حين عادت الروح إلى أكتوبر
كلما جاء أكتوبر، عادت إلى مصر صورة لا تشبه سواها؛ صورة أيام خرجت فيها البلاد من ظل الهزيمة إلى أفق المبادرة، واستعاد الجيش المصري زمام اللحظة بعد سنوات ثقيلة أعقبت حرب يونيو 1967. لم يكن السادس من أكتوبر يومًا عسكريًا عابرًا في الذاكرة المصرية والعربية، بل كان لحظة استعادت فيها مصر ثقتها بقدرتها على الفعل، واستعاد العرب شيئًا من المبادرة التي فقدوها في 1967.
كانت مصر في قلب المعركة، وكان الجيش المصري يحمل العبء الأكبر على جبهة سيناء، فيما فتحت سوريا جبهة الجولان، وتحركت دول عربية أخرى، كلٌّ بما تملك من أدوات، لإسناد المعركة. ولم تكن العلاقة بين القاهرة والرياض يومها علاقة عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل امتدادًا لعلاقة عربية ضاربة في التاريخ، تداخلت فيها السياسة والمصالح والمكانة الدينية والثقافية، وظلت مصر بالنسبة إلى المملكة دولة عربية كبرى، كما ظلت السعودية بالنسبة إلى مصر دولة ذات ثقل عربي وإسلامي لا يمكن تجاوزها في القضايا الكبرى.
وكان الملك فيصل بن عبدالعزيز يدرك أن معركة الأرض لا تُخاض بالسلاح وحده. فحين اقتربت الحرب، تحركت الرياض في أكثر من اتجاه، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، انطلاقًا من رؤية ترى أن القضية العربية أكبر من حدود الجبهة، وأن على الدول العربية أن تستخدم ما تملكه من أوراق في اللحظة المناسبة.
وفي الأشهر التي سبقت الحرب، أخذ النفط يحتل مساحة متزايدة في التفكير السياسي السعودي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. وفي سبتمبر 1973 رصدت مذكرة أمريكية هذا التحول، مشيرة إلى تنامي اتجاه الملك فيصل إلى ربط سياسة النفط بالقضية العربية. ويروي أحمد زكي يماني، وزير البترول السعودي آنذاك، في شهادة لاحقة، أن الملك فيصل أوفده إلى الولايات المتحدة في أبريل من العام نفسه ليبلغ الإدارة الأمريكية أن التعاون النفطي لا يمكن فصله عن معالجة قضية الشرق الأوسط وإنهاء الاحتلال.
ثم جاء السادس من أكتوبر، فكان الميدان لمصر وسوريا أولًا. عبرت القوات المصرية قناة السويس، واخترقت التحصينات الإسرائيلية، وخاضت معاركها الكبرى في سيناء، فيما فتحت القوات السورية جبهة الجولان. وفي موازاة ذلك، وجّه الملك فيصل القوات السعودية الموجودة في الأردن بالتوجه إلى الجبهة السورية للمشاركة في الحرب، ووصلت وحدات سعودية إلى سوريا في إطار الجهد العربي.
وهنا تظهر قيمة المشهد العربي في أكتوبر: لم تكن كل دولة مطالبة بأن تؤدي الدور نفسه، ولم تكن المشاركة تقاس بعدد الجنود وحده. مصر وسوريا حملتا العبء الرئيسي للقتال، فيما قدمت دول عربية أخرى أشكالًا مختلفة من الإسناد العسكري والسياسي والاقتصادي. وكان الدور السعودي من أبرز هذه الأدوار؛ لأنه جمع بين الإسناد العسكري والثقل السياسي والورقة النفطية، في لحظة كانت الحرب فيها تتجاوز حدود الميدان إلى إعادة تشكيل الموقف الدولي.
وبعد توقف القتال، بدأت مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة نفسها. فقد فتحت حرب أكتوبر الطريق أمام مسار سياسي استعادت مصر من خلاله أرضها تدريجيًا. دخلت القاهرة مفاوضات طويلة انتهت بمعاهدة السلام عام 1979، ثم اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، قبل أن تُحسم قضية طابا لاحقًا بالتحكيم الدولي. أما الجبهة السورية فانتهت إلى اتفاق فك الاشتباك عام 1974، الذي أعاد لسوريا القنيطرة وأجزاء محدودة من الأراضي المحتلة، لكنه لم يؤدِ إلى تسوية تنهي الاحتلال الإسرائيلي للجولان.
