الأربعاء 02 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

المجد واللعنة.. كيف خان نجيب محفوظ «أولاد حارتنا»؟

حرف

-  رضخ نجيب محفوظ لرغبة الرقيب فى عدم نشر روايته فى كتاب داخل مصر

- لم يكن موافقًا على طباعة «أولاد حارتنا» فى كتاب لا داخل مصر ولا خارجها

- التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ فى مجتمع يجل الدين بطبيعته

- المؤكد أن عبدالناصر تدخل لمنع نشر الرواية فى كتاب حتى لا تزيد المشاكل

- تواطأ نجيب محفوظ مع جمال عبدالناصر والمحيطين به ومن بينهم محمد حسنين هيكل على أن تكون الرواية موجهة للدين وليس لهم 

- خطف نجيب محفوظ روايته «أولاد حارتنا» من السياسى عن عمد، وألقى بها فى حجر الدين

- ظهرت رواية «أولاد حارتنا» فى كتاب داخل مصر بداية من عام 2006 بعد ما يقرب من 45 عامًا على مصادرتها

- كانت لدى نجيب أكثر من فرصة إذن لنشر الرواية لكنه كان متمسكًا بشرطه ألا تصدر إلا بموافقة الأزهر

كان علاء الشامى قد سبقنى إلى كلية الإعلام. 

تزاملنا كتفًا بكتف فى رحلتنا لحفظ القرآن فى كتاب الشيخ عبدالجواد غلوش، انحاز قليلًا إلى صفوف السلفيين ثم تحرر منهم، وبقيت أنا- وطوال حياتى- فى المنطقة الوسط، لا أتعصب ولا أتهاون. 

كنت أجاهد فى الثانوية العامة للحاق به فى كلية الإعلام، وفى واحدة من إجازاته التى تزامنت مع عيد الأضحى، جلسنا نتحدث. 

لأول مرة سمعت منه اسم الدكتور سليمان العطار الذى كان يدرس مادة الأدب العربى فى السنة الأولى لطلاب الكلية، وقد تتلمذت عليه بعد ذلك. 

كان ما قاله علاء عن العطار حقيقيًا، فقد كان أستاذًا ومترجمًا ومعلمًا وفيلسوفًا، فتح لنا الباب للتفكير بحرية، لم أشعر أنه مجرد «خوجة» مثل الآخرين. 

حدثنى علاء عن عشق سليمان العطار لنجيب محفوظ، وجاء عرضا على أن الدكتور سليمان قام بتصوير عدة نسخ من رواية «أولاد حارتنا» ومنحها لمن يريد قراءتها، وكان علاء واحدًا منهم. 

كانت «أولاد حارتنا» فى هذا الوقت بالنسبة لى مثل الأسطورة المخفية، سمعت عنها كثيرًا، وقرأت كلامًا كثيرًا تناولها بالنقد فى كتابات الإسلاميين التى كنت غارقًا فيها حتى أذنى خلال تلك الفترة، ورغم الانتقادات الكثيرة الموجهة إليها، إلا أننى كنت أشعر أنها لا يمكن أن تكون كذلك، ومبررى فى ذلك أن نجيب محفوظ لا يمكن أن يكون هو الرجل الذى يتحدث عنه الإسلاميون، كنت أعرفه من وقتها من صوره فقط، ورسمت له صورة الرجل الطيب الزاهد الذى لا يمكن أن يقترف إثمًا فى حق أحد، فما بالى وهم يقولون إنه ارتكب الإثم فى حق الله ورسله

طلبت النسخة من علاء، تمنع فى البداية، تمنع من يملك كنزًَا لا يريد التفريط فيه، وعدته أن أعيدها إليه فى اليوم التالى، بعد أن أكون قرأتها، سخر منى فالرواية كبيرة، ولا يمكن أن أنتهى منها فى يوم واحد، لكننى كنت واثقًا أننى أستطيع ذلك. 

بعد دقائق كانت رواية «أولاد حارتنا» بين يدى. 

أخذتها منه بلهفة شديدة، انتهينا من صلاة العشاء، وكنت أضع الرواية أمامى وأنا أصلى، فقد حرصت عليها حرص من فاز بجائزة لا مثيل لها. 

دخلت حجرتى فى أول الليل، وكنا يوم وقفة العيد، أتيت بجهاز الكاسيت الصغير الذى كان ملاذى فى الليالى الطويلة، وضعت فيه شريط أغنية «القلب يعشق كل جميل» التى كتبها بيرم التونسى ولحنها رياض السنباطى وغنتها أم كلثوم، وفتحت الرواية على صوت الست وهى تشدو: «القلب يعشق كل جميل/ وياما شفتى جمال يا عين»، وكلما انتهت الأغنية بدأتها من جديد وأنا أقلب صفحات الرواية، ولم أشعر إلا وأذان الفجر يقتحمنا نحن الثلاثة نجيب محفوظ وأم كلثوم.. وأنا. 

فى صباح يوم العيد أعدت الرواية مرة أخرى إلى علاء، ولما سألنى عن رأيى فيما قرأت، قلت له: هذا ليس أدبًا.. هذا وحى من الله. 

تعجب علاء من كلمتى، قرأت فى نظرته شعورًا بأننى لست طبيعيًا، فأى وحى هذا الذى أتحدث عنه، فقلت له: أليس الإلهام هو نوع من الوحى يخص الله به عباده، ما قرأته ليس إلا إلهامًا قذفه الله فى قلب نجيب محفوظ.. هذا الإبداع أكبر دليل على وجود الله.

منذ هذه الليلة تربطنى بـ«أولاد حارتنا» علاقة خاصة، فرغم أننى قرأت كل ما كتبه نجيب محفوظ، وقرأت لغيره كثيرًا، إلا أننى لم أجد ما فعله فيها لا عنده ولا عند أحد غيره. 

وبدأت من يومها أجمع ضمن أرشيفى كل ما قاله نجيب محفوظ عن روايته، وكل ما كتبه الآخرون عنها، وكلما تراكم الأرشيف لدىّ كنت أرى أن أحدًا لم يستطع أن يحيط بهذه الرواية وأسرارها، لكننى خلصت إلى نتيجة خاصة بى وهى أن «أولاد حارتنا» تحديدًا، ودونًا عن أعمال نجيب كلها، هى الرواية التى تمثل مجده ولعنته. 

لن يخرج ما سأكتبه هنا عن هذه الثنائية، فقد منحت الرواية كاتبها مجده ولم يكن غريبًا أن تكون من بين مبررات فوزه بجائزة نوبل للآداب فى العام ١٩٨٨، وفى الوقت نفسه فهى تمثل لعنته الكبرى التى طاردته منذ اللحظة التى نشرها فيها بجريدة الأهرام مسلسلة فى العام ١٩٥٩ وحتى بعد موته، وكانت قد تسببت فى محاولة اغتياله فى أكتوبر من العام ١٩٩٤. 

قد تكون لدينا هنا ثنائية أخرى يمكن أن نقرأ رواية «أولاد حارتنا» على هامشها، فهى الرواية الملعونة باعتبارها خارجة عن الأديان وتدعو إلى الإلحاد كما يقول معارضوها وناقدوها، وهى أيضًا وفى الوقت نفسه رواية غارقة فى الإيمان وداعية إليه، كما يرى نجيب محفوظ نفسه، ويرى كل من أيدوه ودافعوا عن روايته. 

ما يمكن أن يميز كلامى هنا أنه أكثر صراحة من كلام الآخرين. 

فلدىّ رأى واضح فى «أولاد حارتنا» وهو رأى كونته بعد سنوات من القراءة والمتابعة والبحث والفحص والتدقيق، وهو أن نجيب محفوظ خان روايته قبل أن يخونها الآخرون، تعامل معها تعامل الموظف، وهى صفة لا يمكن أن ينكرها أحد أو يستبعدها ونحن نتعرض لنجيب الكاتب والأديب والظاهرة. 

والواقع أن نجيب محفوظ خان روايته «أولاد حارتنا» أكثر من مرة. 

يمكنكم أن تعتبروا خيانات نجيب لروايته خيانات مشروعة.. لكننى لا أراها كذلك أبدًا. 

كانت الخيانة الأولى عندما رضخ نجيب محفوظ لرغبة الرقيب فى عدم نشر روايته فى كتاب داخل مصر. 

وقائع ما حدث يرويها لنا نجيب محفوظ بنفسه، وقد تحدث بما جرى فى مواضع ومناسبات مختلفة، وقد وقفت على الروايات المتعددة، ومن بينها استقر رأيى على هذه الرواية. 

فعندما أثارت الرواية قلقًا لدى رجال الدين، وبدأت الكتابات الصحفية تتناولها بالنقد والاعتراض على تجاوزها فى حق الأنبياء زاره الدكتور حسن صبرى الخولى الممثل الشخصى للرئيس عبدالناصر، وكان رجلًا فى غاية اللطف- كما يصفه محفوظ- وكان قد سبق لهما العمل معًا فى الرقابة، الخولى فى رقابة النشر، ونجيب فى الرقابة على المصنفات الفنية. 

قال الخولى لنجيب إنه لا يستطيع أن يسمح بنشر رواية «أولاد حارتنا» فى مصر ككتاب، لأنه فى حال صدوره ستحدث مشكلة كبيرة مع الأزهر، ولكن من الممكن أن تنشر الرواية خارج مصر، واقترح الخولى ترتيب لقاء مع عدد من شيوخ الأزهر لمناقشة الرواية، رحب نجيب بالاقتراح، فاتفق معه أن يحضر إلى مكتبه فى يوم محدد، وسوف يدعو هو بعض شيوخ الأزهر، لإجراء المناقشة، وفى الموعد المحدد ذهب محفوظ إلى مكتب الخولى فلم يجد أحدًا، فقال له الخولى إنه سوف يتصل به لإتمام اللقاء المقترح عندما يتجمعون. 

لكن هذا الاجتماع لم يحدث أبدًا. 

استجاب نجيب لرغبة صبرى الخولى، وقرر عدم نشر الرواية فى كتاب داخل مصر، وهو بالنسبة لى استسلام لم يكن له مبرر. 

وإن كان يخفف من هذه الخيانة أن الظرف العام لم يكن فى صف نجيب، ولم يكن هناك ناشر يجرؤ على تحدى العاصفة ويقدم على نشر الرواية، ويبدو أن ناشر نجيب التاريخى والتقليدى «آل السحار» تحفظوا على النشر، وهو ما أزعجه وأحزنه. 

يمكننا أن نستعين هنا بشهادة الكاتب والروائى سليمان فياض التى نشرتها مجلة الهلال فى عددها الصادر فى ديسمبر ٢٠٠٥، وكان عددًا تذكاريًا عن نجيب اختارت له عنوان «عش ألف عام» وحصل على هذه الشهادة يحيى وجدى. 

