الثلاثاء 18 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخواجة مصرى.. لماذا تخلو شوارع مصر من أسماء عشاقها الأجانب؟

حرف

- «يا حاج.. عارف ميدان ماريو روسّى فين بالظبط؟».

- «بقالى 60 سنة ساكن هنا، والله دى أول مرة أسمع اسم الميدان ده.. حضرتك متأكد من الاسم ده؟». 

هذا مشهد من فيلم من إخراج مخيلتى. خلال زياراتى المتتالية لمصر، كنت أود أن أطرح هذا السؤال بالذات للمارة؛ لكى أفهم مدى معرفة المصريين ببعض الخواجات الذين أعتبرهم شخصيات رئيسية ومهمة فى تاريخ البلاد. فمن كثرة التفكير فى هذا الموضوع، تموضع ميدان ماريو روسّى فى خارطتى المتخيلة عند تقاطع بين شارع إيتورى موسكاتيللى وشارع ألدو ستيلا. 

ماريو روسى
ماريو روسى

وإذا انتقلنا من القاهرة إلى مدينة باليرمو بجزيرة صقلية، منذ بضعة عقود، سنجد شارعًا طويلًا جدًا يحمل اسم الأمير جعفر، الذى حكم الجزيرة لمدة طويلة خلال فترة الفتح الإسلامى، فى القرن الحادى عشر ميلاديًا. فى كاتانيا، وهى ثانى أكبر مدينة بصقلية، يمكننا أن نتمشى على رصيف شارع ابن حمديس، وهو أشهر شاعر عربى عاش فى الجزيرة فى السنوات الأخيرة من تلك الملحمة التاريخية فى النصف الثانى من نفس القرن، فكان يحنّ إلى صقلية من منفاه فى الأندلس. حتى فى مدن صقلية الصغيرة، هناك على سبيل المثال، مدينة «جيبيلينا» توجد شوارع عديدة تخلّد ذكرى الشاعر نفسه. فلا شك أن هذه المعالم الواقعية قد تساعد الناس فى معرفة تاريخ صقلية. 

من الجهة الأخرى، هل الجيل الجديد فى مصر يعرف شيئًا عن ماريو روسّى؟ يعرف الكثير منهم أنه مهندس إيطالى صمم أكثر من ٢٠٠ مسجد وعددًا كبيرًا من القصور خلال النصف الأول من القرن العشرين. أما إيتورى موسكاتيللى، فكان حارس مرمى نادى المصرى فى الأربعينيات من القرن الماضى، كما كان مشهورًا كأحد أهم المصورين الذين وثّقوا الهجوم الثلاثى ضد مدن قناة السويس عام ١٩٥٦، إضافة إلى كونه مصورًا محترفًا غطّى بكاميرته الكثير من الأحداث التاريخية فى بورسعيد بحس وطنى منقطع النظير. فهل يجوز أن تصنف هذه الشخصيات بمصطلح معمم وفضفاض مثل «خواجة»؟

للأسف الشديد حتى يومنا هذا، على أرض مصر الواسعة، لا يوجد، على حد معرفتى، شارع ماريو روسّى، ولا ميدان موسكاتيللى وشارع ألدو ستيلا. «ممكن لأن لقبه مسكر.. ويذكر الناس بماركة البيرة؟».

فى بداية التسعينيات، خلال أول زيارة لى لمصر، لما كنت أعرّف نفسى لناس جدد كان رد فعلهم التلقائى: «يا سلام! ألدو زى حارس مرمى الزمالك فى الستينيات». وقتئذ ما كنت أعرف أن هناك فريق كرة قدم اسمه الزمالك، وما كنت أتصور مَن كان ألدو ستيلا، والمقطع المسرحى الشهير «شالو ألدو جابوا شاهين»، ثم تعرفت على زميلة فى دراسات العربية اسمها آنا موسكاتيللى، التى أخبرتنى بأن أباها كان حارس مرمى نادى المصرى، ومن أقارب ألدو ستيلا أيضًا. كما اكتشفت أن مغامرة الطليان فى مصر، حتى فترة قيام الجمهورية الناصرية، كانت مليئة بحقائق وأحداث إيجابية ومفاجآت سارة، بعيدًا كل البعد عن غطرسة الاستعمار الأجنبى. 

ألدو ستيلا
ألدو ستيلا

فالسؤال المطروح بهذا الصدد: لماذا ما جاءت على بال المسئولين المصريين مبادرة تسمية الشوارع والميادين أو الحدائق أو أماكن عامة أخرى باسم إحدى الشخصيات المذكورة أعلاه؟

أفترض، وبكل بساطة، أن المانع أو الحاجز هو دينى بحت، وليس مرتبطًا بموجة من الوطنية الشوفينية، التى كثيرًا ما تنتشر فى الكثير من البلدان، حتى فى إيطاليا إبان فترة الكفاح الدامى ضد المستعمرين. لحسن الحظ فى الفترة الحالية فى مجال الأدب المصرى نسجل حضور شخصية ماريو روسّى فى رواية للكاتبة السكندرية الأستاذة ريم بسيونى، التى كرّست له مساحة كبيرة فى روايتها «ماريو وأبوالعباس»، فربطت فى مخيلتها الروائية بين المرسى وماريو روسّى «على فكرة، التشابه الصوتى بين الاسمين مدهش!». 