وهنا تكمن إحدى أهم دروس أكتوبر: مصر لم تستعد أرضها بالحرب وحدها، ولم تستعدها بالسلام وحده؛ بل بالحرب التي فتحت باب السياسة، وبالسياسة التي حافظت على نتائج الحرب وحولتها إلى استرداد كامل للأرض. ولذلك فإن السلام المصري الإسرائيلي لم يبدأ من موقع الهزيمة، وإنما جاء بعد أن استعادت مصر قدرتها على المبادرة، وذهبت إلى التفاوض وهي تحمل في يدها نتيجة ميدانية غيرت معادلة الصراع.
وحين وقف الرئيس أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1977، لم يكن يتحدث من موقع دولة مكسورة. كان يتحدث باسم مصر التي عبر جيشها القناة، وباسم أرض قال بوضوح إنها ليست موضعًا للمساومة. وأعلن أمام الإسرائيليين أن العرب لا يسعون إلى السلام من موقف ضعف، وإنما من موقع يملكون فيه عوامل القوة والاستقرار.
حتى العبارة التي نُقلت عن السادات في حديثه مع هنري كيسنجر أثناء الحرب، حين قال بمعناها إنه لا يحارب إسرائيل وحدها وإنما يواجه الولايات المتحدة، تكشف كيف كان يرى طبيعة الصراع في تلك اللحظة؛ فالمعركة لم تكن مع جيش على الجبهة فحسب، وإنما مع شبكة من الدعم الدولي التي جعلت إسرائيل طرفًا مدعومًا بقوة دولية كبرى. ولذلك كان انتقال مصر بعد النصر إلى التفاوض جزءًا من إدارة القوة، لا تراجعًا عنها.
وفي الوقت نفسه، امتدت الحرب إلى مجال آخر. فمع اتساع الدعم الأمريكي لإسرائيل، ولا سيما بعد الجسر الجوي، استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط ورقة الإنتاج والتصدير للضغط السياسي. وكانت السعودية في قلب هذا التحرك بحكم ثقلها النفطي ومكانتها العربية. لم يكن النفط في الحساب السعودي مجرد أداة اقتصادية، بل وسيلة لإيصال رسالة سياسية إلى القوى الكبرى بأن استمرار الاحتلال ستكون له كلفة.
وكان الملك فيصل يدرك قوة هذه الورقة وكلفتها في آن واحد. وفي مطلع نوفمبر التقى الرئيس السادات الملك فيصل في الرياض، ثم جاء هنري كيسنجر إلى الرياض في الثامن من الشهر نفسه، في لقاء مطول تناول الحرب وما بعدها، وكان النفط والتسوية السياسية في قلب المحادثات. وهكذا كانت القاهرة تتحرك من موقع النصر العسكري نحو استعادة الأرض بالتفاوض، فيما كانت الرياض تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي لتوسيع أثر الموقف العربي في العواصم الدولية.
وهذا هو المعنى الأعمق للعلاقة المصرية السعودية في أكتوبر: لم تكن القاهرة بحاجة إلى أن تتخلى عن دور الرياض لكي تثبت بطولة جيشها، ولم تكن الرياض بحاجة إلى أن تنافس القاهرة لكي تثبت حضورها. كان لكل دولة موقعها وأدواتها، وكان التكامل بين هذه الأدوار أحد وجوه القوة العربية في تلك المرحلة. وكان الملك فيصل والرئيس السادات والملك حسين، رغم اختلاف مواقعهم وأدوارهم، جزءًا من منظومة عربية كان القرار فيها قادرًا على أن يتحرك في أكثر من اتجاه، من الجبهة إلى العاصمة، ومن السلاح إلى النفط، ومن الحرب إلى التفاوض.
ومن المهم هنا ألا تختلط صورة أكتوبر بما جاء بعده من صراعات داخلية. فقد استعادت مصر بعد الحرب موقعها وثقتها، وبدأت مرحلة سياسية جديدة، لكنها واجهت أيضًا تحديات داخلية، كان من بينها صعود تيارات إسلامية سياسية سعت إلى إعادة تعريف علاقة الدين بالدولة والمجتمع.
ولم يكن موقف الإسلام السياسي من حرب أكتوبر على صورة واحدة؛ فقد صدرت مواقف مؤيدة للانتصار من داخل جماعة الإخوان المسلمين، كما شهدت المرحلة مواقف اتسمت بالخصومة مع الجيش والدولة المصرية. وتحدثت شهادات لاحقة عن مشاركة عناصر من الجماعة في أعمال استهدفت القوات المصرية، بل وعن تعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة الجيش المصري خلال حرب 1973. وهذه الروايات، مع ما شهدته السنوات التالية من وقائع، تضيء جانبًا من الصراع الذي انتقل لاحقًا من الاختلاف السياسي إلى العمل السري والعنف لدى جماعات إسلامية راديكالية.