يقول فياض: كنت أعمل فى مجلة «الشهر» التى كان يصدرها الكاتب المسرحى سعد الدين وهبة مع جلال السيد ومحفوظ عبدالرحمن، وكان بها باب كنت مشرفًا عليه بعنوان «شهريات» ننشر فيه متابعات للنقد وللفن التشكيلى وللمسرح، وما يصدر من روايات وأشعار وما يعقد من ندوات علمية فى جمعيات مصر، فتشجعت وكتبت كلمة لا أستطيع أن أسميها مقالة فى صورة متابعة نقدية عن «أولاد حارتنا» التى لم تطبع بعد فى كتاب. 

كشف فياض فى كلمته أن نجيب محفوظ يحاول أن يقدم رؤية للتاريخ البشرى، نفاذًا من عالم الأسطورة إلى عالم الدين إلى عالم العلم، وبالفعل نجح فى أن يقدم فى روايته تصورًا أدبيًا مجازيًا لتطور التاريخ البشرى، وكأنه فيلسوف يكتب أدبًا أو أديبًا يكتب فلسفة. 

نشر فياض متابعته فى مجلة الشهر، ولم ينتبه إليها أحد، حتى جلس مع نجيب محفوظ ذات عصر بمقهى ريش، ولم يكن أحد قد أتى بعد، وسأله: هل ستصدر مكتبة مصر هذه الرواية، فبدا على نجيب الاكتئاب، وقال: لا أظن. 

يقول فياض: لم أعرف هل اعتذر آل السحار عن عدم نشرها أم لا، قلت له على أى حال لدى الناشر إذا رفضت أى دار نشر طبع الرواية، فقال لى: من؟ قلت له: دار الآداب لصاحبها الدكتور سهيل إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب، الناقد وكاتب القصة، وسارعت فى الحال بالاتصال تليفونيًا بسهيل إدريس، وقلت له: هل أنت مستعد لنشر «أولاد حارتنا»، فقال لى بالحرف الواحد: سأكون بالقاهرة من أجل الرواية بعد سبعة أيام، أرجوك أطلب من نجيب محفوظ ألا يتعاقد مع ناشر آخر عليها، وبالفعل جاء سهيل إدريس، ودبرت له اللقاء مع نجيب محفوظ ولا أدرى على ماذا اتفقا ولا أين التقيا. 

سليمان فياض
سليمان فياض

وينهى فياض هذه الشهادة بقوله: علمت بعد ذلك من رجاء النقاش أن نجيب محفوظ حصل على أربعة آلاف جنيه نظير الرواية من سهيل إدريس الذى أصدرها فى أكثر من عشرين طبعة لم يتقاض محفوظ عنها شيئًا، وهو كعادته لا يطالب بحقوقه. 

رغم دقة رواية سليمان فياض عن نشر رواية «أولاد حارتنا» فى بيروت، إلا أن لدىّ رواية أخرى سمعتها من الناقد الكبير صلاح فضل، وهى الرواية التى قالها لى على الهواء مباشرة. 

صلاح فضل
صلاح فضل

قال لى فضل: عندما كنت فى بيروت فى دعوة عشاء خاصة، قابلت الدكتور سهيل إدريس صاحب دار الآداب اللبنانية، وسألنى: هل تعرف نجيب محفوظ جيدًا؟ 

أجابه فضل: نعم أعرفه. 

فقال سهيل: احمل له رسالة منى أننى أريد أن أنشر طبعة من رواية «أولاد حارتنا» بموافقة موقعة منه شخصيًا، وأنا مستعد أن أدفع له أى مبلغ يريده، بل يمكننى أن أرسل له معك شيكًا على بياض ويضع فيه المبلغ الذى يحدده. 

كان سهيل إدريس يطبع رواية «أولاد حارتنا»- كما يقول فضل- بالفعل دون إذن من نجيب الذى رفض أن يطبعها فى القاهرة بعد أن تعهد لعبدالناصر بذلك، وكانت نسخ الرواية المطبوعة فى بيروت تباع على أرصفة القاهرة دون أن يملك نجيب ما يمكنه من منعها، بل إن الدار قررت أن تطبع الرواية حتى لو لم يوافق نجيب على ذلك، وأغلب الظن أنها كانت تسعى وراء الربح أكثر من أى شىء آخر. 

سهيل إدريس
سهيل إدريس

وعندما عاد صلاح فضل إلى القاهرة، ذهب إلى نجيب محفوظ فى واحدة من ندواته، وبعد أن انتهى اختلى به، وأبلغه برسالة سهيل إدريس. 

احتد نجيب على صلاح، وقال له: لا تحدثنى عن هذه الرواية أبدًا، فقد أساءت إلى أكثر مما أحسنت.

معنى ذلك وأنا أميل إلى رواية صلاح فضل أكثر أن نجيب محفوظ لم يكن موافقًا على طباعة «أولاد حارتنا» فى كتاب لا داخل مصر ولا خارجها، وهو ما اعتبره الخيانة الكاملة فى حق الرواية. 

وقد تسأل عما كان يجب أن يفعله نجيب محفوظ فى مواجهة السلطة الدينية والسياسية التى قررت عدم طباعة الرواية فى كتاب؟ 

أقول لك: كان لا بد أن يصمد ولو قليلًا، أن يتحفظ على المنع، يرفضه، يقول إنه من حقه أن يصدر روايته فى كتاب، لكنه حتى لم يفعل ذلك، بل غضب ممن فعلوه.

الخيانة الثانية فى الشكل الذى دافع به نجيب محفوظ عن الرواية فى أكثر من موضع وأكثر من حديث منشور له من الناحية الدينية وحدها. 

لقد وقعت الرواية ضحية للصراع الصحفى بين جريدة «الأهرام» التى انفردت بالرواية، وجريدة «الجمهورية» التى كانت تعتبر نفسها منافسة شرعية لجريدة هيكل التى يخصها عبدالناصر بأخبار وانفرادات يحرم منها الصحف الأخرى وعلى رأسها جريدة «الجمهورية» التى صدر ترخيصها باسمه. 

يضعنا نجيب محفوظ فى قلب ما حدث بنفسه. 

فى حديثه المطول مع رجاء النقاش الذى نشره فى كتابه «نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء على أدبه وحياته» يقول نصًا: بدأت جريدة الأهرام فى نشر الرواية، ومرت حلقاتها الأولى دون أن تظهر أى ملاحظات عليها، فالجزء الأول من الرواية لا يسبب أى مشاكل، ولكن الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة «الجمهورية» خبرًا يلفت فيه كاتبه النظر إلى أن الرواية المسلسلة التى تنشرها جريدة «الأهرام» فيها تعريض بالأنبياء، بعد هذا الخبر المثير بدأ البعض ومن بينهم أدباء للأسف، فى إرسال عرائض وشكاوى إلى النيابة العامة ومشيخة الأزهر، بل وإلى رئاسة الجمهورية، يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمى إلى المحاكمة، وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدى على أساس أن الرواية ترمز إلى الأنبياء، وقد عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لى هو الأستاذ مصطفى حبيب، الذى كان يعمل سكرتيرًا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيل نيابة، وهو الذى أخبرنى أن أغلب العرائض التى وصلت إلى النيابة أرسلها أدباء. 

يرصد محمد شعير كيف بدأ الهجوم على رواية «أولاد حارتنا»، وكيف أنه لم يكن من جريدة «الجمهورية» كما يذهب نجيب محفوظ، ولكنه بدأ من مجلة «المصور». 

فى كتابه «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة» يذهب إلى أن المؤكد أن أول هجوم معلن على الرواية كان فى مجلة «المصور» فى رسالة أرسلها قارئ يدعى محمد أمين إلى الشاعر صالح جودت محرر باب «أدب وفن» فى ٨ ديسمبر ١٩٥٩. 

قال القارئ فى رسالته: إن نجيب محفوظ يحيد ويجانب كل أصول القصة، فكتابته الأخيرة لا هى رمزية ولا هى واقعية، ولا هى خيال، ولا تنطبق على أى قالب معروف. 

ويضيف أمين: جاء محفوظ ليتحدى معتقدات راسخة، ولهذا يتعذر على كائن من كان حتى ولو محفوظ نفسه أن يقدمها بمجرد كتابة قصة، التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ فى مجتمع يجل الدين بطبيعته. 

رد صالح جودت على رسالة القارئ بقوله: لا أستطيع أن أحكم على القصة الأخيرة لمحفوظ، الذى لا شك أنه يعد قصاص الطليعة عندنا اليوم، فإذا كان قد نحا فى قصته الجديدة نحوًا جديدًا غير ما تعودناه فى روائعه السابقة، فالحكم فى ذلك لمن قرأوا القصة.. والباب مفتوح لمن قرأوا قصة محفوظ. 

لم يحرض صالح جودت على الرواية إذن، لكن الرسالة التى نشرها نبهت المتربصين بنجيب محفوظ نفسه. 

ويدلل شعير على ما يتبناه من رأى فى مسألة بداية الهجوم على «أولاد حارتنا» من مجلة «المصور» وليس من «الجمهورية»، يقول: لم تهاجم «الجمهورية» الرواية على عكس ما حكى محفوظ، بل إن يوسف السباعى كان من أوائل المدافعين عنه، عندما نشر مقالًا فى يومياته الصحفية بعنوان «نجيب محفوظ ولوم القراء» فى ٢٨ ديسمبر ١٩٥٩، أى بعد عشرة أيام من هجوم «المصور»، وبعد اكتمال نشر الرواية فى «الأهرام».

هاجم السباعى فى يومياته رسالة القارئ المجهول وصالح جودت باعتباره ناشر الرواية، وقال: وجدنا الرسالة تحمل على نجيب محفوظ- رغم تقدير القارئ له- ورغم أن الأستاذ صالح جودت أعفى نفسه من مسئولية الخطاب، وأبدى إعجابه وتقديره لنجيب محفوظ، فأنا لا أعفيه أبدًا مما جاء فى الرسالة، إلا إذا كان هو يعفينى من مسئولية نشر خطاب قارئ يسبه فيه. 

ويختم «السباعى» يومياته بقوله: كان أولى بصاحب الرسالة إذا لم يقصد بها التشنيع الذى عاونه فيه الزميل صالح جودت أن يرسل الرسالة إلى نجيب محفوظ نفسه، إذا كان المقصود أن يبدى له رأيه فى القصة. 

قد يكون اختلط الأمر على نجيب محفوظ، فأشار إلى أن بداية الهجوم على «أولاد حارتنا» كان من خبر جريدة «الجمهورية»، ويمكننا أن نرجع هذا إلى عامل السن، لكننى لا أتبنى اجتهاد محمد شعير- رغم تقديرى له- فى نفى التهمة عن جريدة «الجمهورية» والعاملين فيها، فقد أشار نجيب إلى شكاوى عديدة تقدم بها صحفيون وأدباء إلى النيابة العامة ورئاسة الجمهورية تحرض على الرواية وعلى كاتبها، وليس بعيدًا أن يكون من بين هؤلاء عاملون بجريدة «الجمهورية» الذين غضبوا ما فى ذلك شك من انفراد «الأهرام» بنشر رواية نجيب، فحاولوا إفساده وتشويهه والشوشرة عليه، ربما ليس لإدانة نجيب نفسه، ولكن لإدانة هيكل والإساءة إليه وتقليب عبدالناصر ضده. 

