مَن قتل رجاء عليش؟
- المجتمع تحول إلى شياطين تطاردنى فى كل مكان
- أصيب بالصدمة بعد رفض تبرُّعه لإنشاء جائزة سنويّة للأدباء الجدد واعتبار هذا التبرُّع مزايدة رخيصة
- جنازير دبابات تسير فوق لحمى الحى معاول تضرب بشدة قاع جمجمتى
- لم يكتفوا بمجرد الاتهام.. حكموا عليه بالإدانة.. ذلك الجمع من الذئاب الجائعة حكم عليه بالإدانة
قبل أن تقرأ
منذ أيام أخبرنى الصديق الناشر محمد شوقى بأنه أصدر طبعة جديدة من أعمال الكاتب الراحل رجاء عليش، وهما فى الواقع عملان فقط، مجموعة قصصية عنوانها «لا تولد قبيحًا» ورواية عنوانها «كلهم أعدائى».
كان دافع محمد شوقى كما قال لى أن هناك طلبًا من القراء على أعمال رجاء عليش، ليس فى مصر فقط ولكن فى عدد من الدول العربية.
عندما رأيت الأغلفة الجديدة لأعمال عليش، قلت.. سبحان الله، لقد انتحر رجاء فى العام 1979 لأن أحدًا لم يلتفت إليه ولا إلى أدبه، رغم اعتراف كثيرين بموهبته، والآن وبعد ما يقترب من خمسين عامًا تهتم به دار نشر، والسبب هو اهتمام القراء به.
تذكرت أننى استضفت الكاتب المبدع خيرى حسن فى برنامجى «90 دقيقة» منذ سنوات، ليتحدث عن رجاء عليش، وفى الحقيقة أن الحديث لم يكن عن رجاء وحده، كان خيرى قد أصدر كتابه «أرواح على الهامش.. عباقرة ومنتحرون»، وجلسنا لنتحدث عن أبطاله، ولأن قصة رجاء كانت الأكثر درامية ومأساوية فى آن واحد، فقد حصلت قصته على وقت أكثر من آخرين.
لقد دفع كثيرون ثمنًا غاليًا وكبيرًا بسبب تجاهل الناس لهم، لكن الزمن وحده كفيل بإنصاف أبناء الحياة الطيبين.
أعتقد أن رجاء لم ينتحر فقط لأن المجتمع كله تجاهله، ولكن لأن المجتمع الذى يدّعى التسامح قاسٍ عليه، فقد خلقه الله قبيحًا، وهو ما تعرض بسببه لتنمر وسخرية وقلة تقدير يبدو أنه لم يقدر عليها، فقرر أن يتخلص من حياته كصرخة احتجاج على ما يلاقيه.
هنا نحتفى برجاء عليش، نعرف أن هذا الاحتفاء لن يفيده بشىء، لكن على الأقل يمكن أن تصل أصداؤه إلى روحه التى مؤكد أنها لم تستقر بعد رغم مرور كل هذه السنوات على وفاته.. لكن مَن يعرف فقد تستقر روحه الآن بعد أن يعرف أن هناك من يهتم به ويعيد نشر كتاباته ويشيد به.
غريبة هى الحياة.. وستظل كذلك.

على قبرى ستكتب تلك العبارة: هنا يعيش إنسان.. مات أثناء حياته.
إذا كنت شاعرًا أو روائيًا أو قاصًا أو فنانًا أو كاتبًا، فدعنى - بكل مودة - أطلب منك، ألا تكمل معى القراءة، لأن السطور التالية تحمل بين حروفها سيرة، ومسيرة، ومأساة، وملهاة، كاتب مثلك أحب الثقافة وتعايش معها، وعشق الكتابة، وعاش لها، واقترب من الناس بحب، وود، وصفاء سريرة، لكنهم كعادة بعض البشر تجاهلوه، وخذلوه، وفى مرات كثيرة هاجموه، ولم يبادلوه تلك المشاعر المرهفة الصادقة، التى هو عليها، وظلوا يطاردونه بالنظرة، والكلمة، واللمز، والغمز، والسخرية، أو هكذا اعتقد، حتى جعلوه يفقد اتزانه، وتماسكه، ورغبته فى الحياة كلها، الأمر الذى جعله كثيرًا ما تجول بين الطرقات خائفًا، وجلس فى المقاهى تائهًا، وقرأ صحف الصباح صامتًا، ونام على سريره متوترًا، وقضى يومه يائسًا، بعدما شعر بالحصار يشتد، ويمتد، ويلتف حوله من كل جانب.
