ألوان أبى من قاع البحر.. مقطع من رواية «باليتة ألوان عن العشق» لسارة عبدالعزيز
أعلم أنه عندما ينام، يخبو كالأطفال، ويحلم بعوالم بريئة. أعلم أن البحر يمكن أن يكون أقصى أمنياته، والورد أكبر هداياه. أعلم أن المكان الذى رحل عنه ما زال يسكن روحه، والناس الذين رحلوا عنه ما زالوا يسكنون أرواحهم. أعلم أن على جبينه القمح الذهبى، وخلفه ألف زهرة وردية. أعلم أن لون عينيه الخضراوين أول لون تعلمت عبره الرسم، وأجمل لون يضىء روحى. أعلم أنه عندما كان يحملنى طفلة، لم يكن يتعب، ولكن قلبه كان يخفق خوفًا علىّ، خوفًا على مستقبلى، وخوفًا على قلبى.
أبى... كم أشتاق إليك.
اللون الأول
أخضر مائل إلى الزرقة
وقت شباب أبى الباكر
كان يجيد التخييم، مرتديًا ملابس بهية، تساعده عليها هيئته الشقراء وجسده الصغير، مثل جيمس دين وآلان ديلون، ممتزجًا بنبرة صوت عبدالحليم حافظ، ليخلق شخصيته الفريدة. ما بين ترقب ديلون، ولفتاته الماكرة، ورومانسية حليم الخالصة، يقع أبى فى عالمه، وقد لفحته الشمس بلون برونزى خلاسى نادر، ظل معه حتى آخر يوم فى حياته، حتى إنك عندما تراه تظنه قادمًا للتو من السباحة.
وعندما كان فى معمله الفقير يكافح من أجلنا، بعد أن تخلت عنه مملكته بسبب رفضه أن يبتاع ضميره، ترك ثروة طائلة وراءه، وقضى حياته فى كفاح.
حتى أيام ذلك المعمل الذى أنشأه للفقراء، فى ذلك الحى الشعبى البعيد، احتفظت بشرته باللون ذاته، حتى إنك تظن أنه يخبئ وراء الجدار الأخضر الفاتح الممزق بلون السماء الأزرق الفاتح شاطئ بحر خاصًا به، يعينه على الأيام، خلف هذا الجدار.
بينما علّق فوقه صورًا لنا، أنا وأمى وإخوتى، على شاطئ البحر، فى أيامنا المترفة الماضية، بأعمار مختلفة. وكلما قمت بزيارته، يذكرنى بتلك الأيام، عندما كان يحملنى طفلة، ويضع يده نحو قلبى، يخاف أن أفلت منه، وأمضى دون عودة.
اللون الثانى
أحمر قانٍ
يومًا أخذنى، وقال لى: «سأعلمك اليوم القيادة».
وضعنى جواره على المقعد، فى عربته الأمريكية الكابرس الحمراء، بلون المرجان الغاطس فى النبيذ الوردى القانى. بينما أخذت السيارة تمرح بجوار الشاطئ، وترتطم أمواجه بعجلاتها، ومع كل ارتطامة كان يبعث فى قلبى الدهشة المحببة، والشعور والشعور الفائق بالمغامرة.
واضعًا يدىّ الصغيرتين على عجلة القيادة، ليخدعنى، وأعيش الخدعة بسعادة، وأظن أننى من أقود العربة. ليضحك أبى، بينما تتسرب من جسده رائحة الملح الممتزج بطحالب البحر، التى تزيد من لمعان عينيه، وتوافق لونهما الأخضر.
تلك الطحالب كان يحب أن يحضر لنا منها مع كل مغامراته فى الغطس، ومعها شعبًا مرجانية وقواقع، بينما كانت خيمته دائمًا على أهبة الاستعداد فوق سقف عربته.

ولحظة نصب الخيمة، كنت فى كل مرة أشعر بأنه ينشئ لنا بيتًا دائمًا، وأفزع عند رحيله. لذلك شيدت خيمة دائمة فى بهو بيتنا، بينما كنت أتسلل إليها بجسدى الصغير، مختبئة، أجمع الدمى وتلفازًا صغيرًا للعب، أبدل فيه الشرائط، وضمن تلك الشرائط سفينة صغيرة تبحر، بينما أستمع، على جهاز التسجيل الذى أهدانى إياه أبى، إلى حليم، وأظن أن أبى هو من يغنى:
«من تكون حبيبتى،
فأنتِ فى أعماق ذاتى،
سر أسرار حياتى»
اللون الثالث
رمادى فاتح
كيف يمكن ذكرى ليلة رمادية شتوية، فى الإسكندرية، فى مطلع التسعينيات، أن تبعث كل هذا الدفء فى قلبى وروحى؟.
كانت الأيام أكثر ودًا وألفة.

