قلوبهم معلقة بمصر 3.. تيوفيل جوتييه.. فرنسى مسته مومياء مصرية!
- زار مصر للمرة الأولى بدعوة لحضور احتفالات افتتاح قناة السويس
- كتب عن سحر الإبحار فى نيل طيبة وجمال غروب الشمس على ضفافه
هل كان الفرنسى تيوفيل جوتييه «1811- 1872» يبحث عن وطنه الحقيقى عندما كتب أعمالًا أدبية استلهمها من مصر مثل روايتى «ليلة من ليالى كليوباترا» و«المومياء» وقصيدته الشهيرة «حنين المسلات إلى الوطن»؟.. هل استشعر جوتييه فى وقفته أمام المسلة المصرية فى ميدان الكونكورد بباريس غربة المسلة المصرية وحنينها إلى وطنها مصر وشعورها بالملل وعدم التجانس مع المكان الجديد الغريب؟.. وهل جال بخاطره فى تلك اللحظة أن المسلة المصرية تشعر بالفارق الكبير بين نهر النيل أبوالأنهار الذى كانت تقف عليه ويداعب قدميها أثناء فيضانه وبين نهر السين الذى نقلت إليه ويلوث قدميها؟.
ربما بعد تجواله فى معرض الكرنك الذى أقيم بالمكتبة الوطنية بباريس فى عام 1844م تكونت لديه صورة ذهنية لمصر الغامضة التى جعل منها مكانًا لأحداث روايته المومياء، التى يشغل فضاء معمارها نقوش هيروغليفية على جدران معابدها، وتماثيل مقدسة برءوس حيوانات، ومقابر ملكية من الجرانيت الوردى، ومسلات، وكهنة يطوفون حاملين أدواتهم المقدسة.. ربما لديه مخيلة تستحضر ما لم تره عيناه وما لم تسمعه أذناه وتبعث الحياة فى نصوص ورسوم لمؤلفين كتبوا عن مصر القديمة التى استهوته، ورسموها فى لوحات تصوير.

ثلاثون عامًا من انشغاله بمصر القديمة
فى فصول ومشاهد روايته «المومياء» إحياء لماضى طيبة القديمة البعيد بأحداثه وأمكنته وألوانه وأصواته وروائحه، وإضفاء أجواء احتفالية وملحمية على صوره التى يرسمها بكلماته التى تنطبع بدورها فى ذهن القارئ لوحات ملونة غارقة فى الضوء.
كيف تسنى للرسام والكاتب جوتييه أن يكتب عن سحر الإبحار فى نيل طيبة وجمال غروب الشمس على ضفافه وعن ليالى كليوباترا والعازفات الفرعونيات وأعياد الحصاد ومشهد انتصار سيتى الأول وعودته منتصرًا إلى بلاده، وهو الذى لم تتح له فرصة رؤية مصر إلا فى عام ١٨٦٩م قبل وفاته بثلاثة أعوام وبعد ثلاثين عامًا من انشغاله بمصر القديمة أثناء كتابته لروايته «ليلة من ليالى كليوباترا» فى عام ١٨٣٨م؟
أى خيال خلاق لكاتب يجعله يستوحى شخصيات رواياته من كتابى شامبليون «حكايات من مصر والنوبة» و«آثار مصر والنوبة» وكتاب فيفون دى نون «رحلة إلى مصر السفلى والعليا» وكتاب ويلكنسون «عادات وتقاليد المصريين القدماء»؟.. وأى مخيلة خلاقة لرسام تجعله يرسم وينقل بكلماته فى روايته حزن تماثيل أبوالهول التى لا تستطيع الانفصال عن قاعدتها الجرانيتية منذ أكثر من عشرين قرنًا؟.. أتراه لم يكن فى حاجة إلى السفر إلى مصر والعيش فيها، لأنها كثيرًا ما تأتيه فى أحلامه، ولأنه كان يسافر إليها بخياله ويطيل البقاء فيها مستعينًا بأحاديثه مع كتاب ورحالة مثل «جيرار دى نرفال» و«فلوبير» و«مكسيم دى كوم» ومع فنانين تشكيليين رحالة مثل «ماريللا» و«ارنست فيدو» و«بلزونى»؟
