جدلية فرانكفورت.. حديث مفتوح مع الناشر الكبير إبراهيم المعلم
- كثرة الأجنحة لا تكشف عن عدد علاقات العمل التى نشأت ولا عدد الندوات يوضح مقدار ما أضافته ولا تمثيل الدول يشرح طبيعة مشاركتها
- عدد الزوار مهما بلغ لا يخبرنا وحده عن موقع المعرض فى صناعة النشر الدولية
- أتمنى أن يصبح حضور الثقافة المصرية معرفة متجددة وعلاقات وعملًا يستمر
- أعتقد أن مصر تستطيع تقديم حضور ثقافى دولى يليق بها ويتطلب ذلك تعاونًا بين المؤسسات وأصحاب الخبرة
اختص المترجم دسوقى سعيد «حرف» بهذه القراءة التحليلية المعمّقة فى كواليس صناعة النشر ومعارض الكتاب الدولية، مُسلطًا الضوء على شهادات حية وموثّقة من قلب معرض فرانكفورت الدولى للكتاب.
ويطرح «سعيد»، تساؤلات نقدية جريئة حول المعايير الحقيقية لتقييم معارض الكتاب الكبرى، متوقفًا عند العبارة الشائعة التى تصف معرض القاهرة الدولى للكتاب بأنه الثانى عالميًا بعد فرانكفورت دون سند أو معيار دقيق.
ويستعرض تطور معرض فرانكفورت عبر الزمن، مقارنًا إياه بعدة معارض دولية وعربية أخرى مثل لندن وبولونيا وجوادالاخارا والشارقة، وموضحًا الفارق الجوهرى بين الوظائف الجماهيرية والمهنية لصناعة النشر.
وفى الختام، يوجّه نداءً جادًا للتدقيق فى المستندات والبيانات الرسمية، لضمان بناء وعى ثقافى دقيق يضع الثقافة المصرية فى حجمها الحقيقى الذى تستحقه، بعيدًا عن الشعارات الدعائية غير الموثقة.

هل القاهرة حقًّا الثانية بعد فرانكفورت؟
أعادتنى شهادة الناشر إبراهيم المعلم، فى لقائه مع الإعلامية لميس الحديدى، إلى سنوات طويلة من الحضور والمشاركة فى معرض فرانكفورت الدولى للكتاب؛ سنوات اقتربت من عشرين عامًا متصلة، تابعت خلالها عالم النشر الدولى، وكيف تقدم الدول ثقافاتها، وكيف تعبر الكتب حدود لغاتها إلى قراء جدد. وأعادتنى أيضًا إلى العبارة التى تتكرر عند الحديث عن معرض القاهرة الدولى للكتاب: «ثانى أكبر معرض للكتاب فى العالم بعد فرانكفورت».
عبارة تمنح شعورًا سريعًا بالاعتزاز، لكنها تستحق وقفة جادة، احترامًا لمصر ومعرضها وقرائها. فالثانى بأى معيار؟ بعدد الزوار، أم مساحة العرض، أم عدد الناشرين، أم حجم تداول حقوق النشر والترجمة، أم تأثير المعرض فى صناعة الكتاب العالمية؟ ومن الجهة التى وضعت هذا الترتيب؟ وهل قارنت بين المعارض وفق معايير معلنة ووظائف متشابهة؟.
من حق القارئ أن يجد إجابة، خصوصًا إذا لم تتح له فرصة زيارة فرانكفورت ومعرفة طبيعة العمل فيه. فتكرار العبارة من دون تحديد معيارها لا يمنحه معرفة حقيقية، وقد يحجب عنه ما يحتاج معرض القاهرة إلى تطويره، وما يستطيع أن يحققه إذا توافرت له الرؤية والإدارة والخبرة.
أكتب ذلك من واقع اهتمام طويل بالكتاب والترجمة والعمل الثقافى والفنى. كنت أذهب إلى فرانكفورت لأتابع الإصدارات الجديدة، وألتقى العاملين فى الثقافة والنشر، وأتعرف إلى تجارب مختلفة. وعدت خلال تلك السنوات بكتب أسهمت فى تكوين مكتبة كبيرة لدىّ، وبخبرات جعلتنى أكثر إدراكًا لما يمكن أن تصنعه الثقافة حين تُدار بجدية.
ولدىّ، إلى جانب الذاكرة، شهادة منشورة من زمن التجربة. ففى العدد ٤٠٢١ من مجلة «المصور»، الصادر فى الثانى من نوفمبر عام ٢٠٠١، نشرت رسالة بعنوان «رواج كتب طالبان والأفغان فى معرض فرانكفورت!»، فى الصفحتين ٤٨ و٤٩. ومن بين ما تناولته فيها طبيعة المعرض المهنية، والتحولات التى كانت تشغل صناعة الكتاب آنذاك.
وصفت فرانكفورت يومها بأنه بورصة ضخمة للكتاب، وتناولت حركة حقوق النشر والترجمة والتوزيع. كما رصدت حضور النشر الإلكترونى، وعرض الكتب عبر الإنترنت وعلى الوسائط الرقمية المتاحة آنذاك. وكانت تلك مرحلة تسبق انتشار الهواتف الذكية والمنصات التى نعرفها اليوم، ومع ذلك كانت صناعة النشر تناقش كيف سيتغير شكل الكتاب، وكيف سيصل إلى قارئه، وكيف ستتأثر المهنة بالتكنولوجيا.
وفى ختام الرسالة، أشرت إلى أسئلة تشغل الناشرين: أثر انتشار الكمبيوتر فى القراءة، ودور المكتبات، وسوق الترجمة، وإتاحة الكتب مجانًا على الإنترنت، والعولمة والفجوة بين المجتمعات الغنية والفقيرة. والعودة إلى هذه الأسئلة بعد خمسة وعشرين عامًا تكشف عن أن المعرض كان مساحة للنظر فى مستقبل المهنة، وبحث التحولات التى تؤثر فيها، ومحاولة الاستعداد لها.
هذه إحدى الوظائف التى ينبغى أن نضعها فى الاعتبار ونحن نقارن بين المعارض. فالكتاب المعروض على الرف هو بداية مشهد أوسع: ناشر يبحث عن عمل يناسب قراءه، ووكيل أدبى يعرض حقوق مؤلف، ومترجم يتابع مشروعًا، ومؤسسة تدعم انتقال الأدب إلى لغة أخرى، ومنتج يبحث عن مادة تصلح للشاشة. ومن هذه العلاقات تنشأ مشروعات قد يستمر أثرها سنوات.
وتوضح أرقام دورة فرانكفورت الثامنة والسبعين، التى أقيمت من السابع إلى الحادى عشر من أكتوبر ٢٠٢٦، حجم هذا النشاط: نحو أربعة آلاف عارض، و٢٣٦ ألف زائر من ١٣٧ دولة، بينهم ١١٩ ألف زائر مهنى و١١٧ ألفًا من الجمهور، ونحو ٣٨٠٠ فعالية. ويستحق التوقف هنا ذلك التمييز بين الزيارة المهنية وزيارة الجمهور؛ فلكل منهما غرض، ولكل منهما نتائج ينبغى قياسها.
وكانت دولة التشيك ضيف شرف الدورة تحت شعار «بلد على الساحل»، ضمن برنامج يربط الأدب بالترجمة والإصدارات والأنشطة الثقافية داخل المعرض وخارجه. ويشرح الموقع الرسمى لفرانكفورت أن برنامج ضيف الشرف يستهدف توسيع العلاقات الدولية لقطاع النشر، وزيادة الترجمات، وفتح أبواب جديدة للتعرف إلى أدب البلد وثقافته.
