الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحت الطبع..

مقطع من رواية «بيت الحاج».. مولد الشيخ عمروس

حرف

- كانت فاكراه واحد عادى دا ولى من أولياء الله

اعتـاد نـاس النجـع أن يقيمــوا الليـالى والأفــراح كل عــام، يحتفلـون فيهــا بمـولد الشيخ عمـروس، البركة التى حلّت على النجـع، فـراحـوا ينسجــون الحكـايـات عن سِـره البـاتع، ونَسبـه الشريف، فمـن قال إنه جـاء من شِبه الجزيرة العربية، ومن قال إنــه جـــاء من المغــرب، ومن قال إنــه جـاء من بـلاد الشـام، محملًا بالحريـر والأصواف، وأخذ يلف القـرى والنجــوع ببضاعتــه، حتى زهــد الحيــاة، فاشتـرى لـه بيتـًا فى النجع؛ يتميز عن بيوته بقُبة مفتوحة على السماء، تتسـرب منها كـل ليلــة وتفــوح رائحـة البخـور، فتغمـر المحيطين بــه بالطمأنينة، حتى ذاع صيتـه وارتفع مقامه، وتزينت قبته بالأخضر، ولمعت فى سماء النجـع، وشاع أنه صاحب كرامات، فلمسة منه تجعل العاقر تحبل والعانس تتزوج، فتـدفقت عليه نساء النجع والنجــوع المجــاورة، حتى جاءتــه فوزيــة الدلالة، بعد جولة توزيع الأقمشة، من حرير وستان، كان باديًا عليها التعب، ألقت صُرة القماش من فوق رأسها وجلست بين يدى الشيخ عمروس تلتقط أنفاسهـا، وهى تتنهـد بحرقـة، ثـم ألقت ما يعتمــل فى صدرها على مسامعه، غير عابئة بـزواره، الذين يطرقـون بابـه فى كل وقت. 

ـ إللى ما فيه مرة دوقتنى النوم فى الحرير. 

قالت ذلك وكانت نظراتهـا وأنفاسهـا الملتهبـة تنـم عن رغبـة مكبوتـة، دفعتها إلى خلع ثوب الحيـاء، والكشف عن رغبة ظامئة، تريد أن تطفئها بماء القرب، فراحت تتــودد وتتمسـح فى الشيـخ، فلمــا لمسهـا بكف يـــده، وراح يتمتـم ويقـرأ ويتعوذ وهـو يمسح على رأسهـا، أصابتهـا رعشـة وســرت فى أوصالها نشــوة، فلم تملك نفسها أمام السحر المنبعث من عينيـه، والضــوء المشـع من وجهــه، فدنت منـــه كفراشـة تقتـرب من ضوء مصباح، وأمسكت ثوبه من الأمام وجذبته نحوهـا، حتى سقطت عمامته، وألقت بنفسها فى حضنه، ودفنت شفتيهــا فى شفتيه، حتى غـابت عن المكان، وسبحت فى بحر من السحـر والنشوة، والشيخ عمـروس الذى وجــد نفسه بين دفء الحُضن ورى القبلة، فى حالة ذهول، لم يفـق منها إلا على صـوت امـرأة تنتظر البركة... 

ـ إنت نسيتنى يا مولانا؟ 

فخلّص نفسـه من حضن فـوزيــة، وسحبهــا من يدهــا حتى باب الخلــوة، أخرجها وأوصد الباب خلفها، ثم اتجـه صـوب المـرأة التى تنتظـر البركـة، وهو يهندم ثيابه ويعدل عمامته، وهو يستعيذ ويسبّح فى مسبحته.

ـ كله بأوانه. 

اغتاظت فوزيــة الدلالــة من أن الشيخ عمـروس نزعهــا من حضنــه، وألقى بهـــا خــارج البيـت من دون أن يطفئ نـارهــا، ويحقق لها رغبتها، فقـالت للغفيــر جاب الله، وهى ترقد فى حضنه، فى خلوة داخـل غرفة ماكينة الرى، الكائنة على الترعة الواقعة على رأس غيط الحـاج حسّــان:

ـ لا بالبركة ولا بالحجاب تحبل العاقر.

فسحب جاب الله نفسه من حضنها، وراح ينظر إليها باستفهام...

ـ ياك فاكر الشيخ عمروس دا شيخ، دا عِجـل طلوقـة. 

فلما رماها بنظرة حادة قالت:

ـ دى الواحدة بعد تسعة أشهر من زيارتها له بتكون خلفت.

عندمـا عــاد جـاب الله، وهــو فى طريقـه إلى بيته، كان الأطفال يلعبون ويتقافـزون بينما إبليس يصفر فى أذنيه ويوسوس له، وهـو يشير على وجوه وملامح الأطفال «عمروس.. عمروس.. عمروس». 

عندمــا وصــل جـاب الله البيت، يتخبط فى نفسه، نظر إلى أبنائه، وراح يتفحصهـم فتجسدت لـه صورة الشيخ عمـروس فى وجـوه الأطفــال، فأمسك البندقيـة وشرع فى قتلهم، لكنـه تراجـع عندمـا قامت زوجتـه، وهى تلملـم بعــد أن ختمت الصـلاة وسلمت فى سجادة الصلاة، وقالت لـه: 

ـ أحضر لك لقمة تاكلها؟

تسـع سنـوات مضت، منذ أن تزوج جاب الله، ولم تنجب زوجته، وفى ذات ليلة قال لها:

ـ أنا عاوز وَاد يِسندنى.

وأخبرها بأنه سوف يتزوج، فما كان منها إلا أن باعت صيغتها، وقالت له: 

ـ بيقـولـوا فيـه دكتـور كبيـر بياجى من مصر، احجـزلى عنــده، يمكن ربنـــا يجعـل الحمل على إديه.

مـر شهـر، ثـم شهران، ثم ثلاثة أشهر، ولم تحمل زوجة جاب الله، ولم تتوقف عن معـاودة الطبيب، فجرت الشهور إلى سنوات، حتى نفـدت فلـوس الصيغة، ولــم تعد ماهيـة جاب الله كافية ليواصل تحمل تكاليف الكشوفات والتحاليل والأشعة والأدوية الباهظة الثمن.

دنت الزوجــة من زوجهــا وقالت لــــه، وهى تحــاول أن تصبـــره، بعـد أن أغلقت المصحف:

ـ ربنـا أكرم سيدنـا زكريـا بيحيى وهـو كبير، ومراته كانت عاقرًا، خلى حمولك على الله، وبركة أولياء الله الصالحين.

ثم قالت وهى تواصل حديثها مع جاب الله: 

ـ ما تنساش إن ربنا جاب لنا البركة لحد النجع. 

وأنجبت الزوجة لجاب الله السند.

فأمسك بندقيته وجرى على فوزية الدلالة وقتلها، فهلل ناس النجـع، عندمـا وجدوا جثتهـا ملقاة فى الترعة، وكبّروا وآمنوا بأن بركة الشيخ عمروس، جعلت الله ينتقم له منها.

فقال نسوة من النجع:

ـ ذنب الشيخ عمروس حـل بيهـا. 

ـ كانت خاينـة... الراجــل فتح لهــا باب بيته واستأمنها، ما خلّت حرير ولا صوف ولا مال.

ـ كانت فاكراه واحد عادى، دا ولى من أولياء الله. 

وقال رجل من النجع:

ـ «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».