أى خيال شاعرى عبقرى هذا الذى يحرك الشاعر داخل تيوفيل جوتييه، بعد لقاء جمعه مع فلوبير ومكسيم دو شامب وتحدثوا خلاله طويلًا عن معشوقته مصر بعد عودتهما مباشرة منها، فينظم فى عام ١٨٥١م قصيدة يضمنها حزن المسلات المصرية فى الخارج وشوقها إلى موطنها الأصلى مصر وبكائها بدموع من الجرانيت، ويصور فيها النيل العملاق ذات اللحية البيضاء والمغطى باللوتس ونباتات الأثل؟
كما توحد فى كتاباته مع حنين كليوباترا، التى كانت مولعة بسماء ملبدة بالغيوم، ومتلهفة إلى هوى يأتى ليحطم الرتابة، ومع حنين مسلة باريس إلى الوطن الأم، كذلك توحد جوتييه مع مسلة الأقصر وتحدث بلسانها فى وحدتها الأبدية قائلًا: «عندما يتملكنى الملل أتـخذ رفقاء وصديقات من الفلاحين والمومياوات المعاصرين للملك رمسيس.. أنظر إلى تمثال قديم ضخم فقد ملامحه وإلى القوارب ذات الأشرعة البيضاء التى تصعد وتهبط مجرى النيل».

أرض تتفتح فيها زهور الشعر والفن
ينقلنا جوتييه إلى أرض الخيال والحلم الشرقى التى تتفتح فيها زهور الشعر، وإلى مصر القديمة التى جعلها مكانًا لقصص من ألف ليلة وليلة، وإلى صور المشربيات المصنوعة من الأرابيسك، وأزياء شهر زاد المستلهمة من الرسومات التى أتى بها من مصر الفاطمية والأيوبية والمملوكية صديقاه دوزا وماريلا.
كان تعطشه إلى رؤية مصر مثل تعطشه إلى الماء، وكان حنينه إلى مصر يقوى ويشتد، بما يسمعه عنها من ذكريات أصدقائه الكتاب والرسامين فيها، وبما يقرأه عنها من كتابات الكتاب والأدباء والرحالة، وبما يشاهده من لوحات رسامى الشرق: «مراكب على النيل» لليون بيلى، و«بائع القاهرة المتجول» لجان جيروم، و«شارع من شوارع القاهرة» أو «حى الجمالية» لإميل كرابليه، و«ميدان الأزبكية بالقاهرة» لبروسبير ماريلا.
جوتييه الذى لم يكن فى مقدوره إلا أن يتأثر بثراء الشرق وبريق ضوئه وتآلف ألوانه وبهاء أزيائه.. كيف تسنى له أن يرسم فى مخيلته تلك الوجوه الجميلة الرائعة عن مصر؟.. هل كان للوحات هؤلاء الرسامين، فضلًا عن لوحات «دافين، دوزا، فوشير، سيشان، ديسبليشان، وديترليه» أثر فى تزايد حنينه وفضوله المتعطش إلى التعرف على مصر وطنه الحقيقى؟
سماء القاهرة الصافية الدافئة، بالقباب السمراء الذهبية، وبأذرع المآذن المرتفعة بالدعاء إلى الله فى الأعالى، وبأضواء الشمس الغاربة خلف التلال البعيدة، وبأجواء ألف ليلة وليلة.. مثل هذه الصورة التى اختزنها جوتييه فى صندوق الصور والتذكارات بمخيلته عن مصر، هل كانت لها قوة الدافع لقيامه بزيارة وطن روحه الذى عاشه فى أحلامه لزمن طويل وتمنى رؤيته منذ طفولته المبكرة؟
كانت ظروف عمله الصحفى فى باريس قد اضطرته إلى أن يودع أصدقاءه المسافرين إلى مصر وأن يستقبلهم عند عودتهم منها الواحد بعد الآخر دون أن يستطيع مصاحبتهم، لكن حنينه إلى مصر لم يكن ينتظر سوى فرصة واحدة، وجاءته هذه الفرصة بعد سنوات طويلة من الحلم بمصر والقراءة عنها والمراسلات حولها ومن مؤلفاته المستلهمة منها.. أتيحت لعاشق مصر فرصة زيارتها للمرة الأولى عندما تلقى كصحفى دعوة لحضور احتفالات افتتاح قناة السويس، وكان أن استقل الباخرة فى التاسع من أكتوبر عام ١٨٦٩م مستهلًا رحلته إلى مصر التى انتظرها طويلًا.
