قلوبهم معلقة بمصر1
نيقوس كازينتزاكيس.. يوميات أديب يونانى فى شوارع الدلتا والقاهرة
- أَسَرَه انتظام المصريين فى تجمعات واكتشافهم قوانين العلوم المائية والهندسية بسبب فيضان النيل
- هنا رماد أجيال عديدة لا تحصى بزغت من طمى النهر وجفت كما تجف قوالب الطين فى الشمس ثم تحولت ثانية إلى طمى
السفر هو الحنين إلى تجربة الجديد غير المألوف، والاحتياج إلى الفرح باصطياد المعرفة وإثراء الروح، التى طالما زيّنت لى أن هناك دومًا، فى مكان ما، مدينةً جديدةً جميلةً تمنحنى وجهها طواعية، وتسمح لى بأن أقيم معها علاقةً عاطفية.
كانت بدايتى مع كتابة الشعر، وصدر لى ديوان «الحب يسألكم المغفرة»، لكننى هجرت الشعر لأننى أدركت أن الشاعر لكى يكون حقيقيًا يتوجب عليه أن يخلص للشعر، وألا يكون له شريك يقاسمه الوقت والاهتمام. ومع ذلك، أبى الشعر أن يهجرنى، وظل يتسلل إلى كتاباتى فى الموسيقى، والأوبرا، والباليه، والمسرح، والفن التشكيلى.
كذلك وجدت الشعر يتخلل نسيج السرد فى الرواية التى أترجمها من الإنجليزية إلى العربية، ولى فيها ترجمات عدة، منها «شعب يوليو» للكاتبة الجنوب إفريقية نادين جورديمر، الحاصلة على جائزة نوبل، و«ميراث الخسارة» للكاتبة الهندية كيران ديساى، و«زهرة الكركديه الأرجوانية» للكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزى أديتشى. والممتع فى ترجمة الرواية أننى أشعر وكأننى سافرت عبر سطورها إلى الأمكنة والأجواء التى تتحرك فيها شخصيات الرواية.
ولى فى أدب الرحلة ستة كتب، من بينها «وردة الشمال.. أيام فى استكهولم»، و«السفر.. قصة عاطفية»، و«تونس البهية.. رحلة فى الناس والتاريخ والعمران»، وحصل على جائزة المركز العربى الجغرافى «أحمد ابن بطوطة»، وحاليًا أعد فصولًا لكتاب جديد عنوانه «قلوبهم معلقة بمصر» عن مجموعة من الأدباء والرحالة والفنانين الأجانب الذين زاروا مصر وأحبوها إلى درجة العشق، وكتبوا عنها، ومنهم: الأديب اليونانى نيقوس كازينتزاكيس، والرحالة البريطانى ديزموند ستيوارت، والأديب الفرنسى تيوفيل جوتييه، والرحالة والأديبة البريطانية أميليا إدواردز، والرحالة الروسى ف. أندريفسكى، والأديب الألمانى هانز أبندورفر، والأديب الفرنسى جوستاف فلوبير، ودوروثى إيدى، المولعة بمصر القديمة ومعبد أبيدوس.
«قلوبهم معلقة بمصر» أتوجه به إلى شباب المصريين لأقول لهم: هذه الجميلة، مصر العظيمة القدر، تستحق منكم كل الحب.
وهنا فى «حرف» أصحبكم فى رحلة الأديب اليونانى نيقوس كازينتزاكيس لمصر.

الأديب والفيلسوف اليونانى نيقوس كازينتزاكيس «١٨٨٣- ١٩٥٧» هو صاحب «زوربا اليونانى، والإغواء الأخير للمسيح، والمسيح يُصلب من جديد» وغيرها من المؤلفات المهمة، وقبل أن ينتج رواياته التى باتت خالدة وثَّق زياراته إلى مصر ووادى النيل وسيناء بين عامى «١٩٢٦ و١٩٢٧»، وجاءت هذه الرحلات حين عمل مراسلًا صحفيًا، غير أنه لم يرَ مصر بعين المستشرق العابر-مثل كثيرين كتبوا عنها- بل بروح متأملة تبحث عن جذور الحياة؛ فلم يكتفِ بالقشرة السطحية للأماكن، بل التحم بالناس والباعة والروح المصرية البسيطة.