أطلق على نفسه 4 رصاصات من مسدسه الشخصى
وبسبب هذا كله أو بعضه أستأذنك - للمرة الثانية - ألا تكمل القراءة، حتى لا تصدمك الأحداث المؤلمة، وتحزنك النهايات المؤسفة، التى مرت، وألمت بالكاتب الروائى محمد رجاء عليش «١٩٣٢ ١٩٧٩»، الأمر الذى قد يؤدى إلى اهتزاز ثوابتك الفكرية، وسقوط أركانك الإبداعية، وانهيار قواك النفسية، لكن إذا ما دفعك الفضول بدواعٍ إنسانية لمواصلة القراءة، فعليك أن تتسلح بالهدوء، والصبر، والقوة، والتماسك، وأنت تعايش وتتعايش مع الواقع والخيال، والليل والنهار، والكاتب والكتابة، والموت والحياة، والعدل والمساواة، والحلم حتى يصل إلى منتهاه، فى مشوار حياة رجاء عليش، تلك الحياة التى بدأت مثل أى حياة، لكنها انتهت للأسف بمأساة، رجاء عليش فى النهاية استسلم للضغوط النفسية، واليأس. والإحباط، وتجاهل الوسط الثقافى له، وقرر.. قرر.. الانتحار!..
فى الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم السبت ٢١ أكتوبر من ذلك العام، وبالتحديد فى شارع بغداد، أطلق على نفسه ٤ رصاصات من مسدسه الشخصى، لم تنفذ منها إلا رصاصة واحدة اخترقت رأسه، من الجهة اليسرى، فحولتها إلى أشلاء مبعثرة داخل سيارته «٧١٧٦٠» ملاكى القاهرة، كانت مازدا حمراء موديل ١٩٧٨م، ليودع الكتابة التى عاش لها، والحياة التى أحبها، بعدما تحولت حياته من الهدوء إلى الضجيج، ومن النور إلى العتمة، ومن الحب إلى الكره، ومن السّكينة إلى الضغينة، ومن السلام إلى الحرب، ومن النعيم إلى الجحيم.
باختصار.. أصبحت حياته دراما إنسانية دراماتيكية، مكتملة المعالم والتضاريس، لكن ما الأسباب التى سارت بالأحداث إلى ما صارت إليه؟.. يحدثنا هو عنها فى مقدمة مجموعته القصصية الوحيدة التى أصدرها وحملت عنوان «لا تولد قبيحًا».
يقول معبرًا عن نفسه، وما يعانيه ويشعر به فى مجمل حياته: «القبح هو الفكرة المسيطرة تمامًا على حياتى ومشاعرى، أبدأ منه وأنتهى إليه، فهو محطة البدء والوصول بالنسبة لى، القبح هو ذلك الرماد الأسود المتراكم فوق كل ذرات وجماليات ومتع حياتى يصبغها بلونه القاتم الرمادى». ثم يلخص مشكلته مع القبح قائلًا: «سأحاول أن أحلل ظاهرة القبح كما عشتها بنفسى، فلا أحد فى هذا العالم عاش القبح كما عشته، أحس بفظاعاته، ودمويته كما أحسست بها، لقد اقتربت من القبح كما لم يقترب إنسان فى هذا العالم.
الساعة الآن الرابعة والنصف من مساء يوم حار جدًا، فى وسط القاهرة، أسير فى طريقى إلى نقابة الصحفيين، حيث موعدى مع الكاتب الصحفى مصطفى عبدالله رئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب القاهرية الأسبق، التى تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم؛ للحديث عن صديقه الأديب الراحل رجاء عليش، المصعد توقف بى أمام الدور الرابع، لمحته من بعيد فى نهاية القاعة، بعد لحظات جلسنا سويًا، نتحدث لدقائق فى أمور شتى منها الاجتماعى والسياسى وبالطبع الثقافى، حتى وصلنا إلى نقطة البداية، ونقطة البداية والنهاية فى حديثنا كانت: رجاء عليش.
قال مصطفى عبدالله: «يا صديقى.. دعنى فى البداية أقول لك، إننى أنتظر وصول الشاعر فريد أبوسعدة الذى سيأتى بعد قليل؛ لوجود موعد سابق بيننا»، هززت رأسى ببطء ولم أعلق، بعد دقائق جاء عامل البوفيه يخبرنا أن موعد فترة عمله أوشك على النفاد، قال ذلك وهو يضع أمامنا فنجان قهوة وكوب شاى، وزجاجة مياه صغيرة، ومعها نظرة حزينة من ملامح وجه عشرينى أرهقته الحياة، رغم حداثة عمره. أومأت برأسى لتحية العامل البائس، التائه، الحزين، فلم ينتبه لتحيتى، وابتسم له مصطفى عبدالله، بعدما شعر بما شعرت به، وأخرج من جيبه حافظة نقوده، ودفع له الحساب، ثم وجه كلامه لى لحظة انصراف العامل قائلًا: «عندما يأتى فريد أبوسعدة، سوف نصعد جميعًا للمطعم فى الدور الثامن. اتفقنا».
