بائع الثلج.. اختفاء دباديب كاظم الساهر
- كاظم الساهر عاد بـ18 أغنية ساخنة لكنها لم تعد
قبل الثورة بقليل
فى ١٤ يوليو ١٩٥٨.. صحى العراق على تاريخ جديد.. غادر الملك.. وغادرت الملكية وجاءت جمهورية جديدة.. قبل ذلك التاريخ بقليل وبالتحديد فى الثانى عشر من سبتمبر ١٩٥٧ جاء الدنيا طفل فقير أسماه والده «كاظم» لينضم إلى ستة إخوة يعولهم العم «جبار» الرجل السنى «القادم من سامراء» إلى الموصل.. الرجل السنى الذى تزوج من امرأة شيعية من النجف.
لم تكن بلاد الرافدين وقتها هى بلاد شهريار.. ولا هى البلاد التى تمتلئ بقصور العباسيين حيث رقص الجوارى على موسيقى زرياب والموصلى.. بل كانت مثل كل بلاد العرب تنظر إلى السماء البعيدة تنتظر مطرًا يفيض على صحاريها بعد أن امتلأت أنهارها بدماء الساسة المتناحرين.
وقتها كان ناظم الغزالى «عندليب الرافدين» يحلق وحيدًا فى سماوات الغناء يغرد «فوق النخل»
«نزلت تريد الماى.. يابا نزلت تريد الماى
وجرتنى من إيدى.. وبنارها تكوى
يابا.. بنارها تكوى.. والله ما أريده»
العم جبار.. القادم من سامراء لم يكن غنيًا.. بل كان جنديًا فى الحرس الملكى العراقى.. ولم يكن الطفل كاظم بعيدًا عن عالم والده البسيط فعمل صغيرًا فى مهن صغيرة ليساعد أهله مثل إخوته.. عمل بائعًا للكتب والثلج لكنه كان مهمومًا بالغناء فقادته قدماه وعناده إلى معهد الموسيقى ليدرس الموسيقى إلى جانب دراسته التاريخ.
التاريخ والموسيقى لا ينفصلان.. وكلاهما كان أول ما تعلمه الساهر وعلمه، حيث عمل فى بداية حياته مدرسًا للتاريخ، لكنه لم يستمر فقد ندهته نداهة الغناء ليصدر أول ألبوماته شجرة الزيتون.. فى عام ١٩٨٤.. ليغادر الفتى الذى عاش مع إخوته السبعة فى بيت لا يزيد على ٥٧ مترًا إلى «البراح».
وجده كان يعرف أن هذه المساحة الضيقة المسورة بالطوب اللبن لن تستطيع معاندته فراح يكسر حدود الاسم ويغير اسمه من «كاظم جبار» إلى «كاظم الساهر».. ومن بغداد إلى كل عوالم العالم وأهمها «القاهرة».


قدم الساهر فى مسيرته ٢٦ ألبومًا آخرها بلا عنوان، الذى ضم ١٨ أغنية جديدة تحمل ملامح تجربته الممتدة، لكنها لم تحقق له نفس النجاح المعتاد بعد أن تغير مزاج السامعين ورغم احتفاظه بتفاصيل تجاربه السابقة موسيقيًا، إلا أن حفلاته التى كانت تحظى بأكبر كم من «الدباديب» لم تعد تحظى بذلك القدر من «الاحتفاء» فهل اختلفت معايير التلقى ولم يعد الساهر عندليب السهرات المفتوحة فى القاهرة وغيرها من العواصم.
٤٥ عامًا من الغناء بالتمام والكمال.. غنى فيها الرجل فى معظم أرجاء البسيطة حاملًا رسالة الرافدين كثالث «صوت» حمل «مقامات» العراق الخاصة وإيقاعاتها المتفردة بعد سعدون جابر والغزالى.. متفردًا عنهما بأنه أحد القلائل الذين أعادوا تقديم القصيدة العربية إلى مستهلكى الموسيقى والغناء فى عالمنا العربى.


