شخصيات نتعلم منها الحيلة
الهارب إلى المجهول.. زيارة جديدة إلى عالم دون كيشوت
- أعظم ما نتعلمه من دون كيشوت أن الرغبة فى حياة أكبر لا تعفينا من فهم الحياة التى بين أيدينا
قبل أن تقرأ
لم أفكر من قبل فى كتابة هذا الكتاب. كانت لدى مشروعات أخرى، وأسئلة أخرى تشغلنى، ولم يخطر ببالى أن أختار من الروايات التى قرأتها شخصيات أعود إليها، لا لأروى حكاياتها، إنما لأفهم من خلالها شيئًا مما يجرى فى نفوسنا وفى علاقاتنا بالآخرين.
ثم وقع حادث لم يكن فى الحسبان. وجدت نفسى ملازمًا للفراش، وقد ضاقت مساحة الحركة واتسعت ساعات اليوم. لم تكن الإصابة تجربة أتمناها، ولا أريد أن أبحث لها عن فضيلة لا تملكها. لكنها فرضت علىّ وقتًا طويلًا، ومنحتنى فرصة لمراجعة فكرة ظلت بعيدة عن مشروعاتى: ماذا لو عدت إلى الشخصيات الروائية التى لم تغادر ذاكرتى، وسألت كل واحدة منها عما تعرفه عن الإنسان؟.
لم أبحث عن أبطال نحبهم أو أشرار ندينهم. اخترت شخصيات مركبة، بعضها يثير إعجابنا ثم يفاجئنا بما يصعب الدفاع عنه، وبعضها نرفض أفعاله ثم نكتشف أن وراءها خوفًا أو ضعفًا أو تصورًا مشوهًا للعالم. شخصيات لا يكفى أن نصدر عليها حكمًا واحدًا، لأنها تشبه البشر أكثر مما تشبه الأحكام التى نطلقها عليهم.
فالإنسان لا يعيش إلا تجربته الخاصة، مهما اتسعت حياته، تظل محكومة بما صادفه من ظروف، وما اتخذه من قرارات، وما عرفه من أشخاص، لكنه حين يقرأ رواية عظيمة يدخل تجربة لم يعشها، ويرى العالم من موقع لم يقف فيه، ويختبر نتائج اختيارات لم يتخذها. والرواية الصادقة فنيًا لا تمنحه معلومات عن الناس فحسب، بل تضعه داخل تناقضاتهم، حتى يرى كيف يمكن للحب أن يتحول إلى أذى، وللإخلاص إلى قسوة، وللطموح إلى خيانة، وللخوف إلى قانون يحكم حياة صاحبه.

لذلك لا أتصور أن نتعلم من الأدب أن نضع الفضائل فى قائمة نقلدها، والخطايا فى قائمة نتجنبها، الأمر أصعب من ذلك وأكثر فائدة، علينا أولًا أن نفهم: لماذا فعل هذا الإنسان ما فعل؟ ماذا كان يعرف حين اختار؟ ماذا عجز عن رؤيته؟ وأين تنتهى مسئوليته وتبدأ سلطة الظروف عليه؟ قد نعثر فى شخصية نبيلة على ضعف نخشى أن يكون فينا، وقد نتعرف فى شخصية مذنبة إلى خطأ ارتكبناه من قبل دون أن ننتبه إليه.
الأدب العظيم لا يقدم لنا بشرًا صالحين للاستعمال بوصفهم نماذج جاهزة، إنه يوسع قدرتنا على النظر، ويعلمنا ألا نخلط بين النية والنتيجة، ولا بين فهم الخطأ وتبريره، ولا بين إدانة الفعل وإلغاء الإنسان الذى ارتكبه، وكلما صدق الروائى فى بناء شخصياته، أصبحنا أقل اطمئنانًا إلى أحكامنا السريعة، وأكثر قدرة على فهم تعقيد العلاقات التى نعيشها كل يوم.

لهذا جمعت شخصيات من الأدب العربى والعالمى، تفصل بينها الأزمنة والبلدان واللغات، وتجمعها قدرتها على إثارة أسئلة لم تفقد معناها، لا أدعى أن اختيارى يمثل أفضل ما كتبته الرواية، ولا أننى سأصل مع كل شخصية إلى حكم نهائى. ما أريده أن أقرأها بعقل واحد، يحاول الإنصاف دون تساهل، والفهم دون اعتذار، وأن أخرج من كل تجربة بسؤال يجعلنى أرى حياتنا على نحو أوضح.