لكن كيف وصلت الرواية إلى هيكل فى «الأهرام». 

هنا أكثر من رواية. 

الأولى صاحبها هو نجيب محفوظ نفسه، يحكى لرجاء النقاش عن ظروف كتابة «أولاد حارتنا» ونشرها، يقول: «أولاد حارتنا» هى أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو وسبقتها خمس سنوات من الانقطاع التام عن الكتابة، ففى عام ١٩٥٧ شعرت بدبيب غريب يسرى فى أوصالى، ووجدت نفسى منجذبًا مرة أخرى إلى الأدب، وكانت فرحتى غامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسى عندما جلست أمام الورق من جديد لأعاود الكتابة، وكانت كل الأفكار المسيطرة علىّ فى ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة، فجاءت فكرة «أولاد حارتنا» لتحيى فى داخلى الأديب الذى كنت ظننته قد مات. 

يقول «نجيب» لـ«رجاء النقاش»: خدع الأزهر فى هذه الأزمة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية وفهمها

هذا عن الكتابة، فماذا عن النشر؟ 

يحكى «محفوظ»: كنت أرفض أسلوب النشر المسلسل للروايات، لكن فى سنة ١٩٥٧ حصلت على جائزة الدولة، وهى جائزة قديمة أخرى غير جائزة الدولة الحالية، والتى تأسست اعتبارًا من عام ١٩٥٨، وكانت قيمتها المالية ألفى جنيه مصرى، وحصل عليها فى نفس العام الدكتور محمد كامل حسين عن روايته «قرية ظالمة»، وقد ضاع مبلغ الألفى جنيه بعد ذلك فى عملية نصب تعرضت لها، حيث دفعتهما لشراء فيلا وهمية على النيل، ولمناسبة حصولى على الجائزة وتكريمًا أقام إحسان عبدالقدوس حفلًا فى منزله القديم الكائن بشارع قصر العينى، ودعا إليه عددًا كبيرًا من الأدباء والصحفيين على رأسهم كامل الشناوى. 

ويضيف «نجيب»: فى حفل التكريم الذى أقامه إحسان عبدالقدوس اقترب منى على حمدى الجمال مدير تحرير الأهرام فى ذلك الوقت، وقال لى: «إنه يكلمنى باسم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس التحرير، وإنه يريد منى رواية لتنشر فى الجريدة على حلقات مسلسلة، لم أكن بدأت فى كتابة رواية (أولاد حارتنا)، وبالتالى اعتذرت بأنه ليس لدى الآن رواية جاهزة للنشر، ووعدت الجمال بأن أول رواية أكتبها سأرسل بها إلى الأهرام، وانتهيت من كتابة رواية «أولاد حارتنا» فى شهر إبريل ١٩٥٨، حيث استغرقت كتابتها سنة (نجيبية)، حيث تبدأ الكتابة عندى من شهر أكتوبر وتنتهى فى شهر إبريل، وتذكرت بعد أن انتهيت من الرواية الوعد الذى قطعته على نفسى، فاتصلت بالأستاذ على حمدى الجمال، واتفقنا على موعد، وذهبت إليه بأوراق الرواية التى قرأها وأعجب بها وصرح بنشرها دون أى ملاحظات، ويبدو أن الأستاذ الجمال قرأها على أنها رواية عادية عن حارة مصرية يقع بها صراع بين مجموعة من الفتوات».

هنا لا يظهر هيكل على الإطلاق فى مسألة النشر، لكنه يظهر فى رواية أخرى تقاطع معها هيكل نفسه حيث عارض نجيب فيما قاله، وأعتقد أن الحكاية لا بد أن تُروى من جديد. 

تحدث هيكل إلى يوسف القعيد فى كتابه «محمد حسنين هيكل يتذكر.. عبدالناصر والمثقفون والثقافة» عما جرى. 

يقول «هيكل»: نجيب محفوظ أعطى أولاد حارتنا لعلى حمدى الجمال، كان نجيب محفوظ يزوره باستمرار فى مكتبه، وكان على الجمال مدير تحرير الأهرام، وقد أعطاه الرواية فى ١٩٥٩، على لم يقرأ الرواية، لكنه قال لى إن نجيب محفوظ وهو يعطيها له طلب منه قراءتها بشكل جيد وبعناية، أضاف الجمال: يبدو أن فى الرواية لغمًا ما، أخذت الرواية وقرأتها، أحضرتها معى إلى البيت، لأن جو المكتب قد لا يساعدنى على قراءة الرواية، وأدركت مغزى تحذير نجيب محفوظ لعلى حمدى الجمال.

بعد أن قرأ هيكل الرواية، أخذ قراره الفورى بالنشر.

يقول: استقر رأيى على النشر، تصورت منذ البداية أن بعض رجال الدين قد يحاولون وقف نشرها، لكل هذا قلت: سأنشر هذه الرواية بصورة يومية، وكانت أول مرة تنشر فيها رواية يومية، ولم أجد سببًا يدعونى لسؤال جمال عبدالناصر قبل النشر، فهذا عملى وأنا أمارسه، وكنت متأكدًا أن أحدًا خاصة من رجال الدين لن يتمكن من التنبه لأهمية الرواية إلا متأخرًا، وهذا ما جرى فعلًا عندما نشرت الحلقة السابعة عشرة، خلال النشر تحرك رجال الأزهر وأطلقوا طلقاتهم، الضجة قامت والدولة دخلت فيها ونحن كنا قد وصلنا إلى الحلقة العشرين. 

ويكشف هيكل عن إحساسه بالرواية، فقد كان يعرف ما سيجرى، أو على الأقل كان لديه تقدير لبعض ما سيحدث. 

لنسمعه وهو يقول: كان عندى بعض القلق لكننى لم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى هذا المدى الذى وصلت إليه، قلت نعمل تجربة جديدة فى النشر، حتى نرى إن كانت الرواية ستشد القارئ أم لا، من خلال النشر بهذه الطريقة الجديدة كنا ننشرها فى الصفحة السابعة، أكثر قليلًا من ثلث صفحة، بعد الحلقة السابعة عشرة وحتى الحلقة العشرين انقلبت الدنيا، والأزهر أصدر بيانات. 

بعد أن أثار نشر الرواية الضجة التى توقعها هيكل، تحدث معه الرئيس عبدالناصر، سأله: إيه الحكاية؟ 

فرد عليه: أنا كنت مدركًا لكل المحاذير قبل النشر، لكن هذه رواية لنجيب محفوظ، وعلى أى حال سوف ينتهى النشر خلال أيام. 

يستكمل هيكل شهادته على ما جرى، يقول: ثم جاء قرار الأزهر بعد ذلك، وانطبق القرار على طبعها فى كتاب وليس على النشر مسلسلًا فى الأهرام، الذى كان قد تم، ولم نكن نحن طرفًا فى قرار الأزهر، ولم تكن لنا صلة به، وفى حدود علمى فإن الدكتور سيد أبوالنجا هو الذى اتصل بنجيب محفوظ من أجل نشر الرواية فى بيروت، لأن دار المعارف كان لها فرع هناك، وكانت لها صلات بدور نشر لبنانية كثيرة، وكانت تابعة للأهرام. 

يمكننا أن نستكمل ما جرى من عند نجيب محفوظ الذى كانت لديه روايته. 

يقول: عندما نشرت الرواية على صفحات الأهرام على مسئولية الكاتب محمد حسنين هيكل أخبرنى أن هناك انزعاجًا بسبب ذلك فى الرئاسة، وأن الرئيس حدثه، وقال لى هيكل: إحنا بقى عايزين إيه؟ فيه مشكلة والرئاسة مش عاجبها، مش عايز كل أسبوع زى ما بنعمل، فنعملها يوم ورا يوم عشان نخلص، ونشروها بالفعل فى حلقات بشكل يومى. 

هنا ارتباك فى رواية نجيب محفوظ، فالمفروض أن النشر جرى بشكل يومى من البداية، وليست عندما اعترضت الرئاسة وتحدث جمال عبدالناصر مع هيكل. 

لكن المؤكد أن عبدالناصر تدخل لمنع نشر الرواية فى كتاب حتى لا تزيد المشاكل، وهو ما أثبته نجيب محفوظ، بقوله: أرسل لى الرئيس عبدالناصر مندوبه الشخصى حسن صبرى الخولى، وطلب منى ألا يصدر الكتاب فى مصر، ولو هعمله كتاب ميطلعش فى مصر دلوقتى. 

من بين ما أكده هيكل وهو يتحدث عن نجيب محفوظ أنه لم يقرأ جميع أعماله الروائية والقصصية، لكنه قرأ ما اعتبره أهمها، أو ما نشرته الأهرام منها.

ويثبت أيضًا أنه لم يفكر أحد فى اعتقال نجيب محفوظ فى أى وقت من الأوقات.

أولًا: لأن جمال عبدالناصر كان يعرف قيمة وقدر نجيب محفوظ، ويعلم أنه يستطيع أن يعاتبنى على بعض الأشياء التى يكتبها نجيب وغيره من كتاب الأهرام. 

وثانيًا: لأننى كرئيس تحرير لم أكن أسمح بذلك أبدًا، لأننى أرى دور رئيس التحرير يتخطى مجرد قدرته على تجنيد الكُتاب المهمين وإدارة الجريدة، دوره الأهم هو حماية الجريدة وكل كتابها، ولم أقبل أبدًا أن يتجاوز أحد أو يؤذى محررًا فى الأهرام، وكان الجميع يعلمون أن من يريد التحدث مع أى شخص فى الأهرام بخصوص أى أخطاء أو مشاكل، فعليه أن يتحدث مع رئيس التحرير فقط.

ويضيف «هيكل»: وبعيدًا عن «أولاد حارتنا» فكل أعمال محفوظ النقدية مثل «اللص والكلاب- السمان والخريف- ميرامار» نشرت فى الأهرام وأنا رئيس تحرير وفى عصر جمال عبدالناصر، ولم تحذف منها كلمة، وأعتقد أن جائزة نوبل التى تحصّل عليها محفوظ كانت على أعمال نقدية، نشرت كلها فى الأهرام. 

هنا يمكننا أن نمسك بما يشبه الاشتباك بين هيكل ونجيب محفوظ. 

فعندما نشر جمال الغيطانى كتابه «نجيب محفوظ يتذكر» وجد فيه هيكل ما يزعجه. 

قال «نجيب»: لم ألتق عبدالناصر فى لقاءات خاصة، إنما رأيته ثلاث مرات عندما حصلت على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، طلعت وسلمت عليه ونزلت، المرة الثانية ١٩٥٧، كان هناك عدد من الأدباء العرب التقى بهم، وكنت أحد الذين ذهبوا إلى اللقاء، المرة الثالثة كانت فى الأهرام عندما زاره، كان يتحدث إلى كل شخص. 

قال لى عبدالناصر: «ازاى ناس الحسين بتوعك، بقالنا زمان ماقريناش لك قصة». 

