الجمعة 28 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

عرض خاص.. «مائة عام من العزلة».. تحفة ماركيز تستكمل استعادة عرشها دراميًا.. هذا المساء

حرف

- كيف تمكن فريق المسلسل من تعويض إحباط الجمهور واستعادته بعد إخفاقات الموسم الأول؟

- «نتفليكس» تختتم رحلة «ماكوندو» بحلقة سينمائية استثنائية تصل إلى ساعتين.. ويتم عرضها فى احتفاليات كبرى بمسارح مدن كولومبية مختارة وترافقها فعاليات وعروض خاصة

على عكس الضجة التى سبقت عرض الجزء الأول من مسلسل «مائة عام من العزلة»، والمأخوذ عن رواية الكولومبى الأشهر جابرييل جارثيا ماركيز، والتى استمرت حتى ما بعد عرضه بأشهر طويلة، مر بث حلقات الجزء الثانى دون أن يلتفت إليه كثيرون، سواء من قراء ماركيز حول العالم أو من جمهور الدراما التليفزيونية، ومن دون انشغال نقدى يليق بحالة الانتظار العالمى الواسع لما تسفر عنه محاولات تحويل الرواية الأكثر شهرة فى القرن العشرين إلى عمل فنى ودرامى، حتى إن أكثر من موقع متخصص فى متابعة الأعمال الفنية العالمية كتب قبل أيام من بث الجزء الثانى يسأل متابعيه من جمهور الدراما: «تشاهده أم تتجاهله؟!».

وأغلب الظن أن هذه الحالة غير المتوقعة كانت نتيجة طبيعية لإخفاق الجزء الأول فى تجسيد الحالة الغرائبية التى خطها قلم ماركيز قبل تسعة وخمسين عامًا، وهو ما جاهد صناع الموسم الثانى فى تجاوزه، وتعويض الجمهور واستعادته، سواء عبر اعتماد تغييرات واضحة فى أساليب التصوير والإخراج والإضاءة، أو من خلال إيقاع سيناريو الحلقات الجديدة، وبعض العبارات الشعرية الموزعة بين ثنايا الحوار، وخصوصًا فى التعليق الصوتى على الأحداث، والذى استعان بكثير من عبارات ماركيز الأصلية.

وهو ما انعكس على مشاهدات الحلقات السبع الأولى من الموسم الثانى، والتى بثتها شبكة «نتفليكس» فى الخامس من أغسطس الجارى، إذ يبدو المسلسل هذه المرة أكثر ثقة بعالم ماركيز، بعدما اختار صنّاعه الاقتراب بدرجة أكبر من الإيقاع الشعرى والسياسى للرواية، ومنح «ماكوندو» صورة أكثر نضجًا، بما يليق بواحدة من أشهر روايات القرن العشرين، وعالمها القائم على تداخل الواقع بالأسطورة والذاكرة، وتحويلها إلى عمل درامى يستطيع الاحتفاظ بروح النص من دون أن يتحول إلى ترجمة حرفية له، وهو ما حذر منه ماركيز خلال حياته.

وقال فى مقابلة فى ثمانينيات القرن الماضى «إن هذه الرواية غير قابلة للتحويل إلى فيلم، فالرواية تترك للقارئ مساحة للإبداع والتخيل، وبما يسمح له بتخيل الشخصيات والأماكن والمواقف كما يراها، على عكس الفيلم أو المسلسل»، وهو ما قد يبدو كلامًا عامًا يقبل التطبيق على أى رواية أدبية، واقعية أو رومانسية أو خيالية، غير أنه يتحول إلى حديث محدد وملزم وحاسم عند الحديث عن الواقعية السحرية التى كتب غالبية أعماله داخل إطارها، والتى تحتاج بالضرورة إلى جهد إبداعى إضافى، يستطيع جمهور الدراما المصورة التعامل معه، ويُسهِل له رحلة الدخول إلى حيث تتلاشى الحدود بين السحر والخيال والواقع، وإلى حيث الحياة التى تسير وفق إيقاع مغاير لقوانين الفيزياء والعادات اليومية البسيطة، المتكررة والمعتادة.