قلت: أبحث وأفتش فى مشوار حياة الأديب الراحل محمد رجاء عليش، هذه الحياة التى انتهت بمأساة، مؤلمة، ومرعبة، وحزينة، ولقد علمت من صديقى الأديب مصطفى عبيد أنك أول من ساند موهبته، عندما نشرت له فى صفحة «أخبار الأدب» التى كانت تصدر صباح كل يوم أربعاء فى «الأخبار» خبرًا عن روايته «كلهم أعدائى»، كان ذلك فى أوائل عام ١٩٧٩م ـ وهذا النشر والاحتفاء به جعله يتراجع عن فكرة الانتحار ويؤجلها عدة مرات.. أليس كذلك؟
هز رأسه قليلًا، وشرد ببصره للسماء من النافذة التى أمامنا طويلًا وكأنه يعيد أمام عينيه شريط ذكريات قديمة، وجميلة فى نصفها الأول، وحزينة، ومؤلمة، فى نصفها الأخير.
«فليرحمنى الله من قارئ يُسطّح كلماتى، ومن ناقد بلا ضمير.. ومن مطبعة لا تدور.. ومن مجتمع كبحيرة الزيت».
رجاء عليش - «كلهم أعدائى»
بهذه الكلمات البسيطة لخص «عليش» مأساته مع الكتابة والكُتّاب، والنقد والنقاد؛ حيث كان يتوجس خيفة من القارئ الذى لا يفهم كتاباته، ومن الناقد الذى لا يهتم بما يكتبه، ويتجاهل إبداعاته، ولا ينشر عنه ولو خبرًا صغيرًا؛ قد لا يتجاوز عدة أسطر قليلة فى مطبوعة محدودة الانتشار، سواء بالمدح أو بالقدح. هذا التجاهل بدأ يتسرب إلى داخله مُحَمّلًا باليأس، والغضب، والإحباط، ما جعله يفكر فى التخلص من حياته ويقرر الانتحار. فى مجموعته القصصية «لا تولد قبيحًا» نجده فى القصة السادسة منها، التى حملت عنوان «المنتحر» يكشف عمّا بداخله من رغبة مسبقة للانتحار على لسان بطل القصة قائلًا:
«المنتحر يُصفّى كل علاقاته القديمة.. يقطع كل الخيوط التى تربطه بأناس بعينهم فى هذا العالم؛ حتى لا يرحل عن الدنيا مدينًا لأحد؛ حتى لا يسبب إزعاجًا لأحد، هذا كله يحتاج منه إلى أن يخطط لهذا العمل الخطير، قبل فترة مناسبة».. وبالفعل خطط «عليش» للانتحار أكثر من مرّة، وفى كل مرّة يتراجع، عندما يجد ما يُسعده، ويُفرحه، ويُعطيه الأمل فى نهار جديد، وابتسامة جديدة، مثله مثل أى مبدع، يعيش على أمل أن ينتبه لإبداعه النقاد ومحررو النوافذ الأدبية، والصحف اليومية، والدوريات والمجلات الثقافية، وتنشر أعماله، وأفكاره، وكتاباته للناس، وهذا ما فعلته صفحة «أخبار الأدب» التى كانت تصدر صباح كل أربعاء فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى، والتى رحّبت واستقبلت واحتفت بكتاباته، وكانت سببًا فى تأجيل انتحاره ثلاثة أشهر كاملة.
الساعة الآن الواحدة ظهرًا، من يوم الثلاثاء ١٥مايو من العام نفسه، مصطفى عبدالله محرر الصفحة الثقافية يقف فى بَهو المبنى يحمل أوراقًا وقصاصات صحف قديمة، وكتاب «الأيام» لـ طه حسين. أحد أفراد الاستعلامات يلمحه من بعيد، فيترك مكانه مسرعًا ويأتى إليه: «أستاذ مصطفى هذا الكتاب جاء به صباح اليوم شخص ما، وسأل عنك ثم تركه لك». ألقى عليه نظرة سريعة وهو يستقل المصعد فى طريقه لمكتبه بالدور الرابع، فوجدها رواية تحمل عنوان «كلهم أعدائى»، واسم المؤلف رجاء عليش. وضعها أمامه ثم انهمك فى مهامه اليومية؛ لتنفيذ وتوضيب الصفحة ثم عاد إلى بيته ومعه الرواية.
هكذا يتذكر مصطفى عبدالله تلك الأيام البعيدة التى تعرَّفَ فيها للمرّة الأولى على إبداع هذا الكاتب، ثم يكمل قائلًا: «عدتُ إلى بيتى؛ حيث كنت أسكن فى مدينة نصر، وجلستُ إلى مكتبى لقراءة هذا العمل الذى لفت انتباهى بعنوانه المختلف، واستغربت، واندهشت، من حروفه الأولى فى الإهداء التى لم تتعدّ عدة كلمات قال فيها: «وزّعت شبابى على نساء لم يحببننى، ومنحت صداقاتى لرجال خانونى، وخسرت على طول الخط».. من هذه الكلمات أدركتُ أننى أمام أديب مرهف المشاعر، يتعذب بإنسانيته، يشعر بالغبن والاضطهاد من الجميع، فى حلقه مَرارة، وفى قلبه ألم، وفى عقله شىء ما، وبالفعل بدأتُ رحلتى مع قراءة الرواية التى كانت تقريبًا فى حدود ٦٠٠ صفحة من الحجم المتوسط ورقم إيداعها بدار الكتب ١٥١٣ - فبراير١٩٧٩م، وانتهيت منها بعد أيام قليلة، وعندما عدت للصحيفة نشرت عنها خبرًا من عدة سطور، مصحوبًا بغلاف الرواية؛ ليكون لهذه السطور مفعول السّحْر، وكأنها دون أن أدرى كانت الأمل الذى جعله يؤجل للمرّة الأولى قرار انتحاره الذى كان قد أعده مسبقًا».. هنا توقف مصطفى عبدالله قليلًا وارتشف القليل من فنجان قهوته، ثم لمح من بعيد الشاعر فريد أبوسعدة يترجّل أمام باب «الأسانسير» بعدما خرج منه يتكئ على عصاه ويبحث بعينيه عن مكانه فى القاعة.