ربما كان الإنسان أعقد مخلوقات الكون، لا لأننا نجهل عنه كل شىء، بل لأن ما نعرفه عنه لا يكفى أبدًا للتنبؤ بما سيفعله حين يحب أو يخاف أو يطمع أو يتعرض للخذلان، ومن حسن حظنا أن الأدب لا يتركنا أسرى تجربتنا الواحدة، إنه يفتح لنا حيوات أخرى، لعلنا حين نعود منها إلى حياتنا نكون أقدر على فهم أنفسنا، وأقل استعدادًا لأن نخسرها.
من السهل أن نضحك على دون كيشوت وهو يهاجم طواحين الهواء متوهمًا أنها عمالقة، لكن الضحك يصبح أصعب عندما نسأل: ما الذى جعل رجلًا فى مثل سنه يترك بيته وحياته المألوفة، ويلبس درعًا عتيقة، ويخرج إلى الطرقات بحثًا عن معارك لا وجود لها؟ لماذا لم تكفه حياته حتى احتاج إلى اختراع حياة أخرى؟.
يقدم الكاتب ميجيل دى ثيربانتس رجلًا من نبلاء الريف محدودى الثراء، اسمه ألونسو كيخانو، استغرق فى قراءة كتب الفروسية حتى اختلطت عليه حكاياتها بالعالم الذى يعيش فيه. وهذه واقعة أساسية لا يصح تجاوزها إلى تفسير نفسى جاهز، فالرواية تسخر من أثر تلك الكتب فى عقله، ومن المسافة الهائلة بين لغة الفرسان القديمة وإسبانيا التى يخرج إليها، لكن اختلال إدراكه لا ينهى السؤال عن معنى رحلته، بل يفتحه: لماذا تبدو له حياة الفارس أوسع من حياته هو؟.

لم يكن ألونسو مطاردًا ولا محرومًا من مأوى، كان يستطيع أن يواصل أيامه فى القرية، وأن يبقى رجلًا يقرأ مغامرات غيره، لكنه اختار أن يصير صاحب المغامرة. سمى نفسه دون كيشوت، وسمى حصانه روسينانتى، واختار دولثينيا سيدةً يهدى إليها انتصاراته.
ولم تكن هذه الأسماء مجرد زينة لحكايته، بل كانت وسيلته إلى خلق عالم يستطيع أن يعيش فيه فارسًا، له واجب يؤديه، ومجد يسعى إليه، وامرأة يقاتل من أجلها، بعد أن كان رجلًا عاديًا لا ينتظره أحد، ولا ينتظر منه أحد شيئًا.
هنا يمكن أن نلمح حاجة إنسانية تتجاوز جنون الشخصية، دون أن نزعم معرفة سرها النفسى كله، فقد لا يعجز الإنسان عن احتمال حياته بسبب الألم وحده، أحيانًا يعجز عن احتمال ضآلتها فى عينيه، يريد أن تكتسب أفعاله معنى وقيمة، وأن يرى فى أيامه مهمة لا مجرد تتابع من العادات، غير أن دون كيشوت لم يبتكر طريقًا يناسب عالمه، استعار طريقًا من الكتب، ثم طالب العالم بأن يتغير حتى يطابقه.
فى أولى مغامراته يدخل نزلًا متواضعًا فيراه قلعة، ويطلب من صاحبه أن يقلده الفروسية، فيسايره صاحب النزل فى طقس مضحك، بينما يتلقى دون كيشوت المشهد بجدية كاملة. المفارقة هنا ليست أن الرجل يرى شيئًا غير الموجود فحسب، إنه يحتاج إلى اعتراف الآخرين بهويته الجديدة، لا يكفى أن يعلن نفسه فارسًا، بل ينبغى أن توجد قلعة، ومن يمنحه لقب الفارس، وأناس يشهدون ميلاده الثانى، ولأن العالم لا يوفر ذلك، يستعين بخياله وبمسايرة الآخرين له.
ثم تأتى طواحين الهواء. يرى تابعه سانشو بانثا الطواحين واضحة، لكن سيده يراها عمالقة ينبغى قتالهم، ويحذره سانشو، لكنه يندفع، فتطرحه الأشرعة أرضًا، ولا تدفعه الهزيمة إلى التخلى عن رؤيته، يفسرها بتدخل ساحر حوّل العمالقة إلى طواحين.
