على بن الإمام.. قصة عاشق دُفنَ حيًّا
- ليس رجلًا من لحمٍ ودم بل هو العقل حين يتجسّد والكبرياء حين يتكلم والإنسان فى صراعه بين ما يريد وما يجب
- المحكمة ترى أن تعطى الفرصة بعد عودة كل عاشق لمحراب عشيقه.. عسى أن يتعظا من أخطائهما

1
قصة عاشق دُفنَ حيًّا
على بن الإمام:
ليس رجلًا من لحمٍ ودم، بل هو العقل حين يتجسّد، والكبرياء حين يتكلم، والإنسان فى صراعه بين ما يريد وما يجب، هو سيد الجسد، وحاكم الظاهر، لكنه أمام الحب مجرد عاشقٍ يحاكمه قلبه.
ظِل الفُؤاد:
ليست امرأةً تسكن خارج الجسد، بل هى الروح الساكنة فى أعمق زواياه، نبضه الخفى، وهمسه الذى لا يسمعه سواه، وعشقه الذى خلقه ثم تمرد عليه.. هى الحبيبة والخصم، العاشقة والشكّاءة، التى وقفت أمام قاضى القضاة تطلب الإنصاف ممن أحبته حدَّ الذوبان.
افتتاحية:
شكته الحبيبة، معشوقة القلب إلى قاضى القضاة، وقالت فيما قالت فيه ما قاله مالك فى الخمر، لكنه قضى وقتًا بين الهرب و الهرب أيضًا.. وكان يبحث عنها كى يدفع عن نفسه كل ما اتهمته به.. أمامها أولًا.. قبل أى منصة عادلة.. لكنها لم تتح له فرصة الحديث معه، حتى قُبض عليه ليلًا أمام بيتها.. تحت شرفتها يناجيها تارة.. ويناجى الرب تارات أخرى، فقد يحن الرب.. ويلين قلبها.. لكنه ما لان.. فجروه فى القيود ذليلًا.. وألقوه مرتطمًا فوق الأرض.. مسحولًا إلى قاعة قاضى القضاة.. ثم سحبوه حتى أودعوه قفصًا من شباك الحديد.
وبدأت جلسات المحاكمة:
«يدق القاضى مطرقته فتصدر صوتا احتجاجيا على همهمة الحضور.. ويعُم الصمت»
القاضى: بسم الله.. رب العدالة.. نبدأ المحاكمة..
وينادى الحاجب: ظل الفؤاد نعمة الكون ابنة سيد الخيريين.
فتنطق بلسان محتجب عن الحديث: إ.. ن.. إننى هنا.. سيدى القاضى.
ويصيح الحاجب: على.. بن الإمام..
فنطق بألم المظلوم: وهل من حق الأسد حين يصير قطًا.. أن ينطق؟ وهل للشموخ.. إذا قُيد بالغلال أن يكون شموخًا؟ أنا موجود سيدى قاضى القضاة.. وكأننى غير موجود.. فبعد ظلم الحبيب.. لا تعنينى عدالة المحكمة.
القاضى: لا تحاول أن تؤثر على المنصة.. أيها المتهم.. «ثم يستطرد مناديًا» يا ظل الفؤاد؟
ظل الفؤاد: نعم سيدى القاضى.