وقف «مصطفى» منتصبًا، بعدما وضع الفنجان أمامه، وأشار له ليرانا، وقد كان. بعد لحظات جلس «أبوسعدة» معنا، بعدما ألقى التحية والسلام علينا، ثم قدمنى له، هز رأسه وقال: «نعم أعرفه اسمًا» ، وسلم علىّ مُرَحّبًا. قال مصطفى: «صديقنا هذا صحفى يقوم برحلة بحث عن حياة أديب مات منتحرًا فى أواخر السبعينيات!». امتقع لون وجه «أبوسعدة» قليلًا وهو يهز رأسه مستندًا إلى عصاه ثم قال موجهًا كلامه لى: «مَن هذا الأديب؟». قلت: رجاء عليش. قال: «صاحب رواية (كلهم أعدائى) والمجموعة القصصية (لا تولد قبيحًا)؟». رد مصطفى عبدالله مبتهجًا: هل تعرفه؟ قال: «عرفته كأديب فقط، ولم أعرفه شخصيّا، وكان حادث انتحاره لافتًا وحاضرًا بقوة فى المشهد الثقافى عام ١٩٧٩م واستمرت حكايته نتداولها، ونسمعها، ونتابعها، لعدة سنوات»، ثم بعد لحظات سكت، وكأنه يستحضر روح الشاعر بداخله ثم بتأثر وضح على ملامحه، قال: «كُثُرٌ هم الكُتّاب الذين تخلصوا من حياتهم بالانتحار فى مصر والعالم».
بعدما جلسنا سويًّا فى مطعم النقابة، عدتُ مع مصطفى عبدالله إلى زمن الأديب رجاء عليش الذى عاشه معه. قال: «من البداية أدركتُ أننى أمام أديب مختلف، يحمل بداخله مشاعر جارفة، وقوية، ومرهفة، ومتضاربة، ومتناقضة فى الوقت نفسه، وهذا ظهر لى من خلال المقدمة التى تحدثنا عنها من قبل وتصدرت روايته الوحيدة «كلهم أعدائى»، ثم تأكد لى ذلك من خلال ثلاث رسائل بعد المقدمة، جاءت الرسالة الأولى منها إلى أمِّه التى ماتت فجأة قال فيها: «عشتُ فى الظلام كل سنوات عمرى.. أرجو أن تشرقى فجأة فى حياتى لتبددى الظلام من حولى؛ لتبعثى الدفء فى أوراقى الجافة الميتة».
الرسالة الثانية إلى أبيه قال فيها: «أبى.. بنوّتى لك تمنعنى من كراهيتك.. لا أعتقد أننى حقيقة أكرهك.. لكنى لا أستطيع أن أغتفر لك أنك أحضرتنى إلى عالم يناصبنى العداء الشديد حتى نخاع عظامه.. خلقتنى غريبًا يا أبى أبحث عن الانسجام فى عالم ملىء بالفوضى.. أتعذب.. أتعذب وحدى دائمًا على إيقاع ضحكات الآخرين وسخرياتهم».
والرسالة الثالثة يناجى ربه، قال فيها: «إلهى.. لقد أرسلتنى إلى عالم أشعر فيه بخجل شديد من نفسى، كلما أبصر بها فى عيون الآخرين. إلهى.. لن أسألك عن السبب.. فلا ريب أنك تملك سببًا وجيهًا لذلك»؟.
كانت هذه الرسائل الثلاث لها دلالاتها فى تصديره للمجموعة القصصية وتدل فيما أعتقد إلى أنه كان يشعر بغربة، وتجاهُل، ولا أحد يسمعه، ومن ثمّ أراد أن يسمعه الجميع من خلال تلك الأفكار التى تُعبر عنه، وليس عن أبطاله سواء فى الرواية، أو المجموعة القصصية.