ورصدت فى الرسالة مشاركة مؤسسات دولية ومنظمات أهلية وحقوقية، وكتبًا تناقش أوضاع المجتمعات والاقتصاد العالمى، كما سجلت منح جائزة السلام للفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس تقديرًا لإسهامه فى الحوار الديمقراطى. وكان ذلك يعكس صلة الكتاب بالأسئلة العامة، واتساع الجهات التى تجد فى المعرض مجالًا للعمل وتبادل المعرفة.
ومن هنا تأتى أهمية ما رواه إبراهيم المعلم مؤخرًا عن كواليس مشاركة العالم العربى ضيف شرف عام ٢٠٠٤. فبحسب التغطية المنشورة للقائه مع لميس الحديدى، وقع خلاف حول صاحب الكلمة التى تمثل الثقافة العربية، بعدما طُرح اسم الفنان عمر الشريف، بينما تمسك ممثلو اتحاد الناشرين العرب بنجيب محفوظ. وروى المعلم أنه تواصل مع عمرو موسى، وانتهى الأمر إلى كلمة كتبها محفوظ وقرأها محمد سلماوى.
ولعمر الشريف مكانته السينمائية العالمية التى نعتز بها، كما لنجيب محفوظ مكانته الأدبية والإنسانية. لكن الواقعة تطرح سؤالًا عن منهج اتخاذ القرار الثقافى: ما الرسالة التى نريد إيصالها؟ وما طبيعة المناسبة؟ ومن الأقدر على التعبير عنها؟ تلك أسئلة يفترض أن تقود الاختيار، وأن تمنح أهل الخبرة دورهم فى تحديده.
كان اختيار محفوظ يحمل معنى مفهومًا فى معرض للكتاب؛ فأعماله وصلت إلى قراء خارج العربية، وتجربته تفتح حديثًا واسعًا عن الإنسان والمجتمع. وما رواه المعلم يبين كيف يمكن أن تتداخل فى القرار اعتبارات مختلفة، وكيف تؤثر طريقة حسمها فى الصورة التى نقدم بها ثقافتنا.
وتعيدنى هذه الكواليس إلى واقعة عشتها خلال دورة ٢٠٠٤، حين دعوت الدكتور جابر عصفور والناقد السينمائى سمير فريد إلى الغداء، وكانت هذه هى الزيارة الأولى لهما لفرانكفورت ومعرضها للكتاب. وعندما طُرحت المقارنة بين موقع معرض القاهرة كثانى أكبر معرض بعد فرانكفورت، انفعل جابر عصفور وقال كيف يمكن أن يتم خداعنا بهذه الصورة طوال الأعوام الماضية من سمير سرحان؟ - أروى موقفه وتعليقه الحزين كما بقى فى ذاكرتى بعد مرور هذه السنوات.
وكان اعتراضه يستحق التأمل. فمعرفة الفروق بين التجربتين شرط لأى استفادة جادة. ويمكن لمعرض القاهرة أن يتعلم من فرانكفورت ومن غيره، وأن يطور وظائفه المهنية، مع الاحتفاظ بطابعه وصلته بالجمهور المصرى.
ولمعرض القاهرة قيمة ثقافية واجتماعية كبيرة. وإقبال الناس عليه يستحق الاحترام والدراسة، خصوصًا فى ظل صعوبات الحياة وارتفاع كُلفة الكتاب. ففى الزيارة بحث عن المعرفة، ورغبة فى الاقتناء، ولقاء بالكُتّاب، وفرصة للعائلة كى تقضى وقتًا بين الكتب. وهذه قيمة يمكن البناء عليها، وتوسيع أثرها طوال العام.
لكن عدد الزوار، مهما بلغ، لا يخبرنا وحده عن موقع المعرض فى صناعة النشر الدولية. وكذلك كثرة الأجنحة لا تكشف عن عدد علاقات العمل التى نشأت، ولا عدد الندوات يوضح مقدار ما أضافته، ولا تمثيل الدول يشرح طبيعة مشاركتها.
ويقتضى التقييم المهنى نشر بيانات عن صفقات الحقوق والترجمة، والناشرين الأجانب الذين جاءوا للتعرف إلى أعمال مصرية وعربية، ومشاركة الوكلاء الأدبيين، والتعاون الذى استمر بعد المعرض. أما خدمة الجمهور فتُقاس بإمكان الوصول إلى المكان والكتاب، وجودة التنظيم، وتنوع المعروض وأسعاره، واستفادة الطلاب والمكتبات والمؤسسات التعليمية. ومن المفيد أن تتضمن المراجعة آراء المشاركين والزائرين، لا تقديرات الجهة المنظمة وحدها.
تلك مؤشرات تساعد المسئولين على العمل، وتساعد الجمهور على التقييم. أما الاكتفاء بلقب «الثانى عالميًا»، من دون معيار واضح، فقد يتحول إلى شهادة تفوق سنوية تمنح قبل فحص النتائج. وعندئذ يصبح السؤال عن أوجه القصور كأنه إفساد للاحتفال، مع أنه ضرورة لحماية الحدث وتطويره.
وهنا يكمن ضرر المبالغة: أنها قد تخفض سقف ما نطلبه، وتتيح للمُقصّر أن يستند إلى اللقب بدلًا من أن يشرح عمله. ثم يُقدَّم المستوى القائم باعتباره أفضل ما يمكن الوصول إليه، وتضيع فرص التقدم تحت وطأة الاطمئنان.
ومن حق مصر أن تطلب برنامجًا مهنيًا أوسع، ومساحة فاعلة لحقوق النشر والترجمة، وندوات تُختار موضوعاتها وضيوفها وفق ما سيضيفونه، وتقريرًا معلنًا بعد كل دورة يوضح النتائج والصعوبات والأهداف المقبلة. بذلك يصبح التطوير التزامًا يمكن متابعته، وتصبح محاسبة الإدارة مستندة إلى عمل معلوم.
المسئولية الثقافية تقتضى الاستفادة من الخبرات، وإتاحة المجال للكفاءات، وقبول المراجعة. وحين تتكرر أوجه القصور من دون معالجة، يصبح نقدها واجبًا فى حق المؤسسة والبلد. فالثقافة تؤثر فى التعليم والاقتصاد وعلاقات مصر بالعالم، وتستحق إدارة تدرك هذه المسئولية.
إن وضع معرض القاهرة فى حجمه الحقيقى يمنحنا أساسًا لتطويره. ومكانة مصر الثقافية تستدعى طموحًا يُترجم إلى كفاءات وخطط ونتائج، وصحافة تشرح وتسأل وتراجع. أما الترتيب الذى يُعلن بلا معيار، فيترك القارئ أمام لقب لا يستطيع اختباره، ويترك الإدارة من دون سؤال واضح عما أنجزته.
وقد دفعنى إدراكى لهذه الوظائف إلى التفكير، قبل أحداث سبتمبر ٢٠٠١، فى أن تكون مصر ضيف شرف فرانكفورت. كيف بدأت المحاولة، وإلى أين وصلت؟ تلك هى حكاية المقال التالى.

مصر ضيف شرف.. فكرة سبقت سبتمبر 2001 وشهادة منشورة فى «المصور»
قبل أحداث الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١، وقبل أن يصبح الحديث عن صورة العرب والمسلمين فى الغرب عنوانًا متكررًا للمؤتمرات والندوات، كنت منشغلًا بسؤال محدد: لماذا لا تكون مصر ضيف شرف معرض فرانكفورت الدولى للكتاب؟.
كنت أرى أن مصر تملك مادة ثقافية واسعة، وأن تقديمها يحتاج إلى رؤية تجمع عناصرها. لدينا الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلى والموسيقى، ولدينا تاريخ اجتماعى وفكرى وتجارب إنسانية تستطيع أن تفتح نقاشًا ثريًا مع القارئ الأوروبى، إذا أحسنا اختيار الأعمال وترجمتها وتقديم أصحابها.
