب إلى وزارة المعارف، لأن هذا الأستاذ لا يستطاع فيما أعلم أن يُعوَّض الآن على الأقل، لا من جهة الدروس التى يلقيها على الطلبة فى الأدب العربى ومحاضراته العامة للجمهور، ولا من جهة هذه البيئة التى خلقها حوله وبث فيها روح البحث الأدبى وهدى إلى طرائقه.
كما أسفت لنقل د. طه حسين على هذه الصورة دون رضا الجامعة ولا استشارتها كما جرت عليه التقاليد المطردة منذ نشأة الجامعة فيما أعرف، وكل ذلك يذهب بالسكينة والاطمئنان الضروريين لإجراء الأبحاث العلمية، وهذا بلا شك يفوت على شخصى غرضًا قصدته من خدمة الجامعة، ومن حيث إنى لا أستطيع أن أقر الوزارة على هذا التصرف، الذى أخشى أن يكون سنة تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وغيرها، أتشرف بأن أقدم بهذا إلى معاليكم استقالتى من وظيفتى.
كان لطفى السيد رجلًا حكيمًا، ولم تكن استقالته إلا بعد أن حاول إثناء الحكومة عن قرارها بإقالة طه حسين من منصبه، فقد تحدث إلى وزير المعارف، واقترح عليه أن يعود طه إلى كلية الآداب كأستاذ وليس عميدًا، وأنه طلب ذلك بنفسه نظرًا للأعباء الكثيرة التى كان يتحملها فى العمادة، لكن وزير المعارف رفض وأصر على أن يعود العميد إلى منصبه.
خرج لطفى السيد من مكتب وزير المعارف واتجه إلى رئيس الوزراء إسماعيل صدقى، وحاول أن يصل معه إلى حل لأزمة تلميذه الدكتور طه حسين، إلا أنه فشل تمامًا، فلم يجد أمامه لتسجيل موقفه إلا أن يتقدم باستقالته.
قبلت الحكومة استقالة أحمد لطفى السيد، وانتقل طه حسين إلى وزارة المعارف، ولم يعودا إليها إلا بعد تغيير الوزارة، عندما أصبح محمد توفيق نسيم رئيسًا للوزارة، حيث عاد طه إلى العمادة فى ديسمبر ١٩٣٤، وعاد لطفى السيد إلى مكتبه كمدير للجامعة فى ١٩٣٥.
لكن هذه لم تكن الأزمة الوحيدة.
ففى العام ١٩٣٩، وبينما كان طه حسين لا يزال عميدًا لكلية الآداب وأحمد لطفى السيد مديرًا للجامعة، جمعت بينهما مشكلة أثبتت مدى قربهما، ومساندة الأستاذ لتلميذه.
فى مارس من العام ١٩٣٩ واجهت كلية الآداب عاصفة من الهجوم الحاد والمتواصل بسبب ما تناقلته الصحف من أن قسم اللغة الإنجليزية فى الكلية يدرس للطلاب نصوصًا إنجليزية هى «جان دارك» لـ«برنارد شو» و«أحاديث خيالية» لـ«لندر»، وهى النصوص التى تحمل طعنًا واضحًا فى الإسلام وتعديًا وتجاوزًا فى حق النبى محمد، صلى الله عليه وسلم.
أشعلت جماعة الإخوان هذه الأزمة ووقفت وراءها، والدليل على ذلك ما ذكره محمد عبدالحميد أحمد فى كتابه «ذكرياتى مع الإخوان» عن هذه الواقعة.
على غلاف الكتاب يعرّف محمد عبدالحميد أحمد نفسه بأنه عميد طلاب الإخوان المسلمين.
وفى تقديم محمد حامد أبوالنصر للكتاب يقول عن مؤلفه إنه أحد رجال جماعة الإخوان المسلمين، ومن الرعيل الأول، إذ إنه أول من حمل فكرة الإخوان المسلمين واقتحم بها الجامعة المصرية «فؤاد الأول» وغزا بها قلوب الشباب وجمعهم على كلمة التوحيد فاعتزوا به وأعز بهم، ومن ثم انتشرت الدعوة الإسلامية فى جميع دور العلم، وقاموا بنشرها فى حماس وفهم واستقامة على أمر الله.
ويشير حامد أبوالنصر إلى أن مذكرات محمد عبدالحميد أحمد سُجلت فى شكل حوار بين المؤلف والأستاذ صلاح عبدالمقصود، وقد كان عبدالمقصود واحدًا من كوادر جماعة الإخوان الإعلامية، وأصبح وزيرًا للإعلام فى حكم الإخوان، قبل أن يهرب من مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣.
