استعادة «الفارس القديم».. لماذا لا تكون ذكرى رحيل صلاح عبدالصبور يومًا للشعر؟
- لم يبع بـ«رخيص» كما اتهمه البعض بل قدّم خلاصة عقله للثقافة المصرية
- قصائده ثورة حقيقية على مستوى الشكل واللغة والخيال الشعرى
كان القمر فى السماء «بدرًا»، والسكون يُخيم على المنطقة التى يقع فيها منزل الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى فى القاهرة. فى داخل المنزل كان يجلس صلاح عبد الصبور على كنبة فى الصالة وحوله مجموعة من الأدباء والكتاب الصحفيين ورسامى الكاريكاتير.
نحن الآن فى ليلة 14 أغسطس عام 1981، حيث يحتفل المجتمعون فى المنزل بعودة الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى من الخارج واستقراره فى مصر.
وفيما يحتدم النقاش السياسى الذى تتصاعد معه أدخنة السجائر فى سقف الصالة، يتلقّى الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور رصاصة لكنها ليست من حديد وبارود، بل من كلمات وجهها أحد الحاضرين اتهمته ببيع مبادئه بـ«الرخيص» بعد قبوله منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، ليتعرض بعدها بدقائق إلى نوبة قلبية حادة تودى بحياته.
فهل حقا باع صلاح عبدالصبور بــ«رخيص»؟! وهل يمكن وصف الرجل الذى سخّر حياته لصناعة الجمال والمحبة للإنسانية، وقدم خلاصه روحه وفكره من أجل تشكيل الهوية الشعرية المصرية التى تحمل روح الوطن وتاريخ وملامح أهله الطيبين، بأنه باع مبادئه؟!

٤٥ عامًا مرت الآن على ذلك الرحيل المُفجع للشاعر غير المسبوق فى تاريخ الشِعرية العربية، لكن رغم مرور هذا السنوات، نكاد نستمع إلى صوت صلاح عبدالصبور وهو يستصرخ من قبره كمدًا على ما طاله اتهامات باطلة وإجحاف كبير قبل وفاته، ونكاد نسمح هذا الأنين والشجن الصادر من شاعر حوّل قصائده إلى كائنات جمالية تتحدث باسم أبناء هذا الشعب، تعبر عن أحلامهم وأفراحهم وآلامهم ونظرتهم للحياة والمستقبل.
من أجل ذلك، دشّنت «حرف» مبادرة لإطلاق «يوم الشعر المصرى» فى ذكرى رحيل صلاح عبدالصبور، اتساقًا مع قدمه ذلك الشاعر القدير إلى القصيدة المصرية من جمال خاص يشبه مصر ويجسد ما يدور فى عقلها، فى منجز ضخم يصل إلى نحو ٦ دواوين ونحو ٦ مسرحيات شعرية ونحو ٩ أعمال نثرية، كلها كانت أعمدة رئيسية فى الثقافة العربية والمصرية المعاصرة.
يتساءل البعض، لماذا صلاح عبدالصبور تحديدًا الذى يحدد يوم الشعر المصرى وفق ذكرى وفاته؟ الإجابة ببساطة لأنه الشاعر الأهم والأبرز الذى آمن بأن الثقافة والهوية والوجدان المصرى، جدير بأن يكون ممثلًا فى قصيدة مصرية خالصة رغم لغتها التى يتكلم بها الوطن العربى الكبير.
من يتأمل فى منجز «عبدالصبور» منذ أول أعمال أعماله الشعرية «الناس فى بلادى» (١٩٧٥)، يُلاحظ الامتزاج الكامل لسياقه الشعرى مع التربة المصرية الأصيلة، فنجده يتحدث عن الناس العاديين فى الشوارع والفلاحين فى الريف والعمال فى المصانع، بلغة تشبههم رغم فصاحتها وجزالتها دون أى تفريط فى الجوانب الفنية والإبداعية.
كان ديوان «الناس فى بلادى» هو النار التى أشعلت جزوة الحداثة فى السياق الشعرى المصرى ومنه إلى السياق العربى، حيث قصائده التى تنتمى إلى شعر التفعيلة فى شكل جديد يكسر نمطية القصيدة العمودية، ويبشر بثورة على مستوى القالب والإيقاع الموسيقى وكذلك الخيال والمجازات الشعرية.
خاطب «عبدالصبور» قارئه ببساطة متفردة وبعمق بليغ فى الوقت نفسه، فيقول فى قصيدته «الناس فى بلادى»: «وعند باب قريتى يجلس عمّى (مصطفى)، وهو يحبُّ المصطفى، وهو يقضى ساعةً بين الأصيل والمساءْ، وحوله الرجالُ واجمون، يحكى لهم حكايةً.. تجرُبةَ الحياة».
كسر «عبدالصبور» نمطية التناول الشعرى فصار يكتب عن اليومى والعادى، وهى السمة التى طالما كانت تحسب لقصيدة النثر، لكنها كانت الأبرز فى تجربة مبدع قصيدة «يا صاحبى إنى حزين»، والتى يقول فيها: «وشربت شايًا فى الطريق، ورتقت نعلى، ولعبت بالنرد الموزع بين كفى والصديق»!.
