الإرهابى المفضل.. بين عبدالناصر وسيد قطب.. القصة التى لم يروها فضل شاكر
- تارة يتلوى من الطرب والعشق وطورًا ينضح بالغضب والحقد والرغبة فى الانتقام!
- ظل معزولًا لأربع عشرة سنة كاملة يعانى من إحساس قاتل بالظلم والوحدة والخوف على «أسرته»
- يعانى من أمراض «السكر» و«القلب» وربما أصابته رطوبة المخبأ بأمراض العظام
لماذا لا تطاوعنى الكتابة هذه المرة..
لماذا أفكر فى الحذف والإضافة قبل أن أُسطر الحرف الأول فى «سردية» أحب الأصوات إلى روحى..
ألم أخبركم أننى أسميت ابنى الأكبر على اسمه؟ هل يزعجنى هذا الأمر إلى حد أننى لا أتصور مجرد اتهامه بأنه - وقع فى فخ الإخوان المسلمين فى يوم ما.. وأنه وبسببهم فقط أضاع خمس عشرة سنة من عمره محبوسًا فى قبو تحت أرض «صيدا».
ماذا أكتب عن رجل «خجول».. لا يستطيع أن يأكل الطيور.. كل الطيور.. لأنها تغنى! فكيف يصبح الرجل ذاته «قاتلًا.. أو محرضًا على القتل»؟!.
لماذا أكتب من الأصل عن هذه القصة وقد أزاحها هو شخصيًا، وأعلن عن عودته إلى المسرح وإلى الموسيقى ولسيرة العشاق؟!
لماذا لا أحذف أنا أيضًا تلك السنوات التى سلبت جزءًا من روحه.. وبعض النور من عينيه وقدرته على مواجهة الضوء فراح «يختبئ خلف نظارة سوداء؟!».
هل أزيح عبدالناصر وسيد قطب وبليغ حمدى والرجل - سائق التاكسى الذى يحب الخمر وأم كلثوم- ذلك الذى حمل اسمه لعشرين سنة كاملة قبل أن يتوجه إلى السلطات ليحذفه من أوراقه الرسمية؟!
أى سيرة أكتب.. وهل من المهم أن أفسر ما وراء تلك الأغنيات الوديعة.. والموسيقى الحانية والصوت البليغى من «ظلمات.. وخوف.. وجوع.. وفقر ويُتم لم يكن بإرادته أو بإرادة «مفتشى الصحة» الذين لم يستخرجوا شهادات الوفاة لوالدين تركا طفلهما ذا الخمسة أعوام فى ملجأ للأيتام وهما على قيد الحياة.. كيف أكتب رواية وحيدة أصدقها والرجل نفسه لا يملك روايته.. وكل ماله «وجه واحد للرواية»؟
قبل أن ينتهى «فضل» من وصلته الأولى على مسرح «أبوبكر سالم».. فى الرياض.. كتبت إحدى المغردات من معجبيه «لقد عاد معشوقى.. عاد الإرهابى المفضل».. فلماذا انتفضت وشعرت بوخزة موجعة أسفل الرئتين.. لقد ظلمناه جميعًا حتى ونحن نمتدحه فماذا أفعل الآن بهذه الموسيقى؟!

الهروب الكبير تحت سماء الله
مساء يوم الجمعة السادس عشر من مارس «آذار» عام ١٩٥٦.. خرج الآلاف من سكان مدينة صيدا يطاردهم الذعر وعويل الأطفال والنساء.. الأرض تهتز من تحت أقدامهم.. حى «رجال الأربعين» دُمر بالكامل.. وفى البلدة القديمة تصدعت مئات البيوت والحوارى التاريخية.
النازحون الذين نزحوا إلى شواطئ «بحر الصيد» وبساتين نزلة «صيدون».. نصبت الخيام لإيوائهم وشكلت الحكومة اللبنانية «مصلحة التعمير» لتبنى مساكن جديدة لمن أصاب الزلزال منازلهم عند أطراف مخيم «عين الحلوة» أسموه «مساكن التعمير».