بعد ٤٠ دقيقة تقريبًا كنا انتهينا من تناوُل وجبة الغداء، وطلبتُ أن ننتقل إلى روف المطعم فى الهواء الطلق، وهناك نحتسى الشاى معًا. كان «أبوسعدة» على موعد فى مقهى زهرة البستان الساعة السادسة، لكنه أجرى اتصالًا، قام فيه بتأجيله ساعة أخرى؛ ليحتسى معنا فنجان قهوته، ويُكمل معى سماع مأساة رجاء عليش، ذلك الأديب الموهوب باعتراف الوسط الثقافى بعد انتحاره الذى فجّر شقته فى العقار رقم ٤٣ شارع محمد فريد بالنزهة، بست أنابيب بوتاجاز وضعها فى حجرة الصالون، وصفيحتين من البنزين، ومثلهما من الجاز، قبل نصف الساعة من مغادرته للعقار كله؛ ليستقل سيارته ويتجه إلى شارع بغداد بحى مصر الجديدة، ويقف بها أمام العقار رقم ١٦ ويقتل نفسه بمسدس عيار ٣٨ بعدما ترك فى تابلوه السيارة خطابين، الأول للنائب العام أو لمن يهمه الأمر، والثانى لرجال الشرطة. ووصية تاريخية، أوصَى فيها بعقارات تُقَدّر بمليون جنيه بعد حُكم المحكمة عام ١٩٨٨م ـ لصالح اتحاد الكتاب، وجمعية الأدباء، وصفحة «الأدب» بـ«الأخبار». تلك الوصية التى تُعَد هى الأولى من نوعها فى تاريخ الأدب المصرى والعربى كله فى العصر الحديث.
«ليس هناك شك أن حياتنا الأدبية الآن مثال للركود والخمول، وأن أكبر ضحاياها بطبيعة الحال هم الأدباء الجدد».
«نجيب محفوظ ١٩٧٩» - (مصر الجديدة ١٩٧٩)
لقد اتفق اتحاد الكُتَّاب، وجمعية الأدباء، وصحيفة الأخبار، ضمنيًا ومن دون ترتيب مسبق بينها جميعًا على رفض حلم، أمل، رغبة، وطلب، «رجاء عليش» الأخير له فى الحياة، بعدم الموافقة على تبرُّعه لإنشاء جائزة سنويّة للأدباء الجدد. واعتبروا هذا التبرُّع، ما هو إلا مزايدة رخيصة منه، لتسليط الأضواء عليه، وعلى إنتاجه الأدبى. هذا الرفض، والتجاهل، جعله يكتب وصيته ورفضت أيضًا وقتها ليضع الجميع أمام مسئولياتهم بعد انتحاره، الذى كان قد حدد موعده مسبقًا. الأيام تمر أمام عينيه، ومعها يرحل الأمل. ويمكث اليأس. تغرُب الشمس. ويغيب القمر. تبتعد الحياة. ويقترب الموت. ورويدًا رويدًا يقترب الموت من أنفاسه، من قلبه، من عقله، من حجرة نومه فى الشقة التى استأجرها منذ شهور، فى ظل استمرار تدربه على طريقة موته. مرة يفكر أن يموت خنقًا. ومرة يفكر أن يموت حرقًا. ومرة يفكر أن يموت بالسُّم، لكن فى كل مرة يصل إلى نتيجة واحدة ووحيدة وهى الموت بإطلاق الرصاص على رأسه. وهذا ما أكد عليه فى رسالته التى تركها بخزانته بالعقار رقم ٥ شارع السخاوى منشية البكرى. حيث قال: «بدأت أكثف فى تدريبات إطلاق الرصاص، حتى تأكدت تمامًا، من أن يدىّ لن تهتز، وأن قلبى لن يخاف. وأن عقلى لن يتراجع. وأن إصابة الهدف - يقصد رأسه - ستكون ناجزة، وناجحة، وخاطفة، وسريعة، بعدة رصاصات نافذة فى مقتل.. وقد كان!».
«مصر الجديدة 1979»
الساعة الآن تشير إلى الثانية من صباح يوم السبت٢١ أكتوبر من العام نفسه، عندما تلقت شرطة النجدة بلاغًا من سكان العمارة رقم ٢٤ شارع عبدالحميد أبوهيف عن وجود أصوات انفجارات أخذت تنبعث من الشقة رقم ٥ التى يسكن فيها الكاتب رجاء عليش. وأن النار مشتعلة فيها. أسرعت سيارات المطافئ إلى مكان الحريق؛ حيث قامت بكسر باب الشقة، ومحاصرة النار التى اندلعت فى كل مكان. بدأ المقدم طلعت عبدالمنعم رئيس مباحث النزهة بمعاينة الشقة، فوجد أن صاحبها قد ترك بها ٦ أنابيب بوتاجاز داخل الصالون، وصفيحتين من البنزين.
وأنه امتنع عن التردد عليها منذ شهور، بسبب تعرض أحد سكان العمارة له أكثر من مرة. ولم يكن رجال المطافئ، قد انتهوا بعد من إخماد ذلك الحريق، حتى تلقى رئيس مباحث النزهة بلاغًا ثانيًا، عن طريق النجدة بعد التفجير الأول بـ٣٠ دقيقة يقول فيه سكان العقار ٤٣ شارع محمد فريد بالنزهة فيه، إنهم استيقظوا هم أيضًا على صوت انفجارات متتالية تطايرت على إثرها نوافذ وشبابيك الشقة رقم ١ بالطابق الأول من العقار، وتصدّعت جدران العمارة، واشتعلت النار فى الشقة بشدة. وتولت مديرية أمن القاهرة متابعة الحادثتين، بعدما اتضح أنهما لشخص واحد.