هذا المشهد يكشف عن آلية بالغة الخطورة: حين تصبح الفكرة أساس هوية الإنسان، قد لا يعود الدليل المضاد سببًا لمراجعتها، بل مادة لتفسير جديد يحميها، إنه لا يخسر معركة أمام طاحونة فقط، إنه يرفض أن يسمح للواقع بإلغاء الفارس الذى تلبسه.
لكن الاكتفاء بهذا الجانب يجعل دون كيشوت مجرد رجل مضحك يخدع نفسه، وهذا أقل كثيرًا مما صنعه ثيربانتس، فالرجل يريد حقًا نصرة الضعفاء ومقاومة الظلم، وفى شجاعته شىء لا يستطيع القارئ أن يحتقره، المشكلة أن النية النبيلة لا تمنح صاحبها معرفة صحيحة بما يحدث أمامه، قد يسعى الإنسان إلى إنقاذ شخص من الظلم، فيزيد معاناته؛ لأنه لم يفهم الظروف التى يعيش فيها.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح فى حادثة الصبى أندريس، الذى يجده دون كيشوت يتعرض للضرب على يد سيده، فيتدخل ويأمر الرجل بالكف عن ضربه ودفع أجره، ثم يغادر مطمئنًا إلى أن كلمته بوصفه فارسًا تكفى لحماية الصبى، لكن السيد يعود إلى تعذيبه بعد رحيل من ظن نفسه منقذًا له.
هنا لا تكون المأساة فى وهم العمالقة، بل فى وهم آخر أقرب إلى حياتنا: أن إعلان الحق يضمن تحققه، وأن حسن المقصد يغنينا عن معرفة موازين القوة وما سيحدث بعد أن نغادر المكان.
هذا المشهد يجعلنا نعيد النظر فى البطولة نفسها، هل البطولة أن نمتلك الشجاعة للتدخل، أم أن نفهم أيضًا عواقب تدخلنا؟ دون كيشوت يملك الأولى بوفرة، لكنه كثيرًا ما يفتقد الثانية، ولهذا لا يصح أن نضعه فى صف الحكماء لمجرد أن قلبه مع المظلوم، ولا أن ننفى عنه النبل لأن أفعاله تثير السخرية، إنه يجمع فى شخص واحد فضيلة تحتاج إليها الحياة، وعمى قد يجعل هذه الفضيلة مصدر أذى.
وإلى جانبه يسير سانشو بانثا، الذى لا يملك درعًا ولا لغة الفروسية، لكنه يعرف ثقل الجوع، وألم الضرب، وحدود ما يحتمله الجسد، قد يبدو فى البداية تابعًا ساذجًا أغرته وعود الحكم والثراء، لكنه يمنح الرحلة ميزانًا آخر. ينبه سيده إلى ما تراه العين، ويذكّره بالطعام والنوم، ويسأل عما ستؤول إليه المغامرة. ومع ذلك لا يبقى سانشو صوت العقل الخالص؛ فهو ينجذب شيئًا فشيئًا إلى الحكاية التى يعيشها مع سيده، كما يتعلم دون كيشوت أحيانًا من صحبته، وتلك إحدى أجمل مفارقات الرواية: الواقعى لا يستطيع أن يعيش بلا نصيب من الخيال، والحالم لا يواصل رحلته من دون من يذكره بالأرض.
ليست العلاقة بينهما درسًا مبسطًا يقول إن الحقيقة فى منتصف الطريق بين العقل والخيال. فقد تكون الحقيقة قاسية ولا تقبل المساومة، وقد يكون الخيال ضرورة لبدء تغيير لم يتصوره الناس. لكن ثيربانتس يجعلنا نرى الثمن الذى ندفعه عندما نسمح لأحدهما بأن يلغى الآخر. سانشو الذى لا يرى إلا الطعام والمكسب سيضيق عالمه، ودون كيشوت الذى لا يرى إلا رسالة الفارس يعرض نفسه ومن حوله للخطر، وما بين الرجلين تنشأ صداقة أكثر واقعية من كثير من معارك الفروسية المتخيلة.

وثمة جانب آخر لا ينبغى أن يضيع وسط الحديث عن الوهم: دون كيشوت لا يعيش وحده داخل خياله، فالناس من حوله يتدخلون فيه، بعضهم يسايره للمرح، وبعضهم يخدعه عمدًا، وبعضهم يصنع له مغامرات ليتسلى بعجزه عن التمييز.