فى الدور الأرضى من إحدى هذه العمارات «الشعبية» التى ضمت النازحين من ضحايا الزلزال ولد «فضل عبدالرحمن شمندر» لأب لبنانى وأم فلسطينية. كان الرابع فى سجل الأبناء.. قبل الأخير تحديدًا.. لكنه لا يعرف لماذا قرر والده سائق التاكسى الذى ترك «السواقة» وعشق أغنيات أم كلثوم ليعمل حارسًا لمقر «حزب التنظيم الناصرى الشعبى فى صيدا». لا يعرف فضل ذو الخمس سنوات لماذا قرر والداه إرساله إلى «مدرسة الأيتام» وهما على قيد الحياة؟!
حازم الأمين وريان ماجد فى روايتهما لسيرة شاكر الأولى فى الحادى عشر من سبتمبر عام ٢٠٢٣ فى «درج» يسردان فقط أن السائق الذى كان يعمل فى شركة «الصاوى زيتون» كان «رجل حظ».. يعود إلى منزله بعد يوم عمل ليأكل ويشرب كأسًا ويدعو الجيران والأصدقاء لمشاركة الطعام وسماع الست.. وكثيرًا ما شاركه فى تلك الجلسات والد الشيخ «أحمد الأسير» الذى كان يقضى وقتها حكمًا بالسجن المؤبد!
«الوجع هو الجوع.. الوجع هو الحرمان.. الوجع هو التخلى».
التخلى هو العنوان الأول فى سيرة ذلك «الإحساس» الذى يمشى على قدمين.. شعور فضل بالوحدة لم يكن صدفة.. لكنه ظل الأقرب إليه فى ظُلمة «الملجأ».. ولم تفلح شقاوة الأطفال الذين أحبوا فضل وحماسهم لصوته البديع فى نزع ذلك الإحساس حتى انفجر فى «موسيقى لا تشبه غيره».


فى زمن لاحق.. غنى زياد رحبانى «أن مش كافر.. بس الجوع كافر.. أنا مش كافر بس المرض كافر.. أنا مش كافر بس الفقر كافر والذل كافر.. أنا مش كافر.. لكن شو بعملك.. إذا اجتمعوا فيا كل الأشيا الكافرين؟!».
ربما يكون مفيدًا ونحن نحاول تفكيك سردية فضل شاكر بين الغياب والحضور أن نتفهم «مقولة زياد» وأن نعود إلى ما كتبه «حسام فران» فى درج فى الثامن والعشرين من أبريل عام ١٩٢٥.. فضل شاكر يشبه لبنان.. فيه الجمال والحياة وفيه الحقد والموت.. فيه عذوبة الصوت وأزيز الرصاص.. بلد هادئ يتميز بالسياحة وحب العيش وينزلق إلى حرب أهلية لكن دون أن يفقد بالكامل عناق الجمال فيه.. فضل شاكر هو المثال السابق لهذه الثنائيات فى الشخصية اللبنانية ممثلة فى شخص واحد.. تارة يتلوى من الطرب والعشق وطورًا ينضح بالغضب والحقد والرغبة فى الانتقام!
لم يرغب فضل فى ظنى الانتقام ولم يحقد.. هو فقط كان يحتاج إلى الحماية من تلك الوحدة القاتلة.. كان فى حاجة إلى حضن أسرته.. إلى أحضان العالم أجمع.. فأين وجدها؟!
فى الخمسينيات من القرن الماضى امتلأ لبنان بقوى سياسية مختلفة.. ناصريين.. بعثيين.. وليبراليين.. وبينهم ظهرت جماعة اسمها «عباد الرحمن» بهدف إنمائى.
هكذا صدّرت الجماعة التى أسسها فيصل المولوى وفتحى يكن نفسها للشارع المزدحم.. ولم يكن «يكن» اللبنانى من أصول تركية سوى أحد تلاميذ جماعة «الإخوان المسلمين» الذين تربوا على أفكار مصطفى السباعى مؤسس الجماعة فى سوريا.. وسيد قطب منظرها فى القاهرة!