شهد الموسم الأول من المسلسل، تقديم مدينة «ماكوندو» الشابة، تلك المدينة المثالية التى تلاشت براءتها مع انغماس الكولونيل أوريليانو بوينديا فى الحرب، فيما يتتبع الموسم الثانى الجيل التالى من عائلة بوينديا، حيث يُعيد التقدم تشكيل المدينة، ودفع «ماكوندو» نحو مسار لا رجعة فيه، نحو التدهور، وتحقيق لعنتها التى طال انتظارها، وربما كان هذا هو سر بداية الموسم الثانى بمشاهد متتالية تصور عاصفة تجتاح منزلًا، وتلون السماء وما تحتها بألوان برتقالية، بينما يتصفح رجلٌ كتابًا يبدو أنه مكتوب باللغة السنسكريتية.

بداية مربكة إلى حدٍ ما، لكنها تمهد بشكلٍ عام للدخول فى القصة بشكل جيد، فمع مرور الوقت تبدأ ملامح التغيير بين الجزءين فى الظهور، إذ بينما ركز الموسم الأول على شخصية العقيد أوريليانو بوينديا، يأتى الموسم الثانى حاملًا ملامح الكثير من الشخصيات الرئيسية الأخرى، خصوصًا شخصية أورسولا، والتوأم خوسيه وأوريليانو أركاديو سيجوندو، عبر سردٍ كثيف ومتشعب، يتضمن صراعات عائلية، ومناورات سياسية، ومعارك على مساحات صغيرة من الأرض، يظهر هذا الانتقال بطريقة قاتمة، سواء من الناحية المادية مع سيطرة المشاهد الليلية، أو من الناحية العاطفية، حيث يرى العقيد بوادر الهدنة تلوح فى الأفق، ويدفع أوريليانو خوسيه الثمن الأغلى بسبب ارتباطه بوالده.

تغييرات كبيرة شهدها الموسم الثانى، وتمكنت من إعادته إلى قائمة المفضلات لدى جمهور الأدب والدراما، خصوصًا بعد إخفاق الموسم الأول الذى سبقه بنحو عامين كاملين، وتم عرضه نهاية ديسمبر ٢٠٢٤، مصحوبًا بحملة دعائية ضخمة، باعتباره العمل الأكثر طموحًا وإثارةً من إنتاج «نتفليكس» فى أمريكا اللاتينية، غير أنه لم يلق الترحيب المناسب لشعبية رواية الكولمبى الأشهر جابرييل جارثيا ماركيز.

فيما اعتبره النقاد نتيجة طبيعية لإخفاقه فى تجسيد حالة الواقعية السحرية، ما دفع المخرجة الكولومبية لورا مورا التى أخرجت ثلاث حلقات من الموسم الأول، وتتولى منصب المنتج المنفذ فى الموسم الثانى، إضافة إلى إخراجها لخمس حلقات، بما فيها الحلقة الأخيرة، إلى التصريح بأنها أمضت السنوات الأربع الماضية فى «ملامسة ما لا يُمس»، وكشفت فى حديث لمجلة «مونكل» البريطانية أن الموسم الثانى من المسلسل يغطى الخمسين عامًا الأخيرة من القرن الذى تناولته تحفة أديب نوبل، ويبدأ مباشرةً من حيث انتهى الموسم الأول.

وقالت «أعتقد أن ماركيز نجح فى روايته فى تصوير ما يحدث فى نهاية المطاف لجميع المدن الفاضلة على مدى مئة عام، أو هكذا تأمل»، مضيفة أنها تعمدت تخفيف حدة الواقعية السحرية فى الرواية، وزيادة التركيز على الجانب السياسى، غير أن الحلقات السبع التى أطلقتها «نتفليكس» فى الخامس من أغسطس قالت بغير ذلك، إذ اقتربت المشاهد بصورة أكبر من روح الرواية، حتى أن أحدًا لم يتوقف أمام كثير من المشاهد الغرائبية التى تم تصويرها بنعومة يقبلها منطق الفن، ويمكن للمشاهد التعامل معها.