عند الدوق والدوقة تتحول أحلامه وأحلام سانشو إلى لعبة قاسية يديرها أصحاب السلطة والفراغ، هنا يتغير موضع السخرية، فالرجل الذى يخطئ فى إدراك العالم قد يكون أقل قسوة من أناس يدركونه جيدًا ويستخدمون معرفتهم لإذلاله، ليس كل من يرى الواقع بوضوح أقدر على الرحمة.
وتزداد الشخصية تعقيدًا لأن دون كيشوت يستطيع أحيانًا أن يتكلم بحكمة واتزان فى مسائل لا تمس أوهامه الفروسية، لا يرسم ثيربانتس شخصية فقدت قدرتها على التفكير فى كل المواقف، بل رجلًا تتجاور فيه بصيرة لافتة واختلال صارخ، وهذه الازدواجية تمنعنا من إغلاق الملف بكلمة «مجنون»، إننا نواجه إنسانًا قد يقول كلامًا صائبًا عن العدل والكرامة، ثم يخطئ خطأ فادحًا فى تحديد الشخص الذى يحتاج إلى النجدة أو الخطر الذى ينبغى مقاومته.
فهل كان دون كيشوت هاربًا إلى المجهول حقًا؟ ظاهريًا لا، كان يعرف ما يريد أن يكونه: فارسًا جوالًا يقيم العدل ويخلد اسم دولثينيا، لكن الطريق الذى اختاره لم يكن يقوده إلى عالم موجود، لقد امتلك هدفًا واضحًا وخريطة لا تصلح للأرض التى يسير فوقها، وفى هذا المعنى كان هروبه إلى المجهول أعمق من سفر رجل بلا وجهة، فقد مضى واثقًا من طريق لم يختبر حقيقته.
ولا تقتصر هذه المفارقة على من يقرأون كتب الفروسية حتى يصدقوها. كم من إنسان يبنى حياته على صورة مثالية عن عمل أو حب أو سلطة، ثم يفسر كل فشل على أنه خيانة من العالم للصورة التى يحملها؟ الفارق أن أوهام دون كيشوت ظاهرة للعيان، أما أوهامنا فقد تستند إلى أفكار محترمة، أو شعارات يتفق عليها كثيرون، فلا نلاحظ المسافة بينها وبين ما يحدث فعلًا، غير أن المقارنة لا تجعل كل حلم وهمًا، الفارق الحاسم هو استعداد صاحبه لأن يتعلم من النتائج، وأن يصحح الوسيلة حين تكذبها الوقائع.

وفى نهاية الرحلة يعود دون كيشوت مهزومًا إلى قريته، ويستعيد اسم ألونسو كيخانو وعقله، ويتبرأ من كتب الفروسية، ثم يموت.
ليس فى الرواية ما يجيز الجزم بأنه مات؛ لأنه فقد الوهم الذى كان يعيش به، لكن مجاورة الإفاقة للموت تضع أمامنا سؤالًا مؤلمًا: ماذا يبقى من حياة أقام صاحبها معناها كله على قصة، عندما تنهار هذه القصة؟ لا ينبغى أن نختار له الجنون بديلًا من الحقيقة، لكننا نستطيع أن نفهم فداحة أن يصل إلى الحقيقة متأخرًا، من دون وقت كافٍ ليصنع بها حياة أخرى.
وأحسب أن أعظم ما نتعلمه من دون كيشوت ليس أن نتخلى عن الأحلام، ولا أن نحتفظ بها مهما أنكرتها الوقائع، إنه يعلمنا أن الرغبة فى حياة أكبر لا تعفينا من فهم الحياة التى بين أيدينا، الشجاعة لا تغنى عن البصيرة، والرحمة لا تكتمل بحسن النية، والمعنى الذى نبحث عنه لا يصبح حقيقيًا لمجرد أننا نحتاج إليه.
خرج ألونسو كيخانو من بيته لكى يكون شخصًا آخر، فصار دون كيشوت الذى يعرفه العالم كله، لكنه ترك لنا سؤالًا أشد صعوبة من سؤال الطواحين: كيف نصنع لأنفسنا حياة تستحق أن تُعاش، من دون أن نضطر إلى إنكار العالم الذى سنعيشها فيه؟.