وشملت محطات رحلته مشاهداته دلتا النيل، والقاهرة، والأهرامات، وتجواله الروحى والتأملى فى صحراء سيناء، وعبّر عن شعور عميق بالقرابة الروحية مع المنطقة، حتى إنه قال عن عمق تأثره: «ليتنى انحدرتُ من أصل بدوى». وفى كتاباته جمع بين الوصف الجغرافى الدقيق والرؤية الفلسفية الروحية، مستعرضًا انطباعاته العميقة عن مصر، وعكست مقولاته تفاعله مع الطبيعة البكر، وتأملاته حول التحول النفسى والبحث عن الخلاص وسط جبال سيناء.

عند اقترابه من منطقة الدلتا «البقعة الخضراء العظيمة»، كما كانت تسمى فى الهيروغليفية، وبينما كانت أغنيات الفراعنة القديمة تتسلل إلى قلبه، تساءل العاشق اليونانى من جزيرة كريت «نيقوس كازينتزاكيس»: ما القيمة المباشرة للأهرامات والمومياوات الذهبية ومعابد الكرنك العملاقة وتماثيل الملوك الجرانيتية بالنسبة لى؟.. كيف يمكننى ألا أنظر بدهشة وحيرة إلى النخلة دهشة وحيرة.. وقوانين النهر المقدس
فى رحلته بدت له الدلتا بقعة خضراء تنفتح وتتمدد باتجاه البحر فى الشمال، فى قلبها ياقوتة حمراء هى القاهرة التى منها يبدو جذع مصر- النحيل المنبسط مثل جذع شجرة النخيل- مصاحبًا مياه النهر إلى الجنوب حيث تنبسط على يمينه ويساره رمال الصحراء المترامية. هو النيل إذن أكثر الأنهار الثلاثة القديمة العظيمة المقدسة «النيل والفرات والجانج» قداسة، فهو الذى غمر الأرض بالماء وجعلها مثقلة بالثمار، وهو الذى أنجب النباتات والحيوانات والفلاحين، وهو الذى أجبر الناس على العمل معًا من أجل اكتشاف العلوم الأولى.
لم يورث النيل الأرض والأشجار والحيوانات والناس فقط، فى رأى كازينتزاكيس، إنما ورث أيضًا القوانين والحقائق العلمية الأولى، فلأن فيضانه ليس مصدر خير دائمًا وجد المصريون أنفسهم مجبرين على تنظيم أنفسهم والعمل معًا حتى يقدرون منسوبه ويتحكمون فى قوته المدمرة ويختزنون طاقته المائية فى خزاناتهم... وهكذا انتظم المصريون فى تجمعات واكتشفوا قوانين العلوم المائية وسرعان ما أجبروا على اكتشاف العلوم الهندسية، ففى كل عام كانت مياه النيل تغمر الحقول وتحطم الحواجز ويصبح من الضرورى لكل ملكية فردية أن تكتشف فائدة تسجيل الأرض الزراعية فى سجلات الأراضى، وبهذه الطريقة تسبب النيل فى خلق القانون الذى يعنى بعلم الفوارق والطبقات.
ولأن ازدهار ونمو كل ملكية زراعية اعتمد على ازدهار ونمو ملكية زراعية أخرى، فقد تولد التنظيم المحكم لتوزيع المياه، وبذلك أجبر النيل المصريين على قبول قسوة الحكم السلطوى، الذى يمثل اجتماع كل السلطات فى رمز سياسى واحد يستطيع التحكم فى الماء ويوزعه بالعدل، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى وجود سلطة فرعونية مطلقة.