يقول محمد عبدالحميد أحمد تحت عنوان «ثورة داخل الكلية»:
حدث فى هذا العام ١٩٣٩ حادث الثورة على الكتب المقررة فى قسم اللغة الإنجليزية وهو كتابا «جان دارك» للكاتب الأيرلندى المشهور «برنارد شو»، و«أحاديث خيالية» لـ«لندر»، تناولا فيه شخصية الرسول، عليه الصلاة والسلام، تناولًا يتضمن الإساءة والتجريح، وإن كانت هذه فى صورة حوار بين اثنين ولكن القارئ لهذا الحوار يحس روح المؤلف فى السخرية والاستهزاء بالرسول، عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن التجريح فى هذا الحوار لم يقابله من الطرف الآخر، فتجلّى التجريح مسيطرًا على أسلوب الكاتب فى هذا الحوار.
ويضيف: رأيت أن نتقدم باسم طلاب الإخوان المسلمين وقسم اللغة الإنجليزية، ولم يكن معنا فى الواقع إلا شباب الإخوان فقط من جميع الأقسام، ولكننا تكلمنا باسم القسم كله لتعزيز طلبنا، فما كان من الأستاذ العميد طه حسين إلا أن تعجب من هذه الثورة التى لا محل لها فى نظره قائلًا: إن طريق الدفاع عن الإسلام لا يكون بالثورة وإنما يكون بالرأى والإقناع.
أجابه عبدالحميد- كما يقول- قائلًا: إن الإقناع بالرأى إنما يكون عند مقابلة الرأى بالرأى والفكر، وإنما يعالج بالاحتجاج والثورة، وهذا الذى قمنا به، إزاء هذه الشتائم والإهانات التى تثير المشاعر، فهى كمن يصفع خصمه بيده، فهل يدفع المصفوع نفسه بكلمة من الكلمات أو برأى من الآراء؟ أم يدفع بصفعة أقوى وأردع؟
يخبرنا عبدالحميد بما جرى بعد ذلك، يقول: نشرت الصحف المصرية، وعلى رأسها صحيفتا المصرى والأهرام، أنباء هذه الثورة الجامعية، وسرت أنباء هذه الثورة فى المعاهد والجامعات، فقامت كلية أصول الدين بالجامع الأزهر بمظاهرة كبيرة محتجة على تقرير هذه الروايات الآثمة الطاعنة فى ديننا وعقيدتنا ورسولنا، عليه الصلاة والسلام، وكذلك بقية المعاهد الأزهرية، وقامت بعض المدارس الثانوية، ومن بينها المدرسة الفاروقية بالزقازيق وغيرها، بمظاهرات تهتف بسقوط الاستعمار الفكرى، وتهتف: نريد حرية الفكر لا حرية الكفر، وتهتف: نحن للإسلام قمنا نبتغى رفع اللواء فليعد للدين مجده أو ترق فيه الدماء.
لم يكتف طلاب الإخوان بالمظاهرات والتحريض على الاحتجاجات، بل استعانوا بالصحافة، لجأوا إلى جريدة «المصرى»، التى نشرت تقريرًا تحت عنوان «تدريس الطعن فى النبى الكريم فى كلية الآداب».
ويقول عبدالحميد: أثار هذا المقال ثائرة الرأى العام فى مصر، ذلك لأن جريدة «المصرى» كانت جريدة وفدية لها شعبيتها الواسعة، وكان محررها موفقًا فى كلمته الخاصة تحت هذا العنوان، فهو لم يكتفِ بنشر الاحتجاج وإنما كتب كلمة مستفيضة بأسلوبه الصحفى الممتاز يعيب على المسئولين بالجامعة تقرير مثل هذه الروايات لشبابنا المثقف، ويعيب على بعض الطلاب المنحلين والحزبيين الذين كانوا يسخرون من طلاب الإخوان المسلمين وينظرون إليهم على أنهم صنف غريب كان ينبغى أن ينتمى إلى الأزهر لا إلى الجامعة المصرية.
كان لا بد من موقف واضح للرد على هذه الفتنة الإخوانية التى اصطنعت بها الجماعة أزمة حتى تصدر نفسها بأنها الحامية للدين والمحافظة عليه.
تقدم الدكتور طه حسين باستقالته من الجامعة، بعد أن رأى أنها تتهاون فى التعامل مع الأزمة، ولا تأخذ موقفًا حازمًا مع مثيرى الشغب ولا مع من يحاولون التدخل فى العمل الجامعى.
أرسل طه حسين إلى لطفى السيد، مدير الجامعة، استقالته التى قال فيها:
حضرة صاحب المعالى مدير الجامعة المصرية، أتشرف بأن أرفع إلى معاليكم ما يأتى:
عندما تحدثتم إلىّ بشأن شكوى بعض الناس من قراءة كتابىّ «جان دارك» لـ«برنارد شو»، و«أحاديث خيالية» لـ«لندر»، وعدت معاليكم بأننى سأنظر فى الأمر، وبأنى لن أتردد فى أن أطلب إلى مجلس الكلية منع قراءة هذين الكتابين إن كان فيهما شىء يجرح الشعور الدينى أو يهين الإسلام، ثم تحدث إلىّ معالى الوزير محمد حسين هيكل باشا، فحددت له هذا الوعد، ولم تنقضِ ساعات حتى علمت منكم، ثم من الصحف، أن جامعة الأزهر تدخلت فى الأمر، واحتجّت عند حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس الوزراء محمد محمود باشا.
