موسيقى العسل والشفايف.. استدعاء عوالم سيد درويش
- راهن حدوتة على «الترند» فلم تحقق أغنيته أكثر من ثلاثمائة ألف مشاهدة فى ثلاثة أيام
غادرنا سيد درويش فى مثل هذه الأيام منذ مائة عام تقريبًا. وغادرتنا «أم جميل» فى عام ١٩٦٤ ولم يبق من سيرتها، إلا أنها المطربة الملهمة التى زعمت أن فنان الشعب تزوجها عرفيًا وأنه مات مقتولًا «بالزرنيخ» على يد شاب من عائلة اسمها الجريتلى.
أم جميل.. لم يكن اسمها كذلك وقت أن كان لها شنة ورنة وأغنيات، كان اسمها «حياة صبرى» وفرضها سيد درويش على الجميع بطلة تقف أمامه فى كل مسرحياته، رافضًا استبدالها بنجمات عصرها منيرة المهدية ونعيمة المصرية وغيرهما.. اسمها الحقيقى عائشة.. ودرويش هو من منحها اسمها الفنى «حياة» ومنحها حضورًا يجعلها حاضرة وبقوة فى صيف ٢٠٢٦.

الإجابة باختصار لأن موسم الموسيقى فى بلادى يستدعيه فى كل الأحوال ونحن نبحث عن أغنية مصرية جديدة.. ألم نقل إنه «فنان الشعب» وإنه من منح موسيقانا «روحها المصرية» بعد خمسمائة سنة من التوهان فى موسيقى المماليك والأتراك وكل من مر بشوارع القاهرة من الشرق أو الغرب.. ربما يكون من المنطقى أن نستدعى من منحناه لقب المجدد كلما «ضاقت النغمة وتلاشت العبارة».. لكن استدعاءه هذه المرة لم يكن سوى بسبب أغنيته الأشهر مع «حياة صبرى» «شِفتى بتاكلنى.. أنا ف عرضك» والسر فى آخر أغنيتين لنصر محروس ومحمد منير.
فكلاهما لم يجد ما ينافس به فى سباق الموسم «المريض» سوى استدعاء طقاطيق «العوالم» مطلع عشرينيات القرن الماضى بعد أن أضافا لها توابل التوزيع الموسيقى.. والذكاء الاصطناعى أيضًا.

حفل الصيف الحالى.. بعدد كبير من الأغنيات التى يزعم أصحابها أنها «شعبية» يستوى فى ذلك ما أصدره صوت جميل وقادر مثل بهاء سلطان.. أو ما قدمه أحمد سعد بافتكاسات أطلق عليها مينى ألبومات حسب ألوان الطيف.. فهذه خمس أغنيات باسم «ألبوم النكد» وأخرى باسم «الألبوم الفرفوش» وما بين سعد وسلطان وكليهما مطرب يمتلك كل مهارات الغناء العذب جاءت عشرات الأغنيات لآخرين لسنا بغرض التوقف حيالها لأنها لا أغنيات ولا هى شعبية.
المهم.. كان ولا بد أن يبحث نصر محروس وهو أحد أهم صانعى الموسيقى فى مصر فى السنوات العشرين الأخيرة.. ولم يكتفِ بكونه منتجًا قدم عددًا لا بأس به من الأصوات المهمة فى مقدمتهم تامر حسنى وشيرين عبدالوهاب لكنه قدم نفسه منذ سنوات كمؤلف لعدد كبير من الأغنيات التى ينتجها لمطربى شركته، منها على سبيل المثال «جرح تانى» لشيرين عبد الوهاب ومن ألحان رياض الهمشرى «وتعالى أدلعك» لبهاء سلطان من ألحان عزيز الشافعى وغيرهما.
نصر.. قدم نفسه مخرجًا أيضًا فى بعض الأغنيات.. وهذا ما يعنى أنه «عنصر مؤثر فى الصناعة» التى لم يعد يمارسها كثيرون .. فيمكنك الجزم أنه ومحسن جابر وحدهما من بقيا من جيل المنتجين القدامى فى الساحة التى خلت تمامًا بعد «صرعة الإنترنت.. ونهاية عصر الكاسيت».
«محروس» الذى يقدم نفسه منتجًا ومؤلفًا لأحدث أغنيات الصيف لمطرب اسمه نبيل لم يجد خيرًا من العودة إلى طقاطيق زمن العوالم لمطربه الذى قدمه منذ عشر سنوات كاملة ونجحت له تجارب قليلة مثل «درس حياتى» و«بياع كلام» و«مش طبيعى».. فكان أن استعاد صيغة الغزل الصريح التى ابتدعها بديع خيرى فى إحدى أغنيات «العشرة الطيبة» والمعروفة باسم «على قد الليل ما يطول».