لقد أطلق ثورة شعرية حقيقة فى قلب مصر والعالم العربى، عبر قصائد بكر وناضجة تغوص فى أعمال النفس البشرية لكنها لا تتعالى على القارئ ولا تدخله فى دوامات من التغريب والتهويم، الذى طالما نفّر الناس عن قراءة الشعر وجعلهم يتجهون إلى أنماط أدبية أخرى.
وارتكز صلاح عبدالصبور على التاريخ المصرى تحديدًا فى تطوير قصيدته، متناولًا المأساة المصرية فى أشكالها المختلفة، ولعل أبرز ما تناوله فى ذلك السياق، كان حادثة دنشواى المؤلمة التى جسدها فى قصيدته الشهيرة «شنق زهران»، وهو الفتى الذى كان إحدى ضحايا تلك الواقعة الحزينة فى تاريخنا القومى، ويقول فيها: «كان زهران غلامًا، أمه سمراء، والأب مولّد، وبعينيه وسامة، وعلى الصدغ حمامة، وعلى الزند أبوزيد سلامة، ممسكًا سيفًا، وتحت الوشم نبش كالكتابة، اسم قرية دنشواى».
وتحول مُنجز «عبدالصبور» إلى معين لا ينضب لكل الأجيال الجديدة والشباب الباحثين عن الثقافة والجمال الحقيقى بين دواوين الشعر العربى، فمن منا لا يذكر قصيدته «أحلام الفارس القديم» التى رأى كل منا شيئًا من نفسه بين سطورها، وعاش رومانسيته وقصصه العاطفية الخاصة بين صورها التى تأسر القلوب.
يقول فيها: «لو أننا كنا بخَيْمتين جارتينْ، من شرفةٍ واحدةٍ مطلعُنا، فى غيمةٍ واحدةٍ مضجعُنا، نضىء للعشّاق وحدهم وللمسافرينْ، نحو ديارِ العشقِ والمحبّة، وللحزانى الساهرين الحافظين مَوثقَ الأحبّة، وحين يأفلُ الزمانُ يا حبيبتى، يدركُنا الأفولْ، وينطفى غرامُنا الطويل.. بانطفائنا».
وكان مفتونًا بالتجديد، مهووسا بغزو مناطق إبداعية مختلفة، كارهًا للجمود والنمطية، فانطلق كالتيار الهادر فى المسرح الشعرى مقدمًا للإنسانية أروع ما قيل على خشبة «أبوالفنون»، مثل «الأميرة تنتظر» و«ليلى والمجنون» و«مسافر ليل».
أفلا يستحق شاعر كتب مسرحية شعرية لم تتكرر فى التاريخ، مثل «مأساة الحلاج» أن يكرم التكريم الذى يليق به؟! تلك المسرحية التى رغم مرور ٥٧ عامًا لا تزال تقدم فى كل مسارح الوطن العربى وتحقق شهرة لم تكتب لمثيلاتها من المسرحيات الشعرية، بروحها الصوفية النقية وتجلياتها وفتوحاتها الاستثنائية!.
ولم يكن «صلاح» يميل إلى الارتكان لقوقعة الشعراء أو أبراجهم العاجية، بل إلى توليد الأفكار والكتابات العامة، فأصدر عددًا من الكتب الفكرية والنقدية الرائدة التى كان بعضها دليلًا استرشاديًا للأدباء والفانين والشعراء، مثل كتاب «حياتى مع الشعر» الذى وضع فيه عصارة تجربته مع القراءة والتذوق والاطلاع والوعى بالشعر وكيفية تلقيه للأشعار العالمية ورحلته مع الكتابة وغير ذلك.
وكسر «عبدالصبور» كذلك نموذج الشاعر الذى لا يتكلم إلا من خلال قصيدته، فأدى أدوارًا كبرى فى الحياة العامة والحياة الصحفية عبر عمله فى الصحافة ومجالات الثقافة المختلفة وخاصة توليه منصب رئيس الهيئة العامة للكتاب فى وقت كان الوسط الثقافى فيه يموج بتحديات كبيرة متعلقة بالأحداث السياسية التى كانت تدور فى البلاد آنذاك.
كما أدى «عبدالصبور» دورًا كبيرًا فى التبشير بالأجيال الجديدة من الشعراء آنذلك، فكتب عن الكثير من طلائعهم، وساعد فى نشر أعمالهم الشعرية خاصة خلال توليه رئاسة هيئة الكتاب، وظل يؤدى ذلك الدور بكل بسالة وتجرد رغم ما كان يناله من بعض هؤلاء الشعراء من اتهامات جوفاء بالتفريط وقبول المناصب على حساب المبادئ وغير ذلك.
ومن هنا، جاءت مبادرة «حرف» كدعوة جادة للانتصار لتلك التجربة غير المسبوقة فى التاريخ العربى، ولرد اعتبار واحد من أقطاب الثقافة المصرية الذين شكلوا وعى الأجيال.