القاضى: ما هو اتهامك.. للمتهم المذنب.. على بن الإمام؟
ظل الفؤاد «منغمسة فى قلقها»: سيدى القاضى.. إنى امرأة.. جربت حظًا فى الرجال ومع الرجال.. وكنت نعم الزوجة الوفية، أو هذه كانت نيتى، ولكن الأيام والسنون بقسوتها لم تبح لى أن أستظل بظل رجل.. ظلًا سرمديًا.. إلى أن يقضى الله أمرًا.. فافترقت فى كل كَرَّة.. وبعد كل مرة.. كنت أبحث عمن يرافقنى طريق الحياة.. وأنت سيدى القاضى تعلم وحشة طريق المرأة فى الحياة بدون ونيس يألفها وتألفه.. ولتعلم.. أن العامة والخاصة من بين الناس كانوا يروننى جميلة الجميلات.. وسيدة نساء الكون الحاضر.. وفاتنة الأولياء.. وذات العيون البريئة.. من ينظر إليها.. يغرق بها.. وأنا من قالوا عنى.. إن الرجل إذا أحبنى.. وهَام فى عشقى.. أفسدت عليه تذوق أى امرأة.. حتى لو نام مع حورية الجنة.. فسوف يبصقها إذا تذكرنى وهو يضاجعها.. ولقد جاءنى خُطاب الحسب والنسب من كل فج عميق.. من بينهم الأمير.. وليس فيهم الغفير.. ومن بينهم الملوك.. ولم يتجرأ قصدى صعلوك.. ومن بينهم عِلية القوم.. ومن يجرأ على طلبى لا يعرف النوم.. وأنا مُنعمة القلوب.. ومُعذبتها.. وما كان لى فى تزوج الرجال بعد ما آل بى معهم من حال.. أى بُد.. فانزويت عِقد ونصف العقد من الزمان مُعتزلة الرجال.. وكانت فورتى تؤلمنى فى كل مآل.. لكننى قتلتها فى جسدى.. حتى أنى نسيت من هُم الرجال، العامل منهم والبطال.. والشديد العنيد والضعيف الرفيف.. واصطفيت بنفسى لنفسى.. وانزويت فى مغارة قلبى.. وقبلت الدنيا على ما هى عليه.

القاضى: وماذا بعد.. يا ظل الفؤاد؟!
ظل الفؤاد: حتى قابلنى.. على.. فسحرنى.. وأيقظ فورتى.. وقَلب حياتى.. ومحا عقدًا والنصف من العزلة.. وجعلنى أندم على كل برهة من زمانى عشتها بعيدًا عنه.
القاضى «متعجلًا»: وماذا بعد؟
ظل الفؤاد: سلمته قلبى.. وقال لى إنه سلمنى قلبه..
القاضى: عظيم.. وهل طلبك للزواج يا ظل الفؤاد؟
ظل الفؤاد: إنه متزوج يا سيدى القاضى.
القاضى: وهل أخفى عنك زواجه؟
ظل الفؤاد: لا.. بل صارحنى.. وأخبرنى بحب زوجته.
القاضى: وماذا عنك؟ هل قبلت؟!
ظل الفؤاد: نعم سيدى.. قبلت.. فحرام لمن مثله من الرجال أن تستحوذه امرأة واحدة!
القاضى «مندهشًا»: إذن أين الجُرم؟
ظل الفؤاد: الجُرم.. أنه لم يكتف بى.. عيناه يا سيدى زائغتان.. فكرت كثيرًا أن أكف بصره.. لكننى تراجعت.. فكيف سينعم بجمالى وهو عاجز.. ولم يكفْ محاولاته فى مداعبة الأنثى وراء الأخرى.. حتى وزع القلق فى أنحاء عقلى.. فعزفتُ عنه.. فطاردنى.. فحذرته.. فلم يكفْ.. فشكوته إليكم يا قاضى القضاة.
القاضى: وهل أوقعتِ به مع إحداهن؟
ظل الفؤاد: لا.. بل هو حَدْثُ قلبى.
القاضى: وهل سمعت عن أنه زير نساء؟
ظل الفؤاد: نعم.. كثيرًا.. لكننى لم أصدق؟
القاضى: لماذا؟
ظل الفؤاد: قلبى يقول إنه يعشقنى.. وعقلى يقول إنه يخوننى.
القاضى: ومن الذى انتصر.. قلبك.. أم عقلك؟
ظل الفؤاد: كونى هنا فى ساحتكم.. أكون قد صدقت عقلى!
«تنهد القاضى متعجبًا.. ثم أشار إليها»
القاضى: اجلسى.
«وهو يرمق المتهم بغضب والشرر يتطاير من عينيه»
القاضى: وأنت.. أيها المتهم.
على: لأنك سيدى.. قاضى القضاة.. فما كان يحق لعدالتك أن تسألها: ما هو اتهامك.. للمتهم المذنب.. على بن الإمام.. لقد نَعتنى بالمذنب.. قبل أن تسمع مظلمتها ودفوعها.. وقبل أن تسمع مهزلتى وشجونها.