فى ذلك العام.. كانت فيروز تغنى لحبيبها أسمر الجبهة.. هو نفس العام الذى أسس فيه الإخوان جماعتهم هناك.. وهو نفس عام الزلزال الذى شرد أسرة شاكر، ودفع بها إلى «مساكن الإيواء» فى الحى الفقير.. كبر أشقاء فضل فى أجواء «المد الناصرى».. وقبل وفاة الزعيم بعام واحد.. وُلد «فضل».. وفيما ذهب شاكر تحت وطأة الفقر إلى الملجأ.. ذهب شقيقه الأكبر ليصبح أحد أفراد التنظيم الشعبى الناصرى.. وذلك التنظيم الذى تأسس كحزب سياسى عام ١٩٧٣.. فيما تأسس حزب «الجماعة الإسلامية» فى عام ١٩٦٤ من مجموعة شبابية أغلبها من جماعة «عباد الرحمن» التى أصبح لها جناح عسكرى عُرف باسم قوات الفجر.
فى «صيدا» تجاور «الناصريون والإخوان».. وانشق الأخ الأكبر لفضل على «الناصريين» الذين كان والده حارسًا لمقرهم الرئيسى لينضم إلى «الجماعة الإسلامية».
محمد.. الذى صار عائل الأسرة بعد وفاة والده فى عام ١٩٧٩ - فيما فضل لا يزال فى الملجأ- فى حادث سير.. أصبح مقاتلًا وبشكل رسمى فى صفوف «الجماعة» عام ١٩٨٥.
فى ذلك الحين.. كلاهما.. الإخوان والناصريون.. كان يقاوم «الاحتلال الصهيونى» الذى اجتاح بيروت قبلها بثلاث سنوات.
فى ذلك الوقت خرج «فضل» من مدرسة الأيتام إلى الشارع عمل فى محل ترزى.. وفى مطعم لبيع «الشاورما».. لكنه لم يستمر كثيرًا فقد التقطته «يد الله» ليذهب به أربعة إخوة شكلوا فيما بينهم فرقة موسيقية تغنى فى أفراح صيدا وعين الحلوة.. الفرقة التى سمّت نفسها «بيت السمرا» هى التى نبهت فضل إلى ضرورة تغيير اسمه من «فضل عبدالرحمن شمندر» إلى شاكر.. وهذا ما حدث.
لم يستمر.. شاكر مع الفرقة طويلًا.. مثلما لم يستمر فى صيدا.. حيث ذهب بصحبة عازف «الأورج» «نصر النصر» إلى منزله فى عين الحلوة حيث يعيش النازحون من فلسطين ليعمل معه ويبيت فى نفس الوقت فى غرفة «البروفات».. وهناك وجد «سعده» فى وجه «نادية الجنداوى» ابنة نفس الحى التى شاهدها وهو يغنى فى أحد أعراس الحى الشعبى ليتزوج وهو فى سن العشرين وسط رفض من أسرتيهما حيث لم يكن قد امتلك أى شىء بعد.


فى عام ١٩٩٠ انتقل شاكر إلى بيروت.. كانت أخباره قد تسللت إلى المتعهدين فى كل ملاهى ومطاعم المدينة التى لا تنام.. ولأنه لم يتعود أن يرفض ولأنه خجول بطبعه.. استغله المتعهدون كثيرًا.. لم يكن لفضل وقتها أغنيات خاصة.. كان يغنى ما تعلمه من أم كلثوم وحليم ووردة والصافى وفيروز ونجوم الأغنية الطربية الشعبية أيضًا.. أيامه الأولى إلى جوار والده فى التاكسى أكسبته فقط كل ما كان يسمع واختطفته موسيقى بليغ وتمكنت من حنجرته مثلما تمكن هو من أن يصير أفضل من يغنيها.
نجح الفتى «الهارب» من لعنة الأحزاب والطوائف فى أن يصبح غنيًا وأن يسكن فى أحياء الأغنياء وأن يركب «الطائرات» وأن يسكن أجنحة الفنادق الفخمة وصار أبًا لثلاثة أطفال.. محمد وألحان ورنا.
وفى إحدى سفرياته قدمه صاحب شركة الخيول لصلاح الشرنوبى.. ليصنع أغنياته الأولى.. ويتجاوز حدود لبنان إلى كل عواصم العالم العربى وفى القلب منها القاهرة.