ولما كان الغد عرضت الأمر على مجلس الكلية فسمع بيان الأستاذ المختص، ونظر بنفسه فى الكتابين، ورأى أنه ليس على الكلية بأس من قراءة قصة «جان دارك»، لأن كاتبها لم يرد إيذاء الإسلام، وإنما صوّر رأى أسقف متعصب جاهل من أساقفة القرون الوسطى، ثم رد عليه، ورأى المجلس كذلك أن الفصول التى تُقرأ من كتاب «أحاديث خيالية» لا تمس الإسلام من قريب ولا من بعيد، واعتبر الأمر منتهيًا، ورفعت إلى معاليكم تقرير المجلس، فوافقتم عليه كتابة وأرسلتموه مع موافقتكم إلى حضرة صاحب المعالى الوزير، وقد صرّحتم لى ولغيرى من الزملاء بأنكم ترون رأى الكلية، وتتضامنون مع المجلس فيما يتخذ من قرار ولا تسمحون بالتدخل فى الشئون التعليمية للجامعة بحال من الأحوال، وقد صرّح معالى الوزير لى ولغيرى من الزملاء بأنه لا يرى غبارًا على تصرف الكلية.
اعتقدت أن الأمر انتهى، لكننى عرفت أن رئيس الوزراء كتب إلى الأزهر ينبئه بأنه أمر بمنع قراءة الكتابين وبجمعهما من أيدى الطلاب، ثم قام طلاب من خارج كلية الآداب باقتحامها، وانتهاك حرمات الدروس، وإخراج الطلاب من دروسهم، والاعتداء على الطالبات بما يجب أن تعف عنه الألسنة النزيهة، وإهانة العميد والمناداة بسقوطه والهجوم على غرفته، وأن المتظاهرين تفرقوا بعد ذلك دون أن تعنى الجامعة بحماية الكلية أو ردهم عنها.
وكنت أظن أن أول شىء كانت تجب العناية به هو حماية الكلية من العدوان، ومعاتبة المعتدين وتمكين الأساتذة والطلاب من أداء واجبهم العلمى، لهذا كله أرجو أن تتفضلوا فترفعوا إلى معالى الوزير استقالتى من منصب العميد، وأنا بالطبع مستعد لأداء واجبات الأستاذ كلها يوم يحمى الأساتذة والطلاب فى كلية الآداب من مثل العدوان الذى حصل اليوم.
تلقى أحمد لطفى السيد استقالة طه حسين فى ٢١ مارس ١٩٣٩ وبعد خمسة أيام، وفى ٢٦ مارس، رد على العميد برفضها برسالة قصيرة قال له فيها: حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، تحية وسلام، اطلعت على استقالتكم التى حررتموها بتاريخ ٢١ مارس سنة ١٩٣٩، وقد أسفت أشد الأسف للحوادث التى دعتكم إلى تقديمها، ويسرنى كل السرور أن أعيد إليكم هذه الاستقالة راجيًا أن تعودوا إلى عملكم فى الكلية بما أعرفه لكم من كفاية وإخلاص.
فوّت لطفى السيد على خصوم طه حسين استقالته من منصبه، وفوّت طه حسين عليهم أيضًا ما يريدونه من صناعة فتنة، فعاد إلى منصبه فى الجامعة.

لم يكن دور أحمد لطفى السيد فى حياة طه حسين عابرًا أبدًا، بل كان مؤثرًا وطاغيًا، ساعده فى تشكيل أفكاره، ودعمه فى أن يواصل عمله فى الجامعة، وظل طه معتزًا بأستاذه، وهو الاعتزاز الذى وصل إلى أن لطفى السيد كان الشاهد الأول على عقد قران أمينة، ابنة طه، فى منزله بالزمالك فى ١٢ يونيو ١٩٤٨، وكان الشاهد الثانى هو مصطفى باشا النحاس.
ورغم أن أحمد لطفى السيد حصل على قلادة النيل، وهى أرفع وسام تكريمى فى العام ١٩٥٩، فإن طه حسين عندما حصل على القلادة نفسها، فى العام ١٩٦٥، قال إنه يهديها مرة ثانية إلى أستاذه وأستاذ الجيل أحمد لطفى السيد، فقد كان طه يعرف أن كل ما أنجزه فى حياته الفكرية لأستاذ الأجيال نصيب فيه.