وكان سجل ضيوف فرانكفورت يوضح اتساع معنى الاستضافة. ففى السنوات السابقة على سبتمبر ٢٠٠١، حضرت إيطاليا عام ١٩٨٨، وفرنسا عام ١٩٨٩، واليابان عام ١٩٩٠، وإسبانيا عام ١٩٩١، وفلاندرز وهولندا معًا عام ١٩٩٣، ثم البرازيل عام ١٩٩٤، والنمسا عام ١٩٩٥، وأيرلندا عام ١٩٩٦، والبرتغال عام ١٩٩٧، وسويسرا عام ١٩٩٨، والمجر عام ١٩٩٩، وبولندا عام ٢٠٠٠. وكانت الاستضافة تتسع لدولة أو لفضاء ثقافى ولغوى مشترك.
وتستحق تجربة فلاندرز وهولندا التوقف عندها بوصفها تقديمًا مشتركًا لثقافة اللغة الهولندية عبر إطارين سياسيين مختلفين. فهى تتيح التفكير فى إمكان بناء برنامج متماسك يجمع تنوع المشاركين، ويحدد ما يريدون تقديمه إلى الجمهور.
ومن هذا المنطلق ذهبت، قبل أحداث سبتمبر ٢٠٠١، إلى مسئول المعرض، وسألته عن إمكان استضافة مصر. وأذكر أن مضمون إجابته كان أن الأمر يحتاج إلى طلب من الجانب المصرى، وأن جدول الاستضافات محجوز لخمس سنوات مقبلة.
فهمت من الإجابة ضرورة التحرك المبكر. فإذا كانت الاستضافة تحتاج إلى سنوات من الانتظار والتحضير، فإن تأجيل الخطوة الأولى يؤخر الفرصة كلها. وكان المطلوب، فى تقديرى، أن نبدأ بحث المتطلبات، وأن تكون هناك جهة تتابع الأمر، وخطة نستعد من خلالها للموعد الممكن.
بعد ذلك زرت الدكتور سمير سرحان فى الفندق الذى كان يقيم فيه، وطرحت عليه الفكرة. ولم أخرج من اللقاء مقتنعًا بالإجابة التى تلقيتها. بقى لدىّ شعور بأن الموضوع يستحق اهتمامًا أكبر، ومتابعة تتناسب مع ما قد يفتحه أمام الثقافة المصرية.
لم أكن أتوقع أن تُحسم الاستضافة فى لقاء، لكننى كنت أرجو أن تُؤخذ المبادرة بجدية. كان يمكن أن يبدأ عمل مشترك بين مؤسسات الثقافة والناشرين والمترجمين والجامعات والسينمائيين والفنانين، لتكوين برنامج يصل بين الكتاب والصورة والموسيقى، ويقدم مصر من خلال أعمال وتجارب يستطيع الجمهور التعرف إليها ومناقشتها.
ثم وقعت أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وأصبح المناخ أشد تعقيدًا. واتسعت الأسئلة عن المجتمعات العربية والإسلامية، وعلاقة الدين بالحياة العامة، وحرية التعبير، ومكانة المرأة، والتعليم، وصورة الآخر. وازدادت الحاجة إلى معرفة جادة تساعد على فهم التجارب المختلفة، ومواجهة التعميمات والصور المختصرة.
وفى تلك المرحلة نشرت مجلة «المصور»، فى عددها ٤٠٢١ الصادر فى الثانى من نوفمبر ٢٠٠١، رسالتى بعنوان «رواج كتب طالبان والأفغان فى معرض فرانكفورت!»، فى الصفحتين ٤٨ و٤٩. وهذه الرسالة وثيقة معاصرة لما شاهدته بعد الأحداث، توضح ما كان يشغلنى وقتها، وما سجلته من ملاحظات على حضورنا.
بدأت برصد أثر أحداث سبتمبر فى افتتاح المعرض والإجراءات الأمنية المشددة. وسجلت غياب المستشار الألمانى جيرهارد شرودر بسبب سفره إلى نيويورك، بعدما كان مقررًا أن يفتتح المعرض مع الرئيس اليونانى، إذ كانت اليونان ضيف الشرف فى تلك الدورة.
وكان من أبرز ما لفت انتباهى سرعة انعكاس الحدث السياسى على حركة الكتاب. فقد رصدت رواجًا لكتب تتناول العرب والإسلام والمسلمين وأفغانستان وطالبان، واهتمامًا إعلاميًا بها، إلى جانب إصدارات عن الموت والحزن. كان جمهور واسع يريد أن يفهم ما جرى، وكانت دور النشر تقدم له الكتب والتفسيرات التى تستجيب لاهتمامه.
وتناولت فى الرسالة مؤلفات تطرح زوايا مختلفة للنظر إلى الإسلام والمجتمعات العربية. وكان المشهد يوضح أن المعرفة بنا تتشكل أيضًا عبر ما يكتبه الآخرون، وما يختاره ناشروهم، وما يجده القارئ بلغته. ومن هنا ازدادت أهمية الترجمة، وإتاحة الأعمال، وإعداد المتحدثين القادرين على الحوار.
وفى هذا السياق كتبت فى «المصور» أن مشاركة مصر والدول العربية والإسلامية كانت ضعيفة، وأنها لا تمنحها تأثيرًا وصوتًا يتناسبان مع هذا المعرض الكبير. وأشرت إلى غياب ندوة تقدم الإسلام والمسلمين ودورهم فى نهضة العالم، فى وقت كان فيه الاهتمام بالدين الإسلامى حاضرًا فى نقاشات المجتمع الألمانى، ومنها مناقشات تدريسه فى المدارس.
ذلك نقد نشرته عام ٢٠٠١، فى زمن الوقائع نفسها. وهو يحدد جانبًا من رؤيتى آنذاك: كان يشغلنى مَن يتكلم، وما المعرفة التى يقدمها، وكيف يستطيع أن يصل إلى جمهور مختلف، وما الذى يبقى متاحًا لهذا الجمهور بعدما يعود الضيوف إلى بلادهم.
وقدمت فى الرسالة نفسها تفاصيل عن حضور اليونان: واحد وسبعون ناشرًا، و٣٣٠ عنوانًا جديدًا، تُرجم منها ٤١ كتابًا إلى الألمانية، وصدور موسوعة عن الأدب اليونانى باللغة الألمانية. وكانت هذه التفاصيل ذات دلالة عملية؛ فالجمهور يحتاج إلى كتب يستطيع قراءتها، والكاتب يحتاج إلى ترجمة وناشر، والاستضافة تحتاج إلى إعداد يجعل اكتشاف الثقافة ممكنًا.
وهذا جانب مما كنت أتمناه لمصر قبل الأحداث، ثم شعرت بمزيد من ضرورته بعدها.
وقد قدمت، بعد الحادى عشر من سبتمبر، مشروعًا ذا تصور حضارى إلى جامعة الدول العربية، والتقيت مدير مكتب عمرو موسى «السيد هشام يوسف والسيدة إلهام الشيجنى». كان اهتمامى أن نستفيد من الكتب والفنون والتجارب الإنسانية فى بناء معرفة أعمق، وأن نقدم ثقافة حية تستطيع الإجابة والمناقشة وطرح أسئلتها أيضًا. لكن المشروع الذى قدمته لم يُنفذ.
