الإثنين 12 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

العقل الغائب.. المجلس الأعلى.. للمثقفين أم للموظفين؟

حرف

- استبعاد «شعر الفصحى» من جائزة الدولة التشجيعية يصيب الشعراء بالإحباط

- المسئول عن تحديد فروع «الجوائز» مبدعون متخصصون أم موظفون بالمجلس؟ 

- «لجان المجلس» تكتفى بالاجتماعات الأسبوعية وفعاليات يتناوب أعضاؤها على تقديمها

- إعادة الترتيب والتناوب على فروع جوائز الدولة التشجيعية «إعادة اختراع للعجلة»!

تَروى حكاية من الحكايات والنوادر الشعبية القديمة أن رجلًا أضاع مفتاحه ليلًا، وظل يبحث عنه تحت مصباح فى الشارع، فسأله أحدهم: «هل أضعته هنا؟»، فأجاب: «لا، أضعته هناك، لكن هنا الضوء أفضل!».

تذكرنى تلك القصة المأثورة بالمجلس الأعلى للثقافة، المؤسسة التى ترسم الخرائط الكبرى للفنون والإبداع على مستوى بلد كبير وضارب الجذور فى العبقرية، مثل مصر، فى وقت تتوالى فيه «المطبات» التى تظهر فجأة فى الطريق التى يرسمها فتتطاير السيارات من فوقها، بلا حتى إشارات توقف أو علامات «تخفيض السرعة» كالتى نجدها على الطرق السريعة.

فمن أزمة كبيرة فى ملف جوائز الدولة لعام 2026، وما أسفرت عنه من نتائج فجّرت الوسط الأدبى فى مصر، إلى أزمة جديدة رافقت إعلان نفس الجوائز لعام 2027، وما تضمنه من استبعاد فرع رئيسى من جائزة الدولة التشجيعية مثل شعر الفصحى، مرورًا بتبريرات لتلك القرارات أثارت بدورها أسئلة وانتقادات أكثر مما قدمت من إجابات وتفسيرات.

فكيف يفكر المجلس الأعلى للثقافة، أو من يُفكر له؟ وكيف يخطط لمساراته؟ وكيف يمكن أن يبحث عن المفتاح فى المكان الصحيح الذى فقده فيه، وليس فى مكان آخر لمجرد أن تحته مصباحًا؟!

ربما يجب أن نتوقف عند آخر «مطبات» المجلس الأعلى للثقافة، وهى استبعاد شعر الفصحى من جائزة الدولة التشجيعية لأول مرة فى التاريخ. 

لماذا شكل الاستبعاد كل هذه الصدمة؟ لأن شعر الفصحى فرع رئيسى ثابت ومن مكونات المؤسسة الثقافية المصرية منذ قيام الدولة المصرية على الأقل فى العصر الحديث، ولأنه جزء أصيل من مكونات الهوية القومية باعتبارنا البلد الذى أخرج للتاريخ أمير الشعراء أحمد شوقى.

فهل كان يمكن أن يتصور أى مثقف مصرى- فى أسوأ كوابيسه- أن يقرر أحد ما قطع جذر من جذور مصر الضاربة فى أعمق أعماقها؟!

ومن هذا الذى قرر؟! الإجابة فى البيان الأخير للمجلس الأعلى للثقافة الذى أصدره ردًا على حالة الجدل والانتقادات التى صاحبت قرار الاستبعاد، فيقول إن «لجنة عليا تضم مقررى اللجان النوعية بالإضافة إلى اللجنة العليا للمجلس»، هى التى أصدرت القرار.

يشرح المجلس ملابسات القرار، فيقول إنه «طبقًا للقانون واللائحة المنظمة، يتم تحديد فروع جوائز الدولة التشجيعية بشكل مسبق لثلاث سنوات، من خلال لجنة عليا تضم مقررى اللجان النوعية بالمجلس الأعلى للثقافة بالإضافة إلى الهيئة العليا للمجلس؛ كلٌّ فى مجال تخصصه، بما يحقق التنوع والتوازن فى تمثيل التخصصات المختلفة؛ وفق إجراءات مؤسسية وقواعد منظمة تحكم عمل منظومة الجوائز».

هذا كلام جميل، لكن من قال إننا فى حاجة لـ«إعادة اختراع العجلة»، ومضطرون لإعادة تحديد ما هو مُحدد أصلًا منذ أزل الأزل؟!

