السبت 19 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مازيراتى – الإخوة.. فيلم جديد وقصة صعود علامة تجارية تاريخية

حرف

- خمسة إخوة وورشة عمل فى «بولونيا» وحلم بدا بعيد المنال باقتحام عالم السيارات بآلات مصنوعة يدويًا

- الإعلان الترويجى يجمع كل عناصر التشويق والجاذبية.. وهوبكنز وأل باتشينو وجيسكا ألبا كلمة السر

منذ اللحظة الأولى لصدور الإعلان الترويجى الأول لفيلم «مازيراتى.. الإخوة»، تصدرت أخباره وتفاصيل رحلة تصويره والإعداد له وسائل الإعلام العالمية، وتحولت إليه أنظار صناع السينما حول العالم فى انتظار هذه التحفة المتوقع عرضها فى إيطاليا منتصف أكتوبر المقبل، خصوصًا مع وجود عدد من كبار نجوم التمثيل، بداية من السير أنتونى هوبكنز، الذى لم تمض أسابيع على إصدار أول ألبوم موسيقى من تأليفه، يرافقه الأب الروحى أل باتشينو، وخليفته فى الثلاثية الكبرى آندى جارسيا، والنجمة جسيكا ألبا، إلى جانب قصة الفيلم نفسها، والتى تحمل الكثير من عناصر التشويق والجاذبية باعتبارها تحكى كواليس رحلة إنشاء وصعود واحدة من كبرى شركات السيارات الإيطالية العائلية، حتى إن عددًا من المجلات الفنية المتخصصة اتفقت على أن عنوان «مازيراتى» وطاقم التمثيل وحدهما كافيان لجذب هذه الحالة من الاهتمام العالمى.

فمع انتقال سباقات السيارات من مضمارها التقليدى إلى شاشات السينما العالمية، والنجاح الذى رافق سلسلة من الأفلام العالمية التى تم إنتاجها خلال سنوات قليلة عن عالم سيارات السباق الفاخرة، بداية من «فورد ضد فيرارى» الذى صدر عام 2019 للنجمين مات ديمون وكريستيان بال، والمخرج جيمس مانجولد، والذى تم ترشيحه لنحو 86 جائزة، فاز منها بـ26، وما تبعه من أفلام تحكى قصصًا ملهمة، ها نحن نصل إلى محطة «مازيراتى» الأكثر قِدمًا، وهو الفيلم الذى يمكن اعتباره بمثابة الجزء الثالث من ثلاثية السيارات الإيطالية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا، فمنتج الفيلم الجديد هو الإيطالى أندريا إيرفولينو، منتج فيلمى السيرة الذاتية لعلامتى «فيرارى» 2023، و«لامبورجينى.. الرجل وراء الأسطورة» 2022، والذى يستعد لتقديم فيلم رابع عن قصة حياة إيتورى بوجاتى، وخامس عن أسطورة سباقات السيارات «فورمولا 1» النيوزيلاندى بروس ماكلارين، كما أنه من إخراج بوبى موريسكو، مخرج فيلم «لامبورجينى.. الرجل وراء الأسطورة»، فيما تولى مايكل مان إخراج فيلم «فيرارى».

افتراض الأجندات والاستنتاجات الملتبسة

المنتج أندريا إيرفولينو، وهو إيطالى كندى من أبرز مخرجى الأفلام المستقلة فى هوليوود، لم يخف شغفه بالسينما الإيطالية، وحرصه على توسيع حضورها عالميًا، وأكد فى بيان رافق الكشف عن الإعلان الترويجى الأول للفيلم التزامه بدعم الممثلين الإيطاليين عالميًا، وقال: «لهذا كان اختيار ميشيل مورونى، نجم فيلم «٣٦٥ يومًا»، للقيام بدور ألفيرى مازيراتى، العضو المؤسس للشركة التى تأسست عام ١٩١٤، والذى انضم إليه لاحقًا إخوته بيندو وإيتورى وإرنستو.

فمن خلال رعاية هذه الموهبة، يمكننا تسريع تدويل السينما الإيطالية، وتحويلها فى نهاية المطاف إلى صناعة حقيقية تحظى باعتراف عالمى».