ورغم قربى من أبى فى سنوات طفولتى، ورغم عشرات المرات التى حملنى خلالها إلى سيارته، يطوف بى على كورنيش بحر الخليج الأحمر ، لأغفو، حيث كنت طفلة أرقّة، وكل أوقات لهونا فى الطفولة تجمدت فى مراهقتى داخل صمتى، إلا أن هذه المرة التى سافرنا فيها إلى الإسكندرية كانت كأنها الوقت الأوحد بينى وبين أبى، الذى سافرنا فيه سويًا، وحدنا، وقت المراهقة.
فى هذا الزمن الذى غدوت فيه تعسة، ولدت هوة كبيرة بينى وبين أبى، وأخذت تتنامى بيننا، وليدة غربته فى البلاد البعيدة. كنت أغفو لأجد نفسى قد كبرت عامًا، وأبى ما زال على أطراف الباب، قادمًا من الطائرة، ممسكًا بالأيام، يحدق بى ليعرفنى مرة أخرى، وكأننا نتعارف للمرة الأولى.
كان الصمت بيننا يكبر يومًا بعد يوم، بينما يتألم كل منا فى صمت.

فى تلك الليلة كان أبى فى إجازة ما بين سفرتين. لم يتخل عن حلمه أن يجد عملًا يليق بتجربته فى بلاده بعد أن لفظته. فذهب تلك المسافة إلى الإسكندرية ليستلم خطابًا من شقيق أحد زملاء العمل، وكان صاحب مستشفى، لكن فيما يبدو لم يوفق.
ورغم أننى ذهبت معه إلى ذلك المستشفى، أنتظر فى البهو العتيق، وكان الجدار رماديًا يشبه تمامًا السحاب الذى ظلل رءوسنا، بينما نترجل على شاطئ البحر، كان صوت ارتطام أمواجه يبعث فى قلبى رهبة كبيرة.
كان أبى حزينًا، مثقلًا، ورغم هذا أخذنى إلى مطعم البيتزا المفضل لدى، بجوار الفندق القديم، حيث اعتدنا أن نذهب فى طفولتى. وكانت أغنيات شارل أزنافور، المفضلة لأبى، تشدو فى الخلفية، بينما مشاعر الهزيمة تتسلل إلى وجنتيه، ويحاول حجبها عنى عبر ابتسامة رمادية، توسطتها نقطة زيتونية مائلة إلى الحمرة، كادت أن تبكى.
كانت عين أبى.
للون الرابع
أبيض
ليلة يناير، الشتاء الأخير لأبى، كان بين ذراعى أنا وأخى وأمى. أخذ أبى يتمتم لأحدهم، وكأنه يقف أمامه، حتى رحل.
ذهبت نحو الحائط أبكى، وأكلم الله: لماذا أخذته؟ ما الجدوى؟ لماذا باعدت بيننا؟
بعد ساعات نادت علىّ أمى: «تعالى، أبوكى عاوز يكلمك».
ذهبت، فرأيت المعجزة.
كان أبى يبتسم، بينما تسرب خيط من ضوء أبيض رهيف، وكأنه يحنو علينا نحن الاثنين.
قلت لأبى: «يا حبيبى، بتضحك عشان ترجع لى إيمانى؟».
ابتسم أكثر، وكاد أن يضحك.
لعلها كانت ابتسامة أبى من أجل الآخرين، خصوصًا المتعبين والمنهكين والفقراء.
تذكرت أننى، منذ مراهقتى، لم أقل لأبى أبدًا إننى أحبه، إلا فى لحظة وفاته. قلتها بصوت جلى، وشعرت بأن ابتسامته لى بعد وفاته بساعات كانت مكافأة على ذلك.
بينما كان صوت البحر يرتفع فى الخلفية، تذكرت أبى يضمنى إلى صدره أيام ضحكاته وانتصاراته، وكأنه يصارع تلك الأمواج ليهزمها، حتى وهو ذاهب إلى السماء، بكل صفائه وخيراته ونقائه.
وكان اللون الغالب على المشهد، اللون الأبيض.