وكانت «نتفليكس» قد أطلقت الحلقات السبع الأولى من هذه الملحمة العائلية بداية الشهر، فيما قررت، فى خطوة غير مألوفة، تأجيل عرض الحلقة الختامية إلى السادس والعشرين من الشهر ذاته، وهى الحلقة الاستثنائية التى يصل زمن عرضها إلى ساعتين، وقالت إن الاحتفال لن يقتصر على إطلاق الحلقة على منصتها، بل ستكون هناك عروض سينمائية خاصة تشبه العروض الأولى فى مدن مختارة فى جميع أنحاء كولومبيا، وتصاحبها فعاليات احتفالية مسرحية بمشاركة «برويماجنيس» الكولومبية.

المخرج كارلوس مورينو الذى شارك فى الموسم الثانى بثلاث حلقات، حيث قسم المخرجان الموسم وفقًا لتحولاته السردية الرئيسية، أخرجت مورا الحلقتين الأولى والثانية لربط أحداث الموسم الأول، وتقديم الجيل الجديد من عائلة بوينديا ومدينة «ماكوندو» المتغيرة، ثم تولى مورينو الحلقتين الثالثة والرابعة، مُضفيًا لمسته الفكاهية على شخصية «فرناندا ديل كاربيو»، الخصم الرئيسى، لتعود مورا لإخراج الحلقتين الخامسة والسادسة، واللتين تصوران وصول شركة «يونايتد فروت» والأمريكيين إلى «ماكوندو»، وهى نقطة تحول محورية لطالما رغبت فى تجسيدها، وأخرج مورينو الحلقة السابعة التى تتمحور حول سنوات الأمطار الغزيرة التى شهدتها «ماكوندو»، وقال: «أعتقد أن أحد إنجازاتنا فى هذا الموسم هو منح كل حلقة بنية فيلمية متكاملة، فبينما تتكامل الحلقات لسرد القصة الرئيسية، تنفرد كل حلقة منها بأنها تُشكّل سردًا قائمًا بذاته، له هدفه وهويته الخاصة، كل حلقة من هذا الموسم أشبه بفيلم مكتمل، وأظن أننا ارتقينا بالمسلسل إلى مستوى آخر من الناحية الجمالية والسردية، ومن خلال الصوت والموسيقى، لنقدم نهاية سينمائية وعاطفية أكثر.

بعد ثلاث سنوات قضيناها فى ذلك المنزل وتلك البلدة، شعرنا أن اختتام هذه الرحلة يجب أن يكون بنفس الروعة والملحمية والروعة السينمائية.

وأعتقد أن هذا يمنح المشاهد تجربة ثرية للغاية، إنها تحترم ذكاء المشاهد من خلال اتباع منطقها السردى الخاص، بدلًا من أن تكون مجرد فصل آخر فى قصة أوسع»، بينما قالت مورا: «أردنا الارتقاء بالمسلسل من حيث السرد والجماليات، ورؤية كيف يمكن أن يتطور إلى شىء أعمق وأكثر تعقيدًا وجاذبية درامية».

وعن التغييرات التى طرأت ورفعت من جاذبية الموسم الثانى، قالت مورا: كان الموسم الأول جيدًا، لكن كان من الواضح أننا بحاجة إلى تطوير المسلسل ليأخذ منحىً سينمائيًا وشعريًا وسياسيًا أكثر تعقيدًا، على سبيل المثال، يتذكر القراء الفراشات الصفراء، يتذكرون جمال هذه الصورة، لكنهم لا يتذكرون أن الفراشات ترمز إلى شخصية عامل أسود فى شركة الموز، إنه رجل فقير يقع فى حب الفتاة الخطأ، لأنها من الطبقة الراقية، كان علىّ أن أمنح تلك الصورة البعد السياسى لتلك العلاقة، ربما لا يعرف الكثيرون أن علاقة الجمهور فى أمريكا اللاتينية بالرواية، تختلف تمامًا عن علاقة الجمهور الأوروبى أو الأنجلوسكسونى بها.

