تحت الطبع
مقتُولُونَ بالمَعْنَى.. «حرف» تنشر مقدمة ديوان أحمد الشهاوى الجديد
ليس الدمُ نقيضَ الحِبر، إنهُ امتدادٌ حين تعجزُ الصفحاتُ عن الاحتمال.
هكذا وُلدوا، يمشُون على حدِّ المعنى، يكتبُون بأعصابِهم لا بأقلامهم، كأنَّ المعرفةَ قَدرٌ لا يُؤجَّل، ولا يُغفَر.
هؤلاء الذين سمَّاهم الناسُ «شهداء المعرفة»، لم يبحثُوا عن موتٍ يليقُ بالأسطورة، إنما عن حقيقةٍ تليقُ بالله، يعرفُون أنَّ الطريقَ إلى النُّور مفروشٌ بظلالِ الخوف، والكلمةَ حين تخرجُ صادقةً تُصيبُ قلبَ القائل، ثم تذهبُ لتُقلِقَ العالم.
صرخ أبومنصورالحلَّاج وهو يسكُبُ روحه فى العبارة، والخشباتُ تُعدُّ ظلالَها، تتدرَّبُ المدنُ على نسيانِ أوليائها.
وعانق عين القضاة الهمذانى خشبتَهُ كأنها محرابٌ، كأن السُّؤالَ يُصلبُ كلَّ مرةٍ فى هيئةِ إنسان، وحين أُطفئ نور شهاب الدين السُّهروردى، صار الضوءُ يتعلّمُ كيف يهاجرُ من جسدٍ إلى جسدٍ، ومن كتابٍ إلى قلبٍ، لم يكُونوا أنبياء، لكنَّهُم حملوا عبءَ الرؤية، وكانت الرؤيةُ ثقيلةً إلى حدِّ الموت.
كانُوا يقُولون إنَّ الحقيقةَ لا تُعطى جاهزةً، لكنَّها تُكتشفُ كجرحٍ، وإنَّ المعرفةَ ليست ما نتعلَّمه، وإنما ما ندفعُ ثمنَهُ، وكان الثمنُ جسدًا يُعلّقُ على الخشب، أو اسمًا يُحرقُ فى الكُتب، أو رُوحًا تُطاردُها الفتاوى.
لم يكُن أعداؤهم دائمًا سُيُوفًا، لكنَّهُم كثيرًا ما كانوا كلمات، تلبسُ زيَّ الفقه، وتخفى فى طيّاتها خوفًا قديمًا من النور.
متَّهمون لأنَّهُم رأوا أكثر، ولأنَّهم قالوا أقلَّ مما ينبغى للسلامة، وأكثر مما يحتمله العالم.
فى كلِّ زمنٍ، كان هناك من يقفُ بين الحقيقةِ والناس، يخافُ أن تنكشفَ اللعبة، فيحوِّلُ السُّؤالَ إلى جريمةٍ، والتأمُّلَ إلى كفرٍ، والنُّورَ إلى تهمةٍ.
لكنهم لم يتراجعوا...
كانوا يعرفون أنَّ خطوةً واحدةً فى طريقِ المعنى تساوى عُمرًا كاملًا فى طريقِ السلامة، ويمشون والموتُ خلفهم، والخلودُ أمامهم، ولا يلتفتون.
هؤلاء لم يتركُوا لنا أجسادهم، وإنما تركُوا أسئلةً مفتوحةً، ونوافذَ لا تُغلق، وجراحًا تُضىء.
فى كتبهم القليلة وقد نجت من الحريق، وفى أسمائهم وقد غيَّرتها اللغاتُ، يتوهج أثرهم خفيفًا كالنُّور عميقًا كالألم.
لم يموتوا، لكنَّهُم تحوَّلوا إلى طريقةٍ فى النظر، إلى قلقٍ نبيلٍ، وشغفٍ لا يهدأ، وكلما قرأناهم شعرنا بأنَّ العالمَ ما زال فى بدايته، وأنَّ الحقيقة ما زالت تُولد.
هذا الكتاب ليس رثاءً لهم، إنَّهُ محاولةٌ للسيرِ معهم قليلًا، للاقترابِ من تلك اللحظة التى قرَّروا فيها أن يقولوا «نعم» للحقيقة و«لا» للخوف. إنه كتابٌ عن الذين خسروا حياتهم وربحوا المعنى، الذين سقطوا من أجل أن نقفَ، وصمتُوا كى نتكلَّمَ، إنه عن الدم حين يصيرُ حبرًا، والحبرِ حين يصيرُ طريقًا.
فإذا قرأتَ فلا تبحثْ عن نهاياتهم، بل عن بداياتكَ أنتَ، لأنهم لم يمُوتُوا ليرووا، بل ليوقظوا فينا ما لم يولد بعد.
هذا كتابٌ شعرىّ يخرج من تخُوم الذاكرة لا بوصفه مشروعًا أدبيًّا فحسب، وإنَّما بوصفه محاولةً لإعادة الاعتبار إلى أولئك الذين حملوا المعنى، كأنهم يحملون جرحًا مفتوحًا فى التاريخ، أولئك الذين عاشوا للسُّؤال أكثر مما عاشوا للنجاة، وفتحوا أرواحهم للحُرية حتى حين أُغلقت أمامهم أبوابها بالسُّيوف والفتاوى والاتهامات.
