العائدة.. شيرين عبدالوهاب: لسه فى الأيام أمل
- شيرين أغنية مصرية خالصة لا يجب أن تغيب
فى عام ١٩٨٠ أصبح للقاهرة سفير فى إسرائيل.. وأصبح للكيان لأول مرة فى تاريخه سفير فى مصر.. وانتشرت فى محلات البقالة التى أصبح اسمها «سوبر ماركت» علبة البولوبيف..وامتلأت سينمات القاهرة وعواصم المدن بأفيشات فيلم «الباطنية».. فيما امتلأت المقاهى بأهم لزماته وإفيهاته التى صارت عنوانًا للمرحلة «سلملى على البتنجان».
فى ذلك العام.. وفيما كانت طبقات كاملة تعيش بمنطق نادية الجندى.. كله نفسه فى وردة.. كانت أسرة صغيرة فى قلعة الكبش تحت ظلال قلعة صلاح الدين وصهد جبل المقطم تنتظر الميلاد الثانى.. وقد جاءت أنثى هذه المرة أسماها والدها «شيرين».
السيدة كريمة.. وهذا هو اسمها ولها من اسمها نصيب لم تكن تعرف لحظتها أنها أتت بإحدى أهم نجمات الغناء فى بلادنا فى الربع الأول من المائة الأولى من الألفية الثالثة.. وأن سنواتها الأولى التى شهدت اغتيال السادات الذى وعدها وأبناء جلدتها بالرخاء- لكنه ذهب- دون أن تشاهده أو تلمسه بيديها المعروفتين.
الأحوال التى لم تكن سهلة أبدًا دفعت بالزوج إلى أن يغادر باتجاه العراق بحثًا عن «لقمة عيش» لأطفاله الذين أصبحوا ثلاثة أصغرهم «إيمان».
ذهب الأب الذى لم يشبع من صوصوة «شيرين» فيما أمها السيدة كريمة تجهز وجبة ساخنة من لحوم «المدبح» القريب بمهارة فائقة فيما تغنى للسيدة فيروز مرة.. ولأم كلثوم مرات وللطير المسافر الذى لا يرد على الجوابات فى أغلب المرات.
كبرت شيرين فى شوارع ذلك الحى العتيق.. وفيما كانت تلعب «الجميلة» مع رفيقاتها من أهل الناصرية إذ بأصابعها تعلق بقطعة ذهب قديمة.. حلق.. مجرد حلق تلمع نواصيه فى ضى شمس أغسطس.. متحفظة وتجرى إلى «كريمة» التى لم تبخل أبدًا بطعام أو مال على كل من تعرف ومن لا تعرف.

فرضت الطفلة التى اختزنت ثمن غياب والدها وفهمت ماذا يعنى «الشتاء مبكرًا».. والطفلة الموهوبة التى ألقت بحلق الذهب القديم فى حجر أمها لم تكن تعرف أنها ذاتها «الكنز» الذى منحه الله لا لأهل قلعة الكبش فقط ولكن لمصر بحالها.
تذكرت شيرين تلك الواقعة يوم أن حصلت على أول عشرة آلاف كاملة فى يدها.. كانت يومها خارجة من دار الأوبرا.. وكنت على موعد مع الأبنودى هناك.. كانت تتحدث لى ليس لأننى صحفى.. ولكن لأننى صديق عشت بعض أيامها الأولى.. كنت سألتها بمودة وشغف.. «هتعملى بيهم إيه» بعد أن فاجأتنى «شوفت ربنا كريم إزاى»؟!
وأضافت: «هاجيب مدرسين لإيمان فى كل المواد عشان تكمل تعليمها.. وهادى أمى الباقى تعمل اللى عايزاه ثم حكت لى قصة حلق الذهب الذى علق بأصابعها».
