مكتبتي..
صانع العاهات
فى عالم «زقاق المدق» شخوص متوقع وجودها ومفهوم، سواء بـ صفتها الاجتماعية: أب، أم، أخ، أخت، ابن، ابنة، متزوج، أرمل... إلخ. أو بـ صفتهم الوظيفية: تاجر، قهوجى، حلاق، طبيب، بلانة، خاطبة، صاحبة ملك... إلخ. إنما ليه فى وسطهم يظهر شخص المفروض إنه استثنائى جدًا ونادر الوجود زى «صانع العاهات»؟
الواقع، إن التسول فى عالم الزقاق نشاط أساسى ورئيسى، إذ إنه لا يقتصر على العجزة والمقعدين، ولا حتى الكسالى، كتير من زباين «صانع العاهات» جربوا يبيعوا أى خبرة أو مهارة أو إمكانية وما عرفوش، فـ هم مضطرين لـ التسول اضطرارًا. مشكلتهم إن النية وحدها لا تكفى، مش كل واحد قرر يتسول هـ يلاقى «مُحسنين».
الإحسان فى الغالب لا يحدث لأن المُحسن ده شخص طيب، أو عنده تقدير جيد لـ مين محتاج ومين لأ، ومين قادر يكسب عيشه بس بـ يستهبل، ومين فعلًا ما عندوش قدرة. الإحسان يحدث نتيجة وقوع المحسن تحت تأثير نفسى ما، ممكن يكون تعاطف، ممكن كمان إعجاب خفى، ممكن شكر لـ الطبيعة إنه ما واجهش نفس المصير، لكن لازم فيه تأثير نفسى ولو لحظى يطلع القرش من جيب الزبون.
العاهة بـ طبيعة الحال هى أقصر الطرق وأكثرها مباشرة لـ إحداث هذا التأثير، لكن برضه مش كل عاهة بـ تنفع، واحد زى طه حسين ده لو قابلته فى الشارع بـ كل هذا الشموخ والكاريزما لا يمكن أطلع مليم وأديهوله، ولا حتى عمار الشريعى بـ خفة الدم دى، ولا كتير غيرهم مش عايز أسمى علشان الأذى، الخلاصة إن العاهة لكى تحدث الأثر لازم تكون مناسبة لـ صاحبها، من هنا صناعة العاهات فن يلزم خبير «بـ يسموه أحيانًا ستار ميكر».
طيب! لو إنت زى نجيب محفوظ «وطبعًا محدش زيه» بس أقصد بـ تختار لـ شخوصك أسماء ذات دلالة: سى السيد/ أمينة/ كمال/ عليش سدرة/ الرحيمى/ الدباغ... إلخ، هـ تسمى صانع العاهات دا إيه؟
الذهن هنا قد ينصرف لـ النصاحة والخبرة أو القسوة والجبروت، فـ يبقى ناصح/ عبدالخبير/ عبدالجبار/ زلطة/ طوبة/ صخرة/ مسمار/ منشار/ مشرط... إلخ، إنما لأ، هو نحّى كل ده جانبًا وسماه: «زيطة».
أيون، اسم الله عليك، صناعة العاهات لـ أجل التسول تعتمد فى الأساس على تشكيل حالة من الزيطة، تشتت انتباهك وتخليك ما تقدرش تقيم موقف المتسول فعلًا، سواء متسول فى الشارع أو على الشاشة أو من خلال تيك توك أو فى قاعة السينما أو على الحديدة فى الفرح أو فى المستشفى أو وإنت بـ تركن العربية أو أى مكان كان، أى حد بـ تطلع من جيبك وتدى له دون أن تحصل منه على منتج فعلى يفيدك ويضيف لك هو متسول.
الزيطة بـ تخليك مش قادر تقيم، مش شايف غير إنه عنده عاهة ما: معتوه/ جاهل/ تافه/ بتاع ربنا/ عديم الخبرة عديم القدرة على اكتسابها، أى عاهة تظهره فى صورة المستحق، وتخليك ممتن لـ الطبيعة إنك ما طلعتش زيه.
لـ ذلك، فى زقاق المدق يتفنن زيطة فى اختيار عاهاته، قليلًا ما يلجأ لـ صنع عاهة مباشرة، ده الحل الأخير، وكانت بـ النسبة لى العاهة الأكثر إدهاشًا هى «الوقار». اللى زيطة قعد يشرح فى أبعادها وتأثيرها وكيفية تلبسها، ثم ختم كلامه بـ جملة اعتمدتها مثلًا:
الوقار أنفس العاهات