بدأ رجال المباحث جمع التحريات عن رجاء عليش.. وإزاحة الغموض حول الحادث. وبعد عدة ساعات جاءت المفاجأة الثالثة، بعدما أبلغت الدورية الأمنية، أنه أثناء مرورها بشارع بغداد وأمام العقار رقم ١٦ شاهد الضابط المسئول، سيارة مازدا حمراء اللون تحمل رقم ٧١٧٦٠ ملاكى مغلقة الأبواب والشبابيك، وعلى عجلة القيادة، رجل فى العقد الخامس من عمره مسندًا رأسه فوق عجلة القيادة، والدماء تنزف منه. وبكسر أبواب السيارة، وجد صاحبها ممسكًا بمسدس فى يده والدماء تنزف بغزارة من رأسه. وقد فارق الحياة. وأمام نيابة مصر الجديدة قالت شقيقته: «كان مصابًا بمرض نفسى، وإنه معقد، بسبب تكوين جسمه، ووجهه وإنه كان ينفر من المجتمع». هذه الشهادة التى أدلت بها شقيقته كانت مقدمة لاتهامه بالجنون بعدما علمت الأسرة بنبأ الوصية. نعم.. ذهبت الأسرة للمحكمة وقالت فى أوراق رسمية: رجاء مجنون!
«محكمة جنوب القاهرة 1986»
الساعة الآن العاشرة صباحًا داخل قاعة المحكمة. أمام القاضى وقف محامى الأسرة يقول: نحن نطلب من عدالة المحكمة، بطلان الوصية التى أوصى بها الراحل سألت المحكمة.. لماذا؟
رد لأنه كتبها وهو فى حالة جنون، ولم يكن أهلًا للتبرع. وإن مؤلفاته تدل على جنونه. بعد مداولات المنصة قال القاضى: إن الطريقة التى مات بها تدل على عقله، ولا تدل على جنونه؛ فالمجنون لا يُرتّب للموت بهذه الطريقة شديدة الدقة والتخطيط والإحكام، ثم ختم القاضى قوله قائلًا: أما عن الطريقة التى مات بها، فهى صرخة احتجاج ضد المجتمع، الذى لم يستطع أن ينخرط فيه، والانسجام معه. ومن ثم فهى لا تدل على جنونه؛ بل على عقله! وحكمت بصحة الوصية ثم قامت الأسرة بالاستئناف ضد الحكم، حيث أصرت الأسرة على أن رجاء مجنون!
«شارع عبدالخالق ثروت 2019»
عدت من مصر الجديدة إلى مطعم مبنى نقابة الصحفيين، حيث ما زلت أجلس مع مصطفى عبدالله ومعنا الشاعر فريد أبوسعدة الذى أوشك على الانتهاء من احتساء فنجان قهوته قبل مغادرته للحاق بصديق على مقهى زهرة البستان وسط القاهرة. وبالفعل ودعنا وغادر النقابة. يقول مصطفى عبدالله: الأيام الأخيرة التى عشتها معه، كانت عادية جدًا، وكثيرًا ما كان يمر علىّ بسيارته الفاخرة، للنزول إلى وسط البلد، حيث أذهب للصحيفة محل عملى، ويذهب هو إلى حال سبيله، ولم أشعر من خلال الدردشات التى كانت تدور بيننا أننى أمام إنسان مقبل على الموت أو يخطط له. صحيح كان مكتئبًا، وحزينًا، ومنزعجًا، وشاردًا، لكننى لم أكن أتصور أنه سينتحر. وذات يوم اتصل بى عبر الهاتف المنزلى وتحدث معى فى بعض الموضوعات التى لا أذكرها حاليًا، واستمرت المحادثة حوالى ١٥ دقيقة ثم أغلق الخط. بعدها دخلت إلى حجرتى وارتميت على سريرى للنوم، حيث كنت مرهقًا من السهر ليلة أمس. فى الساعة السابعة صباحًا نهضت من النوم بعد استمرار رنين الهاتف الذى كان بجوار سريرى. مددت يدى. أمسكت الهاتف. ألو. ألو.. جاءنى الرد: يا مصطفى.. يا مصطفى.. صديقك مات. قلت: صديقى من؟ رجاء عليش انتحر يا مصطفى! وضعت السماعة وأنا فى ذهول. ارتديت ملابسى وذهبت إلى منزله فى منشية البكرى الذى كنت أعرفه، فلم أجد أى شىء. سألت بعض سكان العقار.. بعضهم قال إنه لم يظهر منذ شهور. عبرت الشارع. ووقفت بالقرب من كشك سجائر. اشتريت علبة سجائر كليوباترا منه. أشعلت سيجارة واثنتين وثلاثًا. صاحب الكشك اقترب منى وهو متوجس خيفة. قلت له: هل تسمع عن الأديب رجاء عليش؟ قال: الله يرحمه.. انتحر صباح اليوم فى شارع محمد فريد بمصر الجديدة. تركته وتحركت إلى هناك مسرعًا، فوجدت قوات الأمن والنيابة العامة وحواجز أمنية تحيط بالمكان. بعد ساعة تقريبًا عدت حزينًا إلى صحيفة الأخبار، فوجدت الكاتبة الراحلة حُسن شاه المشرفة على صفحة أخبار الأدب تجلس فى حالة ذهول وتمسك بالقلم، وأمامها ورق «دشت» وتستعد لكتابة، مقالها عنه.