وأضاف إيرفولينو: «هو شعورٌ مُلهم، لكن الفرضية تبدو مُبهمة بعض الشىء، فالسينما الإيطالية بالفعل صناعة حقيقية، وتحظى باعتراف عالمى، ولطالما كانت، ولا تزال، مرجعًا أساسيًا لصنّاع الأفلام وعشاق السينما فى جميع أنحاء العالم، إذ يتم استهلاكها دوليًا منذ عقود، بفضل دورها فى حركة الواقعية الجديدة، ومخرجيها الكبار مثل فيلينى، أو عبر نجومها العالميين مثل صوفيا لورين، وغيرهما، ناهيك عن النفوذ الإيطالى الأمريكى داخل ستوديوهات هوليوود، وربما يكون هذا الإرث تحديدًا هو ما يُثقل كاهل إيطاليا، ويدفعها للحفاظ على نفوذها التاريخى».

إيرفولينو، الذى سبق أن عمل مع أل باتشينو فى فيلم «تاجر البندقية»، أشار إلى دراسة للمعهد الإيطالى الأمريكى حول صورة الإيطاليين فى السينما الأمريكية، تناولت أكثر من ١٥٠٠ فيلمًا خلال مائة سنة، من ١٩١٤ إلى ٢٠١٤، وخلصت إلى أن ٦٨.٥٪ من هذه الأفلام اتخذت موقفًا سلبيًا تجاه الإيطاليين الأمريكيين والثقافة الإيطالية عمومًا، وقال: «إنها معلومات مثيرة للاهتمام ومفيدة إلى حد ما، لكنها لا تخلو تمامًا من التحيز.. ولكن افتراض وجود أجندة واعية أو غير واعية ضد الإيطاليين، أو أى فئة أخرى، قد يؤدى إلى استنتاجات ملتبسة حول الفن الإيطالى والقائمين عليه، وبدلًا من ذلك، نحتاج إلى ممولين ومنتجين جريئين ليقدموا قصصًا هادفة عن إيطاليا وشعبها، والأفضل من ذلك، دون محاولة تدويل منتج قيم بالفعل، إذا أردنا صناعة سينمائية إيطالية أكبر، فلماذا لا نستثمر بالدرجة الأولى فى المواهب والقصص الإيطالية؟ لم يكن معيار «صُنع فى إيطاليا» يومًا ما يُرضى المستهلكين العالميين، بل كان دائمًا يتمحور حول الجودة العالية والإتقان.. هذه هى الخطوة الأولى».

ويضيف إيرفولينو: «كانت إيطاليا، ولا تزال، بمثابة وادى السيليكون لصناعة السيارات، هنا تجد «مازيراتى»، «لامبورجينى»، «فيرارى»، «ألفا روميو»، «لانشيا».. وإذا سافرت بالسيارة من بولونيا إلى ميلانو، ستجد هذه الشركات جميعها هنا.. فى ذلك الوقت، كان كل منها يحلم بأسرع سيارة، السيارة الأولى، السيارة الأكثر فخامة، لكن قليلون يعرفون التاريخ الذى يقف وراءها، فوراء هذا الإرث كان هناك شخص حالم أو رجال حالمون، لذا فإن هذه النوعية من الأفلام مصدر إلهام كبير، حتى علامة «بوجاتى»، صحيح أنها شركة فرنسية، لكن مؤسسها إيتورى ولد فى ميلانو لأبوين إيطاليين، لذا يحق لإيطاليا أن تفخر بإنجازاته».

هل تستحق قصة «مازيراتى» أن تروى سينمائيًا؟

ربما لا تكون قصة الإخوة مازيراتى فى شهرة قصة إنزو فيرارى الذى شاهدناه وهو يصارع مشاكله الشخصية ورغبته الجامحة فى الفوز بسباق «ميلى ميليا» مهما كلف الأمر، أو فيروتشيو لامبورجينى، على اعتبار أن عائلة مازيراتى أقدم منهما بعقود، إلا أن تأثيرها على صناعة السيارات الإيطالية هو الأكبر بلا منازع، على الأقل فى بداياتها.. فالمعروف أن مازيراتى من أوائل العلامات التجارية الإيطالية فى مجال السيارات عالية الأداء، لم يسبقها فى القدم سوى «ألفا روميو» بفارق سنوات قليلة، إضافة إلى أنه لولا مازيراتى، لما كان خوان مانويل فانجيو، سائق السباقات الماهر، بطلًا للكثيرين، فهى العلامة التجارية الإيطالية الوحيدة التى فازت بسباق «إنديانا بولس ٥٠٠»، بل وفعلتها لمرتين متتاليتين، عامى ١٩٣٩ و١٩٤٠، ولهذا فإن أى محب للسيارات يمكنه أن يقدر قصة عن تاريخها.. خمسة إخوة، وورشة عمل فى «بولونيا»، وحلم بدا بعيد المنال باقتحام عالم السيارات بآلات مصنوعة يدويًا.