هو كتابٌ يحاول تخليد عشرين شخصيةً عربيةً وإسلاميةً من الشُّعراء والمتصوفة والفلاسفة، من عصورٍ مُتباعدةٍ وأمكنةٍ متفرقةٍ، جمعهم شىءٌ واحد هو أنهم لم يقبلوا أن يكونوا ظلالًا فى حضرة السُّلطان، ولم يساوموا على نُورهم الباطنى، فكان الثمن أن قُطِّعتْ أعناقُهم، وأُحرقتْ كُتبهم، وسُلختْ جلودُهُم، وأُلقى ببعضهم فى النسيان كما أُلقِى جسدٌ بلا اسمٍ.
هؤلاء الذين ترد أسماؤهم هنا ليسوا شخصياتٍ تاريخية، بل علاماتُ طريقٍ طويلٍ من الألم والمعرفةِ، من ابن المقفَّع الذى دفع حياته ثمنًا لكلمةٍ لم تُعجب السلطة، إلى ابن مُقلة الذى صار خَطُّهُ الجميلُ شاهدًا على يدٍ قُطعت، لا لأنها أخطأت فى الكتابةِ، بل لأنها أبدعت أكثر مما يحتمله الخوفُ، وبينهما ومن حولهما تمتد سيرةُ قتلى المعنى، أولئك الذين لم يُقتلوا لأنَّهم حملوا سلاحًا، بل لأنهم حملوا فكرةً، ولم يُعذَّبوا لأنهم خانُوا وطنًا، بل لأنَّهم لم يخونُوا سؤالهم.
فى هذا الكتاب، لا يظهر التاريخ كما يُكتب فى دفاتر المؤرِّخين، وإنَّما أستعيدُه كما يُستعاد فى الحلم مشهدٌ مشبعٌ بالدم والنور معًا، حيث تختلط الحكمةُ بالرَّماد، ويقف الجسدُ على حافة الفكرة.
هؤلاء الذين أكتبُ عنهم ليسوا أمواتًا، بل لهم حضُورٌ مستمرٌّ فى ضمير الكتابة، كأنهم لم يغادروا العالم ولكنَّهُم تحوَّلوا إلى لغةٍ تتنفَّس فينا. لقد صاروا شيوخِى بالمعنى العميق للكلمة، لا لأنهم علَّمونى كيف أكتبُ، وإنَّما لأنهم علَّمونى كيف يكون للكلمة ثمن، وكيف يمكن للحرف أن يكون قدرًا.
ومنذ عامىْ ٢٠٠٣ و٢٠٠٦، ومنذ أن صُفعتُ بتكفيرٍ أزهرِى مرتين بسبب كتابى «الوصايا فى عشق النساء» بجزءيه، أدركتُ أن الكتابة ليست حرفةً بريئةً، وأنَّ الشِّعر ليس زينةً لُغوية، لكنَّهُ موقفٌ من العالم، وأن من يقتربُ من المعنى، يقتربُ من الخطر أيضًا.
كان ذلك التكفير علامةً فارقةً، لا بوصفه إدانةً شخصيةً، بل بوصفه كشفًا عن طبيعةِ العلاقة بين السُّلطة والمعنى، بين المؤسَّسة التى تريد نصًّا مُطيعًا، والرُّوح التى لا تقبل أن تُروَّض.
لهذا جاء هذا الكتاب امتدادًا لما سبق، لكنَّه فى الوقت ذاته انزياحٌ عنه، لقد كتبتُ عن هؤلاء فى كتبٍ نثريةٍ سابقةٍ لى، لكنَّنى هذه المرة قررتُ أن أستعيدَهم فى شكلٍ آخر.
فى هذا الكتاب، أقتربُ منهم لا بوصفهم رموزًا مكتملة، بل بوصفهم جراحًا ما زالت تنزفُ فى اللغة، أكتبُهُم كما لو أننى أستعيدُ أصواتهم لا سيرتهم فقط، وأحاول أن أجعلَ الشِّعْر مساحةً للنجاة الرمزية، لا من الموت، وإنَّما من التفسيرِ القاتل الذى يُفرغهم من توترهم الإنسانى، فهؤلاء لم يكونُوا قديسين، بل بشرًا دفعوا ثمن أن يكونوا أوسعَ من أزمانهم.
إنهُ كتابٌ عن الذين خسروا حياتَهم وربحُوا المعنى، عن الذين ظنّوا أنَّ النارَ قادرةٌ على إنهاء الفكرة، لكنها لم تفعل سوى أن جعلتها أكثر توهجًا، وبهذا يخرج الكتاب من كونه رثاءً لهم، ليصير استدعاءً لهم، كأننى أفتح لهم بابًا فى اللغة كى يدخلوا منه من جديدٍ، لا كأشباحٍ، بل كأصواتٍ لا تزالُ قادرةً على مُساءلة العالم.
وهكذا تصير الكتابة محاولة ضد النسيان، والصَّمت الذى تفرضه السلطةُ حين تظنُّ أنها انتصرت، وهو أيضًا، فى جوهره، احتفاءٌ بمن جعلوا من حياتهم سُؤالًا مفتوحًا، وبمن اختاروا أن يكُونوا على الجانب الأكثر خطورةً من الحقيقة، جانب الحرية.