يضيف المجلس: «تم تحديد فروع أعوام ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ و٢٠٢٧ فى عام ٢٠٢٤، بناءً على مقترح اللجنة المختصة، الذى رُفع إلى الهيئة العليا للمجلس الأعلى للثقافة لمناقشته وإجراء ما تراه من تعديلات قبل اعتماده فى صورته النهائية».

إذن هناك لجنة المفترض أنها تضم فى عضويتها، مقرر لجنة الشعر المنوط به الدفاع والنهوض بفن الشعر، وقررت اللجنة إعادة تحديد فرع الجائزة بما يسمح باستبعاد «شعر الفصحى»، وهو نفس التحديد الذى سمح العام الماضى باستبعاد «شعر العامية المصرية»!

يوضح المجلس أن فرع «ديوان شعر الفصحى» كان ضمن فروع جوائز الدولة التشجيعية لعام ٢٠٢٦، بينما تضمنت فروع عام ٢٠٢٧ «ديوان شعر العامية» و«ديوان شعر الأطفال»، وجاء هذا التوزيع فى إطار التناوب بين الفروع على مدار الدورات المختلفة.

يبرر المجلس القرار بأن الأمر ليس أكثر من عملية تناوب، لكن لماذا نحتاج إلى التناوب فى فن ثابت اعتادت عليه الأجيال منذ عقود طويلة، فى حين أن التناوب قد يتم على الفروع الهامشية المضافة حديثًا وفق متطلبات العصر؟ 

فجائزة الدولة أكثر من مجرد مسابقة أدبية، إنما كرنفال سنوى تنتظره مواهب مصر من الشعراء بكل صبر وشغف، وتنتظر طقوس ذلك الكرنفال كاملة دون نقصان، حيث يعد الشعراء هم السواد الأعظم للمبدعين باعتبار الشعر الفن الأكثر شعبية فى بر مصر.

فهل يتصور أحد أن يمر عيد دون أن نستمع لغناء صفاء أبوالسعود وهى تشدو «العيد فرحة» مثلًا؟! هكذا الأمر دون مبالغة، وهكذا تمثل جائزة «شعر الفصحى» للمواهب المصرية!

وردًا على الانتقادات يقول المجلس: «لا يعنى غياب شعر الفصحى فى دورة بعينها إلغاءه أو الانتقاص من مكانته الراسخة فى الحياة الأدبية المصرية، خاصة أن شعر الفصحى من أكثر المجالات التى تخصص لها مسابقات، سواء بالمجلس أو المؤسسات الرسمية والأهلية».

المجلس هنا يرد على نفسه، فلا يعقل أن تحرم جموع شعراء الفصحى من المشاركة فى فرع ثابت اشتُهرت به مصر عن سائر البلدان، وتعلل ذلك بأنه من أكثر المجالات التى تخصص له المسابقات!

هنا يطرح سؤال مهم، ما أسماء تلك اللجنة التى أوصت بذلك الترتيب وعلى أى أساس تم اختيارها؟

فهل هذه اللجنة من نفس نوعية اللجنة التى كادت تتخذ قرارًا قبل سنوات بأن تدمج لجنة الشعر مع لجان أخرى، لولا تدخل الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى ليحول دون ذلك ويقنع أعضاء المجلس الأعلى بأهمية فن الشعر فى مصر وأهمية أن تكون له لجنة خاصة باسمه؟! وهى كواليس كشفتها مصادر خاصة حينها.

وأتوقف هنا عند التصريح الأخير لعبدالمعطى حجازى الذى قال فيه إن قرار استبعاد «شعر الفصحى» من الجائزة قرار «فاحش»، فرغم قسوة الوصف، يثير التصريح عاصفة من الحزن على العقل الذى يضع السياسات الإبداعية.

فهل من يتخذ القرار مبدع حقيقى مرتبط بفن الشعر أو الرواية أو القصة أو الفن التشكيلى، أم هم إداريون يضعون تلك الترتيبات دون دراية بطبيعة السياق أو العمل الإبداعى المتخصص؟!

إذا كانت كل هذه «المطبات» من صُنع اللجان التى تضع تصورات جوائز الدولة، فعلى أى أساس جرى اختيار أعضاء هذه اللجان؟ ومن الذى يختار من يملك حق الاختيار من الأساس؟! 

السؤال هنا ليس عن تفصيلة إدارية صغيرة، لأن اللجنة التى تجلس إلى الطاولة لتحديد فروع الجائزة أو اختيار الأعمال والأسماء، لا تمارس فقط مهمة تنظيمية، لكنها فى الحقيقة تمارس دورًا بالغ الحساسية فى رسم جزء من خريطة الثقافة المصرية، وتحديد ما الذى يستحق أن يُقدم ويُدعم وما الفروع التى يجب أن تخصص لها الجوائز.