هيكل قال له: لا ده بكره طالعة له قصة. 

كنا يوم خميس. 

هيكل قال: «نعمل إيه؟.. ما هى قصصه تودى فى داهية». 

عبدالناصر قال له: «لا تودى رئيس التحرير». 

يعلق «هيكل» على ما قاله محفوظ فى حديثه الطويل مع يوسف القعيد، يقول: هذه الرواية عمليًا غير ممكنة، وفضلًا عن أن الأستاذ جمال الغيطانى كتب عن أقوال للأستاذ نجيب محفوظ من الذاكرة، فالرواية كما نشرت غير معقولة لسبب أساسى أنها لا تتفق مع سلوكى مع عبدالناصر ولا نوع علاقتى به. 

ويضيف «هيكل»: «قال نجيب محفوظ إن عبدالناصر قال له: إننا لم نقرأ لك شيئًا، من الممكن أن يكون هذا صحيحًا، لكن أن أقول لعبدالناصر إننا سنقرأ له نصًا يودى فى داهية، فهذا معناه إننى أقول لجمال عبدالناصر فى مواجهته، وفى حضور جمع كبير من الناس وعلنًا، إنه من الممكن أن يذهب كاتب فى داهية فى ظل حكمه بسبب قصة أدبية، لو كنت قلت ذلك فمعناه أننى أسىء إلى جمال عبدالناصر وإلى نظامه، وأكثر من ذلك أننى أسيئ إلى نفسى ولعلاقتى بجمال عبدالناصر، هل من المعقول أن أرضى لنفسى، وأن أرضى لجمال عبدالناصر مثل هذا الموقف، والتداعيات التى يمكن أن تخرج منه ومن الصعب حسابها؟، هل أقول لجمال عبدالناصر يوم زيارته إلى الأهرام وعلى مسمع من جميع مثقفى مصر إن رواية نجيب محفوظ القادمة «تودى فى داهية»؟ هل أقول هذا لجمال عبدالناصر؟ هل أقلل من نفسى وفى حضور الكُتاب الذين يعملون معى فى الأهرام؟». 

ويضيف «هيكل»: «وحتى لو قلت أنا هذا الكلام، أى مع فرض أننى قلت هذا الكلام، فهل يرضى الرئيس جمال عبدالناصر أن يقول لى وفى هذا الجمع إن اللى يروح فى داهية هو أنا وليس نجيب محفوظ، الكلام جميعه اعتراف ضمنى أن هناك داهية أو ليمان يمكن أن يروح فيهما من يجرؤ على الكتابة بطريقة لا ترضى السلطة، هذا كلام لا يمكن أن يكون قد قيل، وأعتقد أن رواية الأستاذ نجيب محفوظ تظهر التباسًا فى الحقائق، وأظن أن هناك من حكى لنجيب شيئًا عما جرى فدخل الأمر فى رأسه، وكرر الحكاية وقالها أكثر من مرة يومًا بعد يوم، جمال عبدالناصر فى هذا اللقاء كان مهتمًا بأن يستمع بأكثر مما يتكلم، وأظن أنه تكلم بعد المقدمة التى قدمت بها المثقفين له، كان قد طلب أن يستمع لكل التيارات، وجميع التيارات تكلمت، واستمع للجميع باهتمام وناقش كثيرًا وبقى فى الأهرام وقتًا أكثر مما كان مقررًا من قبل».

وراء كلام هيكل ما وراءه بالطبع، فبالرغم من أن الكاتب الكبير تحدث كثيرًا- ربما بأكثر مما ينبغى- فى أحاديثه وحواراته وكتبه وحلقاته التليفزيونية، إلا أنه كان يخفى كثيرًا من التفاصيل، لا يريد أن يفصح عنها، من باب أنها يمكن أن تخدش نظام عبدالناصر، بل وعبدالناصر نفسه. 

من ظاهر ما قاله هيكل وما رواه نجيب محفوظ عن تداخل السلطة مع «أولاد حارتنا» وهو التداخل الذى وصل إلى منع صدور الرواية فى كتاب، أن السلطة كان لها رأى واضح فى الرواية، ولم تكن غضبتها فقط لأن ما كتبه نجيب أغضب رجال الأزهر، فالسلطة عندما ترضى لا يهمها غضب أحد أو جهة.

ما أميل إليه إلى أن رواية نجيب محفوظ أثارت غضبًا عارمًا داخل كواليس نظام عبدالناصر، فهو لم يكتب الرواية إلا بعد توقف دام ما يقرب من سبع سنوات. 

يقول نجيب فى كتاب «محفوظ.. سيرة وطن» الذى صدر عن سلسلة كتاب اليوم فى ديسمبر ٢٠١٢: الذى دفعنى لكتابة «أولاد حارتنا» وهى أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة ١٩٥٢ هى تلك الأخبار المتناثرة التى ظهرت فى تلك الفترة عن الطبقة الجديدة، والتى حصلت على امتيازات كثيرة بعد الثورة وتضخمت قوتها حتى بدأ المجتمع الإقطاعى الذى كان سائدًا فى فترة الملكية يعود مرة أخرى، مما ولد فى نفسى خيبة أمل قوية، وجعل فكرة العدالة تلح على ذهنى بشكل مكثف، وكانت هذه هى الخميرة الأولى للرواية. 

ويضيف: ولو لم يكن فى الرواية البعد الرمزى، كان يصح أن تثير شيئًا آخر سياسيًا، وهى أثارته بالضرورة، ولما وجدوا شيئًا أقوى من الدين، ومثلما تخاطب الرواية البشر، كانت تخاطب رجال الحكم فى فترة ١٩٥٩ التى صدرت فيها، بعد نشوة الانتصارات التى لا حصر لها، وبدأنا نسمع كلامًا سيئًا، فكان الواحد يريد أن يقول لهم: هل أنتم من صنف الرسل والأنبياء، وما يمثلونه من قيم العدالة، أم أنتم تقفون فى صف الفتوات، وأعتقد أن المعنى لم يغب عن خطتهم إلى أن وجدوا وقفة أكبر من الفتوات وهى الدين، فأثاروها وكان يصح أن تثير الرواية مشاكل سياسية. 

ويمكننا أن نستعين بما كتبه غالى شكرى فى كتابه «المنتمى» ففيه إشارة واضحة للمعنى الذى قاله «محفوظ». 

يقول «غالى»: ليس من قبيل المصادفة أن تنتهز الرجعية فرصة ملائمة فى ذلك الحين هى أزمة الديمقراطية التى شملت أرجاء العالم العربى، فتوجه ضربتها الأدبية إلى أول عمل أدبى مباشر بالرغم من رمزيته، يرفع شعارات العلم والتقدم والاشتراكية والحرية، وليس من قبيل التداعى الفكرى أن أسجل هنا نقطة مهمة فيما أرى بصدد مرحلة الصمت التى وافقت قلم نجيب محفوظ منذ انتهائه من كتابة «السكرية» عام ١٩٥٢ إلى بداية كتابته لـ«أولاد حارتنا» عام ١٩٥٩. 

ويضيف «غالى»: لقد سئل نجيب محفوظ أكثر من مرة عن هذه السنوات السبع، فكان يجيب دائمًا بأنه أحس فجأة عندما قامت الثورة المصرية فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ أنه قال كل ما عنده، وأنه لا يجد جديدًا يمكن إضافته، كذلك أجاب بأن الإطار الواقعى استنفد كل ما لديه من طاقة فنية، وأنه سوف يبحث عن شكل تعبيرى جديد إذا واتاه المضمون الإنسانى الجديد.

ويؤكد «غالى»: ولا شك أن نجيب محفوظ بعد الثلاثية كان يعانى صراعًا عنيفًا خاصًا بأشكال التعبير، ولكن أزمته الحقيقية لم تكن قط أنه لا يجد ما يقوله، وإنما على وجه التحديد هى أنه لا يستطيع أن يقول ما يريد، فالنهاية الحزينة التى اختارها للثلاثية تقول بصراحة وجرأة إن هناك أزمة فى هذا المجتمع، وأن هذه الأزمة هى أزمة الحرية والتخلف الحضارى، ولا يمكن لفنان ناضج كنجيب محفوظ أن يقتنع بأن هذا المجتمع المأزوم قد تخلص مما يعانيه، ولم يعد للفن دور يؤديه فى تغيير المجتمع، بل إن نجيب محفوظ الذى أخلص لقضية الانتماء الثورى إلى جانب التقدم لا يستطيع أن يعفينا من تفسير موقف الصمت الذى اتخذه طوال الأعوام السبعة على ضوء الأزمة العميقة فى كيان المجتمع المصرى، أكثر من أن يلجأ إلى الشكل الرمزى فى «أولاد حارتنا» إلا أنه لم يكن قد تخلص بعد من الإحساس بضرورة الأزمة، وانعكس هذا الشعور بالاضطرار على البناء الروائى لـ«أولاد حارتنا»، فتأرجحت تأرجحًا شديدًا بين استخدام الرمز والمباشرة فى إسقاط الرمز على الواقع. 

ويشير غالى فى موضع آخر إلى أن الحارة فى «أولاد حارتنا» هى مصر بعينها، فالراوى قد شهد أحداث الرواية ومآسيها بنفسه، وهو يشير على وجه التحديد إلى ما دعاه بأيامنا الأخيرة التى لا تختلف عما تقوله الحكايات فى أزمنة مضت، والحارة هى مصر بعينها ما دامت بقية الحوارى تحسدها على ما جادت عليها به الطبيعة من وقف عظيم بالرغم من أن أهل الحارة لا يتمتعون به، والحارة هى مصر بعينها إذ الصبر هو شيمة أهلها والتواكل الغيبى من سماتهم الرئيسية. 

نعود مرة أخرى إلى كلام نجيب محفظ الذى لم يقله عند صدور الرواية، بل قاله بعدها بسنوات. 

ويصح أن نعيد هنا الرواية التى يتم تداولها شفهيًا، ولم أرها منشورة فى أى مصدر، ولكنى استمعت إليها أكثر من مرة. 

تقول الرواية إن نجيب محفوظ خضع للتحقيق بعد نشر الرواية فى إحدى الجهات السيادية، وسأله المحقق: هل تقصد بشخصية «الجبلاوى» فى الرواية جمال عبدالناصر، وهل تقصد بشخصيات أدهم وجبل ورفاعة وقاسم المعاونين له، فقال: لا.. بل أقصد الله والأنبياء. 

لا يوجد دليل واحد على صحة هذه الرواية، ولكنها تتسق مع ما قاله نجيب عن أن روايته كانت موجهة لرجال الحكم بعد ١٩٥٢، وهنا تظهر لنا خيانة جديدة من نجيب محفوظ لروايته، وإن كانت هذه المرة خيانة مشروعة، حاول من خلالها أن ينجى نفسه من عقاب لم يكن ليقدر عليه. 

فى هذه المساحة يمكن أن ألمح أداء لنجيب محفوظ فيما يخص «أولاد حارتنا»، فلم يكن حديثه عنها ثابتًا، بل إنه كان يلون الحديث طبقًا لمن يتحدث معه عنها. 