منذ سنتين تقريبًا، قررت زيارة نادى الزمالك بصحبة صديق مصرى لطيف جدًا رافقنى إلى كل القاعات والملاعب والمرافق الموجودة. فاكتشفت أن كل ملعب أو صالة يحمل اسم لاعب سابق فى الفريق. كنت أتوقع أننى سأجد مكانًا مخصصًا لتكريم ألدو ستيلا؛ بفضل شهرته خلال فترة ذهبية عاشها النادى، ولكن شالو اسم ألدو كمان.. فلا أثر له فى النادى كله. صراحة كانت صدمة أحزنتنى. فى نفس الزيارة تكلمت مع بعض مسئولى النادى وسألتهم إذا كانت لهم وثائق ورقية أو صور تصور الفريق مع الحارس الخواجة. لا ورقة ولا صورة ولا لافتة. حدّثت الحكاية لأحد الأصدقاء الزمالكويين الأوفياء، فحاول تخفيف صدمتى بالقول: «لا تستغرب يا صديقى. حتى كابتن شحاتة مش مذكور بشكل كافٍ ووافٍ». إذا قمنا بمقارنة بين مصر وإيطاليا من ناحية عملية إطلاق أسماء الأماكن فى المدن، فنلاحظ أن الفارق أن فى بلادى أسماء بعض الأبطال الرياضيين تم اختيارها لشارع أو ميدان أو حديقة، فى حين أن فى مصر لم يحدث لى أن قرأت أسماء أبطال خارج نطاق السياسة أو الجهاد ضد الاستعمار أو الفكر الدينى، «أو الأدب نادرًا»، والإدارة والعلوم بشكل عام. 

إيتورى موسكاتيللى
إيتورى موسكاتيللى

توحى مسألة إطلاق أسماء الميادين والشوارع والكبارى، وإلى آخره، بضرورة الانفتاح الروحى نحو شخصيات لها نفوذ وتأثير فى ترقية الشعوب حتى خارج مجال السياسة، كما تشير إلى ضرورة تغيير سردية التاريخ القومى لكل بلد.

لو ابتعدنا عن «تفاهة» الرياضة المزعومة، وتقربنا من معالم حضارة ثابتة ومرئية فى الهندسة نتساءل: هل تم طرح مسألة فى أوساط المثقفين بمصر للمطالبة بتسمية شارع أو ميدان باسم ماريو روسَى مثلًا؟ إلى متى ستدوم عقدة تغييب بعض الخواجات فى جغرافيا المدن المصرية؟ كيف نقيس وزن الشخصيات التى لم تترك آثارًا فى الأدب أو الفكر المكتوب، ولكنها أسعدت الشعب وشرفت البلاد وأعادت ثقة الناس فى قدراتهم فى شتى مجالات الحياة؟ 

قبل سنتين عند شباك التذاكر بقصر البارون بمصر الجديدة، لاحظت لافتة أسعار التذاكر: التذكرة للمواطن المصرى بسعر محدود، فذلك معقول جدًا. أما تطبيق هذا السعر نفسه لمواطنى العالم العربى، فمبرر إلى حد ما. إلا أننى لا أفهم لماذا مواطن الخليج العربى الذى يربح أكثر من الإيطالى أو اليونانى أو البلغارى لازم يدفع عُشر المبلغ الذى يدفعه أى خواجة. تلك المرة أعطيت لموظف الشباك المبلغ الخاص بتذاكر المواطنين العرب، قائلًا بالفصحى: «أنا من صقلية، بلاد عربية سابقًا». نظر الموظف إلىّ باندهاش ونوع من التشكك، فأضفت: «شوف ودوّر على صقلية بالخريطة أو فى جوجل، هتكتشف كل المعلومات اللازمة». تأمل الموظف كلامى لبعض اللحظات كأنه كان يفتش فى خزانة ذاكرته عن اسم صقلية، ثم قبل الفلوس فأعطانى التذكرة.

بعد ذلك لما زرت المتحف المصرى فى مدينة تورينو بإيطاليا، جاء على بالى سؤال لبائعة التذاكر: «بما أن كل التحف الموجودة هنا تم نهبها من مصر، أو وصلت إلى إيطاليا كهدايا من الخديو فلان إلى ملك أو أمير إيطالى (كأن الخديو كان مالك التحف أو صانعها)، فى رأيك من المعقول أن المواطن المصرى يجب أن يدفع تذكرة غالية ليست فى متناول يده ليرى تحفًا منهوبة من أرضه؟.

ردت علىّ البائعة بلطف، ولكن بشكل آلى: «الإدارة لم تقرر أى تخفيض للمصريين. أتذكر أنه فى الماضى كانت هناك تخفيضات لمواطنى الخليج فقط». ضحكت ضحكة تلقائية ومريرة فى آن. ليست هذه نكتة، لكنها حقيقة إيطالية. متى ستحل عقدة تغييب الخواجات؟ أتمنى أن يحصل أبطال الهندسة والرياضة المقيمون فى مصر فى القرن الماضى على حقهم من طرف السلطات المختصة. ليست شخصيات مثل ماريو روسّى أو ألدو ستيلا مجرد خواجات، بل كانوا مصريين وطنيين، فلا يجوز أن يكون مصيرهم مركونًا فى زاوية مغطاة من التراب «زى روبا بيكيا»!.

*مترجم وباحث من إيطاليا