الشاعر العراقى نامق عبد ذيب يكتب: جنَّة فى مِحبرة
ما من أحدٍ يستطيع أنْ يُخرجَكَ
من دواة الحِبْر
وهذه الكلماتُ التى تلمع يوميًّا
كجروحٍ مأساوية
تتجمَّع لتكوِّنَ بحيرةَ رثائِك
كان بإمكانِكَ ومنذ شجرتِكَ الأُولى
التى زرعتَها فى المَهبِّ
أنْ تُشيرَ لرغباتِكَ لكى تأخذكَ إلى الجَنَّة
ولكنّكَ اخترتَ ترابَكَ وقليلًا من سَواد أيَّامِكَ
وكثيرًا من الكلمات
وأقمتَ هناك فى الهواجس
تنتظرُ السَّكاكينَ القادمةَ من الأفق
لتجرحَ قلبَك
وحين رأيتَ الخريفَ يُلوِّح
صعدتَّ كغيمةٍ من ذهب
تُشير لأولئك الذين تركوا حقائبَهم
فى المحطّات ولم يلتفتوا
كنتَ تسألُ عنهم الأَيائِلَ التى رمقتْهم
فى النَّهار الغريب
لكنَّهم حين مرُّوا أمامَكَ
أشاحَ النَّهار بضوئِهِ وأَوغلوا فى الغياب
وحين سمعتَ الصَّبيَّةَ تسأل أُمَّها
لماذا لم يعودوا؟
رأيتَ أُمَّها تُشير إلى الأفق قائلةً:
اسكتى يا ابنتى
هذه حقائبُهم تركَها اللصوصُ فارغةً
وذاك حَمَامُ قصائدِهم يطير
وتلكَ أَرواحُهم
الشُّعراءُ يا ابنتى يختفون بلا سبب
كما يظهرون
وهم حين تأخذُهم أحلامُهم
لا يعودون من النَّوم
اسكتى يا ابنتى
تغيبُ أحلامُنا حين لا ينامون
فلا توقظيهم
ما من أحدٍ يستطيع أنْ يُخرجَكَ من الجَنَّة
وفراديسُكَ التى خلقتَها دون مثالٍ
مِلْكُ يديك
أنتَ قادرٌ على أن تروحَ بعيدًا فى المحارةِ
لتجلوَ لؤلؤةَ قلبِكَ
وتمحوَ ما خلَّفَهُ العمرُ من سواداتِ حياتِكَ:
سواداتِها حين تشهقُكَ من الرُّعب
سواداتِها حين تلطخُكَ بالإساءات
سواداتِها حين سهامُها تلمع فى صدرِك
سواداتِها حين تأخذُ فقط
ما من أحدٍ يصل إليها
هذه جَنَّتُنا البعيدة
جَنَّةُ حِبْرنا حيثُ نبكى بكلماتنا السُّود
باحثينَ عن آدميَّتِنا
فى الفراديس التى طُردْنا منها دونَ سبب