فهل تحديد فرع مثل «رواية الخيال العلمى ورواية وسائط الاتصال الحديث»، من فعل لجنة تضم مبدعين حقيقين لديهم وعى بماهية فن الرواية؟! فالأصل فى الرواية أن تكون رواية فى حد ذاتها، وتخصيصها يُضيّق واسعًا ويغلق المجال الإبداعى أكثر مما يفتحه على الآفاق الفنية.

ولهذا، لا يمكن أن يكون معيار الاختيار قائمًا على الخبرة الإدارية وحدها، ولا يكفى أن يكون العضو معروفًا داخل المؤسسة أو شاغلًا لموقع ثقافى أو أكاديمى يؤهله للمشاركة فى اتخاذ القرار. 

نحن نتحدث عن لجان تتعامل مع الأدب والفنون، أى مع مجالات لا تخضع دائمًا لمعادلات حسابية واضحة، ولا يمكن قياس قيمة أهمية الأسماء المختارة بحجم الانتشار أو حتى عدد الكتب المنشورة فقط بقدر ما تكون قادرة على الابتكار الثقافى وصناعة الفعل والحراك المبدع على الأرض.

المطلوب عقلية تمتلك قبل كل شىء حسًا إبداعيًا ونقديًا، واحتكاكًا حقيقيًا بالمشهد الثقافى، ومعرفة بما يكتب وينشر ويُقرأ، وقدرة على التمييز بين القيمة الحقيقية وبين مجرد الحضور فى المشهد.

وتزداد صعوبة هذه المهمة فى عصر «السوشيال ميديا»، الذى غيّر شكل الحضور الثقافى بصورة جذرية، حيث لم يعد المشهد تصنعه الصحافة الثقافية وحدها ولا الندوات والمؤتمرات والصالونات الأدبية ودور النشر، حيث دخلت إليه منصات قادرة على صناعة الشهرة فى أيام وربما فى ساعات. 

وكما أن كثرة المتابعين ليست دليلًا على القيمة، فإن غياب الاسم عن دوائر الضوء لا يعنى بالضرورة كذلك غياب الموهبة، وهنا تحديدًا تظهر أهمية اللجنة التى تكون وظيفتها ليست التقاط الأسماء الأكثر لمعانًا، وإنما البحث عن المنجز نفسه، وأن تقرأ الأعمال قبل أن تنظر إلى صاحبها، وأن تعرف ماذا كتب هذا المبدع وماذا أضاف، وأن تضع تجربته فى سياقها، وتقارن بين ما يقدمه وبين ما يقدمه آخرون، ثم تصل إلى قرار، هل هذا الشخص يصلح أو سيمثل إضافة حقيقية فى دائرة العمل الثقافى أم لا؟

ولا يعنى ذلك أن المسئولين فى المجلس مُطالبون بأن يكونوا مبدعين فى كل مجال يتعاملون معه، فهذا أمر مستحيل، وإنما أن يمتلكوا من المعرفة والخبرة النقدية ما يجعلهم قادرين على الاستعانة بأهل التخصص الحقيقيين، وعلى فهم ما يقدمونه واتخاذ القرار بناءً عليه، فاختيار شاعر للجنة الشعر، مثلًا، لا ينبغى أن يكون مجرد إضافة اسم شاعر معروف أو حصل على جائزة إلى قائمة الأعضاء، بقدر ما تكون إضافة خبرة تفاعلية حقيقية للمشهد الشعرى ومنجزاته وتحولاته وأجياله، والأهم أن يكون قادرًا على صناعة الفعل والحراك الثقافى.

وأخطر ما فى عمل اللجان أن تتحول عضويتها نفسها إلى وظيفة، بما تفرضه من اجتماعات دورية، وندوات وفعاليات يجرى تدوير أعضاء اللجنة على المشاركة فيها، بحيث تتحول إلى لجنة تؤدى مهام إدارية وتنظيمية أكثر مما تمارس أدوارًا إبداعية ونقدية خلاقة فى العمل الثقافى. 

فماذا تفعل اللجنة بين اجتماع وآخر؟ وما الذى تضيفه إلى المجال الذى تمثله، خارج حدود الاجتماعات والفعاليات التى تنظمها المؤسسة؟!