القاضى: «متريثًا» سأسحب قولى من دفتر الجلسة.. «مستطردًا»: أكمل..
على: اجعلنى أولًا.. سيدى القاضى آخذ منك عهدًا أن الحبَ هو ما وُلدنا به، فلا داعى لأن يكون الخوف هو ما نتعلمه هنا.. فى ساحة عدلك!
القاضى: أعدك.. وأعاهدك.
على: ما رأيت منها إلا حُلمًا من أحلام الجنة.. وكنت حين ألمسها مصافحًا.. أخاف على نعومة كَفها من خُشونة كفى.. فظلت هى البراءة فى روعتها، وهى الجمال فى سحره، وهى سمو الحب بعطره الشدى، وهى الأمل المشرق، وهى الورد الذى ترطبه قطرات الندى، وهى القمر الحالم يتهادى فى ليالى الصيف يضىء المدى، وهى الأحلام الطفولية هدية للأرض من رب السماء، وهى صاحبة سحر يسلب القلوب.

لقد عشقتها بقدر الحروف التى تسمى بها العاشقون، وبقدر حبات ماء البحار والمحيطات، وبقدر عشق المحروم لما حُرم منه، وبقدر الكون والأكوان الأخرى «ثم التفت إلى ظل.. وقال للقاضى: اسألها»، فقد أحببتها حتى توقف الحب عند عينيها، وأحببتها حتى نطقت كل قطرة من دمى بأنى أعشقها، وأحببتها حتى ذرفت العين دموع الخوف إذا فكرت فى بعدها، وأحببتها حتى نسيت كل حياتى وأصبحت هى حياتى.
القاضى: أما ترد على اتهامها لك؟!
على: أنا أرد سيدى القاضى؟.. أنت لا تعرف ظل الفؤاد.. هى من اختصرت جمال كل النساء فى جمالها.. هى أيقونة العشق لم عشقوا ولمن لم يعشقوا.. هى محياى ومماتى.. هى رزقى فى الدنيا.. وصاحبتى فى الآخرة.. هى من فكرت أن أهديها عمرى.. فعجزت لأن عمرى مِلك لها.. هى من أدمنت حبها وأدمن القلب ذِكرها.
القاضى: «متأثرًا»: إذن لترد على اتهامها لك؟!
على: أنا أرد سيدى القاضى؟.. أنت لا تعرف ظل الفؤاد.. هى من أحبتها وحوش البرية.. فكيف لا أحبها وكيف أخونها؟.. وهى من هَذبت الشيطان فكيف لا تهذبنى.. وهى من أبصَر جفونها.. عشق.. وهى الوحيدة صاحبة العيون الجميلة.. وكل ما عدا عيونها.. مجرد تجارب فى صناعة العيون..
القاضى: إنها تقول إنك بعينين زائغتين؟
على: وهل عينى معى حتى تزوغ على غيرها.. عينى معها.. عينى غارقة فى بحر عينيها!
القاضى: «مهددًا»: سأحكم عليك بالإعدام.. إذا لم تتحدث فى موضوع الاتهام!
على: وماذا سيفيدنى حكمك بغير الإعدام أيها القاضى؟ فإن لم ترض ظل الفؤاد وتُبرئنى.. فالإعدام حق لى.. وأنا حق له.
القاضى: «غاضبًا»: ألن ترد على اتهامها لك؟!
على: إن الرجال فى موقفى.. لا يبغون عدل القضاة.. بل يبغون عدل قاضى القضاة.. رب السماء.. فإن ما بقلبى.. لن يكشفه غيره..
القاضى: «مُزمجرًا»: ادفع عنك تهمة أنك عاشق للنساء!
على: وهل عشقى للنساء تهمة.. ألم أقل إن ظل كل النساء؟
القاضى: «فى صبر»: لماذا إذن تدعى ظل ذلك؟!
على: لأننى بقلب واحد.. وحبى لا يكفيها.. فهى كل النساء.. فكيف يحبها رجل بقلب واحد؟ ولأننى صرت من زَودِ حُبها أغار من نفسى عليها.. وغيرتى من نفسى.. جعلتنى أفكر فى نفسى.. من أجلها.