كانت قد تجاوزت الخامسة عشرة.. وكنت قد تخرجت فى معهد الموسيقى دون أن تكمل دراستها لضيق الحال.. لكنها ذهبت إلى المدرسة الأكبر والأهم «الشارع والزحمة».. «شيرين بنت الشارع والناس».. ولأنها تمشى منذ أيامها الأولى على أطراف أصابعها عسى أن تصطدم بجبل الذهب.. فكثيرًا ما نظرت إلى أسفل.. لم تنظر «شيرين عبدالوهاب» إلى الأمام.. أبدًا.
شيرين تعرف أنها «مطربة كبيرة».. ومش مهم التفاصيل.. تعرف أنها فى حالة منافسة شديدة مع كثيرات لكنها لا تهتم بذلك كثيرًا.. «هى تحب اللعب منذ كانت طفلة وتعتبر الغناء لعبتها».. هى «مطربة حريفة» بالبلدى وهذا يكفى.. «هية مش عايزة تبقى دكتورة فى الغنا».. هى تعرف بحس بنات البلد أن «حواليها أفاعى».. لكنها لا تهتم لأنها تعيش بقلبها فقط.. شيرين مثل والدتها السيدة كريمة تعرف أن «ربك رب قلوب» واللى فى القلب على اللسان.. وهذا ما أوقعها فى شر أعمالها مرات عديدة وفى كل مرة.. تفعل ما يفعله الأطفال.. لأنها ورغم كل النجاحات طيلة ربع قرن لم تغادر قلب تلك الطفلة.


المشهد الأول: شيرين تحدثنى على الهاتف وقد اختنقت من الدموع تقريبًا.. ثم تكمل: «أنا هانتحر» كانت أزمتها مع مكتشفها المنتج نصر محروس قد وصلت إلى نقطة شائكة.. هى تريد المغادرة والانعتاق من أسر «عقد» وقعته دون أن تقرأ تفاصيله.. وهو يريد التزامًا بما فى العقد الأصلى والملحق أيضًا.. والأخير كان قد حرره عقب نجاحها غير الطبيعى فى ألبومها المشترك مع تامر حسنى.
لم أصدق أن شيرين تفعلها.. فلم أعتقد فى أى لحظة سوى أننى أمام كائن أسطورى رغم نحافته وقلة حيلته.. لأنها تملك جيوشًا من أوردة التحدى والرغبة فى الانتصار لكنها فعلتها وحاولت أن تنتحر بالفعل.. وكان أن انتهت أزمة نصر محروس.. وانتقلت إلى شركة جديدة ومرحلة جديدة من النجاح.
المشهد الثانى: المكان: ستديو صوت الحب.. وشيرين عبدالوهاب فى زيارة عادية للموسيقار أمير عبدالمجيد وأنا أيضًا.. الوقت يقترب من الفجر.. وفجأة شيرين تطلب الذهاب إلى أحد المطاعم الشهير لتأكل كبدة!! وهذا ما حدث فى الغالب.

المشهد الثالث: شيرين على الهاتف من الطائرة المتجهة إلى تونس.. الوقت ما بعد أذان الفجر تقريبًا.. واتصالها جاء لترد على سؤال عاجل.. هل تزوجت قبل صعودها للطائرة فعلًا؟.
وكانت القصة التى أخبرنى الموسيقار محمد مصطفى والد ابنتيها بعض تفاصيلها، فيما أضافت الأم بعض التفاصيل أيضًا.. لكن الختام كان من لسانها «كتبنا الكتاب من ساعات.. أيوه قبل الفجر.. كنا بنتكلم فى التليفون عادي.. وقاللى نتجوز.. قلتله هات المأذون وتعالى.. هاجيب فستان من تونس.. وهاعمل الحفلة وأرجع».
هكذا كانت تعيش لوقت طويل.. لا تخطط لشىء.. ولا تحسب خطواتها القادمة أبدًا.. ببساطة تعيش.. وببساطة تغنى.. وببساطة تدخل إلى قلوبنا فيما يخرج الآخرون.. هى قادرة على إزاحة الجميع بإحساسها غير المتكلف.. هى لم تتكلف أبدًا لا فى «عربه» أو لا فى «تصديره».. ولا فى ضحكة ولا فى دمعة هربت من بين رموشها لتسقط فى حجر جمهورها الذى أصبح بالملايين.