لكن على درج سلم الباخرة أثناء رحلة إبحاره إلى مصر زلت قدمه وأصيب ذراعه، وعندما نظر إلى ذراعه المعلقة إلى صدره أدرك أنه لن يكون فى استطاعته إلا رؤية القليل من معشوقته مصر التى ألهمته روايات ورسومات لسنوات طويلة، ولن يكون فى وسعه رؤية المعابد والمقابر والمساجد والأسبلة، ولن يكون فى مقدوره القيام برحلة إلى مصر العليا، وسيكون فى استطاعته فقط أن يلمح الأهرامات من بعيد عبر نافذة القطار وهو يقترب من محطة السكك الحديدية فى القاهرة.
وخلال الرحلة التى تأخرت كثيرًا والتى كان يريد منها مشاهدة ومعايشة ومعاينة ومراجعة أمكنة كاد يحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب، تعين عليه أن يقنع بما رسم من لوحات لما شاهده على رصيف ميناء الإسكندرية من تزاحم الحمالين والمسافرين ورجال الجمارك والشرطة، ولما رآه من صورة الريف المصرى فى الدلتا عبر نافذة القطار، ولما شاهده فى جلسته من نافذة غرفته بفندق شبرد بحى الأزبكية بالقاهرة.

أول رحلة فى كتاب «الشرق»
استهل مقالاته الست التى كتبها بعد عودته إلى باريس للجريدة الرسمية، والتى جمعت فيما بعد فى كتاب أسماه «الشرق»، بمشاهد وصول الباخرة إلى ميناء الإسكندرية، والليلة التى أمضاها بفندق إنجلترا، ثم جلوسه فى ديوان الدرجة الأولى بالقطار، الذى سافر به إلى القاهرة بعرباته البيضاء ومقاعده المغطاة بالجلد الأخضر..
وفى إحدى هذه المقالات رسم بقلمه لوحة للريف المصرى كما بدا له من نافذة عربة القطار:
«ما يفرض نفسه على عقل المسافر فى ريف مصر؛ تلك العلاقة الحميمة بين الفلاح والأرض، فالفلاح المصرى معجون بداخل الأرض وبالكاد يظهر على سطحها.. يذهب ويجىء على هذه الأرض المبللة، فنشعر أنه فى بيته يشرف بزيه الأزرق على قران الأرض بالماء، كما نشعر أنه ليس هناك أى مكان يكون الاتفاق بين الإنسان والأرض أوضح من ذلك، وليس هناك أى مكان تكون للأرض فيه أهمية أكثر من ذلك، فهى تُضفى لونها على كل شىء؛ البيوت مغطاة بلون الأرض، والفلاحون بلونهم الأسمر، والأشجار تتناثر عليها طبقة من التراب، والمياه محملة بالطمى، والرسام أمام لوحته لن يحتاج إلا إلى لون الأرض مع قليل من الأبيض وأزرق الكوبلت للسماء».
ما أثار دهشة جوتييه وهو يرنو ببصره عبر نافذة عربة القطار الذى يقله من الإسكندرية إلى مصر هو:
«تلك الحركة التى يعج بها ريف مصر، وذلك الجمع الغفير من المشاة والمسافرين تزدحم بهم الطرق الممتدة بطول القنوات التى تعبر المناطق المتكدسة بالسكان.. وليس هناك ما هو أكثر تسلية وأكثر تنوعًا من مشهد هؤلاء الناس الذاهبين إلى أعمالهم، ويتناوبون على مربع نافذة القطار كما لو كان لوحة ذات إطار ثابت ويتغير ما بداخله من صور ورسومات مائية باستمرار».