وأذكر هذه المحاولة فى سياقها، بوصفها امتدادًا لاهتمام سابق، ازداد إلحاحًا مع تطورات العالم. فالعلاقات الثقافية تحتاج إلى عمل متواصل، وإلى مؤسسات تبنى المعرفة والثقة فى الأوقات العادية، حتى تستطيع أداء دورها حين تتوتر العلاقات.
ثم جاء عام ٢٠٠٤، وحل العالم العربى ضيف شرف فرانكفورت.
كانت فرصة كبيرة ونادرة للتعريف بآداب المنطقة وفنونها ومجتمعاتها، ولبناء علاقات مع ناشرين ومترجمين وقراء وصحفيين وباحثين. وكنت أنظر إليها وفى ذهنى ما شاهدته وكتبته قبلها بثلاث سنوات، ولذلك ارتفع سقف انتظارى: لعل هذه المشاركة تعالج أوجه الضعف التى سجلتها، وتقدم حضورًا يتناسب مع حجم الاهتمام الدولى.
لكن ما رأيته فى جوانب من المشاركة جعلنى أشعر بأن الفرصة كانت أكبر من مستوى الاستعداد لها. فقد بدت لى أجزاء معدة على عجل، وبدا الحضور فى بعض مساحاته مجموعة من الأجنحة المتجاورة، كأن كل دولة ناشر منفرد داخل القاعة، بينما ظل التصور الثقافى الجامع أقل وضوحًا مما كنت أرجو.
خصوصية كل دولة مصدر ثراء، وكان يمكن أن تصبح مادة لبرنامج يشرح التنوع داخل العالم العربى. لكن ذلك يحتاج إلى فكرة تجمع الحضور، وتساعد الزائر على فهم الصلات والاختلافات، وتتيح له أن يخرج بمعرفة تتجاوز ما تقوله المواد التعريفية المتفرقة.
وانطبق هذا، فى تقديرى، على جوانب من البرنامج الحوارى. فقد كنت أنتظر ندوات تستوعب حساسية اللحظة، ومشاركين يملكون معرفة دقيقة وقدرة على مخاطبة جمهور مختلف، ومحاورين يفتحون نقاشًا جادًا حول الأسئلة التى شغلت العالم بعد سبتمبر.
فالحديث عن المرأة يستدعى معرفة بتنوع أوضاعها وتجاربها وصراعاتها، والحديث عن حرية التعبير يحتاج إلى مواجهة الوقائع، والحوار حول الدين والمجتمع يتطلب علمًا ودقة واستعدادًا للاختلاف. كما أن مخاطبة قارئ أجنبى تحتاج إلى فهم ما يعرفه وما يجهله، وما يقف وراء سؤاله.
ولذلك لم أجد أن عددًا من الندوات والضيوف الذين تابعتهم كان كافيًا للإجابة عن أسئلة المرحلة. وهذا تقييمى لما شاهدته، وللمسافة بين حجم الفرصة وكيفية استثمارها.
ومن الإنصاف أن يعرف القارئ أن إبراهيم المعلم قدم آنذاك تقييمًا أكثر إيجابية. ففى حديث منشور عام ٢٠٠٤، تناول إنجازات المشاركة، والاجتماعات المهنية وبرامج القراءة والترجمة وعلاقات النشر، وشدد على اختلاف طبيعة فرانكفورت عن المعارض والمهرجانات العربية. وتوضح شهادته وجود جوانب مهنية ينبغى أن تدخل فى حساب التجربة، إلى جانب تقييم البرنامج الثقافى العام.
والسؤال الذى بقى يشغلنى بعد انتهاء المشاركة هو: ماذا استمر؟ ما الكتب التى تُرجمت؟ وما الشراكات التى اكتملت؟ وما العلاقات التى تحولت إلى عمل؟ وأين التقييم الذى يتيح للجيل التالى أن يبدأ من نتائج معلومة، بدل أن يعيد اكتشاف الصعوبات نفسها؟
إن شعورى بأن حصيلة المشاركة لم تتناسب مع حجم الفرصة لا يلغى جهد من عملوا فيها، ولا يمنع فحص ما تحقق من نتائج مهنية. لكنه يدعونا إلى طلب متابعة جادة، حتى نعرف أين نجحنا وأين قصرنا، وكيف نحمى الفرص المقبلة من العيوب نفسها.
وهنا تكتسب رسالة «المصور» مكانتها فى هذه الحكاية. فهى توثق ما رأيته ونشرته عام ٢٠٠١، وتوضح خلفية توقعاتى من مشاركة ٢٠٠٤. أما روايتى عن لقاء مسئول المعرض، وزيارة سمير سرحان، وتقديم المشروع إلى جامعة الدول العربية، فتشرح الخطوات التى حاولت اتخاذها فى سبيل حضور أراه ممكنًا وضروريًا.
وما زلت أعتقد أن مصر تستطيع تقديم حضور ثقافى دولى يليق بها. ويتطلب ذلك تعاونًا بين المؤسسات وأصحاب الخبرة والمبادرات المستقلة، واختيارًا يقوم على الكفاءة، وترجمة جادة، وإعدادًا مبكرًا، ومتابعة تستمر بعد انتهاء المناسبة.
حين سألت عن استضافة مصر، كنت أفكر فى قارئ يكتشف كتابًا مصريًا، وناشر يقرر ترجمته، ومشاهد يتعرف إلى فيلم، وحوار يمتد بعد الندوة. تلك كانت قيمة الفرصة فى نظرى، وما زالت: أن تجد أعمالنا طريقها إلى الآخرين، وأن يصبح حضور الثقافة المصرية معرفة متجددة وعلاقات وعملًا يستمر.
فرانكفورت لم يتوقف.. فبأى معيار نحن بعده؟
بعد شهادتى عن المشاركة العربية فى ٢٠٠٤، أتابع هنا ما أضافه فرانكفورت إلى خدماته المهنية منذ ذلك التاريخ. فالمقارنة بمعرض دولى تقتضى معرفة تطوره، لا الاكتفاء بالصورة التى عرفناها عنه قبل عشرين عامًا.
فقد شهد عام ٢٠٠٥ تعزيز التعاون مع مهرجان برلين السينمائى، وتطوير الأنشطة المتصلة بالسينما والتليفزيون. وفى ٢٠٠٩ ظهرت مساحة متخصصة للاتصال الرقمى ونماذج الأعمال وتقنيات الطباعة، وانطلق مهرجان «Open Books» الأدبى فى المدينة. ثم قدم المعرض عام ٢٠١٠ برنامج «Frankfurt SPARKS» لربط المحتوى بالتكنولوجيا، مع اهتمام بحقوق الألعاب والموسيقى. وفى ٢٠١٥ تناول برنامج «The Markets» أسواق النشر، بينما برزت فى ٢٠١٩ مساحتا «Frankfurt Audio» و«Frankfurt Authors». هذه المحطات تكشف اتجاهًا: كلما تغيرت طرق إنتاج المعرفة وتداولها، بحث المعرض عن موقع مهنى داخل هذا التغير.
فالناشر الذى يمتلك حقوق رواية قد يبحث عن مترجم وناشر أجنبى، أو عن منتج سينمائى، أو عن جهة تنتج نسخة صوتية. ولكل استخدام اتفاقاته وشروطه وأصحاب الاختصاص فيه. ومن هنا تأتى أهمية اجتماع هذه الأطراف، وإتاحة الوقت والمكان والخدمات التى تساعدها على العمل.
وأنا، بوصفى مترجمًا، أعرف أن وصول الكتاب إلى قارئ جديد يبدأ قبل ظهوره على رف المكتبة بوقت طويل: باختيار النص، والتعرف إلى صاحب الحق، والتفاوض، والعقد، والترجمة والمراجعة والنشر. وقد لا يرى الجمهور شيئًا من هذه المراحل، مع أنها تصنع جانبًا أساسيًا من حركة الكتاب بين الثقافات.