«ينظر القاضى إلى ظل ويحدثها»..
القاضى «لظل الفؤاد»: ما رأيك يا ظل؟!
على «مقاطعًا وموجهًا حديثه إلى ظل الفؤاد»:
أحقًا أنت فى خصامى!
لعلى ردىء القلب إن فعلت..
تكلمى يا أصداء منامى..
فإن ذنبًا فى حَقك ما اقترفت.
وعودى بقلبك إلى أيامى..
فإن السنين إذا ما رَحلتِ.. توقفت..
ومبعث البراءة أنك إلهامى..
فإذا انقطعتِ.. ماتت روحى وتجمدت..
وأنت سر انتصارى.. وسر انهزامى..
فأنا شهيدك.. إن أردتى انتقامًا..
فتذكرى أنى عشق الهوى واختيارك..
القاضى «لظل الفؤاد مهددًا بإصدار حكمه»: يا ظل.. العفو فى يديك!
على «مقاطعًا»: قل لها سيدى القاضى.. أن تمنحنى فرصة أخرى، أقسم فيها على حبى لها.. فهل يكذب من يكون بين مطرقة العقاب وسندان الموت؟.. هذا مطلبى الأخير.. قبل الموت!
القاضى «لظل الفؤاد مهددًا بإصدار حكمه من جديد»: يا ظل.. العفو فى يديك!
«لم تنطق ظل».
على «باكيًا ومنتحبًا»:
إن الذى أمعنا فى حبه من حشانا
ما ارتضى إلا أن يكون من قتلانا
عسى الأيام.. أن تنسيك نشوانا
لكن قلبى سيسقى من قبرى نجوانا
القاضى «فى حزن»: حَكمنا على على بن الإمَام.. فى حق معشوقته ظل الفؤاد نعمة الكون ابنة سيد الخيريين، بالطرد من قلبها.. والافتراق عن روحها.. ومحو أيامه من سجلها.. وشطب اسمه من تاريخها.
على «صارخًا.. باكيًا.. منتحبًا»: واظلاه.. واظلاه.. واظلاه.. واظلاه.. مِت والله يا على حيًا!
انتهت المحاكمة

2
افتتاحية:
بعد أن شكته «ظل الفؤاد»، معشوقة القلب، إلى القاضى، الذى أصدر حكمه قائلًا: حَكمنا على عَلِّى بن الإمام.. فى حق معشوقته ظل الفؤاد نِعمة الكون.. بالطرد من قلبها.. والافتراق عن روحها.. ومحو أيامه من سجلها.. وشطب اسمه من تاريخها.
ذهبت «ظل» إلى عالمها... واختارت ما اختارته من طريق تسير فيه بخطاها... ودار بها ما دار.. من بين سعادة.. أو انكسار... فتَوجَهت كما فعلت من قبل إلى القاضى، مطالبة إياه بأن يستدعى عَلِّى بن الإمام من جديد إلى ساحته.. والمفاجأة ما طلبته فى عريضة دعواها.
وبدأت جلسات المحاكمة.
«يدق القاضى مطرقته فتصدر صوتًا احتجاجيًا على همهمة الحضور.. ويَعم الصمت»
القاضى: بسم الله.. رب العدالة... نبدأ المحاكمة..
ينادى الحاجب: ظل الفؤاد نِعمة الكون.
- فتنطق بلسان محتجب عن الحديث: إ.. ن.. إننى هنا.. سيدى القاضى.
ويصيح الحاجب: عَلِّى بن الإمام..
فينطق بصوت عائد من القبر: فقدت سمعى.. سيدى.. وأنا الآن موجود.. أسمعك بروحى!
القاضى: ألم تتعظ يا رجل بما أصدرناه من حكم أعطاك فرصة جديدة؟! ألن تكف عن إيذاء المرأة؟
على: وهل يا سيدى القاضى.. للمقتول بدم بارد.. أثر؟! وهل للمذبوح.. بسكين الشجن.. ما يدفع فيه قوة الأخذ.. أو العطاء؟! «ثم يستطرد»: ألا تعرف سيدى القاضى.. من أين جئت؟ إننى أتيت من دَوحة مظلمة.. ومن قيثارة معطلة.. ومن بهجة ممزقة.. ومن مراقد تحت الثرى!
