الإثنين 02 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

خوفُ الكائنات.. مختارات من قصائد ياسر الزيات

حرف

1

«ما أجمل الخروج من الغابة»- أقول، أنا الشجرة الضالة. أحمل عصافيرى، وأمحو الطريق.

لو كانت السماء بناية لأكلتها الريح. ولو كانت امرأة لانتحرت فى بار شعبى، لكن السماء جدار نائم تسكنه العقارب.

كل مرة أولد خائفًا، وأعيش منتظرًا، وأموت غريبًا.

وجدت اسمى مبللًا، فآويته، لكنه اسم شارد يحن دائمًا للغياب.

أتنفس سحبًا وطائرات ولآلئ. أتنفس جثثًا ودماء وترابًا. أتنفس أسلافًا يتامى ووحوشًا مريضة.

ما أجمل الخروج من الغابة!

لو كنت نهرَا لبكيت، ولكننى قطار تائه، فاتبعونى.

لدى سيارة حمراء قدماها غائرتان، ولدى قطة مربوطة فى آلامها.

وفى قلبى شجرة تنوح كل صباح لتقطع أقدامها.

أقول إننى الشجرة الضالة، وأعنى أننى سماؤها. أقول إننى الجثة، وأعنى أننى قبرها، أقول إننى النهر، وأعنى أننى بكاؤه.

ولو كتبت لكم شعرًا لبكيتم، ولكننى أختبئ فى اللغة، وأبكى وحدى لكى تموتوا وحدكم، فأدفنكم فى الجدار.

2

قال لى: «أنت الماء، والنار سريرك». وفتحت فى قلبى نافذة، ثم وضعت عليها وردًا ذابلًا، وناديتُ الطيور كلها، لكى تأكل وتشرب أو تعلق نفسها على الجدران. وصنعت لقلبى سلمًا، فصعدت عليه الكائنات كلها، وتبعتها الحواس والأحاسيس. وجاءت الأفكار بلا عدد، فانهار السلم، واشتعل البيت بالنهايات. لم أحزن، لأن ما ينهدم يقام، فليس هناك زمن بين النقيض ونقيضه، وليست هناك خسارات أو حسرات، ولا يوجد مكان لألم ممتد بين لحظتين. ووضعت يدى على الأفق، فجاء السلام من حيث جاءت الحرب، وجاءت المحبة من حيث جاءت الكراهية. وفى القلب نفسه، احتضنت الكائنات وجودها.

3

لأننى أحببت الحياة، رأيتها عارية كالملك. وأوجدت المحبة على شكل ثلاجة، وأوجدت القتل لكى لا تزيد كثافة المواد. بين ظلين أتممت بكائى، ورسمت على الغمر نجومًا على هيئة الطير، وبابًا لكل كوكب يشبه القفص، ونافذة لكل حياة، حتى تقفز عندما تحب. وسحبت النور من جيبى، وأطلقته من يدى حتى صار ظلامًا كاملًا، وكتبت عليه الموت والحياة، ثم أنشأت التكرار وصفّيته، وسميته الزمن. وبدا لى كل شىء مكتملًا، حتى قفزت الكراهية من الماء، وتعلقت بالأشياء كالدودة، واختفت فى الكائنات لتحرس فناءها، وجاء الغضب سريعًا، حافيًا، وأعرج، وسمّى نفسه العدل. وكذلك كان خوف يختبئ وراء كل صخرة، وكان جبل من الآلام.

4

اختر غناءك على الباب. هنا مرت التماسيح الصغيرة، والأشجار التى اقتلعتها المحبة. وهنا بكى الذئب لينجو من النهاية. وكذلك ثمار الكمثرى، والحلزونات التائهة، وبيت العنكبوت، مروا من هنا. ما طعم المغفرة يا أبى؟ حزينة كالأمل يا بنى؟ كان هناك نداء خلف الباب، وكانت هناك نجوم تدخل وتخرج عندما استيقظت الغواية فى قلبى. ورأيت ثعابين ترقص، وأراجيح على مرمى البصر، ونورًا يشبه الظلام. وهناك جلس الكون متكورًا على ذاته، وانتبهت الكائنات لخطوة الغريب. «تقدم»، يقول أبى، ويقول النهر الذى يبكى منذ الخليقة على الطاولة: «تقدم». ليس أمامى أمام، ولا خلفى خلف، وليست تلك إلا لحظة الذوبان.

5

بتلك الفرشاة بنيتك، ووضعت فوقك تلالًا من اللهب، لأخفيك عن أعين الحطابين. وزرعت فيك جنونًا دائمًا ألهمتك أن تسميه الحنين، وسويّتك كاملة بنقصانك، وعلمتك الأنين. ولوّنتك باللمسة والشهقة والخيال، وأعطيتك أن تفتحى بابك لى كلما شردنى الشوق إلى الخلق، وأتممت عليك جنونك حتى فاض على الكون، فكانت منك حياة لكل كائن، وكان موت عظيم.

6

وضعت خيطًا على الطاولة، وسميته «النهر»، وكسرت كأسًا، وسميتها الطريق. بيدىّ هاتين، وضعت المقعد فوق المقعد فوق المقعد، ليرى النملُ جبلًا. نفخت فى التراب فكان صباحٌ، وكانت حيواناتٌ ترعى فى السهل بين الجبل وظله. العالم كبير كما تراه الكائنات، كبير وقاسٍ، مر ومزدحم بالأمل والنفايات. وهناك أشياء منسية فى الخليقة، منسية وزائدة، محجوبة فى الثقوب كأنها صخور مفتتة. فكرت فى أن أضع صرصارًا، ليعطى الطاولة طبيعة الدراما، أو كلبًا ليمنح النهر شكلًَا تراجيديًا غائمًا. قلت لنفسى إن هذا الجنون لا يجب أن ينتهى، فلا جدوى من تركيب عالم بلا جنون. وعلقت الخيط فى رقبتى، بكل طيوره المشنوقة، وبكل مائه الذى لا يفكر فى النجاة. لا أحد سيطرق الباب، لأننى لم أصنع صوتًا، ولا أحد سيشعر بالحريق لأننى ارتديت النار وحدى، وحدى ارتديت النار لأكون علامة منسية على الطريق.

.. ورأى البستانى العالم ضيقًا، فبكى، ورأى النجّار يديه شجرتين أو كفنين، فحاول أن يصرخ. فى كل وجود تضيع القافلة، لأن العشب ينمو بحسن نية، ولأن الريح تفكر دائمًا فى النسيان. خوف الكائنات علامة، ولكن الخوف ابن العماء، ودليله، وهو رايته التى تمشى مع الريح، وترقص، فلا تدركها الأبصار. توقف هنا، لأن الزمن يلهث، توقف لكى لا تموت الطاولة فجأة كالقط الذى نسيتَه على النافذة. هل فكرت فى الحب كوجبة فاسدة؟

يا أبى، يا أبى، كنتَ تظننى قمرًا، وكنتُ أضحك، وأطير فى السماء كما يليق بقمر صغير. انطفأتُ الليلة، فبكتِ الذئاب فى الحقل، وتألمت الوديان من شخير الجبل. أنا جبلك يا أبى، جبلك لا قمرك، ولم أتحرك منذ أن تركتَنى على الطاولة وحيدًا، وذبتَ.