يصف جوتييه الرسام المنظر تلو المنظر، بما يحتويه من فلاحين وجاموس، وزوجة فلاح تتهادى فوق ظهر حمار حاملة طفلها بين ذراعيها، فيما يشبه- حسب رؤيته- لوحة هروب العائلة المقدسة إلى مصر.. ويصف نهر النيل الغامض «أبوالأنهار» الذى يأتى مسرعًا من إفريقيا السوداء:
«نهر النيل فى وقت الفيضان يجرى بقوة بلا عراقيل مع فيض من طمى مائل للحمرة يكاد يأخذ شكل المياه بقوامه السميك كأنه نهر من الطين، وتكاد السماء تضفى بانعكاساتها هنا وهناك على بريق أمواجه بعض اللمسات اللازوردية الخفيفة».
بعد أن نزل فى فندق شبرد بميدان الأزبكية، أسر جوتييه إلى نفسه «لقد أنزلونا داخل أحلامنا».. وبعد أن تكحلت عيناه برؤية القاهرة التى كان يتخيلها مثل إحدى مدن ألف ليلة وليلة كما فى لوحة ماريلا، تحدث إلى نفسه ربما بصوت خفيض: «هذه هى القاهرة التى تحدثنا عنها مع جيرار دى نيرفال وجوستاف فلوبير ومكسيم دى كوم الذين أثاروا وألهبوا فضولنا بكتاباتهم».
نظر إلى ميدان الأزبكية الذى خططه بستانى فرنسى وبدا يأخذ شكل حديقة مونسو بباريس، باحثًا فيه عن لوحة ماريلا التى عرضت فى معرض صالون باريس فى عام ١٨٣٥م، وفيها شجرتا خروب عملاقتان وساقية متوقفة عن العمل فى ظلالهما المائلة إلى اللون الأزرق، وعرب يتحدثون إلى جوار الجمال، ومشربية بلون الذهب.. لكنه لاحظ ما لحق بشجرتى ماريلا من كبر بفعل مرور السنين

ما نراه من فندق شبرد للقاهرة فى 1869
فى كتابه «الشرق» وفى فصل بعنوان «ما نراه من فندق شبرد»، رسم جوتييه بكلماته لوحة بانورامية لقاهرة ١٨٦٩م: «سقاءون محنية ظهورهم من ثقل وزن قرب المياه المصنوعة من جلد الكباش.. سياس بقاماتهم الممشوقة وبصديرياتهم القطيفة المشغولة بالخيوط الذهبية وبأكمامهم الفضفاضة المشقوقة حتى الأكتاف، يهرولون أمام عربات الباشوات التى تجرها الخيول.. أتراك بطرابيشهم وستراتهم الردنجوت.. بدو بأزيائهم من الصوف الرمادى اللون.. يونانيون بشواربهم العالية يرتدون التنانير والسترات الحمراء وخناجر معلقة فى أحزمتهم كأنهم خارجين على التو من لوحة للفنان جيروم.. نوبيون بعضلاتهم المفتولة.. أحباش بشعرهم المجعد وعماماتهم الزرقاء». ما أمكنه مشاهدته فى القاهرة وذراعه معلق إلى صدره.. بولاق، والميناء على النيل، وقصر الجزيرة بالقرب من كوبرى بولاق الذى تم تجهيزه لاستقبال الإمبراطورة أوجينى والذى تعدت فخامته كل الحدود على حد وصفه، ولم يشهد بالطبع حفلات القاهرة والإسماعيلية التى أقامها الخديو إسماعيل على شرف الإمبراطورة أوجينى، وكان حزنه عميقًا لعدم مصاحبته الوفود القادمة من فرنسا فى رحلتهم إلى مصر العليا الهاجعة فى قلبه.. وقد اتضح ذلك فى رسالته لابنته أسيل: «لقد أبحر الزملاء جيروم ونورفين وبرشير وكاترفاج وبرتلو وشنفيير وإيسامبير على مركب بخارى إلى أعالى النيل.. كان فى مقدورى أن أصحبهم ولكن فى هذه الحالة كنت سأحرم من الرحلات على ظهر الحمير أو الخيل أو الجمال لزيارة بعض الآثار التى لم تكن تبعد كثيرًا عن النهر.