محروس كتب نصًا بسيطًا يتغزل فى محاسن الحبيبة ملمحًا إلى «حلاوة صفاتها».. بنفس أسلوب عمنا البديع بديع خيرى.. وهذه بالمناسبة ليست سبة، فقصة الغناء للشفايف قديمة وممتدة مع اختلاف شعرائها ومبدعيها.. ألم يكتب صلاح جاهين «بوسة ونمغض ويلا.. لما نبقى ملايكة بمبى».
حذفت الرقابة كلمات أغنية بديع خيرى عندما قرر مسئولو ستينيات القرن الماضى إعادة تقديم تراث سيد درويش فى «صور غنائية» واستبدلوا «شفتى بتاكلنى أنا ف عرضك» بـ«مهجتى أمانة عندك» لكن أحدًا لم يستطع حذف «بوسة سعاد حسنى» من «بمبى» وإن كانت الرقابة ذاتها قد حذفت أغنية كاملة لجاهين وسعاد لحنها بليغ حمدى باسم البوسة كانت فى سياق فيلم «خلى بالك من زوزو»، وكشف ذلك الزميل أحمد السماحى فى مقال له بالأهرام فى ٢٢ يونيو ٢٠١٨:
«أحلى كلام اللى الشفايف
بيقولوه من غير كلام
فى البوسة الكلام يتوه
ولا ملام
بوسة منى للحياة.. بوسة من قلبى وهناه.. للسما والأرض
وحبيبى الجميل
ولكل شىء صفة الحياة»
إذًا.. الحكاية مش جديدة.. وعمنا جاهين بجلالة قدره غنى للقبلات.. فهل يتساوى محروس بجاهين؟!.. فى أن نرفض كليهما.
دعنى.. لا أقترب من مساحة الرفض هذه إطلاقًا.. فتراثنا لا يخلو من الغناء للحواس جميعها بالحواس جميعها.
وكل ما أعنيه صراحة.. أننا أفلسنا فلم يعد لنا سوى العودة للتقليب فى تراث «الأسطوات والعوالم»، وليتنا أدركنا كيف نتعامل معه ونستلهمه كما فعل السابقون منا- ولنا فى بليغ حمدى ومحمود الشريف أغنيات حسنة:
«الليلة.. ليلة عسل
مع الناس العسل
خلينا ندوب فى العسل.. خلينا ندوب
وعلى شفايفك عسل..
وأنا نفسى أدوق العسل
أنا عايز أدوق»
اختصر الرجل قصته فى أنه «نفسه يدوق».. لسه يا دوب يتمنى يعنى..
ما حصلش حاجة.. ولم يصل الرجل إلى ما فعله كارم محمود مثلًا حينما غنى من ألحانه وكلمات أحمد منصور فى ستينيات القرن الماضى.. «وانتى الكاس.. وشفايفك خمرا»..
عسل نصر محروس ونبيل لم يستدعِ «حوار الشفايف» فقط.. لكنه استدعى شكلًا موسيقيًا استخدمه محمد محيى منذ سنوات عند إعادة تقديمه أحد ألحان المطرب الشعبى حفنى أحمد حسن من ألحان وتوزيع خالد عز.. استخدم محمد نبيل ما أسماه «لمسات إلكترونية» على إيقاع المقسوم المصرى.

لسنا ضد توظيف التراث.. أو إعادة اكتشافه بل ربما تكون تلك الطريقة هى واحدة من آليات المقاومة المصرية الشهيرة فى زمن «التوهة».. العودة إلى الجذور صيغة لجأ إليها الكثيرون وأولهم الشيخ محمد المسلوب.. ومن بعده محمد عثمان.. وسيد درويش وأشهرهم بالنسبة للأجيال الجديدة محمود الشريف وبليغ حمدى.
فعلها الشريف كثيرًا.. لكن من أشهر ألحانه فى ذلك السياق ما فعله فى أحد ألحانه الشهيرة «تحت الشباك» التى أعاد كثيرون غناءها فى السنوات الأخيرة وأهمهم فضل شاكر «تحت الشباك» كتبها الأسطى الكبير بديع خيرى لتكون استعراضًا يصاحب إحدى رقصات تحية كاريوكا فى فيلم «لعبة الست» بصوت «عزيز عثمان».. وكلاهما شباك الشريف وعسل نبيل يعتمد نفس الإيقاع.. إيقاع المقسوم مع اختلاف مقام محمود الشريف الذى ذهب إلى «النهاوند» مقامه الأثير فى شعبياته. بعد الشريف.. كنا على موعد مع البليغ مطلع ستينيات القرن الماضى فى أولى تجاربه مع وردة الجزائرية فى فيلم ألمظ وعبده الحامولى.. ولأن الفيلم سيرة شبه ذاتية لمطربين من زمن «الطقاطيق» كان من المنطقى أن يذهب خيال بليغ وصالح جودت إلى إحدى أغنيات تلك الفترة فاستدعيا أغنية «قبيحة فى الغزل» اسمها يا نخلتين فى العلالى.. والإشارة التى أجادها الشاعر الشعبى كانت غزلًا فى «طرح النخل اللى استوى».