فى عام ١٩٩٦ انعقدت فى القاهرة وفى شهر يونيو بالتحديد قمة عربية طارئة حضرها وفود من جميع الدول العربية باستثناء العراق.. ودخل حلمى بكر الذى عرف بعداوته لنجوم الأغنية الشبابية متأبطًا ذراع حميد الشاعرى إلى الاستديو موزعًا لأهم أوبريت غنائى موسيقى كتبه مدحت العدل ولحنه بكر بمشاركة صلاح الشرنوبى الذى كان قد «تسيد» بألحانه السنوات الأربع السابقة، فيما منع حميد الشاعرى من العمل تمامًا بقرار من نقابة الموسيقيين ولم يفرج عنه إلا بعد تدخل الرئيس مبارك الذى سمح له بالعودة بعد لقاء جمع حميد مع مدير مكتبه الذى توسط فى الأمر..
عاد حميد.. ولم تعد الأغنية الشبابية.. بل قفز خطوة إلى الأمام موزعًا لإحدى أهم أغنيات العام والأعوام التى تلتها.. «حبيبى يا نور العين».. وكانت محطته الأهم بعد «لولاكى» التى قدمها لعلى حميدة من ألحان سامى الحفناوى قبلها بعشر سنوات كاملة.
نفس العام.. شهد حضورًا مدهشًا لمحمد فؤاد وألبومه «حيران» واشتهر منه أغنية لحنها الشرنوبى أيضًا اسمها «فاكرك يا ناسينى» من كلمات «أحمد شتا».. فيما احتلت سميرة سعيد قمة مقاعد النساء بأغنيتها الجريئة «كل دى إشاعات».
لم تكن كل تلك الأغنيات ومعها الألبوم الأشهر لمحمد محيى «أغلى الناس» تشكل شيئًا مهمًا لشيرين عبدالوهاب.. فقط هى تغنى كل ما يطلبه الناس منها فى أى جلسة.. وفى إحدى هذه الجلسات فى منزل أحد الأصدقاء استمع إليها مدحت صالح فأخذها من يدها إلى صلاح الشرنوبى «نجم المرحلة».. الذى تحدث عنها مع نصر محروس بعد أن وجد فيها صوتًا مبشرًا لكن محروس لم يقتنع.. لم يسمع صوتها جيدًا.. فقط كان يفكر فى ملامح تلك البنت السمراء.. التى كان قد أطلق عليها متعهدوا الأفراح اسم «سمراء الجمل» نسبة إلى أحد موسيقى الصف الثانى..
لم يكن الأمر مربكًا بالنسبة لشيرين.. وربما هى لا تذكره من الأصل.. فى ذلك العام.. دعوتها ومجموعة من الأصدقاء بينهم الكاتب والشاعر عمر طاهر والملحن ممدوح صلاح إلى سهرة فى «الواحات البحرية».. وكان أن جلس كثيرون حولنا وبيننا أكثر من مطرب.. منهن المطربة لينا الطويل وكان قد اكتشفها الموسيقار كمال الطويل ومنحها عددًا من ألحانه القديمة والحديثة وقدمها فى ألبوم كامل حقق نجاحًا جيدًا..
وظلت شيرين تغنى طوال الليل.. لا تريد أحدًا بجوارها.. وعندما عدنا بعد ثلاثة أيام وهى منهكة تمامًا من «الغناء».. ذهبنا إلى منزل الموسيقار ميشيل المصرى.. استمع إليها لساعات.. وأخبرنى فيما يودعنى على باب فيلته فى أكتوبر أننا بصدد صوت لا يتكرر سوى مرة وحيدة كل مائة عام.. وأضاف «حافظوا عليها»..