فى كتابه «أساتذتى» يروى إبراهيم عبدالعزيز أنه كان أول من نشر شرط نجيب محفوظ لظهور «أولاد حارتنا» فى كتاب داخل مصر، وذلك خلال حوار له معه بمجلة «الإذاعة والتليفزيون»، فقد قرر نجيب عدم نشر الرواية إلا حينما يكتب لها المقدمة مفكر إسلامى كخالد محمد خالد أو د.أحمد كمال أبوالمجد أو الشيخ الغزالى. 

تواصل خالد محمد خالد مع إبراهيم عبدالعزيز، ورحب باقتراح نجيب محفوظ، ولكنه طلب فقط معرفة الظروف والملابسات التى أحاطت بكتابة «أولاد حارتنا» والهدف منها حين فكر فى كتابتها. 

نقل عبدالعزيز استفسار خالد محمد خالد إلى نجيب الذى رحب بالرد على استفساره شفويًا من خلال شريط تسجيل. 

يقول نجيب هذه المرة: أولًا أحب أن أوضح شيئًا وهو أن الكاتب أحيانًا قد يقصد شيئًا، والعمل الذى يكتبه يحقق هذا الشىء وأشياء أخرى، ولذلك فإن أى عمل لى لم أعرف أبعاده كلها إلا بعد النقد، وهذه حقيقة أحب أن أعرضها فى الأول، وطبعًا الأستاذ خالد يدركها تمامًا، لأنه من الكتاب، وإن كان هو كاتب ومفكر يعرف هدفه ويعرف كيف يصل إليه، لكن الفن ليس هذا فقط، لأنه يكون هناك جزء فى الوعى، وأجزاء فى اللاوعى تطلع مع القلم. 

ويضيف نجيب. وعندما أسأل نفسى: «أولاد حارتنا» كيف كتبتها ولماذا؟.. الحقيقة أننى كنت فى ظروف سنة ١٩٥٩ قد بدأت أشعر بشىء من الخيبة بالنسبة لثورة يوليو ١٩٥٢، فهى قد جاءت وحققت أعمالًا عظيمة، ولكن بدأنا تسمع كثيرًا: اليوم قبض على فلان، اليوم يعذبون فلانًا، وفيه ناس بتستفيد فوائد كبيرة جدًا إلى أن أصبحوا أكثر من الإقطاعيين، وأشياء من هذا النوع، وبدأ الواحد بعد الفرحة الأولى يرمش شوية، فصورت حارة مصرية تمامًا، وهناك وقف، وهذا الوقف لخير الحارة، وقد وقع بين فريقين، فريق فتوات تريد أن تنهبه، وفريق آخر طيب يريد أن يحافظ على وصية الوقف، وهذه كلها حاجات مصرية. 

ويشرح محفوظ لخالد أكثر: ومن الرؤية السياسية فى الوقت نفسه كنت أفكر فى مظلة من تاريخ الإنسانية، ففكرت فى الوصية الكبرى، وفى هؤلاء الناس الذين حاولوا تحقيقها للإنسانية، وكأننى أريد أن أقول من خلال هذا لرجال الثورة فى الآخر: أنتم مع أى فريق، فريق الفتوات، أم مع فريق الرسل، وهذا الذى كان فى ذهنى عندما كتبت، هل هذا طلع بالضبط أم أن هناك أشياءً أخرى طلعت معاه؟ هذه هى الحكاية كلها. 

ويختم نجيب رسالته لخالد محمد خالد بقوله: الأمر الذى لا أشك فيه أننى فى حياتى لم يأت إلى شك فى الله، وإذا كنت قد بدأت أفهم الدين فهمًا خاصًا فى وقت المراهقة، فإننى قد فهمت الإسلام على حقيقته تمامًا بعد ذلك، بل أعتقد اعتقادًا جازمًا وحازمًا أنه لا نهضة حقيقية فى بلد إسلامى إلا من خلال الإسلام.

لكنه قبل أن يمضى نجيب فى حديثه الشفوى عن «أولاد حارتنا» أراد أن يزيل اللبس من حول الرواية، والذى يعرف أنه حتمًا وصل إلى خالد محمد خالد. 

يقول: الرواية طلعت وقرأها الناس ثم انهالت الاتهامات، والاتهامات كانت بناء على عريضة سيئة أرسلت للأزهر، والأزهر بينى وبينك لا يقرأ روايات مسلسلة، المهم قرأ الرواية على أنها تاريخ وليس على أنها رواية، والذين أرسلوا الرواية للأزهر قالوا فيها إن نجيب محفوظ بيفرض فلان ربنا، و فلان النبى، فاعتبروا هذا تجسيدًا لله، وليست حارة وناس، لا هم اعتبروها ربنا بالذات، طيب هو ربنا بيتزوج ولا ربنا بيخلف أو بيتعارك؟ ودخلنا فى سوء فهم أدبى لا حصر له، وهناك من قالوا إن الرواية لا تخلو من التصوف والإيمان.. ودى حكاية ولاد حارتنا؟ 

لماذا توقفت عند هذه الواقعة تحديدًا؟ 

لقد لمحت فى كلام نجيب محفوظ مراوغة وهو يتحدث تحديدًا إلى خالد محمد خالد الكاتب المعروف بحرصه على الديمقراطية والحريات بشكل عام، وكأنى بنجيب محفوظ يدخل لخالد من الباب الذى يفضله، ويحدثه اللغة التى يفهمها، والمفردات التى يستريح لها، فقد كان يريد إقناعه، ولذلك صور هدفه من الرواية على أنها سياسية وليست دينية، وهو ما لم يقتنع به خالد، وطلب مقابلة نجيب محفوظ ليستوضحه أكثر عما أرداه، لكن لم يتم هذا اللقاء. 

تواطأ نجيب محفوظ إذن مع جمال عبدالناصر والمحيطين به ومن بينهم محمد حسنين هيكل على أن تكون الرواية موجهة للدين وليس لهم. 

والحقيقة أن رجال الدين ومن وراءهم ممن ينتمون إلى جماعة الإخوان لم يقصروا فى مطاردة الرواية ومهاجمتها بعد نشرها وطوال عقود مضت. 

البداية كانت من عند الشيخ محمد الغزالى. 

وهنا يمكننا أن نعود إلى شهادة سليمان فياض التى نشرتها مجلة «الهلال» فى العام ٢٠٠٥، فهى بالنسبة لى الأدق. 

نفتح معا عدد مجلة «الهلال» فى ديسمبر ٢٠٠٥، وسأترك فياض هنا يتحدث دون أن أقاطعه، يقول: 

فى عام ١٩٥٩ بدأت الأهرام نشر مفاجأة أدبية على صفحاتها بصورة مسلسلة هى رواية «أولاد حارتنا» لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ، من أول فصل نشر فى عدد الأهرام يوم الجمعة تنبه المثقفون لخطورة التجربة الجديدة التى يقبل عليها نجيب وتابعوها باهتمام بالغ. 

وفى ذلك الوقت كان الأمن قد طلب من نجيب محفوظ عدم عقد ندوته الأسبوعية فى كازينو أوبرا، فنقلها إلى مقهى «ريش»، وفى كل أسبوع كنا نلتقى فى «ريش» ويدور الحديث حول الرواية، وهو صامت تمامًا، لا يعلق، فانتظرنا حتى انتهت الرواية. 

كانت مجلة «الشهر» التى أعمل فيها قد توقفت، فذهبت إلى صديقى الشيخ محمد الغزالى، وكان مديرا لإدارة المساجد بوزارة الأوقاف، وطلبت منه عملًا بديوان الوزارة، وبالفعل عملت بمكافأة شهرية، وأسند إلى عمل سكرتير لجنة الدفاع عن الإسلام، وكان مقررها الشيخ سيد سابق صاحب كتاب «فقه السنة» الذى خاطبه عبدالناصر مرة «أهلا بمفتى الدم»، وفى أول اجتماع حضرته فى لجنة الدفاع عن الإسلام دار حوار حول رواية «أولاد حارتنا» فتحه الشيخ الغزالى، وهاجم الرواية هجومًا عنيفًا، وقال إنها عبث بتاريخ الديانات وإلحاد، واضطربت أنا، وأصبحت أكاد لا أرى أو أسمع شيئًَا من هول الحوار الدائر حول المائدة المستديرة، ولاحظ الشيخ الغزالى اضطرابى، وكان يعرف ميلى الشديد للكتابة القصصية، وقال لى: عنك سأكمل أنا المحضر، وبالفعل كتب المحضر بيده. 

وفى نفس الجلسة كتب تقريرًا فيما يقرب من صفحة كاملة، إدانة للرواية واندهشت لأن أكثر الموجودين لم يقرأ «أولاد حارتنا» واعتمدوا شهادة عالمهم الصادق الصدوق الغزالى، الذى أعطانى التقرير وكتبته ابنة الشيخ سيد سابق على الآلة الكاتبة، أخذت منها نسختين. 

سارعت فى اليوم التالى للقاء نجيب محفوظ وأعطيته صورة من التقرير، اصفر وجهه بعد أن قرأ التقرير وأخذه منى، وبعد قليل جاء غالى شكرى وأخذ النسخة الثانية من التقرير، ورحم الله غالى طالبته كثيرًا بهذه النسخة، فزعم أننى لم أعطه إياه. 

خطف نجيب محفوظ روايته «أولاد حارتنا» من السياسى عن عمد، وألقى بها فى حجر الدين، وبدأ معركته مع رجال الدين حولها.

يقول لرجاء النقاش: فى أحد اجتماعات المجلس الأعلى للثقافة جلس إلى جانبى شيخ الأزهر، ودار بيننا حديث ودى للغاية، لكنه كان متحفظًا على قضية رواية «أولاد حارتنا». 

يحلو للبعض أن يتحدث عن قرار شفهى بمصادرة رواية «أولاد حارتنا»، ورغم أننى بحثت كثيرًا عن التقرير الذى كتبه الشيخ محمد الغزالى إلا أننى لم أجده، وقد قلبت كتابى غالى شكرى «المنتمى» و«نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل» عن نص التقرير الذى قال سليمان فياض إن غالى شكرى حصل عليه، إلا أننى لم أجد له أثرًا. 

الواقع يؤكد أن هناك تقريرين منسوبين إلى الأزهر بتكفير ومصادرة «أولاد حارتنا»، وقد نشرهما محمد شعير فى كتابه «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة» دون أن يخبرنا بمصدرهما. 

التقرير الأول صدر فى ١٢ مايو ١٩٦٨ أى بعد ما يقرب من تسع سنوات على نشر الرواية، بما يعنى أنه ليس تقرير الشيخ الغزالى. 

يقول التقرير الأول: قصة «أولاد حارتنا» تقع فى خمسمائة واثنين وخمسين صفحة من القطع الكبير، وهى من القصص الرمزية التى تتناول تاريخ البشرية ابتداء من آدم وما وقع له ولابنيه، وبعثة الرسل موسى وعيسى ومحمد إلى وقتنا هذا، وما يظهر كل يوم من جديد فى التقدم العلمى. 