ثم ظهرت آثار ذلك في أحداث الفنية العسكرية عام 1974، وتصاعدت المواجهة مع الجماعات الإسلامية الراديكالية خلال السنوات التالية حتى اغتيال السادات عام 1981. لكن هذه الوقائع لا تنتقص من صورة مصر ولا من إنجاز جيشها في أكتوبر؛ بل تكشف أن الدول بعد انتصاراتها الخارجية تظل بحاجة إلى حماية تماسكها الداخلي، وأن أخطر ما يواجه الدولة أحيانًا لا يأتي من حدودها وحدها، وإنما من تحويل الدين إلى أداة للصراع على شرعية الدولة والمجتمع.
ولذلك فإن استعادة أكتوبر اليوم ليست استعادة لذكرى عسكرية فحسب، بل استعادة لفكرة سياسية عربية نحن في أمس الحاجة إليها: أن القوة لا تعني الحرب الدائمة، وأن السلام لا يعني التنازل، وأن الدولة حين تمتلك القوة تستطيع أن تفاوض من موقع الندية، وأن العرب حين تتكامل أدوارهم يصبح مجموع قوتهم أكبر من مجموع قدراتهم المنفردة.
ولعل هذا الدرس أكثر إلحاحًا اليوم. فالمنطقة تواجه مشهدًا شديد التعقيد: حربًا متصاعدة في اليمن، ومواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وامتدادًا لهذه المواجهة إلى لبنان والعراق وسوريا واليمن، فضلًا عن أزمات السودان وليبيا، والتوتر حول مياه النيل بين مصر وإثيوبيا، واضطرابات تمس أمن الخليج والممرات البحرية والاقتصاد العالمي. وتؤكد التطورات الجارية في اليمن واتساع المواجهة الإقليمية أن اضطراب الساحة العربية لم يعد شأنًا محليًا محدودًا، بل بات متصلًا بأمن الطاقة والتجارة الدولية وتوازنات القوى.
وفي مثل هذا المشهد، تبدو الحاجة إلى منظومة عربية متماسكة أشد من أي وقت مضى؛ منظومة لا تقوم على تطابق المواقف في كل شيء، وإنما على إدراك المصالح المشتركة، واحترام أدوار الدول، وتقديم الدولة الوطنية على المشاريع العابرة للحدود، والقدرة على الجمع بين القوة والدبلوماسية. فالذين لا يتفقون على حماية مصالحهم بأنفسهم قد يجدون أنفسهم موضوعًا لمعادلات يضعها الآخرون.
وهذا هو ما يجعل أكتوبر حاضرًا في الذاكرة لا بوصفه صفحة من الماضي فقط، وإنما بوصفه درسًا في إدارة القوة. مصر دولة عربية ومسلمة عريقة، صاحبة جيش صنع في أكتوبر واحدة من أبرز لحظات التاريخ العربي الحديث، ثم دخلت السلام من موقع قوة واستعادت أرضها بالحرب والسياسة معًا. والسعودية دولة عربية وإسلامية كبرى، وقفت إلى جانب مصر في لحظة فارقة، واستخدمت ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري بما يخدم الموقف العربي. وبين القاهرة والرياض علاقة أقدم من أكتوبر وأبقى منه، أثبتت عبر عقود أن البلدين حين يتقاربان لا يضيف أحدهما إلى الآخر مجرد صوت، وإنما يضيفان إلى الموقف العربي وزنًا وتأثيرًا..
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى روح تلك المرحلة: حكمة في القيادة، وقوة في الموقف، وتكامل بين العواصم العربية، وقدرة على التمييز بين الخلاف الذي يمكن إدارته، والخطر الذي لا يجوز أن تتفرق أمامه الكلمة. فالأمم لا تحفظها الذكريات وحدها، وإنما تحفظها قدرتها على التعلم من لحظات القوة، وعلى ألا تسمح بتكرار لحظات التشتت التي جعلت العرب يدفعون ثمن انقسامهم مرارًا.
لقد عادت الروح إلى أكتوبر يوم استعادت مصر المبادرة، وعاد إلى العرب شيء من الثقة بأنفسهم. وربما يكون أعظم ما يمكن أن نستعيده اليوم ليس مشهد العبور وحده، وإنما روح التلاحم العربي التي جعلت لكل دولة دورًا، ولكل قيادة مسؤولية، وللقوة معنى، وللسلام مكانًا بعد النصر لا بدلًا منه.
إلى اللقاء