لم تكن «والله زمان» التى كتبها مصطفى مرسى ولحنها صلاح الشرنوبى مجرد عنوان لأغنية بسيطة صارت أولى أغنياته فى عالم الاحتراف.. الأغنية التى حملت عنوان ألبوم فضل الأول حملت ملامح تجربته التى تشكلت على مدار ربع قرن.. الشرنوبى الذى كان نجم الغناء وقتها فى القاهرة ولبنان.. اختار لفضل الذى استمع إليه كثيرًا أن يكون «مطربًا شرقيًا».. ذلك الرجل الذى يغنى بسهولة ويسر، وكأنه لا يغنى، لا يحب الفذلكة لكنه يستطيع غناء أصعب الألحان بطريقته «السهلة».
هذه القدرات أدركها صلاح ابن المدرسة البليغية بذكاء شديد.. عود فضل النحيل وقتها بدا «أسطوريًا» فى لحن الشرنوبى الشيك.. وقد اختار له صاحبه مقام شيك وشجيًا فى نفس الوقت هو مقام «الكورد».
الشرنوبى لم يكتفِ بتلك الأغنية بل أتبعها بـ«نظرة واحدة» من كلمات أحمد شتا.. وهى أغنية طربية أيضًا.. كلماتها سهلة.. غير مزعجة لا تتعدى حدود علاقة الحب المعتادة.
باقى أغنيات الألبوم كانت من كلمات ميشال جى وألحان جوزيف جى.. إضافة إلى أغنيتين من ألحان فضل شاكر نفسه وكلمات صديقه «أحمد ماضى».. إحداهما واحدة صارت من أشهر أغنياته ولا تزال وهى «متى حبيبى متى».
نجح الألبوم الأول لفضل شاكر فى أن يحجز «مقعدًا» فى الصفوف الأولى لنجوم الطرب العربى.. وأتبعه فى العام التالى مباشرة باليوم «بياع القلوب» وضم ثمانى أغنيات ما بين المصرية واللبنانية أيضًا.. هذه المرة لحن صلاة الشرنوبى ثلاث أغنيات من كلمات أحمد شتا ووليد رزيقة، فيما لحن أمجد العطافى وزيد علام من كلمات فوزى إبراهيم، وكانت الأغنية التى حملت اسم الألبوم «بياع القلوب» من كلمات مصطفى مرسى وألحان وليد سعد.. ومن كلمات أحمد ماضى لحن فضل شاكر مجددًا «مليت أنا أعذار»، فيما قدم له يعقوب الخبيزى من توزيع طارق عاكف لحنه الوحيد من كلمات خالد البذال.
لم يخرج فضل فى ذلك الألبوم عن ملامح تجربته السابقة.. فقد صدرته التجربة كمرسال جديد للغرام فى مطلع الألفية الجديدة، وهو الأمر الذى تكرر فى ألبومه الثالث الحب القديم الذى ضم أول أغنية مصورة لفضل شاكر وهى «عاش من شافك»، وقد كانت من ألحان سمير صغير.. وقد اكتسب وليد سعد فى هذا الألبوم مساحة أكبر حيث لحن أربع أغنيات كتب كلماتها مصطفى مرسى.. أولاها التى حملت اسم الألبوم «الحب القديم» ووزعها موسيقيًا وليد فايد.
لم يختلف الأمر فى الألبومات التالية لفضل شاكر وعددها خمسة ألبومات صنعت التجربة الأهم فى عمر المطرب الذى اخترق كل المهرجانات العربية من جرش إلى بعلبك إلى موازين.
صنعت تجربة «المسرح» لفضل شاكر حضورًا استثنائيًا لم يتوافر لسواه وجورج وسوف وعدد قليل من مطربى العالم العربى.. وفى عز ذلك النجاح فوجئ جمهور «موازين» بالنجم الذى يعرفونه عاشقًا محبًا هامسًا وهو «يطلب منهم الدعاء ضد بشار الأسد» فما الذى جاء بالعصفور مجددًا إلى عالم السياسة؟! ما الذى رمى به إلى قاع البئر وهو الذى كان يغرد حالمًا:
«نسيتى إزاى
أنا مقدرتش أنساكى
حاولت كتير
وشفت كتير
ولسه عنيا.. شايفاكى
معقول ده كله حب
معقول يا أجمل قلب
ظلمتى الحب وياكى».