فمع أن عائلة مازيراتى كانت تضم سبعة أشقاء، إلا أن خمسة منهم فقط دخلوا مجال صناعة السيارات، توفى أحدهم فى عمر السنة، بينما أصبح شقيقهم الآخر، كارلو، رسامًا، وتوفى عام ١٩١٠، قبل تأسيس الشركة، ولهذا فإنه لم يصنع سيارة قط، بل كان رسام العائلة، وهو من رسم علامة «الرمح الثلاثى» الذى لا يزال يزين كل سيارة «مازيراتى»، والمستوحى من تمثال نبتون فى الساحة الرئيسية للمدينة، وبدأ الأمر ببناء سيارات سباق الجائزة الكبرى لشركة «دياتو»، ثم انطلقوا بمشروعهم الخاص تحت اسم «مازيراتى».

يتناول الفيلم قصة العائلة التى تقف وراء سيارة «مازيراتى» الرياضية الفاخرة عالية الأداء، والتى ربما تكون الأقل شهرة بين منافسيها من العلامات التجارية مثل «جاكوار» و«أستون مارتن» و«بورش» و«أودى» و«مرسيدس»، ويؤدى أنتونى هوبكنز وأل باتشينو أدوار ممولين ومستثمرين فى الشركة، كما يؤدى آندى جارسيا وجسيكا ألبا أدوارًا مهمة، أما الإخوة مازيراتى، فيؤدى أدوارهم خمسة ممثلين اشتهروا فى السينما الإيطالية، وفى مقدمتهم ميشيل مورونى، ولورينزو دو مور، وسلفاتورى إسبوزيتو، وماتيو باسى، الذين يؤدون أدوار ألفيرى، وكارلو، وبيندو، وإيتورى على التوالى، بينما يؤدى ليو فيرارى دور الأخ إرنستو مازيراتى، وهو بالمناسبة ليس من عائلة «فيرارى» الشهيرة لصناعة السيارات، لكن الأمر لا يخلو من المفارقة.

قليل من اللكنة يكفى هنا.. المبالغة تجعلك كالببغاء

من المفارقات المثيرة للاهتمام أن النجم أنتونى هوبكنز جامع سيارات شغوف، يمتلك مجموعة من السيارات الكلاسيكية التى اشترى بعضها من مواقع تصوير أفلام مختلفة خلال مسيرته المهنية، مثل سيارة أستون مارتن DB٥ موديل ١٩٦٥، التى ظهرت فى فيلم جيمس بوند «كرة الرعد»، والأهم أن أسطورة التمثيل الويلزى يمتلك أيضًا أحد أبرز طرازات «مازيراتى»، وهى «مازيراتى كواتروبورتى ٢٠١٠»، وقال منتج الفيلم عنه: «إنه منخرط فنيًا بشكل كبير فى هذا الفيلم، عمل كثيرًا على السيناريو، كما قام بتغيير بعض حواراته بنفسه لإيصال رسالة أفضل، لذا فهو يهتم بهذا الفيلم حقًا، أحيانًا عندما تعمل مع نجم كبير، لا يهتم إلا بالأجر، لكن هذا ليس هو الحال هنا.. أنتونى فنان مذهل حقًا، وهو يلعب دورًا مهمًا جدًا فى الفيلم، لأنه فى ذلك الوقت، كان بإمكانك أن تحلم، لكنك كنت بحاجة إلى إيجاد أشخاص يملكون المال، وهو ما كان صعبًا للغاية وقتها لأن القطاع المالى لم يكن متطورًا كما هو اليوم».

وعلى الرغم من أن هوبكنز يؤدى دور شخصية إيطالية، فإنه لا يتحدث بلكنة إيطالية، وقال إيرفولينو عن هذه الجزئية: «أعتقد أن تقليد اللكنة مشكلة بحد ذاتها، ما فعلوه فى فيلم «جوتشى» على سبيل المثال، كان مبالغًا فيه.. إذا أردتَ أن ترى الإيطاليين الحقيقيين، فمن الأفضل تصوير فيلم باللغة الإيطالية، لماذا تحتاج إلى تقليد لكنة مع هذا المستوى من الفنانين؟ القليل مقبول، لكن المبالغة تجعلك كالببغاء. وهذا فيلم جاد».