والكلمات الأصلية التى استغنى عنها بليغ محتفظًا بالشكل الموسيقى والدخول فقط.
الأغنية الأصلية التى استدعاها بليغ من مقام «الهزام» وغنتها بهية المحلاوية فى أسطوانة عام ١٩٠٤ .. وكلماتها الأصلية كانت تقول:
«إن كان بدك فى إيديا
هاتلى أساور مية
أشخعلك فى الناموسية
ده احنا إنشبكنا يا سيدى سوا..
يا نخلتين فى العلالى..
طرحوا فى ليالى الهوى.. إلخ.
فى الحالتين.. كان استدعاء الشريف وبليغ للغزل الصريح ولشكل الموسيقى منطقيًا فى سياق فيلم سينمائى.. فما الذى يدفع نصر محروس إلى الأمر ذاته؟.. لا شىء.. سوى الإفلاس الذى أجبر أحد أهم نجوم الغناء فى مصر على استدعاء ذلك النوع من الغزل عبر مؤلف شاب يعتقد أنه «نمبر وان» يُدعى «حدوتة».
منير.. الذى تقبل منه «جمهورية الغناء» ما لم تقبله من غيره وتسمح له بجرأة استخدام مفردات لم يستخدمها سواه- سبق له أن استعان بتراث الجنوب عمومًا.. والنوبة بشكل خاص.. وكلاهما يزخر بغزل لا مثيل له ولا لجمالياته وتكاد تكون أغنية «نعناع الجنينة» التى حذف منير بعض مقاطعها واحدة من أشهر غزليات الغناء المصرى مجهول المؤلف.
«قالتلى بريدك يا وليد عمى
تع دوق العسل سايل على فمى»
ربما يندهش أحدكم الآن.. أليست تلك دعوة صريحة من «الأنثى» لفتاها أن يتذوق عسل شفاها.. وهو الأمر نفسه الذى أشار إليه محروس فى أغنية نبيل.. لماذا سمحنا لمنير ولا نسمح لمحروس بأنه «يدوق العسل»؟!
نعناع الجنينة نص غزلى بديع من ساسه لراسه.. هو لا يتغزل فى شفاه الفتاة فقط بل يتعداها إلى الخصر «اللى عامله منحنيات.. تنية واتنين تلاتة.. أربع خمس تنيات».
الفارق بين جماليات «النص».. واستخدامه وموقعه... من منازلة «الحس» ومغازلة المشاعر.. لا عوار فى الاستخدام .. لكن فى الاستسهال.. وهو فارق «الصفة» بين شاعر وآخر.
وقد سبق أن أصدر منير منذ سنوات ألبومًا اسمه «أحمر شفايف» وكتب أمير طعيمة أغنيته الرئيسية وهى لا تختلف كثيرًا عما كتبه «حدوتة».. كلاهما افتقد لصفة الشاعر الشعبى المجهول فلم يحقق لمنير ما أراد.
راهن حدوتة على «الترند» فلم تحقق أغنيته أكثر من ثلاثمائة ألف مشاهدة فى ثلاثة أيام .. وهو رقم ضعيف بالنسبة «لجيش المنايرة».. أما الأهم فالرجل الذى يملك رصيدًا لأكبر شعراء مصر والذى سبق له أن غنى «الكلمة إيد.. الكلمة رجل.. الكلمة باب.. الكلمة نجمة كهربية.. فى السحاب».. هو نفسه الرجل الذى سقط فى فخ حدوتة وتركيباته السطحية سواء وهو يمتدح «شفايف أنثاه» ويخلط بين المفرد والجمع فى إشارة واضحة إلى اقتصاد أبسط معارف ومهارات «اللغة».
حدوتة.. لن يكون.. نهاية حدوتة.. الغناء للشفايف.. ولن تكون نهاية حدوتة «منير»..
«شايف رسم الشفايف
وشعرك سايح على الكتاف
سامع عنك وعارف
بس اللى سمعوا
غير اللى شاف».