لم يكن ما جرى فى حفل «موازين» عام ٢٠١٢ صدفة، فقد كانت بدايات التحول سابقة لذلك الحفل بسبع سنوات كاملة.. لم ينسَ فيها شاكر مدينته أو أسرته أبدًا.


«وين اللى عمر
بلدى اللى اتدمر
وين اللى رجع وطنا أخضر
بأى إيد هدوا جبلنا العالى
بأى إيد محوا أملنا الغالى
مهما صار القلب باقى
مثلك ما صار ولا منلاقى
حبك معانا.. والله معاك».
لم تكن تلك الكلمات التى تغنى بها «فضل شاكر» فى عام ٢٠٠٥ مجرد مشاركة فى تأبين «رفيق الحريرى» الذى راح ضحية عملية مفخخة لاغتياله على كورنيش بيروت البحرى ظهر يوم ١٤ فبراير من العام نفسه.
غنى كثيرون فى رثاء الحريرى.. «أحمد قعبور»، راغب علامة وعاصى الحلانى وصباح.. لكن شاكر لم يكن الأمر بالنسبة له مجرد أغنية: منها هو قد صار يتيمًا للمرة الثانية. فالحريرى هو زعيم السنة الذى كان فضل يعتبره «مرجعيته الوحيدة».
فى العام ذاته قرر فضل أن يبيع فيلته فى بيروت ويعود إلى «صيدا» بعد خمس عشرة سنة من مغادرتها.. كان فى حاجة إلى أسرته مجددًا.. كان يريد أن يحتمى أبناؤه الثلاثة بأقاربهم.. وربما كانت زوجته الفلسطينية «أم الأولاد» هى الأخرى ترغب فى أن تحتمى بعائلتها فى صيدا.. وقد عادت هذه المرة باسم «الحاجة نادية».
فى صيدا.. اشترى فضل فيلا قديمة فى منطقة «مجدليون» وقام بترميمها.. وربما حاول أن يرمم علاقته بأسرته فراح يميل إلى شقيقه الأكبر الذى أصبح قياديًا فى «الجماعة الإسلامية».
افتتح فضل مطعمًا للأسماك فى منطقة الرميلة فى مدخل صيدا الشمالى.. وسمّاه «ألحان» على اسم ابنته الكبرى التى كانت فى بدايات مراهقتها.. وقد التقت مشاعرها بمشاعر قريب لها ينتمى إلى «شيعة صيدا».. تقدم إليها خاطبًا.
ولم يكن «شاكر» الذى كان لا يزال «يترنح» بحثًا عن «هوية».. فلا هو نجم نجوم العرب الذى يملك الملايين ولا هو ابن صيدا البسيط الفقير الذى بدأ فى التخلى عن أمواله.. بالإنفاق على الفقراء وأبناء الملاجئ وفى علاج من أصابتهم لعنة الإدمان أيضًا.
سرعان ما تراجع «شاكر» عن موافقته على خطبة ابنته لشاب «شيعى» تحت ضغط من أسرته «السنية»، وهو الأمر الذى دفعها إلى الهروب بصحبة خطيبها للزواج رغمًا عن موافقة فضل..
قصة «ألحان».. لم تكن تخطر على بال الفتى الذى أمضى عمره يغنى للعشاق.. لكن يبدو أن هناك من كان يملك توجيه دفة «العقل الجديد» للمطرب الذى لم يعد يرى فى الغناء هويته.
ذهب «شباب فضل» بالأسلحة إلى دار خطيب ألحان وأطلقوا النار على المنزل.. ولم يصب أحد لكن فضل الذى واجه تهمة التحريض «بات» ولأول مرة فى حياته فى «الحبس».. ثم خرج ليواجه الاختبار الأصعب منذ خروجه من عتمة «ملجأ الأيتام».