قبل أن يغادر كاظم العراق.. كان قد أصبح نجمًا.. هذه ليست مبالغة.. بدايته البسيطة من خلال أحد برامج المواهب الذى قدمه من خلاله الموسيقار فاروق هلال بأغنية ناظم الغزالى «طالعة من بيت أبوها رايحة بيت الجيران».. منحته حضورًا مميزًا ولقبًا صاحبه لفترة.. «خليف الغزالى».. وقتها كان سعدون جابر الذى حصل على لقب سفير الغناء العراقى قد التقى بليغ حمدى وقدم له الأخير ألبومًا رائعًا اشتهرت أغنياته بشكل خرافى.. «أريدك» و«قولوله الأول».. «رحنا الله رحنا» و«مشوارك حبيبى أبد»..
تسلم بليغ حنجرة سعدون «المميزة» المجروحة كأنها أرغول صعيدى وحول كلمات «كريم العراقى» إلى رسائل شجن على إيقاعات عراقية ومصرية.. وكأنه كان يريد مزج مياه الرافدين بمياه النيل.
هذه الأغنيات سجلت بين القاهرة وبغداد فيما بين عامى ١٩٨٢ و١٩٨٦.. وبينهما أصدر الساهر ألبومه الأول.. فى تلك الفترة كانت موجات من فقراء الصعيد والدلتا تنطلق إلى بغداد لتمتلئ المزارع والشوارع والأحواش بالجلاليب الصعيدية ولهجة القهوة المحببة لأهل بغداد.
هؤلاء المهاجرين الذين لم يجدوا غايتهم فى «انفتاح السادات» الذى وعد بتحويل القاهرة إلى «هونج كونج» فراحوا يبحثون عن فرصة بديلة فى ليبيا والعراق وهناك تلقفتهم أغنيات سعدون جابر وناظم الغزالى والوافد الجديد كاظم الساهر. وحظيت الأغنيات الشعبية للأخير بتقدير لافت فعرف المصريون فى الصعيد وريف الدلتا اسم كاظم الساهر من العائدين «بشرايط الكاسيت» والمسجلات يشغلونها لتسلية عمال البناء وهم يقيمون بيوتًا جديدة من «خير بغداد».


يرصد الباحث كرم نعمة فى كتابه «أغانى من فضة» بداية الساهر، فيؤكد أنه «جاء فى مرحلة عصيبة من تاريخ العراق اتسمت بالحروب والحصار والاضطرابات التى كادت تغير وجه البلاد».. الباحث نفسه الذى أفاض فى دراسة تجربة الغناء العراقى فى العصر الحديث يجزم أن الساهر تحول إلى الجائزة الكبرى حيال الخسائر السياسية والاجتماعية التى توالت على العراقيين.. أراه محقًا فيما ذهب إليه فهو الوحيد الذى استطاع أن يحمل ريحة العراق فى عز الزخم الموسيقى الذى اجتاح تسعينيات القرن الماضى وجعله موجودًا وبكثافة فى راديوهات ومسارح معظم العالم العربى وفى القلب منه القاهرة.. فسابقاه ناظم الغزالى وسعدون جابر رغم تجربتهما الكبيرة والمدهشة لم يصل منها للجمهور العربى والمصرى بشكل خاص سوى شذرات.. فيما وصل معظم أغنيات الساهر منذ عام ١٩٩٥ وحتى هذه اللحظة متجاوزة كل الأشكال الموسيقية التى جاءت إلى القاهرة عبر أصوات مطربيها أو المطربين القادمين من الشام والخليج.. الذين لم يصمد أغلبهم وتوارى حضورهم فيما استمر الساهر ليغرد منفردًا تستقبله القاهرة بالورد والدباديب.


فيما حاول البعض تفسير ظاهرة «الساهر» أعادوها إلى فشل الآخرين كما هو الحال فى تفسير «سعدون جابر»، الذى ذكر فى حوار صحفى نشر فى جريدة الشرق الأوسط اللندنية أن «الساهر» فنان مهم ونشط وهو يغنى الآن مع مجموعة من العميان هو المبصر الوحيد بينهم ولهذا تميز.
لم ينكر سعدون جابر «عندليب العراق» ومطربها الأول لسنوات طويلة نجاح الساهر، لكنه أعاد سر تميزه إلى فشل الآخرين ومحدودية قدراتهم.. الساهر يذكر دومًا أن ناظم الغزالى أستاذه.. وأنه ابن تجربته فى استلهام المقامات العراقية المميزة مثل «اللامى» أو الإيقاعات العراقية البديعة مثل «الجوبى والخشابة»، لكنه لم ير فى تجربة سعدون ما يجعله أستاذًا له وإن لم يصرح بذلك.. فقد حرص الرجل طيلة مسيرته إلى البعد عن أى مهاترات تغلف سيرة الموسيقيين عادة.. لكن لماذا استمر الساهر كل هذه السنوات.. الإجابة باختصار أنه بحث عما انتقده الآخرون. اختار الطرق الوعرة لارتيادها.. وأولها التمسك بالفلكلور العراقى والتعامل معه سواء بتقديمه فى صيغته الكلاسيكية أو محاولة تطويره وتقديمه فى شكل حديث.. وربما كانت «يا ساكنة حينا» هى أول انتصاراته الشعبية فى القاهرة، رغم منع إذاعتها من قبل مسئولى رقابة الإذاعة فى قتها حيث تتحدث الأغنية عن غرام سيدة مسيحية برجل مسلم.