أثناء تجواله على طول شواطئ النيل بين أعواد قصب السكر، بدا للرحالة اليونانى أن الصحراء قد استسلمت وانفتحت وحملت الثمار وأنجبت أشجار النخيل والحيوانات والفلاحين الذين يجرون المياه فى عيون الصحراء البراقة التى لا تستسلم أبدًا ولا تهزم أبدًا، ووجد نفسه يسأل: إلى متى يقوم الفلاحون المصريون نصف العراة بجر المياه وفتح القنوات وزرع البذور وعزق الأرض؟... إلى متى يستمر هذا النضال طالما أن النيل سوف يتناقص فى لحظة ما لتعود بعد ذلك رمال الصحراء الناعمة التى لا تهزم أبدًا؟... ألهذا السبب كان كهان مصر القديمة يقدمون القرابين للنيل ويرفعون أيديهم بالدعاء والثناء عليه؟
«مرحى أيها النيل المتجسد فى الأرض
القادم بسلام كى يحيى مصر
إنك تخفى عبورك فى ثوب الظلام
وتمد أمواجك إلى الحدائق
وتعطى الحياة لكل شىء ظامئ
أنت رب السمك وأبو القمح وخالق الجهد
إذا توقفت أصابعك عن العمل
فإن آلاف المخلوقات سوف تهلك وتختفى الآلهة
لكن حين تكشف لهم عن نفسك
فإن الأرض تطلق صيحات البهجة
وتحس كل بطن بالمتعة
وتدغدغ الضحكات كل نفس
حيث تجد كل سن ما تلوكه وتمضغه».
عين «كازينتزاكيس» المحبة تنظر إلى غروب الشمس وحمرة خفيفة تلون الجبال، وإلى طيور فى السماء تتمايل أعناقها ببطء، وإلى فلاحين يسحبون دلاءهم ليرووا الأرض وهم يغنون، وإلى الناس جميعًا يبدون مسالمين وقانعين ولا ينقصهم شىء سوى قلب رومانسى كى ينخدع بهذه السكينة. لكن «كازينتزاكيس» صاحب القلب الرومانسى لم ينخدع طويلًا فلقد استطاع أن يميز خلف قناع الوداعة ذلك الوجه الحزين المكافح لمصر، وأدرك جيدًا أن على طول ذلك الشريط الضيق الذى يزهر بالخضرة وسط الصحراء معركة مرعبة لا تنتهى بين الماء والإنسان، وأنه إذا توقف هذا الصراع للحظة واحدة فقط فسوف تغمر الصحراء كل ما يزين هذه الأرض من أشجار وطيور وناس.
عدسة عين القلب الرومانسى رأت الفلاح المصرى قطعة من المنظر الطبيعى مصنوعًا من نفس طين الأرض، يحنى قامته أمام النهر بجزره ومده منذ قديم الزمان، ويجر الماء ليملأ أخاديد الأرض ويفعل ذلك بإخلاص عظيم، كما رأت عين القلب الرومانسى النسوة يسرن صوب النهر، يملأن جرارهن الفخارية ويضعنها على المدورة الموضوعة على طرف رءوسهن، ويتسلقن حافة النهر بخط مستقيم فى صف واحد وببطء، واحدة أثر الأخرى، وتلمع الخلاخيل الفضية تحت أشعة الشمس على كعوبهن التى لطخها الطين ولفحتها الشمس.
ناظرًا إلى مجرى النيل وجد «كازينتزاكيس» نفسه يفكر بالتخلى عن كل تصوراته السابقه حول الجواهر الذهبية والفراعنة المنتصرين والآلهة العظيمة، فقد رأى الحدادين بآلامهم المبرحة فى الحقول وهم يواصلون العمل فى الليل فى الوقت الذى يتوجب عليهم فيه أن يخلدوا للراحة، ورأى الحلاق يتنقل من بيت لآخر بحثًا عن زبائن ليقص الشعر طوال النهار، ورأى النُساج وساعى البريد والإسكافى والدباغ.