وقد رمز الكاتب إلى كل حادثة مشهورة وشخصية معروفة، وأضفى عليها من التصوير ما يحدد معالمها ويدل عليها، وإن لم تكن فى الإطار التاريخى لها، فرمز للإله بالجبلاوى، والجنة بحديقة القصر، وآدم بأدهم، وإبليس بإدريس، وموسى بجبل، وعيسى برفاعة، ومحمد بقاسم، إلى آخر الرموز التى استخدمها فى تصوير الأحداث. 

وقد أخطأ التوفيق الكاتب فى تناوله للإله والرسل: 

أولًا: بالنسبة للإله.. جسد الإله ونعته بصفات مقذعة سواء على لسان إبليس أو قدرى الابن العاصى من ولدى آدم أو الفتوات، وفى بعض الأحيان على لسان الرسل، والبعض الآخر عند تصويره هو لبعض المواقف، وصفه على لسان إبليس بأنه قاطع طريق فى القديم، وعربيد أثيم فى المستقبل، ووصف تقاليد أسرته بالسخف والجبن المهين، وأنه يغير ويبدل فى كتابه كيف شاء له الغضب والفشل، ووصفه على لسان قدرى ابن آدم بأنه لعنة من لعنات الدهر، وأنه البلطجى الأكبر، ووصفه على لسان أحد الفتوات بأنه ميت أو فى حكم الميت، ووصفه على لسان ناظر الوقف بأنه قعيد حجرته، ولا يفتح بابه إلا عندما تحمل إليه حوائجه، ووصفه على لسان أحد تلاميذ عيسى بأنه عاجز وأنه لو كان فى قوته الأولى لسارت الأمور كما يشاء، ووصفه على لسان عرفه رمز العلم بأنه نائم غير دار بجريمته، ثم يختم قصة الرسالات بموت الجبلاوى. 

ثانيًا: بالنسبة للرسل.. صورهم جميعًا فى صورة من يرتاد الغرز ويتعاطى المخدرات، وهذا أخف ما وصفوا به فيما كتب، عيسى وصفه على لسان أحد الفتوات بأنه خنثى، يقول بطيخة أحد الفتوات: قتوات الحارة تجتمع من أجل مخلوق لا هو ذكر ولا هو أنثى، ويصوره على لسان نفسه وتلاميذه بأنه سكير حشاش، يقول رفاعة «عيسى»: الخمر توقظ العفاريت، ولكنها تنعش من تخلص من عفريته، وتساءل كريم وهو أحد أعوان رفاعة: هل أعد المجمرة؟ فقال رفاعة بحزم: نحن فى حاجة إلى وعينا، وينسب إلى رفاعة الزواج من عاهرة وإن لم يقربها، مع أن عيسى لم يتزوج بنص القرآن، وقد ناقض الكاتب نفسه حين يجعل بعض أتباعه يتجنبون الزواج حبًا فى محاكاته، وجعل ولادة عيسى عن زواج، وذلك خلاف ما نص عليه القرآن، ويتنافى ختام حديثه عن عيسى مع ما جاء به القرآن من أنه لم يقتل، ولكنه جعل نهايته القتل. 

ثالثًا: بالنسبة لمحمد المرموز له بقاسم.. وصفه بارتياد القهاوى وتعاطى الجوزة والشراب، وأنه مولع بالنساء يترصدهن بالخلاء عند المغيب، وعند حديثه عن زواجه من قمر «خديجة» اقترب منها بجلبابه الحريرى وجسده ينفث حرارة ممزوجة بسطول حتى وقف أمامها ينظر من عل. 

ومن الألفاظ المقذعة الخارجة التى جاء بها الكاتب على لسان أحد البلطجية فى النيل من قاسم: عرف ابن الزانية كيف يفسد بيننا. 

بل من أفحش الفحش ما سرده من تعليل لزواج قاسم المتعدد، إذ يقول: لم يتغير من شأنه شىء، اللهم إلا أنه توسع فى حياته الزوجية كأنما جرى فيها مجراه فى تجديد الوقف وتنميته، ثم يقوم بسرد التعليل عن زواجه فيقول: إنه يبحث عن شىء افتقده منذ فقد زوجته الأولى قمر، أو أنه يريد أن يوثق أسبابه بأحياء الحارة جميعًا، و إذا كانت الحارة أعجبت به لأخلاقه مرة فقد أعجبت به لحيويته مرات، وإن حب النسوان فى حارتنا مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون، ومنزلته تعدل فى درجات الفتونة فى زمانها أو تزيد، وينتهى الكاتب من قصته إلى أن التقدم العلمى وتطوره بهذه الصورة إرهاص بإنقراض الرسالات وانقضاء أثرها، وأن ذلك أثر من آثار شيخوخة الإله ثم موته. 

ويختتم كاتب التقرير الذى لم يذكر اسمه فى إشارة إلى أنه تعبير عن الأزهر: هذه جوانب المؤاخذة فى القصة، ولا يخفف من وقعها الانتقال من الأحداث الطبيعية وشخصياتها إلى أحداث دالة وشخصيات رامزة، فإن ذلك كله لا يخفى الوجه الحقيقى لكل حادثة ولكل شخصية، كما لا يخفف من وقع هذه المؤاخذات أن ما قدمه الكاتب من حيث هو- بعيدًا عن المعتقدات والمقدسات- عمل فنى ممتاز، وقد كان فى مقدور الكاتب أن يخرج عمله الفنى بعيدًا عن هذا السقوط، لهذا أوصى بعدم نشر القصة مطبوعة أو مسموعة أو مرئية. 

أما التقرير الثانى فقد صدر فى ١ ديسمبر ١٩٨٨ بتوقيع الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، ويبدو أن هناك من طالب الأزهر بفحص الرواية بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وما أشيع أنه حصل عليها تكريمًا له على رواية «أولاد حارتنا». 

لن يشغلنى ما دفع الأزهر إلى كتابة التقرير الثانى، فما جاء فى التقرير هو الأهم، يقول الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية: 

بعد فحص رواية «أولاد حارتنا» للأستاذ نجيب محفوظ نجدها قصة رمزية واضحة الرمز تشير إلى قصة الحياة والبشر، إلا أنها مع وضوح رموزها تحتوى على خلط شديد، ولا تنتظم على سياق تاريخى أو خط رمزى مستقيم، وقد رمز فيها لفترات متعددة: فترة بدء الخلق حتى بعثة موسى عليه السلام، وفترة بعثة موسى إلى بعثة عيسى عليه السلام، ثم بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم-، فترة التخلف والصراع على العالم الإسلامى.. وهكذا.

وقد جسد فى رمزه باسم «الجبلاوى» صورة الإله ونعته بصفات مقذعة سواء على لسان إبليس «إدريس» أو قدرى «قابيل» الابن العاصى من ولدى آدم «أدهم» أو الفتوات، وفى بعض الأحيان على لسان الرسل أنفسهم، أو فى تصوير بعض المواقف، وقد وصفه مثلًا على لسان إبليس بأنه قاطع طريق فى القديم، وعربيد أثيم فى المستقبل، ووصف تقاليد أسرته بالسخف والجبن المهين، وأنه يغير ويبدل فى كتابه كيف شاء له الغضب والفشل، ووصفه على لسان قدرى «قابيل» ابن آدم بأنه لعنة من لعنات الدهر، وأنه البلطجى الأكبر، ووصفه على لسان أحد الفتوات بأنه ميت أو فى حكم الميت، ووصفه على لسان ناظر الوقف بأنه قعيد حجرته، ولا يفتح بابه إلا عندما تحمل إليه حوائجه، ووصفه على لسان عرفة «العلم الحديث» بأنه نائم غير دار بجريمته. 

ثم تنتهى القصة بموت الجبلاوى «الله» على يد عرفة «العلم الحديث». 

وأما بالنسبة للرسل فقد صورهم فى صورة من يرتاد «الغرز» ويتعاطى المخدرات، ووصف جبل «عيسى» على لسان أحد الفتوات بأسلوب التحقير بأنه خنثى، لا هو ذكر ولا هو أنثى، وعلى لسان نفسه ولسان تلاميذه بأنه سكير حشاش، كما نسب إلى رفاعة «عيسى» الزواج من عاهر، وإن لم يقربها، ثم ذكر بعد ذلك أن بعض أتباعه تجنبوا الزواج حبًا فى محاكاته، وجعل ولادة عيسى ناشئة عن زواج، وأنهى حياة عيسى بالقتل. 

أما بالنسبة لقاسم «محمد» فقد وصفه بأنه يرتاد القهاوى ويتعاطى الجوزة والشراب وأنه مولع بالنساء يترصدهم بالخلاء عند المغيب، و استعمل فى النيل منه ألفاظًا مثل ما ذكره على لسان أحد البلطجية: عرف ابن الزانية كيف يفسد بيننا، ويقول فى تعليل تعدد زوجاته: لم يتغير من شأنه شىء، اللهم إلا أنه توسع فى حياته الزوجية، كأنما جرى فيها مجراه فى تجديد الوقف وتنميته، ثم يقول إنه يبحث عن شىء افتقده منذ فقد زوجته الأولى قمر «خديجة»، وإنه إذا كانت الحارة أعجبت به لأخلاقه مرة فقد أعجبت به لحيويته مرات، وإن حب النسوان فى حارتنا مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون. 

هل لاحظتم شيئًا فى هذا التقرير؟ 

إنه بالضبط نفس التقرير الأول، قد يكون اختصر كاتبه بعض المفردات والعبارات، لكنه نفس المضمون تقريبًا. 

وعندما نقرأ الختام سوف نلحظ بعض الاختلاف، يقول الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية: لا يخفف من هذه المؤاخذات أنها سبقت مساق الرمز لأن الرمز مصحوب بما يحدد المقصود منه بغير لبس ولا شبهة، ولا يذكر أحيانًا على لسان بعض المغرضين أو من استغرقتهم واستهوتهم هذه الأفانين من أن الكاتب يكتب فنًا ولا يقصد به القصص الدينى، فنحن فى هذه القصة نعالج القصة ورموزها الواضحة بدون لجوء إلى قصة الكاتب ونيته، وفسوف يحاسبه الله تعالى عليها، وأما تقدير العمل من حيث هو فن رفيع فنتركه لهؤلاء النقاد الذين استساغت أذواقهم الرفيعة مثل هذا الفن.

ويخلص أمين المجمع فى تقريره إلى أنه قرر حظر تداول الرواية أو نشرها مقروءة أو مسموعة أو مرئية، وكذلك حظر دخولها بناء على هذا التقرير وعلى تقاير الأجهزة الرقابية الأخرى.. وبالله التوفيق. 

التقرير الأول كان واضحًا فى موقفه من الرواية ومن صاحبها. 