ولنأخذ لجنة الشعر مثالًا- وفى عضويتها زملاء وأصدقاء نُجلهم ونقدرهم- لكن ماذا قدمت منذ تشكيلها الأخير للشعر المصرى؟ وما الذى خرج من نشاطها إلى المجال الثقافى الأوسع؟ وهل يقتصر دورها على الأمسيات التى تقام فى مقر المجلس بالجزيرة، ويشارك فى تقديمها والقراءة فيها أعضاء اللجنة أنفسهم، أم أن هناك دورًا آخر قد يمتد إلى قراءة وتحليل المشهد الشعرى وفتح مساحات للحوار مع الأجيال المختلفة والوصول إلى جمهور أبعد من جدران المؤسسة؟

إذا كان المطلوب أن تظل لجان المجلس الأعلى للثقافة لجانًا للإبداع لا «لجان موظفين»، فالأمر يحتاج إلى إعادة النظر فى وظيفة اللجنة نفسها، وفى ما يُنتظر من أعضائها بعد اختيارهم. 

فلا يمكن تصور أن يكون الاجتماع الدورى للجنة إنجازًا فى حد ذاته، كما أن الندوة التى تقام فى مقر المجلس ليست بالضرورة أثرًا ثقافيًا، وعدد الفعاليات لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لقياس نجاح لجنة معنيّة بفن أو مجال أدبى.

اللجنة الحقيقية يجب أن يكون لها مشروع واضح، لا مجرد جدول من الاجتماعات والفعاليات، فلجنة الشعر، مثلًا، ينبغى أن تكون معنيّة بقراءة المشهد الشعرى المصرى ورصد تحوّلاته والنهوض به وليس تمرير، أو الصمت حيال قرار بإلغاء فرع مهم مثل «شعر الفصحى» خلال دورة من دورات جائزة الدولة التشجيعية.

ومهمتها أيضًا التعرف إلى الأسماء والتجارب الجديدة، وفتح قنوات اتصال مع الشعراء فى المحافظات والجامعات والنوادى الأدبية وقصور الثقافة، لا أن يظل نشاطها محصورًا فى الجدران التى تجتمع بينها. 

وكذلك الحال فى لجان الرواية والقصة والفنون التشكيلية والموسيقى وغيرها؛ فلكل مجال خريطته الخاصة، ومشكلاته، وأجياله، ومساحاته التى تحتاج إلى من يكتشفها ويتفاعل معها.

وقد يكون من المفيد أن تقدم كل لجنة فى بداية عملها خطة سنوية معلنة تحدد ما الذى تريد إنجازه، ثم تقدم فى نهاية العام تقريرًا يوضح ما أنجزته بالفعل، وما لم تنجزه وأسباب ذلك، ليتسنى للجميع تقييم اللجان على أساس أثرها، لا على أساس عدد الاجتماعات التى حضرتها أو الفعاليات التى نظمتها.

كما يحتاج اختيار أعضاء اللجان إلى قدر أكبر من التنوع؛ بحيث لا تتحول اللجنة إلى دائرة مغلقة من الأسماء نفسها التى تنتقل من لجنة خلال موسم إلى ذات اللجنة فى الموسم الذى يليه، فلا ينبغى أن يكون الطريق الوحيد للوصول إلى اللجنة عن طريق الصداقة أو «معارف مسئولى ومقررى اللجان».

والأهم أن تذهب اللجنة إلى حيث يوجد النشاط الثقافى، لا أن تنتظر وصول أصحابه إليها داخل المقر، وأن تقرأ، وتستمع، وتناقش، وتبحث عن التجارب الجديدة، وأن تبنى قواعد معرفة حقيقية بالمجال الذى تمثله. 

أما المجلس نفسه، فعليه أن يمنح هذه اللجان مساحة حقيقية للعمل، وأن يطلب منها نتائج قابلة للقياس، وأن يراجع أداءها دوريًا، لا أن يكتفى بتشكيلها وتركها تعمل بالآليات التقليدية نفسها.

فلا يحتاج المجلس الأعلى للثقافة إلى لجان أكثر، بقدر ما يحتاج إلى لجان أكثر فاعلية؛ ولا يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات، بقدر ما يحتاج إلى أفكار تتحول إلى فعل وحراك حقيقى على الأرض. 

فاللجنة التى تجتمع لتناقش الثقافة، يجب أن تتحول إلى لجنة تتحرك فى المجتمع لتصنع أثرًا فيه، وإذا كانت الدولة قد منحت هؤلاء المبدعين والنقاد والمثقفين مسئولية المشاركة فى توجيه المشهد الثقافى، فمن حقها، ومن حق المجتمع، أن يرى ثمرة هذه المسئولية خارج قاعات الاجتماعات.