«مبنى أخبار اليوم 1979»
الساعة العاشرة من صباح اليوم، اليوم الذى انتحر فيه، الكاتبة حُسن شاه تجلس إلى مكتبها. جو الحجرة مقبض. رنين التليفون لا يتوقف. هى لا ترد. سارحة. شاردة. صامتة. ما زال الرنين يتواصل. بعد دقائق دخل عليها عامل «السويتش» قائلًا: موسى بيه صبرى على الخط يطلب حضرتك. رفعت السماعة: ألو.. نعم.. الخبر صحيح يا ريس. رجاء انتحر بالفعل. قالت ذلك وهى تضع السماعة وتمسك القلم وتكتب: تلقيت خبر انتحاره فى ألم.. إذن فقد فعلها رجاء عليش برغبته فى الانتحار من باب الدعاية، كما كان يطوف أحيانًا بذهنى أنا وزملائى ومضيت أسترجع فى دهشة قصة ذلك الأديب الموهوب والإنسان الغريب الذى لم تقدم له صفحة «أخبار الأدب» أكثر مما قدمت لغيره من الكُتّاب الواعدين الذين لم تتح لهم فرصة النشر، لكن رد فعله للفرصة التى أتاحتها له الصفحة الأدبية بالأخبار كان قويًا، إلى الحد الذى دفعه، لأن يترك ثلث ثروته الكبيرة، لهذه الصفحة مناصفة مع اتحاد الكُتّاب.
وقد بدأت قصة هذه الوصية التى تعد الأولى من نوعها فى تاريخ الحركة الأدبية فى مصر عندما لفت رجاء عليش أنظارنا بروايته الطويلة «كلهم أعدائى» وبمجموعة قصص قصيرة «لا تولد قبيحًا» التى أعلنت بوضوح شديد عن مولد كاتب حساس يمتلك موهبة نادرة.. فكان أن أدار معه الزميل مصطفى عبدالله حوارًا حول كتابيه اللذين استغرق فى كتابتهما عشر سنوات كاملة. وكانت المرة الأولى التى يرى فيها رجاء عليش اسمه مطبوعًا فى جريدة، وكان تأثره بالغًا، وما لبث الناقد المعروف الدكتور نبيل راغب أن اتصل بى معلنًا فى سعادة عن أنه عثر على اكتشاف أدبى ممتاز هو الكاتب رجاء عليش، حيث يرى فيه موهبة أدبية مدهشة، واقترح الدكتور نبيل أن يكتب تقييمًا لأعمال هذا الكاتب الذى بلغ السابعة والأربعين من العمر دون أن يعرفه أحد، وبالفعل نشر الدكتور نبيل تقييمه العلمى معلنًا عن مولد كاتب جديد موهوب.
الزميل مصطفى عبدالله ظل على اتصال به، وفى كل مرة كان مصطفى يعود من لقاء رجاء عليش حاملًا أنباء تدهور حالته النفسية وتفكيره المستمر فى الانتحار، ولكننى لم آخذ فكرة انتحاره مأخذ الجد.. تصورت أنه مثل كثير من الفنانين ولع بالمبالغات وبأن يحيط نفسه بهالة من الأقاويل والمواقف المأساوية.
لكن رجاء عليش صدق فى هذه المرة أيضًا... وجاء انتحاره تكذيبًا لتصورات الآخرين عنه.. فهو لم يكتفِ بتدمير المكان الذى شهد آلامه النفسية القاسية.. وهو ما يجعلنى أتساءل بشىء من تأنيب الضمير.. هل قصرنا فى حقه.. وهل كان من الممكن أن نمد له - فى الوسط الأدبى - أيدينا بأكثر مما فعلنا؟
إن الدكتور نبيل راغب وهو أكثر النقاد معرفة به، يؤكد أن أحدًا لم يكن فى مقدوره أن يمنع رجاء عليش من تدمير نفسه تدميرًا جسديًا، فقد تسلطت عليه فكرة أن هذا الجسد القبيح - من وجهة نظره - هو سبب كل الآلام التى عرفها على امتداد حياته، وهو ما يجعل ضمائرنا تهدأ بعض الشىء.