أما التقرير الثانى فقد وقع فيما يبدو تحت تأثير زخم حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، ولذلك فقد وقف على الحياد من حيث الرأى، فقال أن الله هو الذى سيحاسب نجيب على قصته، وأنه يترك تقدير العمل من حيث هو فن رفيع للنقاد الذين تستسيغ أذواقهم الرفيعة هذا الفن، ورغم أن السخرية واضحة، إلا أن الأزهر ظهر من حيث الرأى وكأنه محايد، لكن من حيث السلوك، فقد قرر مصادرة الرواية بكل أشكالها. 

كان نجيب محفوظ يعرف جيدًا أن الدفع برجال الدين فى معركة «أولاد حارتنا» جاء عوضًا عن دخول رجال السياسة والسلطة فيها، وهو ما جعله يستطيب هذه المواجهة، يؤكدها ويعززها ويرسخها، يتحدث مع الشيوخ ويريد أن يحاورهم وينتظر مناظرتهم التى كان يعرف أنها لن تأتى أبدًا. 

يقول «نجيب» لرجاء «النقاش»: خدع الأزهر فى هذه الأزمة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية وفهمها، بل إن بعضهم لم يقرأ رواية أدبية من قبل، ومن هنا فسروا «أولاد حارتنا» تفسيرًا دينيًا، ورأوا أن شخصية أدهم فى الرواية ترمز إلى آدم، وشخصية جبل هى موسى، وشخصية رفاعة هى شخصية المسيح، أما شخصية قاسم فهى شخصية محمد عليه الصلاة والسلام.. وهكذا. 

ويفسر نجيب أزمة الرواية مبتعدًا عن جانبها السياسى، يقول: «فى اعتقادى أن سبب الأزمة هو التركيز على التفسير الدينى للرواية، مع أن هناك تفسيرات أخرى، فالرواية الواحدة يمكن تفسيرها بأكثر من تفسير». 

ويدلل على ذلك بقوله: وكدليل على صحة وجهة نظرى الخاصة بتعدد التفسيرات بالنسبة للرواية الواحدة، أن ناقدًا وأديبًا شابًا يعمل فى مجلة عالمية أظنها « النيوزويك» بعث لى برسالة طويلة يشرح لى أنه كان يمر بأزمة إبداع لازمته فترة من الوقت، وأثناء هذه الأزمة قرأ بالمصادفة رواية «أولاد حارتنا» مترجمة إلى الإنجليزية، فوجد فيها معانى إنسانية جميلة حركت بداخله المياه الراكدة، كتب نقدًا جميلًا للرواية، أرفقه برسالته، هذا الحماس الذى بعثته الرواية فى داخله دفعه لكتابة عملين قال لى إنهما قيد الطبع، وأنه سيبعث بنسخ منهما لى بمجرد خروجهما من المطبعة. 

وعندما تحدث «نجيب» عن الرواية فى تحقيقات النيابة على هامش محاولة اغتياله، حدد موقفه فى نقاط محددة، أخذنا فيها وأخذ المحقق على أرضية الدين وليست السياسة، وجاء موقفه كالتالى: 

أولًا: أحب أن أوضح شيئًا مهمًا بخصوص «أولاد حارتنا» اللى بيتخذها الإرهابيون كسند أو دليل لهم على استباحة دمى أو على أننى مرتد على حد قولهم، وهو إن الرواية ألفت قبلها روايات كثيرة بتطبع ككتب، ورواية «أولاد حارتنا» كانت بداية اتصالى بالصحافة، وكانت تنشر مسلسلة فى جريدة الأهرام، وبداية مش معقول يكون رواية فيها مجازفة فكرية أو اجتراء على الذات الإلهية وأختارها لكى تنشر على عناوين الصحف. 

ثانيا: «أولاد حارتنا» مثل «كليلة ودمنة» تخلق عالمًا متطورًا لتوحى بعالم وراءه، فنحن بين حيوانات عاشت فى غابة، ولكن نعرف الحكم والعلاقات بين الأفراد، وحكمة الحكماء وسفاهة السفهاء، ولكن ما دام التزمنا إن احنا نكون فى الغابة، فلازم يكون أبطالنا حيوانات، لأننا بنعامل المرموز له بالحيوان، وعلى نفس النمط مشيت فى «أولاد حارتنا» بأعرض فيها لحياة المصريين فى حارة وأسلوب حياتهم والظلم بكل ما فيه، ثم يجىء الناس اللى رمزت لهم برمز الرسل وغيره ليدافعوا عن الحارة، وعلشان وصية الجبلاوى تنفذ، علشان يحسن هذا الرمز فى الحارة فى صراع بين الأشرار التى فيها، اللى بينهبوا الوقف ويظلموا العباد، حتى ينتصر الحق فى النهاية كرمز لانتصار دين من الأديان. 

ثالثًا: «الرواية بتصور إن الدين لعب دورًا فى تطوير البشرية والدفاع عن أبنائها باسم المبادئ الإلهية، وفى ذات القصة يجىء واحد اسمه عرفة معجبانى بنفسه وادعى إن هو اللى يقدر يصلح الحارة مش الجبلاوى ولا غيره، وادعى كمان إن الجبلاوى مات وراح لحاله، وإذا به يقع تحت سيطرة ناظر الوقف وكل علمه يسخره فى خدمة الناظر وليس فى خدمة الحارة، لذلك هو بنفسه قال يجب إحياء الجبلاوى، وموت الجبلاوى وإحياؤه رمز للكفر والعودة للإيمان بإحياء الجبلاوى». 

رابعًا: «أنا عايز أقول إن الرواية دى من وجهة نظرى أنا ككاتب أول تبشير لضرورة التحام العلم بالإيمان، والرواية تقول بصريح العبارة إن الدين أنقذ البشرية من المظالم، وإن العلم قادر أيضًا على أن يرتقى بها ويحسن حالتها، لكن بشرط ألا يحيد عن مبادئ الدين، وهناك دليل آخر على أن هذه الرواية لا تتضمن ارتدادًا أو كفرًا أو طعنًا فى الأنبياء والرسل، إن هذه الرواية كتبت سنة ١٩٥٩ وتم نشرها وحجبت عن النشر، إلا أن العقاب عليها يأتى بعد فوات هذه المدة الطويلة، وبعد حصولى على جائزة نوبل مما يدل على أن هذا القصد من الاعتداء على ليس هو أخذى بما ورد بهذه الرواية، وإنما اتخذوها وسيلة أو مبررًا لقتلى دون سبب». 

وفى كتاب «محفوظ.. سيرة وطن» تحدث نجيب مستفيضًا فى هذه الرؤية. 

يقول: هذه الرواية اتهمت ظلمًا أنها تقتل القيم الروحية فى وقت هى فيه رواية تبحث عن القيم الروحية، ولا أريد أن أذكر بحيثيات جائزة نوبل كى لا أتهم أننى أردد وجهة نظر الغرب، ولكن لا بأس من أن أذكر أن الفقرة الأخيرة فى هذه الحيثيات تقول إن هذه الرواية تناول صاحبها بحث الإنسان الدءوب عن القيم الروحية، وهذا تقدير جاء من الأغراب، أليس هذا شيئًا محزنًا، إن هذه الرواية ليست مصادرة إلا فى مصر، وهى فى الوقت نفسه متداولة شرقًا وغربًا فى البلاد الإسلامية فى المشرق والمغرب، وفى البلاد الغربية فى أقصى الغرب، وفى هذه المساحات الشاسعة على الكرة الأرضية، فى الجهات الأربع لم يعترض عليها مسلم واحد سواء من المسلمين العاديين أو المتخصصين. 

ويتحدث «نجيب» عن موقف أساتذة الدين وعلمائه من الرواية، يقول: يصعب فهم موقفهم، وهذا يعود إلى موقف فنى أكثر منه موقف دينى، إن المشكلة الأساسية هو ما غاب تمامًا عند قراءة الرواية، فالرواية يجب أن تقرأ كرواية وليست كتاريخ قط، المطلوب أن نقرأ العمل الروائى وليس الدين أو التاريخ. 

يعود «نجيب» مرة أخرى إلى كتاب «كليلة ودمنة»، يقول: لدينا فى التراث العربى كتاب «كليلة ودمنة» وهو كتاب عن عالم الحيوان.. هل أحد يجهله؟ بالطبع لا، إذن فلنتوقف عنده برهة، إن رموزه ترمز إلى ملوك وأمراء ووزراء وحكماء وأخيار وأشرار، هذا الكتاب يقتضى أن نقرأه ككتاب حيوانات، لنستنتج بعد ذلك مغزى الرمز وفحواه، فالفن لغة واحدة لا يخطئها الوجدان قط. 

ويضيف: «معنى هذا أنه لا يجوز على سبيل المثال أن نعترض على أن الثعلب الذى يرمز له فى هذا النص التراثى الكبير إلى الوزير، أى وزير، هذا الوزير ينبش فى الزبالة، فتعترض على مؤلف الكتاب وتقول: كيف ينبش فى الزبالة هذا الوزير؟ إن الذى ينبش فى الزبالة يا عزيزى هو الثعلب وليس الوزير.. أليس كذلك؟ غير أن مغزى الحكاية التى يقوم بها الثعلب هى التى ترمز إلى معنى الوزير». 

يخرج «نجيب» من «كليلة ودمنة» إلى روايته «أولاد حارتنا» يقول: «فالمسألة إذن جبل أو رفاعة أو قاسم أو أى واحد من شخصيات الرواية يعتبر من الأبطال المصلحين، ليس من الأشرار قط، وبعد ذلك نستطيع أن نطرح المعنى الرمزى، لكن أن نتجاوز جبل فنقول أو نزعم أنه سيدنا موسى، فإن هذا يعتبر فى الحقيقة تجاوزًا فى الحقيقة، إن هذا هو جبل ابن الحارة». 

ويصل «نجيب» إلى رجال الدين، فيقول: إذن إنهم لا يعرفون كيف تقرأ الرواية، ولذلك حدث سوء فهم لها من بعضهم، واعتبروها ماسة بكرامة الأنبياء، وصنعوا ضجة هائلة وطالبوا بمحاكمتى. 

بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل تجدد الهجوم على أولاد حارتنا، وهذه المرة جاء من منتمين إلى الإخوان والسلفيين. 

يتحدث هو عن هجوم الإخوان إلى رجاء النقاش من خلال كاتبهم أنور الجندى.

يقول: «بعد حصولى على جائزة نوبل بفترة كتب الأستاذ أنور الجندى مقالًا فى مجلة - أظنها الاعتصام- يهاجمنى بعنف ويقول إن أدبى كله فسق وفجور، والجندى هو نفسه الذى كفر طه حسين من قبل، وكتب أن فن القصة فن استعمارى مخالف للإسلام، مع العلم أن القرآن يحتوى على قصص من أجمل ما يمكن، والنقلات فى القصص القرآنى من أعذب وأحدث ما يمكن، وفى طريقة القصص القرآنى ملامح الأساليب الحديثة فى فن القصة من ناحية الصور والأساليب واللغة». 