تجاوز الساهر ما رأته الرقابة.. وتجاوز جمهوره عن كل «التلاكيك» التى كان يمكنها أن تعوق انطلاقته.
«يا ساكنة حينا
والله قتلتينى
خافى من رب السما
وحدى لا تخلينى
انتى على دينك
وأنا على دينى
تصومى خمسينك
وأصوم ثلاثينى».
حافظ الساهر طيلة الرحلة على قواعد أساسية شكلت ملامح واضحة فى تجربته.. الفلكلور العراقى الذى يميزه.. لهجة وموسيقى وإيقاعات.. ثم الغناء بالفصحى وأخيرًا أنه الملحن الأوحد إلا قليلًا لما يعنيه.. ولم يكتف الساهر بما يقدمه لنفسه بل تجاوز ذلك إلى مطربين معروفين مثل لطيفة التى منحها ألحان ألبوم كامل ومطربة شابة مثل غادة رجب التى أهداها واحدة من أغرب ألحانه «ابعد عنى يا ابن الناس».


اختار الساهر لبومه الجديد الذى تعاون فيه مع كريم العراقى وأسعد الغريرى وبشير العبودى اسمًا دالًا «بلا عنوان».. فأيهما يقصد؟.. الألبوم الذى يضم ثمانى عشرة أغنية أم الساهر نفسه الرجل الذى يحمل جنسيته ثلاثة بلدان «قطر كندا العراق»، لكنه وحيدًا ينتقل بين شوارع العالم؟! ربما نجد الإجابة فى تفاصيل ذلك الألبوم الذى يعود صاحبه بعد غياب عامين كاملين.
الألبوم يصدر تباعًا.. وليس دفعة واحدة كما هو الحال فى ألبوماته السابقة.. وقد صدر منه حتى كتابة هذه السطور سبع أغنيات تنوعت ما بين الفصحى الصريحة واللهجة البيضاء وقد حذف الساهر إحدى أغنياته بعد إصدارها بأيام لخلاف على «حقوق الملكية الفكرية» لها، فقد سبق وأن غناها «حميد منصور» فى سبعينيات القرن الماضى.. الساهر لم يكن يعلم حسب مقربين بأنه سبق وأن غناها مطرب آخر، فقد حصل على تنازل من شاعرها بشير العبودى وقام بتلحينها وغنائها وإصدارها قبل أن يكتشف أن شاعرها باعها مرتين ليحذفها على الفور من المنصات الموسيقية.
على عكس العنوان الخادع لألبوم الساهر الجديد «بلا عنوان» يمكننى الجزم بأن العنوان الوحيد الذى يحب الساهر الإقامة فيه هو «العشق» بمعناه الأوسع.. لقد شغلت علاقة الرجل بالأنثى مساحة واسعة ليس من الألبوم الجديد فقط ولكن من يحمل مشواره.

أولى أغنيات الساهر فى تجربته الجديدة «هو انت» وفيها ملامح تجربته أكثر وضوحًا.. هو كملحن اختار مزاجًا شرقيًا بداية من المقامات التى ينتقل فيها.. وفيها وعى شديد برغبته فى دمج مقامات الشرق بالمقامات العالمية المتاحة لكل البشر.
فيما بين مقامات الكوردو النهاوند والعجم ينتقل الساهر بسهولة مارًا بإشارات مهمة تستدعى سلطنة مقامات البياتى والحجاز.
هذه القدرة على التنقل سمة أساسية فى تجربة الساهر الذى اختار هذه المرة فى هذه الأغنية بالذات أن يستخدم إيقاع الرومبا مع «الواحدة» الشرقية وباستخدام آلات شجية تتقاطع مع فريق الكمنجات مثل الناى.
الساهر وضع جملًا غير معقدة لكلمات عزيز الرسام التى يستعيد التنويع على مشاعر قديمة تستدعى معالجات سابقة مثل «لسه فاكر» لأم كلثوم على سبيل المثال لا الحصر..
«هو أنت اللى بدت
وياه قصتى
هو أنت اللى خلى
بعيونى دمعتى
هوه أنت اللى غير أحبابى عليا
هوه أنت ضيع الحب من إيديا
ها الساعة جيت بمسكنه.. وملمس حنانى
هالساعة حسيت بوجودى والحنان».