كان الأستاذ ميشيل قد نصحها بأن تتوقف عن الغناء لمدة عام كامل على الأقل.. قال لها هذه مرحلة تحول فى هذه الحنجرة التى بلغت ستة عشر عامًا.. وعلينا أن نحميها من «نوات التحول».
وفيما كنا فى طريق العودة فى «الميكروباص».. كانت شيرين تنظر إلى بعيد.. لم تتذكر من كلمات الأستاذ ميشيل «ولا حرف».. حتى فكرة اعتمادها مطربة فى الإذاعة والتليفزيون لم تكن ذات أهمية لها فى تلك اللحظة.. هى فقط- وعلى غير العادة- تنظر إلى بعيد.. ولم يكن ذلك البعيد سوى عشرات الأفراح فوق الأسطح.. عشرات الحفلات فى النوادى.. عشرات الحفلات فى البيوت الضيقة.. وعشرات الساعات يوميًا فى ستديوهات متفرقة لا يجمع بينها سوى أنها «ليالى طرب».
أربع سنوات فقط كانت تفصل شيرين عن أغنيتها الأولى والتى جاءت بالصدفة.. الصدفة وحدها من ذهبت بها إلى «محمد محيى».


فى عام ١٩٦٥ أطلقت المطربة العالمية الشهيرة داليدا ابنة حى شبرا الشعبى أغنيتها الشهيرة «فلامنكو».. ومن اسمها نعرف أنها موسيقى تميل إلى الإيقاعات والأنماط الموسيقية الإسبانية لكن ضاعت أغنية داليدا من حيث يقصدون هذه المرة، أرادوا دمج هذه الروح الإسبانية بروح الشرق.. لتصبح أمام جريمة ثلاثية.. صوت فرنسى فى غلاف إسبانى شرقى وروح مصرية خالصة، وإن ابتعدت إلى الشاطئ الآخر من المحيط.
النجاح المذهل لهذه الأغنية وصل بها وبعد عشرات السنوات إلى محمد محيى المهووس بالتجريب، والذى يملك جرأة غير محدودة على تقديم تجارب متجاوزة جيل الأغنية الشبابية التى أطلقها ذلك الرجل الذى أرسله والده الليبى ليدرس الطيران فى إنجلترا فجاء إلى القاهرة ليقدم لها «جيل الأغنية الشبابية».
محيى.. الوحيد من أبناء هذا الجيل الذى لم يرتبط بشكل موسيقى واحد.. ولم يقدمه حميد من الأصل مثل رفاقه بل كان عنوانه الأول حسام حسنى.
محيى.. فى تلك اللحظة كان يفكر فى أغنية داليدا مع الموزع والملحن محمد مصطفى.. واستقر على أن تكون دويتو يجمعه مع «مى كساب».. وفى الوقت الذى كان نصر محروس ينتظر «تقفيل الألبوم» كانت مى كساب قد طارت إلى إحدى دول الخليج لتحيى إحدى الحفلات وتضرب «كرسى فى كلوب» ألبوم «صورة ودمعة».
لحظتها تذكر الشاعر مصطفى مرسى صوت شيرين.. وعرض عليها أن تحل محل مى كساب.. ووافق نصر محروس الذى لم يكن يعرف أنها نفس المطربة التى رفضها منذ عامين أو أكثر.. وبعد ما غنت شيرين وأبهرت كل من فى الأستديو.. لم يكن محروس واثقًا من النجاح.. كان يعتبرها أغنية «كمالة» لكن ما حدث بعدها أجبره على أن يطير إليها ليوقع معها عقدًا بعد النجاح المريع الذى أحدثه الدويتو.
لم يكن محروس واثقًا تمامًا.. فاكتفى بأن يمنحها نصف فرصة فى ألبوم اقتسمته مع تامر حسنى.. وصدر باسم تامر وشيرين.. لتتجاوز ابنة القلعة كل التوقعات وكل نجوم العام بمن فيهم عمرو دياب الذى صدر ألبومه فى نفس التوقيت تقريبًا وهو الأمر نفسه الذى تكرر فى الألبوم التالى لتصبح شيرين عبدالوهاب نجم «البوب» الأهم فى عالم الغناء العربى أو هكذا اعتقدنا.