وشنت جريدة النور التى كان يرأس تحريرها الحمزة دعبس- والذى لم يكن يخفى إنتماءه للتيار الدينى المتشدد- أكبر حملة للهجوم على نجيب محفوظ وعلى روايته، وحرصت فى عناوينها على أن توجه القراء إلى أن نجيب جسد الله والأنبياء فى روايته. 

بعد هجوم أنور الجندى وجريدة النور على نجيب محفوظ وروايته ظهر اسم عمر عبدالرحمن، والرواية لنجيب محفوظ الذى يقول: بعد أنور الجندى جاءت فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن الذى قال فى حديث صحفى نشرته جريدة الأنباء الكويتية: إننا لو كنا قتلنا نجيب محفوظ عندما نشر رواية «أولاد حارتنا» ما ظهر إلى الوجود سلمان رشدى، وأحضر لى الصحفى الأستاذ سليمان الحكيم نسخة من جريدة الأنباء الكويتية التى تحتوى على الحديث وأطلعنى عليها. 

لم تؤت هذه الحملة ثمارها إلا بعد ذلك بسنوات، وتحديدًا عام ١٩٩٤ عندما طعن أحد أتباع عمر عبدالرحمن نجيب محفوظ محاولًا قتله. 

ورغم أن الظرف كان مناسبًا جدًا لأن يتحرر نجيب محفوظ من التزامه بعدم نشر رواية «أولاد حارتنا» فى مصر مرة أخرى سواء فى كتاب أو غيره، وحتى إذا قدر لها أن تنشر فلا بد أن تحصل أولًا على موافقة الأزهر، إلا أنه لم يفعل ذلك. 

فبينما كان نجيب لا يزال فى المستشفى يتلقى علاجه بادرت جريدة الأهالى، ونشرت الرواية كاملة فى عدد خاص دون انتظار لموافقة الأزهر أو حتى الحصول على إذن من صاحب الرواية، فقد كان الحادث دافعًا أكبر من أى موافقة أو أى إذن. 

وبررت الجريدة ما أقدمت عليه بقولها: «ننشر الرواية ليقرأها الناس جميعًا، لأن مبدعها الأصيل يرقد فى مستشفى الشرطة، مصابًا بمطواة فى رقبته، طعنه بها شقى من الأشقياء الذين قال لهم فقهاء الحاكمية إنها رواية ملحدة وصاحبها ملحد لا بد من قتله». 

وعندما فكر مجدى الدقاق رئيس تحرير مجلة الهلال أن يصدر الرواية ضمن سلسلة روايات الهلال، سعى كثيرون لإفشال محاولته الجريئة لأسباب تتعلق ببيزنس النشر، وساعتها لم يتدخل نجيب محفوظ. 

بعد سنوات سألت الدقاق عما دفعه إلى محاولة نشر «أولاد حارتنا»، فقال لى- وهو مثقف كبير وقارئ محترف- أنه كان ولا يزال يعتبر أن «أولاد حارتنا» لم تعد ملكًا لنجيب محفوظ وحده، بل هى ملك لقرائه فى مصر وفى غيرها، ولما كانت الراوية معطلة عن الصدور فى مصر، فقد كان لا بد لأحد أن يأخذ المبادرة، وقررت أنا أكون من يفعل ذلك. 

حكى لى «الدقاق» كذلك عن كواليس إفشال محاولته، وعن الخيانة التى تعرض لها، فقد كان يريد أن يفاجئ الجميع بصدور الرواية، لكن هناك وفى دارالهلال من نقل الخبر إلى أحد كبار الناشرين الذى تعاقد مع نجيب محفوظ لنشر كل أعماله، فتحرك لمنع النشر وهو ما دعمه فيه نجيب. 

كانت لدى نجيب أكثر من فرصة إذن لنشر الرواية، لكنه كان متمسكًا بشرطه ألا تصدر إلا بموافقة الأزهر، وهى خيانة أخرى من خيانات نجيب لروايته. 

كانت لدى نجيب وجهة نظر فى مسألة موافقة الأزهر، فقد كان يريد أن يتفق معه الأزهر فى فهمه لروايته، وفعل ذلك لأنه- كما يقول- ليس ضد الدين ولا ضد الأزهر، ولو كان ضده ولو كانت الرواية ضده لدخل فى تحدٍ معه، ولسعى لنشر الرواية رغمًا عن الأزهر، لكنه ليس كذلك، فلا هو ضد الأزهر ولا هو ضد الدين. 

لم يتوافق نجيب محفوظ مع الأزهر، ويبدو أنه يأس من ذلك، وفى النهاية وافق على نشر الرواية لأول مرة فى كتاب من خلال «دار الشروق» بعد أن كتب المفكر الإسلامى أحمد كمال أبوالمجد مقدمة لها، ويبدو أن نجيب اعتبر أن هذه المقدمة دليل على مباركة الأزهر، فلم يكن لأبوالمجد أن يغضب الأزهر ولا رجاله، ويبدو أن هذا كان اتفاقًا ضمنيًا تواطأ الجميع عليه لتخرج الرواية لأول مرة فى كتاب داخل مصر. 

روى «أبوالمجد» قصته مع نجيب محفوظ ومع روايته «أولاد حارتنا» والتى دار بينهما حوار بخصوصها عندما زار أبوالمجد الأستاذ فى مستشفى الشرطة بعد محاولة الاعتداء عليه. 

استمع أبوالمجد من محفوظ قوله: «إن المغزى الكبير الذى توجت به الرواية أن الناس حين تخلوا عن الدين ممثلًا فى (الجبلاوى) وتصوروا أنهم بالعلم وحده ممثلًا فى (عرفة) يستطيعون أن يديروا حياتهم على أرضهم التى هى الحارة، اكتشفوا أن العلم بغير الدين قد تحول إلى أداة شر، وأنه قد أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم، فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوى». 

وافق أبوالمجد نجيب فى رؤيته، وقال: «الواقع أننى قرأت (أولاد حارتنا) منذ عدة سنوات، وأذكر أننى تعاملت معها حينذاك على أنها رواية وليست كتابًا، ولذلك تفهمت ما امتلأت به من رموز تداخل فى صياغتها الخيال، ولم أتصور أبدًا أن كاتبها كان بهذا التداخل يحاول رسم صورة تعبر عن موقفه من الحقائق التى يتناولها ذلك الخيال أو تشير إليها تلك الرموز، ولكن الذى استقر فى خاطرى على أى حال وبقى فى ذاكرتى منها إلى يومنا هذا، والذى رأيته معبرًا عن موقف كاتبها الذى يريد إيصاله إلى قرائه، هو تتويج حلقات روايته الرمزية بإعلان واضح عن حاجة الحارة التى ترمز للمجتمع الإنسانى، إلى الدين وقيمه التى عبر عنها الرمز المجرد «الجبلاوى» حتى وإن تصور أهل الحارة غير ذلك وهم معجبون ومفتونون بعرفة الذى يرمز إلى سلطان العلم المجرد والمنفصل عن القيم الهادية والموجهة لأهل الحارة. 

ختم أبوالمجد شهادته على رواية «أولاد حارتنا» بقوله: «إننى أدرأ عن كتابات نجيب محفوظ سوء فهم الذين يتعجلون الأحكام ويتسرعون فى الاتهام، وينسون أن الإسلام نفسه قد أدرج كثيرًا من الظنون السيئة فيما دعا إلى اجتنابه من آثام، كما أدرأ عن تلك الكتابات الصنيع القبيح الذى يصر به بعض الكتاب على أن يقرأوا فى أدب نجيب محفوظ ما يدور فى رءوسهم هم من أفكار، وما يتمنون أن يجدوه فى تلك الكتابات، مانحين أنفسهم قوامة لا يمكلها أحد على أحد، فضلًا عن أن يملكها أحد منهم على كاتب له فى دنيا الكتابة والأدب ما لنجيب محفوظ من القدم الثابتة والتجربة الغنية والموهبة الفذة النادرة التى أنعم بها الله عليه». 

ظهرت رواية «أولاد حارتنا» فى كتاب داخل مصر بداية من عام ٢٠٠٦، بعد ما يقرب من ٤٥ عامًا على مصادرتها، ورغم أن هذا النشر كان من المفروض أن ينهى أسطورتها، فلا أسطورة إلا بالمنع، وها هى لم تعد ممنوعة، لكن ظلت أسطورة «أولاد حارتنا» وأعتقد أنها ستظل، لسبب بسيط وهى أنها كما قلت عند أول مرة قرأتها فيها ليست إلا إلهامًا كاملًا لنجيب محفوظ من الله، ومن يلقيه الله فى قلوب عباده الطيبين يبقى أبدًا. 

قد تكون هذه خاتمة مناسبة للحديث الذى طال بيننا عن خيانات نجيب محفوظ لروايته «أولاد حارتنا». 

لكن من حقى هنا أن أعيد عليكم ما كتبته فى كتابى «الله فى مصر»، وتحديدًا فى فصل «أنت فين يا جبلاوى.. أنت فين يارب؟»، لأنه يلخص لكم ما أراه فى هذه الرواية. 

يمكن أن تقرأوا هذا الخاتمة.. وبعدها سينتهى بيننا الحديث. 

لم يختلف نجيب محفوظ فى شىء عن الذين هاجموه ونقموا عليه لأنه صور الذات الإلهية فى روايته «أولاد حارتنا»، هم ينافقون الله، ويصرخون بأعلى صوتهم حتى يسمعهم وهم يدافعون عنه ويدفعون عن طريقه الأذى، ونجيب ينافق المجتمع كله ويلح على أنه لم يكن يقصد الله أبدًا، حتى لا يغضب هذا المجتمع البائس الذى يتاجر بدينه وتدينه، بل لا يمانع من المتاجرة بالله نفسه. 

ولذلك بالنسبة لى فنجيب محفوظ خان إبداعه وفكرته وروايته، بل خان الله الذى جعل منه أهم بطل فى رواياته، ثم تنكر له بعد ذلك، وقال إنه لا يعرفه، بل لم يقابله داخل الأوراق أو خارجها. 

راجع الذين غضبوا من نجيب محفوظ، أو بالأحرى هؤلاء الذين حرضوا على قتله دون أن يقرأوا روايته، لتعرف أنه كان مخطئًا فى إخفاء الله بين طيات ثوبه، فالذين حاصروه لم يعرفوا الله حق المعرفة، ولذلك كان يجب أن يواجههم مواجهة كاملة، لا يهرب منهم كما هرب. 

فى ثلاثية نجيب محفوظ تقول شخصيته الشهيرة الست أمينة: «الله وحده يعرف من أنا». 

أعتقد أن هذه الجملة تمثل نجيب محفوظ جدًا، لذلك فكل ما قيل عنه وعن علاقته بالله وعن اجترائه عليه ليس إلا كذبًا وسرابًا، وهباء لن يصمد أبدًا، كان ينقصه فقط أن يدافع عن الله الذى يعرفه، لا أن يتركه نهبًا لمن ينافقونه ويقدمون أنفسهم على أنهم المحاربون الكبار فى ساحة الدفاع عنه، رغم أنهم ليسوا أكثر من متكسبين منه.