وكانت جائحة كورونا اختبارًا قاسيًا للمعارض، التى تقوم بطبيعتها على السفر واللقاء. وفى ٢٠٢٠، عندما تعذر انعقاد فرانكفورت داخل قاعاته، قدم نسخة رقمية شملت أنشطة ثقافية ومهنية وأدوات للتواصل وتجارة الحقوق. وأعلن عن وجود نحو أربعمائة ألف عنوان على منصة «Frankfurt Rights». وهذا الرقم يصف العناوين المتاحة على المنصة، ولا يعنى إبرام أربعمائة ألف صفقة.
وتكمن دلالة التجربة فى محاولة الحفاظ على صلات العاملين بالنشر خلال تعطل اللقاء المباشر. ثم بقيت الخدمات الرقمية جزءًا من العمل، بما يتيح الاطلاع على كتالوجات الناشرين وملفاتهم ومتابعة العلاقات المهنية على امتداد العام.
وهذا جانب يستحق التأمل عند تقييم أى معرض: ما الذى يبقى منه بين دورتين؟ هل تستمر الاتصالات والمشروعات؟ وهل توجد خدمات تعين الناشر والمترجم والوكيل الأدبى على متابعة ما بدأوه؟
وفى دورة ٢٠٢٥ حُجزت مقدمًا جميع الطاولات المتاحة فى مركز الوكلاء والكشافين الأدبيين ومركز حقوق الناشرين، وبلغ مجموعها ٥٩١ طاولة. وشارك فى المركزين ممثلون عن ٣٥٧ وكالة ودار نشر من ٣٣ دولة. كما جمع يوم تحويل الكتب إلى الشاشة أكثر من خمسمائة مشارك.
لا تخبرنا هذه الأرقام بالقيمة المالية للعقود، ولا يجوز تحويلها إلى صفقات مفترضة. لكنها تكشف عن وجود بنية مخصصة للعمل المهنى: أماكن تفاوض، ومواعيد واجتماعات، وأطراف جاءت تبحث عن حقوق وعلاقات نشر وإنتاج.
وفى هذه التفاصيل يظهر جانب من قيمة المعرض الدولية. فقد يكون اجتماع بين شخصين حول طاولة صغيرة بداية لترجمة تصل إلى آلاف القراء، أو لفيلم يمنح عملًا أدبيًا حياة جديدة.
وكذلك يستحق برنامج ضيف الشرف أن يُقرأ من زاوية نتائجه. ففى مشاركة إيطاليا عام ٢٠٢٤ ارتبط البرنامج بأكثر من ٢٥٠ إصدارًا جديدًا بالألمانية، قدمها ١٠٥ ناشرين، وشملت ترجمات من الإيطالية وكتبًا متصلة بإيطاليا.
هذه نتيجة يمكن تتبعها بعد تفكيك الجناح وانتهاء حفلات الافتتاح. فالكتاب المترجم يدخل المكتبات، ويصبح متاحًا للقراءة والنقد والتدريس، وقد يمهد لكتب أخرى من الثقافة نفسها.
ومن ثم، فإن تقييم المشاركة الثقافية يقتضى السؤال عما أنتجته من معرفة قابلة للاستمرار: كم كتابًا صدر؟ ومن وصل إلى قارئ جديد؟ وأى علاقات نشأت بين الناشرين والمترجمين والمؤسسات؟
وبحسب البيان الختامى لدورة ٢٠٢٦، استقبل المعرض ٢٣٦ ألف زائر، منهم ١١٩ ألف زائر مهنى، و١١٧ ألفًا من الجمهور، من ١٣٧ دولة، وشارك فيه أربعة آلاف عارض، وأقيم أكثر من ٣٨٠٠ فعالية. وشهد تنظيمًا جديدًا للقاعات، واتساعًا فى القطاع الصوتى، واستمرارًا للقاءات تحويل الكتب إلى أفلام ومسلسلات. وكانت التشيك ضيف الشرف، بمشاركة ٧٥ كاتبًا وأكثر من مائة فعالية.
ويستوقفنى هنا إعلان عدد المهنيين منفصلًا عن عدد الجمهور؛ إذ يتيح فهمًا أدق لطبيعة الحضور. كما أن التطور لا يعنى زيادة الأعداد كل عام: فقد سجلت دورة ٢٠٢٥ حضورًا إجماليًا بلغ ٢٣٨ ألف زائر، مقابل ٢٣٦ ألفًا فى ٢٠٢٦. وهذه ملاحظة تحمينا من اختزال النجاح فى الزيادة العددية وحدها. تتيح هذه المحطات فهم طبيعة العمل الذى يميز فرانكفورت، وتفتح المقارنة مع تجارب أخرى. وفى المقال التالى أتوسع إلى لندن وبولونيا وخوادالاخارا والشارقة، لبحث موقع القاهرة بين وظائف مهنية وثقافية متعددة.
أين تقف القاهرة بين معارض الكتاب؟
كلما سمعتُ أن معرض القاهرة الدولى للكتاب هو «الثانى عالميًا بعد فرانكفورت»، تساءلتُ عن المعيار الذى استند إليه هذا الترتيب. هل نتحدث عن عدد الزوار، أم مساحة العرض، أم حجم المبيعات، أم تجارة حقوق النشر والترجمة، أم التأثير فى صناعة الكتاب الدولية؟.
هذه أسئلة ضرورية لفهم موقع معرض نحبه ونريد له أن يتقدم. فالقاهرة صاحبة تاريخ ثقافى يستحق التقدير، وجمهورها يستحق أن يعرف ما ينجزه معرضها بالفعل، وما الذى يحتاج إليه ليزداد تأثيرًا. ومن حق هذا الجمهور أيضًا أن يجد تفسيرًا مهنيًا لأى مرتبة تُعلن باسمه.
وقد تناولتُ فى المقال السابق تطور فرانكفورت منذ المشاركة العربية عام ٢٠٠٤. أما هنا، فأحاول وضع القاهرة فى مقارنة أوسع، تشمل لندن وبولونيا وجوادالاخارا والشارقة. وهى مقارنة بين وظائف وخبرات مختلفة، لا مسابقة نوزع فى نهايتها الميداليات.
أول ما ينبغى إدراكه أن معارض الكتاب لا تؤدى جميعها الوظيفة نفسها، حتى حين تتشابه أسماؤها.
هناك وظيفة جماهيرية تتيح اقتناء الكتب ولقاء المؤلفين وحضور المناقشات. وهناك وظيفة مهنية تجمع الناشرين والوكلاء الأدبيين والمترجمين وأصحاب الحقوق. وقد يجمع المعرض الوظيفتين بدرجات متفاوتة، أو يركز على قطاع متخصص.
لذلك يمكن لمعرض أن يتفوق فى استقطاب القراء، بينما يكون معرض أصغر منه عددًا أكثر تأثيرًا فى انتقال الحقوق بين اللغات والأسواق. وقد يحقق معرض متخصص لصانع كتب الأطفال ما لا يحققه معرض عام أوسع مساحة.
وعندما نخلط هذه الوظائف، تصبح المقارنة مضللة، مهما بدت الأرقام لافتة.
كما أوضحت فى المقال السابق، تبرز قوة فرانكفورت فى جمع أطراف صناعة النشر وتوفير خدمات التفاوض على الحقوق ومتابعة العلاقات طوال العام. وأستند إلى هذه الوظيفة هنا للمقارنة بتجارب أخرى، بدل إعادة تفاصيل تطوره.