القاضى: «مناديًا»: يا ظل الفؤاد؟
ظل الفؤاد: نعم سيدى القاضى..
القاضى: ما هى عريضة دعواك.. هذه المرة؟!
ظل الفؤاد «وهى تنظر إلى عَلِّى وعيناها مثقلة بالدموع»:
سيدى القاضى.. أشكوه.. لأن خياله لا يفارقنى.. وأن ظله يلاحقنى.. وأن سؤالى عنه لا يتركنى... وأن عزف أناملى على أوراق أشعاره يباغتنى، وأن لمسة يديه مطبوعة على كفى تذكرنى.. وطلاوة صدقه تعاتبنى.. وحلاوة كذبه تغلبنى.. حتى إننى سألت نفسى.. أهى نفسى التى تحدثنى.. أم نفسه؟! أهى روحى بين أضلعى، مسكوبة من قلبى.. أم هى روحه بين أضلعى مسكوبة من قلبه إلى قلبى؟!
سيدى القاضى... إننى فى حيرة من نفسى.. وقرار الانتحار لا يكف عن زيارتى فى كل برهة من يومى!! أتيت إليك اليوم لأستأنف حُكمك، لتعيده إلى قلبى.. فلا يفترق عن روحى.. ولا تمحو أيامه من سجلى.. ولتأمر بإعادة اسمه إلى تاريخى!!
القاضى «متعجبًا»: أعرف.. يا ظل الفؤاد.. أن الجانى هو من يستأنف ويطلب طلبك هذا؟!
ظل الفؤاد «منتحبة وتحاول التماسك»: إذن.. لتعتبرنى مكان الجانى.. إنى أستأنف بالنيابة عن عَلِّى بن الإمام..
القاضى «فى دهشة وهو ينظر لمعاونيه»: ثلاثون عامًا فى القضاء.. ولم أرَ طلبا كهذا!! «ثم ينظر إلى عَلِّى فى تريث» قائلًا: أتعطيها توكيلًا بذلك يا عَلِّى؟!
تمر لحظات سريعة بمقياس الثوانى لكنها طويلة بمقياس الزمان.. ينظر فيها عَلِّى نحو ظل الفؤاد، فينخرط شعاع بصرها الملائكى ساكبًا سحره المؤثر على قلبه.. بينما تتلهف ظل الفؤاد ناطقة نحوه:
أتقبل يا عَلِّى.. أن أستأنف حكم القاضى.. نيابة عنك؟
ينظر إليها عَلِّى.. نظرات من مقلتين فى حكم العمى.. حتى يكاد لا يقوى على الاستغراق فى النظر إليها من فرط جمال عينيها.. ثم ينتحب قائلًا.. بتأثر، وهو يحدث القاضى.. لكنه ينظر إليها:
أنا المدفون حيًا... كيف لا أقبل من فوق وجهى تَوَارى الثَرى.
وكيف إذا كُفنتُ غصبًا.. لا أقبل من جديد العيش بين الوَرى!!
وإذ مقلتاى اعتزلت كل الرؤى.. فكيف لا أقبل نور الضحى؟
إن التى قتلتنى بالفراق.... كيف لا تحيينى بوصل من الهوى؟!!....
سيدى القاضى.. أتعرف كيف قضيت الشهور الطويلة.. بعيدًا عنها؟ أتعرف أن قلبى لم ينبض.. وأن صدرى لم يشهق.. وأن دمى لم يجرِ؟.
ابتسم القاضى فى دهشة وعاجله بسؤال: وعلى أى شىء كنت تعيش يا موقوف النبض.. أنت؟!
على «فى لوعة»: على الأمل.. سيدى!! مُجمد بين ثلج الذكريات.. على أمل أن تسطع شمس ظل الفؤاد من جديد.. فتذيب الثلج.. وتدب الحياة فى أوصالى من جديد...
القاضى «فى تأثر»: معقول.. أهذا حب ؟!
على «مبتسمًا بين دموع الأمل»: بل أروع من الحب سيدى.. شىء فى قلبى نحوها.. أطول من مسلات المعابد.. شىء تحت جلدى منها أعمق من التاريخ... شىء فى عقلى منها لا يترك لعقلى فرصة التفكير فى غيرها.