ورغم شرقية وكلاسيكية الأغنية حققت مشاهدات طيبة على «يوتيوب» تجاوزت المليونى مشاهدة فى أقل من شهر.
يمتلك الساهر قدرة كبيرة على العناد والتحدى ومفاجأة جمهوره.. بمفردات تنتمى إلى قاموس اعتاده وإن لم يعتده الآخرون كما هو الحال مع قصيدة الشاعرة «لميعه عباس» صاحبة أغنية «تدخنين» تلك التى تصور محادثة عابرة أو هو لقاء صدفة مع امرأة شرقية تعيش فى الغرب فيما يبحث هو عن هويتها «تدخن» ترقص.. إلخ، وفيها مفردات غريبة مثل «خبير النسوان» وقد شارك الساهر فى الغناء المطربة سيندى لطى وهى مطربة لبنانية اشتهرت بغناء القصائد والأغنيات الطربية لأم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وجورج وسوف وهى إحدى نجمات برنامج المسابقات الشهير «ذا فويس»، وقد سجلت سيندى الجزء الخاص بها فى استديوهات لبنان مع الموزع ميشال فاضل دون أن تلتقى الساهر، الذى ترك لها مساحة واسعة فى الأغنية بذكاء شديد
«أتدخنين.. لا
أتشربين.. لا
أترقصين.. لا
ما أنت؟!
جمع لا؟!
أنا التى ترانى.. ترانى
كل خمول الشرق فى أودانى
فما الذى يشد رجليك إلى مكانى
يا سيدى الخبير بالنسوان
إن عطاء اليوم شىء ثانى
حلق.. حلق.. فلو نزلت
لا ترانى».
القصيدة الرائعة للشاعرة لميعة.. قيل إنها كتبتها بعد لقاء عابر مع الشاعر عمر أبى ريشة فى مهرجان المربد- مهرجان شهير للشعر بالعراق- وإن الساهر احتفظ بها بصوت الشاعرة حتى صدره فى مطلع أغنيته الجديدة بصوت قبل أن تتحول قصيدتها إلى حوار مسموع بينه وبين سيندى لطى.

استخدم الساهر الفارق بين ثقافتين.. وصوتين.. رجل وأنثى بذكاء شديد، حيث قدم عالمين بعيدين فى محاولة اقتراب.. اختار أن تكون بدايته إيقاع الشاتا.. بمقام يمزج بين الشرق والغرب ومقام يجمع بين الشجن والفرح.. النهاوند.. وقبلها «كورد» على درجة «اللا».. وقد تنقل فيها إلى إيقاع المعشوم ومقام العجم وفى أماكن أخرى مقام شرقى صرف هو مقام «الرست».
باختصار قدم الساهر درسًا موسيقيًا لمن يريد تلحين «الديو».. لمن يريد معرفة الفارق بين غناء أنثى وغناء الرجل ومن يمزج بينهما.
هى مباراة موسيقية رائعة.. فهل وصلت إلى جمهور الساهر.. هل وصلت إلى جمهور الموسيقى الذى تاه مع «المهرجانات» وغيرها من أشكال موسيقية لا اسم لها ولا طعم ولا رائحة.
الساهر.. فى كل هذه التنقلات حتى داخل الأغنية الواحدة لا يزال يبحث عن «عنوانه» وسيظل هو الحائر بين «الشرق.. والغرب» بلا وطن محدد.
لم يجد الساهر بغيته بعد.. فراح يكتب أغنية «هو أنت» بنفسه وبالفصحى.. ليكشف عن جانب جديد من قدرات الساهر، فهو ليس مجرد مطرب قرر اختيار الفصحى إحدى لغات موسيقاه بل إنه يكتبها أيضًا.
«من غير موعد أتت
وبين أحضانى ارتمت
قالت عيونى ما غفت
وتأسفت.. لما جفت
كونشرتو حب عزفت
تألمت.. تعذبت.
من غير دمعة.. بكت
فلم أصدق قولها..
تضمر كيدًا.. ويلها
لا فرصة أعطى لها..
مهما تباكت.. وادعت».

يقترب الساهر كثيرًا هنا من أغنية السابقة من أشعار نزار «أكرهها»، لكن الساهر يستعرض هنا عضلاته كملحن متفرد بجملة موسيقية مرحة تتأرجح ما بين الحب والوعى.. معرفة الخديعة وقبولها فى آن واحد.
كأنها الدنيا فى صورة امرأة يفتش الساهر فى أحضانها عن عنوانه الذى لم يدركه بعد.. فهل سيظل.. أم أنه قد يغير عنوانه ليذهب خلف أغنية جديدة يبحث عنها عشاق الموسيقى من «النيل إلى الفرات».