ربما الانطباع الأول الذى استقر فى روح وعقل نيقوس كازينتزاكيس عند رؤيته القاهرة هو ما عبّر به بقوله: «هذا هو الشرق كما أحبه طافح بالنور والألوان والعطور.. هنا رماد أجيال عديدة لا تحصى بزغت من طمى النهر وجفت كما تجف قوالب الطين فى الشمس ثم تحولت ثانية إلى طمى»... وفى جولاته بشوارع القاهرة كان يستمتع برؤية المحصول الإنسانى المعاصر للنيل «الفلاحون النحيلون الرشيقون المرهقون من العمل والجوع»، وبالتطلع إلى النسوة الكحيلات العيون يرتدين الخلاخيل الفضية... وخلال طوافه فى أرجاء المظلة الإنسانية الملونة التى تعبق برائحة المسك والروث كان يرى الأوروبيين الشاحبين كالمرضى تحت حرارة الشمس العربية وقد لفحت وجوههم وجعلتهم كالمصابين بالدوار.
على وقع الطبول شاهد ثلاثة من المصريين يقودون جملًا متوجًا بالأزهار ومن خلفهم الأطفال يغنون فرحين وينشدون: «غدًا سيذبح هذا الجمل فى ملحمة أحمد على وهنيئًا لمن يشترى من لحمه»... ورأى حاملى محارق البخور البرونزية يدخلون من هذا الدكان أو ذاك... ورجل يتوسط حلقة السامر ويحشو القطن فى فمه ويتظاهر بمضغه وابتلاعه، وينضم إليه رجل آخر يسحب بأصبعه القطن من فم الرجل الأول فى شريط لا نهاية له، ثم تدخل امرأة لتلتقط طرف الشريط القطنى وتلفه حول خصرها الدقيق وتدور كالمغزل، ويعقب كل ذلك صينية تدور على المتفرجين لجمع قروش قليلة.
رائحة القرفة والقرنفل والبخور تهب عليه قبل وصوله إلى سوق النسوة المسقوف الذى تباع فيه البهارات العربية، وفيه تقوم البائعات بحسر الحجاب عن وجوههن إلى النصف ويقمن بالتدليل على بضائعهن مثل كحل العيون والحناء وزيت الطيب والمسك وماء الزهر والبخور، وفى الجهة المقابلة للسوق ورش تصنع فيها تحف فضية ونحاسية وأماكن عرض وبيع سجاجيد وأقمشة وسيوف وخناجر مرصعة بالعاج والياقوت الأحمر واللؤلؤ.

يصعد الدرج صوب الهضبة والجبل، ويتسكع لساعات طويلة حول المساجد والمآذن المضيئة كأنها شهب بيضاء تخترق السماء الزرقاء الداكنة، ناظرًا إلى أسفل حيث المدينة تهدر كهدير البحر، بينما الشمس تبدأ فى التدحرج نحو المغيب... وفى مكانه المرتفع يرى الصحراء تلف المدينة وتحاصر البيوت متأملًا زهرة القاهرة مستلقية ومتفتحة على الرمال وتشرب من ماء النيل... كانت مصر كلها فى مكانه المرتفع تمتد أمام عين خياله، حيث القرى الهاجعة على ضفاف النيل والخضرة الزاهرة على يمين ويسار النهر تنتج الغذاء للناس والحيوانات، والصحراء القاحلة التى لا يحدها حد وتقتل الناس والحيوانات.
وجهان لمصر تمتع بهما كثيرًا «كازينتزاكيس» أثناء ترحاله فى مصر، هما الوجه الأخضر والوجه الصحراوى الرمادى، وتمثل الإحساس الذى لم يشعر بمثله فى أى مكان على هذه الأرض فى لذة التواصل بين الحياة والموت، فقد اعتاد المصريون القدماء وضع المومياوات فى صدر قاعات الطعام من أجل النظر إلى الموت ومن أجل تقوية إدراكهم بحياتهم القصيرة مثلما اعتادوا الغناء:
«تمتع بكل يوم
ادهن جسدك بالعطور واجعل أنفك يتشمم الروائح العطرة
واعقد باقة من اللوتس لجسد المحبوب الجالس بالقرب منك
اسع لملاهيك الآنية
واهرب من متاعبك ومسئولياتك
حتى تأزف الساعة التى سيأخذونك فيها
إلى ذلك المكان الهادئ الذى تحب
وتذكر أن لا أحد يمكنه الرجوع من هذا المكان أبدًا».