لا أعتقد أن شيرين عبدالوهاب اختارت شيئًا فى رحلتها.. ربما سعت إلى اختيار أشهر الاستايلست والماكيير من لبنان. فقد كان الوجود اللبنانى مسيطرًا على الساحة بوجود نانسى عجرم وإليسا وهيفاء وكثيرات كان الجمال بوابتهن الأولى- وربما الأخيرة- إلى قمة الشهرة.
ثمانية ألبومات فقط فى ربع قرن هى أغنيات شيرين إلى جانب الأغنيات التى شاركت بها من خلال السينما والتليفزيون.. وهى الأغنيات الأكثر وجودًا فى قائمة أغنياتها الأكثر تداولًا.
أما قائمة الشعراء والملحنين فقد ضمت أهم نجوم الكتابة والتلحين والتوزيع فى تلك الفترة.
رياض الهمشرى هو الصوت الأكثر حضورًا فى مرحلة البدايات حيث قدم لها «بتوحشنى».. و«جرح تانى».. فيما قدم لها أحد أهم نوابغ الموسيقى فى بلادنا محمد ريم «صبرى قليل» وحسن أبوالسعود «ماتجرحنيش» إلى جانب حمدى صديق الذى قدم لها من كلمات بهاء الدين محمد واحدة من أجمل أغنياتها، وإن لم تحصل على ما تستحقه من شهرة ربما لتفردها وهى أغنية «آه لو جانى» والتى اختار لها صديق مقامًا موسيقيًا نادرًا هو مقام «النكريز».
وبالطبع كان هناك شريك رحلة البداية تامر حسنى بأغنية «بص بقى».
الهمشرى وأبوالسعود ورحيم وحمدى صديق.. وحتى تامر حسنى.. جميعهم ابن للمدرسة الشرقية الطربية فى الغناء حتى وإن جنحوا أحيانًا لاستخدام أشكال موسيقية غربية.
هذه البداية التى عرفت «سر شيرين» التى تجيد جميع مساحات الغناء منحتها وهجًا.. وفتحت لها أبوابًا لم تكن تعرفها.. هذه التجربة تحديدًا هى التى حددت «شكل» صوت شيرين وسمحت لأى ملحن بأن يفعل ما يشاء وهو يعرف تمامًا أنها ستغنى ذلك «النوع» وتلك «النقلات» ببساطة - وهيه سايبة إيديها.
عرفت شيرين فى البدايات بلحن بسيط لأحمد يحيى من كلمات هانى عبدالكريم.. اسمه «آه يا ليل» وصار لقبها.. وذهبت «سمراء» إلى غير رجعة.. لكن ما اكتسبته سمراء من تلك المرحلة استفادت به شيرين، وهى فى مرحلة «السلطة.. التى أفرزتها» «آه يا ليل».
تلك المساحات الطربية هى التى منحت شيرين القدرة على استرجاع كل ما هضمته من الغناء القديم ومنحتها ليالى «الأفراح» قدرة غير محدودة للوقوف على خشبة المسرح فى مواجهة الآلاف.
هى تتعامل مع جمهور الأوبرا الذى عرفته جيدًا مع المايسترو سليم سحاب أول من ضمها إلى فريق الأوبرا ومنحها فرصة الوقوف كصوليست وهى تغنى «ست الحبايب» لعبدالوهاب.. كما تتعامل مع جمهور «حديقة السيدة زينب» حيث اكتشفها طارق فؤاد الذى منحها أول أغنية بصورة «لازم نخاف» من كلمات فوزى إبراهيم التى فازت بأول جائزة فى تاريخها وهى طفلة.. من اتحاد الإذاعات العربية.