تبقى بعد ذلك وصية رجاء عليش.. أن قيمة هذه الوصية فى رأيى أنها تلقى الضوء على شخصية رجاء عليش، فقد كثُرت بعد موته الآراء التى تقول إنه كان كارهًا للبشر، مبغضًا للحياة، فى حين أن الوصية التى تركها تقول بعكس ذلك، فهو يوصى فيها بجائزة سنوية تحمل اسمه وتُقدَّم لأحسن الكُتّاب الشبان وهو يوصى فيها بطبع الكتاب الأول للأدباء الموهوبين الذين لا يملكون وسيلة لنشر إنتاجهم. مثل هذه الوصية لا يمكن أن تصدر، إلا عن عاشق عظيم للحياة.. للفن.. للناس.. أما انتحاره بهذه الصورة العنيفة المدوية فهو فى رأيى محاولة أخيرة منه للاحتجاج على الحياة التى عشقها ولم تمنحه ما تصور أنه جدير به من تقدير وحب.. وسعادة، فقد كره رجاء عليش وهو الفنان الحساس أن يمر موته مثل حياته بلا صدى.
غفر الله لرجاء عليش.. فقد قتل نفسًا حرم الله قتلها إلا بالحق.. غفر الله لرجاء عليش.. فقد كان نفسًا معذبة اشتاقت طويلًا إلى السعادة.. إلى الحب.. إلى البيت.. إلى الأولاد.. إلى السعادة.. لكنها حُرمت من هذه الأشياء جميعًا. غفر الله لرجاء عليش.. فما كان أجدره أن يحول معاناته العظيمة.. إلى فن عظيم.
«العجوزة 1979»
كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا عندما وصلت سامية سعيد المحررة بصحيفة الأخبار إلى حى العجوزة، وهناك التقت بالكاتب الكبير نجيب محفوظ وأبلغته بالخبر. بعد فترة صمت قليلة قال:
ليس هناك شك أن حياتنا الأدبية الآن مثال للركود والخمول وأن أكبر ضحاياها بطبيعة الحال هم الأدباء الجدد الذين هم فى مسيس الحاجة للنقد والدراسة، أكثر من السابقين عليهم، وخصوصًا إذا كانوا على موهبة جيدة، فإن ذلك مما يزيد الظلم فداحة ويضاعف كذلك من أثره السيئ فى النفس، وينتج عن ذلك نتائج مختلفة منهم من يتوقف ومنهم من ينتابه حالة سوداوية شديدة كالتى انتابت عليش. ونتيجة ذلك كله عواقب سيئة للحياة الثقافية بصفة عامة، ولكن الحقيقة نحن لا نرضى أن يبلغ سوء الحالة لأحد إلى درجة التفتت، لذا يجب على الإنسان أن يواجه صعاب زمنه بقوة، وصبر يعينانه على الاستمرار بالحياة، وفى النهاية أستطيع القول إنها حالة مرضية يؤسف لها، كما أن حالة الثقافة مرضية يؤسف لها.
«المهندسين 1979»
ومن العجوزة انتقلت إلى حى المهندسين وهناك التقت بالدكتور مصطفى محمود الذى قال: إن الحياة الثقافية أصبحت مغلقة وسُدت كل نوافذها أمام الشبان، ما دفع هذا الأديب للانتحار. هذا الأديب فقط لم يستطع أن يلتقى بالشخصية المناسبة التى تساعده على إلقاء الضوء عليه، فالأبواب ليست مغلقة فى وجهه تمامًا، ولكن من الجائز أن يكون قد واجهته صعوبات كثيرة أكثر مما كان يواجهها الأدباء زمان.
وفى النهاية مات رجاء عليش، بعدما قال شكواه، وانهمرت دمعته، وأطلق صرخته، وقال كلمته، وجعل قنبلة انتحاره تنفجر فى وجه الجميع فى صباح يوم خريفى من عام ١٩٧٩. وكتب رسالته للجميع والتى وُجِدت بعد موته فى خزانته وجاء فيها: «إخوتى الأوغاد.. بسبب جحودهم الذى كان أشر من جحود الغرباء، جعلونى أفقد تمامًا، الأمل فى المجتمع». وإلى المجتمع أرسل كلمات دامية قال فيها: «المجتمع تحول إلى شياطين تطاردنى فى كل مكان. هذا المجتمع أريد ضربه؛ فليس فيه برىء، فكلهم مجرمون بدرجة أو بأخرى. إننى أقول لكم بإنصاف إنه، لم يوجد واحد فقط، وقع بصره علىّ أو اتصل بى، ولم يدمر جزءًا من إنسانيتى، لم يشرخ جزءًا من زجاجى المصقول، لم يضع حربته المسمومة فى قلبى، لم يضيق علىّ الخناق، ويفقدنى الأمل فى الحياة. لقد عشت غريبًا فى عيونكم وعشتم غرباء فى عيونى. وهذه هى جريمة المجتمع الذى عشت فيه.
أقول لكم فى الختام.. لست أنا المجرم.. لكنه المجتمع بكل قسوته».
هل وصلت الرسالة؟