ويقدم معرض لندن مثالًا واضحًا على مركزية العمل المهنى. ففى مركز الحقوق الدولى تُرتب لقاءات بين الوكلاء وأصحاب الحقوق والناشرين والمحررين والكشافين الأدبيين، لمناقشة الترجمة والنشر المشترك والتراخيص والتحويلات السينمائية والصوتية والرقمية. وتُخصص طاولات للاجتماعات، ويُنظم الدخول بما يخدم طبيعة هذا العمل.
هنا تكون الأسئلة: مَن التقى بمن؟ وما فرص التعاون التى نشأت؟ وأى الكتب وجدت ناشرًا فى لغة أخرى؟
وبناء على هذه الوظيفة، أرى لندن منافسًا مباشرًا مهمًا لفرانكفورت فى تجارة الحقوق. وهذا تقدير لطبيعة النشاط، وليس إعلانًا لترتيب عالمى جديد.
أما معرض بولونيا لكتاب الطفل فيوضح كيف يصنع التخصص مكانة دولية. فهو يجمع مهنيين فى نشر كتب الأطفال والمراهقين «أى تحت سن ١٨»، والرسم، والوسائط المتعددة، والترخيص، ويتيح تبادل حقوق النشر عبر مرافقه وخدماته المهنية.
بالنسبة إلى ناشر متخصص فى هذا المجال، قد تكون بولونيا موعدًا أساسيًا لا تعوضه المشاركة فى معرض عام. ولهذا لا يصح وضعه فى مرتبة أدنى لمجرد أن نطاقه أضيق؛ فنطاقه المحدد هو أحد أسباب قوته.
وتطرح تجربته سؤالًا مفيدًا للقاهرة: كيف نطور داخل معرض عام خدمات متخصصة تجعل ناشر كتاب الطفل، أو الناشر الأكاديمى، أو صاحب الحقوق، يجد برنامجًا مهنيًا مصممًا لاحتياجاته؟
فى المكسيك، يستند معرض خوادالاخارا إلى موقعه فى عالم النشر بالإسبانية. ويصف موقعه الرسمى نشاطه بأنه سوق كبرى للكتاب بهذه اللغة، بينما يوفر للمهنيين والوكلاء مجالًا للتفاوض على الحقوق وبناء العلاقات فى أمريكا اللاتينية.
وتقودنا هذه التجربة إلى التفكير فى القاهرة من زاوية المجال اللغوى الذى تنتمى إليه. فالسؤال العملى هو: كيف تصبح القاهرة موعدًا مهنيًا أساسيًا لمن يريد التعرف إلى الكتاب المصرى والعربى، وشراء حقوقه، وترجمته وتوزيعه؟
إن خدمة المجال العربى بفاعلية، وفتح طرق منتظمة بينه وبين اللغات الأخرى، هدف يستحق برنامجًا واضحًا ومؤشرات معلنة.
إدخال الشارقة فى المقارنة يتيح لنا النظر إلى تجربة عربية تعمل على الجمع بين جمهور المعرض وبرنامج مهنى مرتبط به. ففى مؤتمر الناشرين لعام ٢٠٢٤ أُعلن حضور ١٠٦٥ ناشرًا ووكيلًا أدبيًا من ١٠٨ دول، ثم أُعلن تنفيذ ٢٩٩٣ لقاءً لتيسير التفاوض على حقوق النشر. وهذه لقاءات مهنية، ولا يجوز اعتبارها جميعًا عقودًا مكتملة.
كما توفر هيئة الشارقة للكتاب برنامجًا لمنح الترجمة، يربط الدعم بتيسير انتقال الحقوق وحماية الملكية الفكرية. وتظهر أهمية هذا الربط حين ينتقل التعارف بين ناشرين إلى مشروع ترجمة له شروط تمويل وتنفيذ.
ولا أرى مبررًا لقبول أى وصف للشارقة، أو لغيرها، بأنها «الأكبر عالميًا» دون معرفة معيار الوصف. فما نطلبه من القاهرة ينبغى أن نطلبه من الجميع: تعريف المؤشر، وشرح طريقة حسابه، وإتاحة ما يثبت النتيجة.
وحسب البيان الرسمى لختام دورة ٢٠٢٦، أعلن معرض القاهرة عن استقبال ٦.٢ مليون زائر، ومشاركة ١٤٥٧ دار نشر من ٨٣ دولة، مع إعلان إجمالى ٦٦٣٧ عارضًا. وهذه الأرقام تُنقل بوصفها بيانات الجهة المنظمة، مع ضرورة توضيح تعريف كل فئة وطريقة احتساب الحضور عند إجراء المقارنات الدولية.
هذا الإقبال المعلن يضع أمامنا فرصة ومسئولية، فالقدرة على جمع جمهور واسع حول الكتاب قيمة ثقافية، وتطويرها يستلزم الاهتمام بتجربة الزائر: الوصول، والتنقل، والإرشاد، والعثور على العناوين، وإتاحة الخدمات لكبار السن والأشخاص ذوى الإعاقة، وجودة اللقاءات والأنشطة.
لكن تحويل جمهور واسع إلى دليل على المرتبة الثانية فى صناعة النشر العالمية يتطلب بيانات أخرى؛ لأن عدد الزوار لا يقيس وحده حركة الترجمة أو قيمة الحقوق أو تنوع المشترين الدوليين.
وفى الوقت نفسه، ينبغى أن نرصد التطورات المهنية المصرية بإنصاف. فقد أعلن برنامج «Cairo Calling» فى دعوته لدورة يناير ٢٠٢٦ عن لقاءات للحقوق والتواصل المهنى، وعن مركز للحقوق فى المعرض. وهذا توجه يستحق المتابعة، مع التمييز بين الإعلان عن البرنامج وقياس نتائجه الفعلية.
والأسئلة التى نحتاج إلى إجاباتها هى: كم مهنيًا شارك؟ ومن أى أسواق؟ وكم اجتماعًا عُقد؟ وما المشروعات التى انتقلت إلى عقود ثم إلى كتب منشورة؟
نحتاج إلى تقرير سنوى يميز بين دور النشر المشاركة والجهات العارضة، وبين الحضور المهنى والجماهيرى، ويشرح ما إذا كانت الأرقام تعبّر عن أفراد مختلفين أو مرات دخول.
ونحتاج إلى متابعة منظمة للحقوق: اجتماعات التفاوض، والاتفاقات الأولية، والعقود التى يوافق أصحابها على الإبلاغ عنها، والترجمات الصادرة لاحقًا. ومن الطبيعى أن تظل بعض التفاصيل التجارية سرية، لكن ذلك لا يمنع نشر نتائج مجمعة تشرح طبيعة النشاط وحدوده.
كما نحتاج إلى تقييم البرنامج الثقافى: نوعية موضوعاته، وتنوع المشاركين، ومدى وصوله إلى الجمهور، وما يتيحه من معرفة جديدة. فعدد الندوات وحده لا يكشف قيمتها، مثلما لا يكشف عدد الأجنحة وحده جودة المشاركة.
هذه الأدوات تجعلنا قادرين على مقارنة أداء القاهرة من دورة إلى أخرى، ثم مقارنته بمعارض أخرى على أساس مشترك.
وحين أنظر إلى هذه التجارب أجد أمامى مجالات متعددة للتعلم: خدمات الحقوق فى فرانكفورت ولندن، والتخصص فى بولونيا، والعمل داخل مجال لغوى واسع فى خوادالاخارا، والربط بين اللقاءات المهنية ودعم الترجمة فى الشارقة.
وللقاهرة أن تختار ما يناسب احتياجاتها وإمكاناتها، وأن تبنى عليه برنامجًا مصريًا له أهداف واضحة: خدمة القراء، ودعم الناشرين، وزيادة تداول الأدب والمعرفة العربية، وفتح فرص عادلة أمام المؤلفين والمترجمين وأصحاب الحقوق.