القاضى «ملتفتًا نحو ظل الفؤاد»: هاتِ ما عندك يا ظل؟!
ظل الفؤاد «بدموع متحجرة»: إن حُكمَكُم عدالة القاضى لم يوقف فورتى.. بل أشعل ثورتى.. وما كنت أعرف أهى ثورة عليه.. أم على نفسى؟ لقد زاد سحره.. وصارت كل ذكرى له فى نفسى أشبه بعصا موسى.. حين يلقيها من روحه المتجولة فى أنحائى.. تبتلع كل أرواح الرجال من حولى!
القاضى: هل تسرعتِ يا ظل؟!!
ظل الفؤاد «بعيون زائغة»: ليتنى كنت تباطأت.. سيدى!
القاضى: وما هى دفوعك.. ببراءته؟
ظل الفؤاد: أعرف أن عَلِّى.. يعشقنى... وبرغم قسوتى عليه.. كانت رقته تحيطنى فى كل وقت.. كنت أشعر بروحه التى لم تفارقنى برهة من زمان.. ما رأيت رجلًا مثله.. وكل مُستقبلاتى تعطلت عن الاستقبال بعده... «ثم تبكى صارخة»: سيدى القاضى.. لا أقوى على الحياة بدون إحساس... بدون مشاعر... بدون قلب!
القاضى «متسائلًا» : كنت تظنين أنك ستجمدين قلبه.. فوجدتِ قلبك أنت بين الثلج؟
ظل الفؤاد «بلهفة»: إذن.. فلتعيده لحياتى.. حتى تشرق عَلىْ شمس حبه!
القاضى: أتقبل يا عَلِّى؟! تذكر أنك قلت لها: لو لمسك رجل بعدى لا أستطيع أن أقترب منك؟
على «بعشق»: هى عذراء دومًا... أنا أعرف ذلك سيدى... وذاكرتى ستطفئ كل نيران الماضى.
القاضى «فى دهشة»: عشق.. كحالة المرض!
على «للقاضى»: هى شعرت بى.. كما كنت أشعر بها.. ويكفى أنها جاءت لساحتكم لتبرئنى.. «مستطردًا»: أستحلفك أن تقبل تظلّمها.. سيدى.
القاضى «لظل الفؤاد»: يا ظل.. إذا قبلت استئنافك.. عاقبتك بإزعاج القاضى!
على «صائحًا»: أيها القاضى.. لقد أماتنى حكمك الفائت.. أتحيينى من جديد.. ثم تميتنى.. «ثم مستدركًا»: إن فعلت.. ولكم الرأى والحكم.. فلنموت سويًا.. أو نحيا سويًا!
القاضى: وهل هناك حب بعد الموت؟!
على «بغبطة»: نعم إنه حبى وظل...
يلتفت القاضى نحو معاونيه.. عن اليمين وعن الشمال.. ويداولهما فى الحكم.. ثم يعتدل فى جلسته ناطقًا:
إذا كان القاضى قد طلب من ظل الفؤاد فى الجلسة السابقة أن تعفو.. لكنها لم تقبل.. فالأولى بعدل القضاء أن يعفو، إذا ما ارتأى القاضى أن فى عفوه حياة لمن فقدوا الحياة.. بدافع من ارتكبوه من أخطاء فى حق أنفسهم.. وأن المحكمة لترى أن تعطى الفرصة بعد عودة كل عاشق لمحراب عشيقه.. عسى أن يتعظا من أخطائهما.. وفى الفرصة الجديدة عدلًا تراه المحكمة فى صالح الحياة..
حكمنا بقبول وكالة ظل الفؤاد عن عشقها الأبدى عَلِّى بن الإمام.. وألغينا الحكم السابق فى حق معشوقته ظل الفؤاد نعمة الكون، وعليه العودة إلى قلبها.. وعدم الافتراق عن روحها.. وإعادة أيامه إلى سجلها.. وكتابة اسمه فى تاريخها... ما لم يكن هناك ما يمنع التنفيذ!!!.
انتهت المحاكمة