فنحن نتمتع بعلاقة مميزة مع عالم الخيال، صحيح أن ماكوندو عالم خيالى، ولكنه ليس كذلك فى الوقت نفسه، أردت هذه المرة الدفاع عن هذه الفكرة.. الأمر أعمق من ذلك بكثير، وتلك الفراشات الصفراء ترمز إلى شخصية تمر بحدث اجتماعى مأساوى، لا يقتصر الأمر على عالم خيالى فحسب، بل هو أسلوب جميل وشاعرى لسرد قصة قاسية تحدث لنا هنا.. وقد ركزتُ أكثر على الإشارات التاريخية، مثل مذبحة الجيش الكولومبى لعمال الموز عام ١٩٢٨، والتى تجاهلتها كتب التاريخ، وساعد ماركيز فى تسليط الضوء عليها. لماذا؟ لأننا متعلقون جدًا بالواقعية السحرية، لدرجة أننا نتجاهل الجانب السياسى للرواية، أخبرتُ نتفليكس أنه إذا كنت سأشارك، فعلىّ أن أخرج مشهد وصول شركة الموز، والأمريكيين، ومذبحة العمال، أردت أيضًا أن أظهر أن المطر الذى استمر لسنوات طويلة بعد ذلك كان يهدف إلى محو ذكرى ذلك العنف، كما فعلنا نحن الكولومبيين دائمًا، فلم نتحدث كثيرًا عن هذا الجزء من تاريخنا، كان هناك إنكار كبير لما هو حقيقى، وما هو جزء من الخيال الذى ابتكره ماركيز.

فى هذا الموسم، حرصت على أن نتلقى جميعًا دروسًا فى التاريخ. درست المذبحة بتعمق، لذا كانت لدىّ الخلفية الفكرية اللازمة للتعامل مع هذه الحلقات. أنا فخورة جدًا بها، كما أننى كنت محظوظًا جدًا، عندما أخبرتُ «نتفليكس» أننى أريد تصوير مشاهد شركة الموز، والنادى الريفى، وأماكن سكن الأمريكيين فى مواقعها الحقيقية، فوافقوا.

وأعتقد نجحنا فى تجسيد ثقل وجمال ما كان يقوله ماركيز فى هذه الرواية، ومن الأمور التى ناقشناها كثيرًا خلال الأشهر القليلة الماضية، مدى روعة أن يعتقد العاملون فى صناعة السينما الكولومبية، قبل أربع أو خمس أو ست سنوات فقط، أن مشروعًا كهذا مستحيل، والآن أثبتنا عكس ذلك».

ورغم تمسكها الشديد بالأساليب التقليدية فى صناعة تتجه نحو الرقمنة، لا تزال مورا تعتمد على الورق والملاحظات والرسومات المكتوبة بخط اليد، وربما لهذا أصبح دفتر مذكراتها، أو ملاحظاتها المكتوبة بخط اليد أهم قطعة فى مواقع التصوير، باعتباره أداتها الإبداعية، وسجلها الشخصى لرحلتها فى صناعة السينما، حتى أنها كانت تبدأ يوم التصوير بتذكير فريقها بنفس العبارة: «إذا كان هناك شىء لا يمكننا خسارته، فهو دفترى، إذا فُقد دفترى، فكأننا نطير مع طيارٍ ثمل»، وتوضح ذلك بقولها: «مع كل هذا التطور السريع للغاية، مع الذكاء الاصطناعى وكل هذه التقنيات الجديدة، أصبحت مقاومتى هى التمسك بالأساليب التقليدية، الكتابة اليدوية هى طريقتى الخاصة لمقاومة العالم».

تم تصوير هذا العمل الملحمى بالكامل فى كولومبيا، وباللغة الإسبانية، واستعان بمئات الفنانين وأفراد الطاقم لإعادة إحياء «ماكوندو» على الشاشة، وبموافقة عائلة جارسيا ماركيز، بُنيت المدينة من الصفر، فى سابقةٍ هى الأولى من نوعها فى البلاد، وأوضح فرانسيسكو راموس، نائب رئيس قسم المحتوى فى «نتفليكس» لأمريكا اللاتينية، أن سبب إصدار سبع حلقات قبل توقف مؤقت ثم خاتمة استثنائية، كان فى رحلة البحث عن صيغة تتجاوز الحلقات المعتادة لأى مسلسل تليفزيونى، وقال: «كان لا بد من خاتمة رائعة تليق بنهاية تحفة ماركيز، وهى التى تأتى على شكل حلقة خاصة، أشبه بفيلم روائى طويل من إخراج لورا مورا».