وبوصفى كاتبًا ومترجمًا، فإن ما يعنينى هو أن أرى الكتاب يجد قارئه، والمترجم يجد التقدير والحماية، والناشر يجد شريكًا، والعمل العربى يجد طريقًا إلى لغة أخرى.
أما المرتبة فتأتى بعد تعريف ما نقيسه وتوثيق ما أنجزناه. وحين نعرف أين تقف القاهرة بالفعل، يصبح فى وسعنا أن نحدد إلى أين نريد أن تصل.
أين شهادة المركز الثانى؟
أكتب إلى المهندس إبراهيم المعلم، رئيس اتحادى الناشرين المصريين والعرب الأسبق، طلبًا لشهادة مهنية عن أصل العبارة التى تضع معرض القاهرة الدولى للكتاب فى المرتبة الثانية عالميًا بعد فرانكفورت. فقد تتبعت فى المقال السابق شواهد تداولها، وبقى السؤال عن مستندها دون إجابة فى المصادر التى راجعتها.
ولا أنسب إليه إطلاق المقولة. إنما أخاطبه بحكم خبرته الطويلة فى صناعة النشر، ومشاركته فى الإعداد للحضور العربى ضيف شرف فرانكفورت عام ٢٠٠٤، وصلته بمؤسسات النشر الدولية. هذه الخبرة تجعل شهادته قادرة على توضيح ما قد يغيب عن الباحث فى الأخبار والمواد التعريفية.
وقد أعاد حديثه المنشور فى أكتوبر ٢٠٢٦ مع الإعلامية لميس الحديدى، فى «موعد مع لميس»، فتح هذه الذاكرة المهنية. تناولت فى مطلع السلسلة ما نُقل عنه بشأن الخلاف حول صاحب كلمة الثقافة العربية فى افتتاح ٢٠٠٤، وانتهاء الأمر إلى كلمة كتبها نجيب محفوظ وقرأها محمد سلماوى. وأعود إلى الحديث هنا من زاوية ما يتيحه من فرصة للسؤال، دون إعادة تفاصيله.
يا مهندس إبراهيم المعلم، هل تعرفون وثيقة صادرة عن جهة مهنية منحت معرض القاهرة هذه المرتبة؟ وما اسم الجهة، وتاريخ إصدارها، وعنوان التقرير أو الدراسة التى تضمنت النتيجة؟ وهل يمكن إتاحة أصلها للقارئ؟.
ثم ماذا كان يعنى «المركز الثانى» فى تلك الوثيقة، إن وُجدت؟ هل تعلق بمؤشر محدد، أم بمجموعة مؤشرات لها أوزان معلنة؟ وما المعارض التى دخلت فى المقارنة، وما السنة التى جمعت عنها البيانات؟ وهل كان التصنيف نتيجة لسنة واحدة أم تقييمًا لفترة ممتدة؟.
أطلب هذه التفاصيل لأن الصياغات المنشورة لا تستخدم معيارًا ثابتًا. ففى بعضها تكون القاهرة ثانى أكبر معرض، وفى أخرى ثانى أهم معرض، بينما تتبدل الإحالة بين الجمهور والناشرين والفعاليات. وقد بينت المقارنة فى المقال الرابع أن اختلاف الوظائف يمنع اختزال المعارض فى سلم واحد دون تفسير.
إذا كان الترتيب يعود إلى تقرير قديم، فإن نشره ينبغى أن يصحبه تحديد نطاقه الزمنى. فما صح وفق بيانات سنة معينة لا يتحول تلقائيًا إلى مركز دائم، وخصوصًا فى صناعة تتغير فيها الأسواق والتكنولوجيا ووسائط النشر وطرق انتقال الحقوق.
وإذا لم تكن هناك وثيقة تصنيف، فهل تعرفون كيف دخلت العبارة إلى الخطاب الثقافى؟ هل كانت تقديرًا شخصيًا، أم وصفًا دعائيًا، أم مقارنة محدودة انتقلت بمرور الوقت إلى حكم عام؟ قد تساعد ذاكرتكم المهنية على تتبع هذا الانتقال، حتى لو تعذر تحديد أول من استخدم العبارة.
الشهادة التى أطلبها لا تفترض إجابة بعينها. إن كانت لديكم وثيقة تعارض ما توصلت إليه، فسأنشر مضمونها بأمانة وأراجع استنتاجاتى على ضوئها. وإن كانت المعلومات المتاحة لا تسمح بالحسم، فالتصريح بحدود المعرفة أدق من إبقاء القارئ أمام يقين لا يستطيع اختباره.
وقد نختلف فى تقييم نتائج المشاركة العربية فى فرانكفورت عام ٢٠٠٤؛ فلكم خبرة من موقع الإعداد والتنظيم، ولى مشاهداتى من واقع الحضور والمتابعة. هذا اختلاف يمكن أن يثرى توثيق التجربة. أما أصل التصنيف فهو سؤال آخر، يمكن بحثه بمستند مؤرخ ومعيار واضح.
ومن المفيد أيضًا التمييز بين دور صاحب التصريح ودور الجهة التى تنقله. فقد تنشر الصحيفة عبارة على لسان مسئول، ثم تظهر لاحقًا فى مادة تعريفية دون نسبة، فيظن القارئ أنها نتيجة تحقق مستقل. ولو أمكن استعادة المصدر الأول، لساعد ذلك المؤسسات الثقافية والإعلامية على تصحيح طريقة عرضها.
لذلك فإن الإجابة التى أرجوها تتجاوز تأييد العبارة أو رفضها. أرجو معرفة ما يثبتها، وحدود ما يثبته المستند، أو تفسيرًا مهنيًا لنشأتها إذا كانت قد شاعت دون تصنيف. هذه معلومات يمكن أن تجعل النقاش أكثر دقة، وأن تساعد الصحافة على تجنب إعادة إنتاج المعلومة نفسها كل عام.
ولا أعتبر غياب الرد، إن حدث، إثباتًا لبطلان التصنيف؛ فالحكم يحتاج إلى أدلته. لكنه سيترك السؤال مفتوحًا، وستبقى الحاجة قائمة إلى أن تقدم الجهة التى تستخدم الترتيب مصدره، بدل أن يتحمل القارئ عبء البحث عن شهادة لم يطلع عليها.
إن خبرتكم بتاريخ النشر العربى وعلاقاته الدولية تمنح هذا الطلب سببًا محددًا. ومن يعرف كواليس اتخاذ القرارات، ومن تفاوضوا وتعاونوا واختلفوا، قد يستطيع أن يضع بين أيدينا خيطًا لا يظهر فى الأرشيف المتاح.
وفى انتظار شهادتكم، أضع السؤال بصيغته المباشرة: أين الوثيقة التى تقول إن معرض القاهرة الدولى للكتاب هو الثانى عالميًا بعد فرانكفورت، وإذا لم تعرفوا لها أصلًا، فهل توافقون على ضرورة تقديمها، فى الخطاب العام، بوصفها مقولة تحتاج إلى إثبات؟
من يملك أصل هذه الشهادة؟
بعد أربعة مقالات تناولت فيها معرض فرانكفورت الدولى للكتاب، وما عرفته من داخله عبر نحو عشرين عامًا من الحضور والمتابعة، أعود إلى عبارة اعتدنا سماعها حتى كادت تتحول إلى حقيقة لا تقبل السؤال: «معرض القاهرة الدولى للكتاب هو الثانى عالميًا بعد فرانكفورت».