يظهر هوبكنز بدور داعم إيطالى مبكر للإخوة مازيراتى هو لوكا أنتونيلى، ويؤدى أل باتشينو دور رجل الأعمال فينتشنزو فاكارو، وهو مستثمر إيطالى أمريكى ثرى مبكر فى العلامة التجارية، بينما يؤدى آندى جارسيا دور السيد روسينى، أحد الشركاء، وتؤدى جسيكا ألبا دور ساندرا، حبيبة كارلو مازيراتى، ما يعنى أن الأربعة الذين تظهر أسماؤهم على الملصق، يؤدون أدوار المال والرومانسية، أما الإخوة أنفسهم، فيؤدى أدوارهم طاقم تمثيلى إيطالى فى معظمه، ويرى متابعون أنه هيكل مدروس، وليس وليد الصدفة، فالأسماء التى تروج للملصق تدور حول القصة بدلًا من أن تكون محورها، بما يعنى أن السيناريو يبنى ثقله العاطفى حول المرشدين والداعمين والمنافسين بدلًا من الإخوة المذكورين فى العنوان.. وقد ينجح هذا الأسلوب.

على الجانب الآخر يرى المحرر الفنى لمجلة «أوتونيكست» أن اختيار الممثلين يشير إلى ما يُريد الفيلم تقديمه، فتوظيف هوبكنز وباتشينو فى أدوار الممولين لن ينتج فيلمًا عن الإخوة مازيراتى، بل عن فكرة الطموح الإيطالى، بينما تظل قصة الإخوة مجرد خلفية، وهذا تحديدًا ما قدمه فيلم «لامبورجينى»، ولهذا طواه النسيان فى غضون شهر، وهذا مؤسف، لأن الحقيقة هنا أروع من أى خيال قد يبتكره كاتب، مؤسس راحل، وأخ رسام منح الشركة هويتها، وسيارة من جراج صغير فى «بولونيا» دخلت «إنديانابوليس»، وهزمت أمريكا مرتين، لقد اكتسب شعار الرمح الثلاثى قصته الدرامية بصعوبة بالغة، ويجب على أحدهم أن يثق بها.

هنا كل ما يتمناه الجمهور

يحتوى الإعلان الترويجى للفيلم على كل ما يتمناه جمهور السينما، قصة عائلية، نظرات مؤثرة، هتافات، موت، قبلات تحت المطر.. وبالطبع هناك مشاهد قيادة سريعة لسيارات ما قبل الحرب ذات العجلات المكشوفة، مع حوادث طرق، وانفجارات إطارات تتطاير هنا وهناك.. وبعدد كبير ومثير للغاية، كما تم تصوير الفيلم فى مدينتى «مودينا» و«بولونيا»، حيث يكمن جوهر الفيلم التاريخى الذى يتناول بولونيا عام ١٩١٤، فى أن أحدهم قد غامر ببناء المدينة بشكل متقن، بسياراتٍ حقيقية، وإضاءةٍ حقيقية، وورش عملٍ حقيقية، وأى شك فى ذلك ربما يُضعف من جاذبية الفيلم قبل بيع أول تذكرة، بينما تحتاج «مازيراتى» كشركة إلى هذا الفيلم أكثر من أى وقت مضى، ولهذا فتوقيت التفكير فيه، إما موفقًا أو ذكيًا، إذ أمضت الشركة العامين الماضيين فى وضعٍ يصعب على معظم العلامات التجارية التعافى منه، بعدما انخفض إنتاجها من حوالى ٤٩ ألف سيارة سنويًا إلى ١١ ألف سيارة فقط، ولهذا فإنها تحتاج تحديدًا إلى استعادة قيمة علامتها التجارية، وإرثها التاريخى خارج دائرة عشاق السيارات، وجمهور السينما أكبر من أى معرض سيارات فى العالم، وصناعة فيلم جيد الصنع يعزز هذا الإرث أكثر من إصدار خاص آخر، ولهذا صنعت نحو ستين سيارة خصيصًا للفيلم، بتصميمات تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى فى ورشة معتمدة من قبل «مازيراتى»، حافظت على أصلية التصميم الخارجى، مع تعديلات تخص محركاتها لتلبية المعايير الحديثة، مع إعادة إنتاج الأصوات الأصلية، وباستثمار ضخم ضمن ميزانية تجاوزت ٩٠ مليون جنيه إسترلينى، وهو مبلغ يفوق بكثير ميزانية معظم الأفلام المستقلة.

حصلت شركة «ماجنتا لايت ستوديوز» على حقوق عرض الفيلم فى الولايات المتحدة، حيث من المقرر عرضه خلال فصل الخريف، وتشمل الخطة البدء بأكثر من ألفى دار عرض فى أمريكا وكندا، وأكثر من ٤٥٠ دار عرض فى إيطاليا وإسبانيا.