كل ذلك التاريخ.. كل ذلك الوجع.. كل ذلك الفرح الذى التأم فى صوت أنثى.. أصبح عنوانًا لمطربة خرج من «حفرة.. لتقع فى دحديرة».. كيف؟!.


فى عام ١٩٦٣ اخترع رجل هولندى اسمه «لواتنر» جهازًا أصدرته شركة فيليبس أسميناه «كاسيت»..
هذا الكاست جاء إلى مصر.. أول ما جاء عبر العائدين من الخليج.. وكان أغلبهم يقتنى شرائط الشيخ كشك.
كانت تلك الشرائط قد جاءت للخليج من إيران.. ومن الخليج جاءت إليها بعشرات الأصوات التى لا تشبهنا.. تلك الثورة التى عاصرت شيرين جيلين من أجيالها وتفوقت عليهم صارت إلى زوال.. ولم يبق سوى التليفزيون وحفلاته.. والحفلات التى يقيمها متعهدون بعد أن انتشرت الفلاشة ومحطات الـFM ولأن شيرين لم يكن لديها أزمة فى وجود شركة إنتاج «كاسيت» بعد أن خرجت من السوق ما يقرب من أربعمائة شركة.. لكنها عانت من «الاحتكار» ولم يتبق لها سوى الحفلات.. والحفلات يعنى فلوس ومتعهدين وطامعين ومنافسين.. ولأن شيرين لا تملك مؤسسة ذات عقل يعرف سر «الألماظة» التى فى حنجرتها ترنحت بين صحراوات شتى حتى وصلت إلى أن تصبح «ضحية» مثلما هو حال بطلة مسلسلها الوحيد «طريقى».
وفى ذلك المسلسل كتب الشاعر المميز نادر عبدالله أغنية لحنها وليد سعد يقول فيها:
«لسه فى الأيام أمل مستنيينه
طول ما فى الأيام ناس عايشين
عشانها..
لسه للأحلام بقية مكملينها
طول ما فيه إحساس قلوبنا مصدقينه.
....
لو فيه أوقات عدوا بخسارة علينا
لو فيه ناس حوالينا بسببها اتأذينا
لو فيه لمحة حزن متشافة ف عينينا
باللى بينا..
كل ده مستحملينه..»
تحملت شيرين.. وانفجرت.. أجزم أن زيادة وزنها لم تكن من «الكورتيزون»
كانت مما تحملت..
ولأنها بنت بلد.. تعرف كيف تقوم فيها تقعد الدنيا.. عادت فى ٢٠٢٦ فى الوقت الذى ظن البعض أن غيابها سيطول.
عادت وهى «تترنح» ما بين أغنيات «شتى».. البلكونة البحرية مع عزيز الشافعى.. وبعدها عدد من الأغنيات لنفس الفريق لم تحقق ما انتظره محبوها وإن أرادوا عودتها وبأى شكل ثم أطلقت مؤخرًا أغنيتين دفعة واحدة.. الأولى من كلمات أيمن بهجت قمر.. وألحان وليد سعد اسمها خاين.. والأخيرة من كلمات أمير طعيمة وألحان مدين اسمها «كان عندك كام سنة».
ولن أبحث عن جديد فى كلتا الأغنيتين.. فشيرين نفسها لا تبحث عن جديد.. وأصحاب المرحلة لا يملكونه بعد.. لكن «لسه فيه أمل».. المهم إنها عادت وربما تستعيد أغنيتها نفسها لتعرف سر أغنيتها القادمة..
«كان عندك كام سنة لما عرفت
إن اللى يحب لازم يندم
ومسيره فى يوم يفهم
الحب خلاص مابقاش
بيأكل عيش
كان عندك كام سنة لما عرفت
مش كل الناس حلوة
والدنيا دى مش غنوة
وفيه ناس ف الدنيا دى
بتاخد ما بتديش».
ربما تكون شيرين قد فهمت أخيرًا سر الحب.. لكن الأهم أن تفهم أنها «أغنية مصرية خالصة لا يجب أن تغيب».