هذه المرة أريد أن أتوقف عند تاريخ العبارة نفسها: من قالها؟ ومن نشرها؟ ومن منح القاهرة هذه المرتبة؟ وبأى معيار؟
أتذكر سماع هذه المقولة قبل شيوع الإنترنت، حين كانت الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون ووكالات الأنباء مصادرنا الأساسية للمعلومات. وأذكرها لأن خبرتى بزيارة المعرضين كانت تدفعنى دائمًا إلى التساؤل عن أساس هذه المقارنة. أما التوثيق الذى أمكن الوصول إليه الآن، فيكشف أن العبارة انتقلت بين مسئولين ومؤسسات وصحف وقنوات، بصيغ مختلفة، دون أن تظهر فى المواد التى راجعناها وثيقة التصنيف الأصلية.
وتلك هى الحقيقة المرة: نستطيع أن نحدد أين تكررت المقولة، لكننا لم نصل إلى المستند الذى يثبتها.
من الشواهد الدالة ما نشرته «الجزيرة نت» فى الخامس من فبراير ٢٠٠٢، نقلًا عن وكالة رويترز، فى خبر بعنوان «٤.٥ مليون زوار معرض القاهرة الدولى للكتاب». ورد فى الخبر وصف المعرض بأنه الحدث «الذى تقول إدارته إنه ثانى أكبر معارض الكتاب على مستوى العالم بعد معرض فرانكفورت».
لنتوقف عند الدقة التى تحملها عبارة «تقول إدارته». الخبر ينسب الادعاء إلى إدارة المعرض، ولا يقدمه نتيجة لتصنيف دولى أجراه بنفسه. وكان ذلك فى عهد الدكتور سمير سرحان، لكن النص لا يتيح لنا أن ننسب هذه الجملة إليه شخصيًا بوصفها اقتباسًا مباشرًا.
هذا الشاهد مهم لسبب آخر: كثير من المواد اللاحقة تقول إن المعرض اعتُبر الثانى عالميًا فى عام ٢٠٠٦. لكن العبارة منشورة بالفعل فى عام ٢٠٠٢. وبالتالى فإن تكرار سنة ٢٠٠٦ لا يصلح دليلًا على تاريخ نشأة المقولة. ولا ينفى الشاهد الأقدم احتمال صدور تصنيف آخر فى ٢٠٠٦، لكنه يوجب تقديم وثيقته إذا استُند إليه.
ثم نصل إلى الرابع والعشرين من يناير ٢٠١٦، حين نقلت «العين الإخبارية» عن الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب آنذاك، خلال المؤتمر الصحفى للإعلان عن الدورة السابعة والأربعين، أن معرض القاهرة هو ثانى أهم وأكبر معرض بعد فرانكفورت. هنا أصبح لدينا مسئول محدد، ومناسبة محددة، وتاريخ نشر واضح. لكن السؤال عن أصل الترتيب ظل بلا إجابة فى المادة المنشورة.
ومن الصحافة اليومية إلى المجلات، نجد شاهدًا واضحًا فى «المصور»، العدد ٤٩٧٩، الصادر فى الحادى عشر من مارس ٢٠٢٠. ففى حوار أجرته الصحفية إيمان رسلان مع الروائى اليمنى الغربى عمران، نقرأ فى الصفحة الثالثة والستين وصف معرض القاهرة بأنه «ثانى أهم المعارض الدولية حجمًا وفعاليات بعد معرض فرانكفورت». ظهرت العبارة فى متن الحوار، وأُبرزت أعلى الصفحة أيضًا.
والأمانة هنا تقتضى تحديد المسئولية بدقة: هذا قول للضيف نشرته المجلة، وليس بيانًا صادرًا عن إدارتها. لكن نشره وإبرازه يبينان كيف تكتسب العبارة حضورًا إضافيًا، وكيف تنتقل من تصريح إلى عنوان بارز، ثم تستقر فى ذاكرة القارئ بوصفها معلومة.
وفى الحادى والثلاثين من يناير ٢٠٢٣، نقلت «الوطن» عن الإعلامى أحمد المسلمانى، فى برنامج «الطبعة الأولى» على قناة الحياة، أن المعرض اختير فى عام ٢٠٠٦ ليكون الثانى عالميًا بعد فرانكفورت. وفى يناير ٢٠٢٥، نشرت «الدستور» مضمون حديث لوزير الثقافة آنذاك الدكتور أحمد فؤاد هنو فى برنامج «مساء dmc»، تضمن الوصف نفسه. وهكذا تواصل انتقال العبارة بين المنابر الثقافية والتليفزيونية والرسمية.
ولم يقتصر الأمر على تصريحات الأشخاص. فقد كرر موقع اتحاد الناشرين المصريين، فى صفحة منشورة بتاريخ الخامس من ديسمبر ٢٠٢٣، أن المعرض اعتُبر سنة ٢٠٠٦ ثانى أكبر معرض بعد فرانكفورت. كما وصفت صفحة للهيئة العامة لقصور الثقافة عن دورة ٢٠١٩ المعرض بأنه الثانى بعد فرانكفورت من حيث عدد الناشرين والدول المشاركة والاستمرارية والقدم.
ليس المطلوب من القارئ أن يصدقنى لمجرد أننى زرت فرانكفورت نحو عشرين عامًا. خبرتى تمنحنى أساسًا للمناقشة، لكنها لا تعفينى من تقديم الدليل. وبالمثل، فإن صدور العبارة عن وزير أو رئيس هيئة أو إعلامى لا يعفيها من السؤال عن مصدرها.
وفى تغطية دورة ٢٠٢٦ استمرت المقولة. نشرت «اليوم السابع» فى العشرين من يناير مقالًا بعنوان «معرض القاهرة الدولى للكتاب.. المجد للكلمة المطبوعة»، أعاد الربط بين المرتبة الثانية وعام ٢٠٠٦. ونقلت «الدستور» و«الشروق»، فى تغطيتهما لأمسيات شعرية، الوصف عن الشاعر والمترجم أسامة جاد. مضت السنوات وتغير المتحدثون، وبقيت العبارة حاضرة.
لهذا أتوقع أن أسمعها مرة أخرى مع دورة ٢٠٢٧. أقول «أتوقع» لأننى لا أقدم توقعًا بوصفه واقعة حدثت. لكن تاريخ التكرار يجعل هذا الاحتمال واردًا بقوة، ما لم تقرر المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام أن تسأل عن المصدر قبل إعادة النشر.
وقد يقال إن العبارة مجرد تعبير احتفالى عن مكانة مصر. لكن حين يُقدَّم التعبير الاحتفالى على هيئة ترتيب عالمى محدد، فإنه يصبح ادعاءً قابلًا للفحص. ومن حق القارئ أن يعرف أساسه.
كما أننى أميز بين عدم صحة الادعاء وتعمد الكذب. تكرار عبارة بلا تحقق خطأ مهنى، وقد ينقلها بعض الناس بحسن نية. أما إثبات تعمد التضليل فيحتاج إلى دليل على أن قائلها يعلم بطلانها. لذلك فإن نقدى يتوجه إلى هذه الممارسة المستمرة: تقديم ترتيب غير مسند فى المصادر المراجعة كما لو كان حقيقة محسومة.
بعد أربعة مقالات، أضيف فى المقال الخامس هذه النتيجة الموثقة: المقولة أقدم من عام ٢٠٠٦، وتداولتها جهات وأسماء متعددة، وتبدلت معاييرها أثناء انتقالها، ولم يظهر فى المصادر التى راجعناها أصل الشهادة التى يُستند إليها.
قبل أن تعود اللافتة فى ٢٠٢٧، يبقى السؤال قائمًا أمام من سيكتبها ومن سيذيعها ومن سيكررها على المنصة: أين أصل هذه الشهادة؟