ما جرى بعد ذلك.. لا توثقه رواية واحدة.. هناك روايتان إحداهما تقول بأن ابن شقيق فضل اقترح عليه توسيط «الشيخ أحمد الأسير» والذى يتمتع بسلطات روحية كبيرة وعلاقات متشبعة فى الأمر.. وأن وساطة الشيخ نجحت فى إعادة ألحان إلى سلطة والدها.. وأنه بعدها راح فضل فى سكة الشيخ مؤذنًا فى مسجده فى البداية، ثم ممولًا للفقراء من رجال ونساء الشيخ.. ثم اكتشف شاكر أنه أحد الذين ينهبهم رجال الشيخ ويشترون بأموالهم الأسلحة التى يحاربون بها غيرهم من الفصائل.
رواية أخرى تقول بأن الشيخ هو من استدعى محمد «أبوالعبد» الشقيق الأكبر لفضل ووعده برتبة فى الحزب والجماعة فى مقابل أن يأتى لهم بفضل شاكر ليصبح واحدًا منهم.. وأن الشيخ حينما جلس إلى فضل.. لم يحدثه فى شىء له علاقة بالسياسة أو الدين، وإنما أتاح له الفرجة على فيديوهات لأطفال مشردين جراء مطاردة رجال بشار لهم!


وكان أن جاء ما سمّوه بالربيع العربى.. وأيد «أحمد الأسير» وجماعته ما سمى بالثورة «السورية».. وصار لفضل شاكر «حراس» يتبعونه أينما حل.. استولوا على مطعمه.. وأغلقوه بالشمع الأحمر.. وافتتحوا باسمه مطعمًا جديدًا للسلفيين فقط.
وتوالت مشاوير الغياب.. أعلن شاكر عن اعتزاله وطلب من جمهوره عدم سماع أغنياته القديمة وقرر التفرغ لغناء «الأناشيد» وفى الثامن من يونيو ٢٠١٣ صدرت مذكرة توقيف لفضل وشقيقه بتهمة محاولة قتل رجل دين «سنى» موالٍ لحزب الله وبعدها بأسبوع اقتحم موالون للحزب وحركة أمل «فيلا فضل» وسرقوا ما بها بعد تكسير الكاميرات.. ليختلط كل شىء فى عقل وعين الفتى الذى كان صوتًا للعاشقين.. الفقير الذى فقد حماية أسرته وهو فى الخامسة وعاد ليبحث عنها بعد أن صار «نجم نجوم العرب»، فكان أن سقط فى فخ أحفاد «سيد قطب» وعندما اكتشف حقيقة «البئر» التى وقع فيها.. كانت التهم التى تورط بها قد منحته ما يزيد عن المؤبد.. وتهمة هى الأصعب «محاربة جيش بلاده».. فكان أن اختبأ.. معزولًا لأربع عشرة سنة كاملة.. يعانى من إحساس قاتل بالظلم والوحدة.. والخوف على «أسرته».
ومثلما كان الغناء «هويته» و«حمايته» فيما قبل.. كان دليله إلى العودة وإلى نفسه.. انتصرت الموسيقى على «التطرف».. فراح وهو فى «بدروم» مُظلم يصنع ألحانه الجديدة حتى استطاع فى ٢٠٢٥ أن يعتلى الصدارة مجددًا رغم وجوده رهين «الظلام» وأمراض «السكر» و«القلب» وربما أصابته رطوبة المخبأ بأمراض العظام أيضًا.
الذين يبحثون عن سر «النظارة السوداء» التى ظهر بها فضل فى حفله الأول بالرياض.. وصارت «الترند» بعدما ارتدتها نوال الكويتية وابنه محمد وهما يشاركانه أغنيات «أحاول» و«كيفك على فراقى».. هؤلاء الباحثون عن السر هل يمكنهم الآن معرفة ما وراء تلك «العيون التى لا تستطيع مواجهة النور بعد».. لا يزال فضل يبحث عن «الحماية».. لا يزال يبحث عن «الدفا».. ربما شعر بالقليل منه من إضاءة كل تلك الموبايلات التى ارتفعت لتغنى معه فى «ظلام مقصود».
«إلا وأنا معاك
بحس بروحى طايرة
مافيش ولا دمعة صايرة
وبلاقينى معاك..
إلا وأنا معاك..».







