وريثة العند.. بماذا رجعت أصالة ع الشام؟
- الشام.. بتنوع عرقياته واختلافه منح أصالة «بوابة سحرية»
أعترف دون مواربة.. أنا أحب سوريا.. لا علاقة للحلويات والمكسرات وطعم الكرز السورى بالأمر.. أنا أحب «الزيتون السورى المخلل أيضًا»..
أحب صوت أصالة أيضًا.. ويزعجنى صوت أصالة أيضًا..
وأعترف ثالثًا.. أننى فى حضرة «محيى الدين ابن عربى أصير طائرًا بألف جناح وتسحرنى بساطة الماغوط.. لكننى لا أميل لأدونيس ولا أفهم ولا أحب أن أفهم لا «ثوابته ولا متحولاته»..
ما هذه الخلطة العجيبة وأنا فى الطريق إلى قراءة عاجلة لتسع عشرة أغنية جديدة أصدرتها أصالة منذ أيام وهى تخبرنا بأنها «راجعة على الشام».
كل شىء فى سوريا يشبه مصر.. كل شىء فى سوريا «غامض فى منتهى الوضوح»..
عادت أصالة إلى الشام نعم.. فهل عاد الشام؟!
كنا فى مطلع تسعينيات القرن الماضى.. وكان مكتب المحامى والمنتج الشهير «مجدى العمروسى» فى ١٦ ش عدلى بوسط البلد.. وسط العاصمة القاهرة.. كل أهل الموسيقى يحفظون «العنوان» كما أسماء أجدادهم وآبائهم.. ألم يكن ذلك السلم العتيق هو من حمل أقدام أهم وأشهر مطربى ومطربات العالم العربى لسنوات طويلة حيث يتوجهون إلى «صوت الفن»!
لم تكن مجرد شركة أسسها محمد عبدالوهاب والحاج وحيد فريد وعندليب القاهرة عبدالحليم حافظ لإصدار الأسطوانات وإنتاج الأفلام بل كانت أحد عناوين «القاهرة» المدهشة التى تسجل حقبة رائعة من تاريخها.
كنت على موعد مع مجدى العمروسى.. وانتظرت كثيرًا فى غرفة أحد رفقاء «الشركة».. حتى أنتهى من لقاء «مطربة عربية جديدة سيكون لها شأن كبير».. هكذا قال لى الرجل الودود وقد شعر بتململى من طول الانتظار.. لم أسأله عن اسمها ولا هويتها.. فقد كان كافيًا أن أشاهدها تخرج من مكتب العمروسى وهى تتأبط كتف «محمد الموجى» بطوله الفارع وابتسامته الودود..
قال لى مجدى العمروسى فى ثقة: «إنها عطور الشام وقد هلت علينا.. ستسمع شيئًا مبهرًا.. وقد كان..
«لو تعرفوا.. بنحبكم ونعزكم.. كده قد إيه
لتقدروا.. حتى التراب.. اللى بنمشى لكم عليه».
شهور قليلة وانفجرت «أصالة» مع ألحان الشيخ سيد مكاوى والموجى وحلمى بكر ومحمد سلطان، لكن أصالة التى كانت قد تعدت مرحلة الصبا كانت تحمل تاريخًا ثقيلًا يشبه «صوتها» حتى إنها لم تكن تستطيع أن تحمل ذلك التاريخ بمفردها، فكان الناظرون إليها يشعرون بأنها «تميل» وهى تمشى على عكاز لا نراه.. فيما يردد البلهاء منا بأنها «مصابة بشلل الأطفال».


قبل ذلك التاريخ بخمس سنوات تقريبًا وقفت أصالة أمام كاميرات المخرج سليم صبرى فى كامل «الأبهة» تغنى وحولها «عرب المدينة» وكأن على رءوسهم الطير ينشدون أشعار «عمر بن أبى ربيعة» يكاد أحدهم يشق ثيابه من شدة الوجد والهيام بأول مغنية فى تاريخ الحجاز، تلك التى ينسب إليها حسب كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى أنها أول من عرف «الغناء الموقع» فى حضرة شاعر الرسول حسان بن ثابت.
ربما لم تكن أصالة تدرك فى تلك اللحظة سوى أنها تؤدى دورًا أمام الكاميرات التى عرفت الطريق إليها وهى طفلة صغيرة تؤدى أغنيات الإعلانات التجارية.. ربما لم تلحظ ذلك التشابه فى صورتها وصورة «عزة الميلاء» فى خيال أهل الموسيقى والطرب، فقد سميت عزة بالميلاء لأنها كانت تمشى وكأنها «تعرج قليلًا»، فيما فتنت الرجال والنساء بجمال وجهها وسحر «أغانيها» حتى طالب الرجال والنساء فى مدينة الرسول بنفيها خارج المدينة لولا أن أنقذها «عبدالله بن جعفر بن أبى طالب»!


بشكل مقصود قررت أصالة أن تعود إلى الغناء السورى قبل أن تقرر هى العودة إلى دمشق.. اختارت أصالة أربع عشرة أغنية بعدد محافظات سوريا حملت موسيقاها روحًا من كل محافظة وشكلًا موسيقيًا شعبيًا يدل على «المنطقة التى تغنى لها.. وكأنها تريد أن «توحّد سوريا مجددًا ولو بالغناء».
استعانت أصالة بعدد من مصممى الأزياء المعروفين ليصمم «هوية» لإطلالتها الجديدة فى استدعاء واضح لتراث الشام بتفاصيله الفنية والمتنوعة.. استدعت أصالة «صورة زنوبيا» ملك تدمر التى عُرفت بذكائها وتحديها للإمبراطورية الرومانية.. زنوبيا التى اختارت «التحدى» عنوانًا لها فى فترة حكمها لسوريا فيما بين عامى ٢٦٧ و٢٧٣ ميلادية.. حكمت مصر أيضًا وأجزاءً واسعة من «الأناضول» فهل اختارت أصالة صورتها لتكون «هوية عودتها إلى الديار عبثًا»؟!


لم تكن زنوبيا هى السورية الوحيدة التى حكمت مصر.. بل سبقتها «كليوباترا الأولى».. وهى ابنة الملك «أنطيوخوس الثالث» تزوجت بطليموس الخامس الذى ارتبط اسمه بحجر رشيد.. وقد كان زواجهما صفقة سياسية لإنهاء حرب «البطالمة فى مصر والسلوقيين فى سوريا»..
الحكاية قديمة.. فقد ذهب تحتمس الأول إلى هناك ليصبح أول من حكم سوريا من القدماء الفراعنة.. ليعود محمد على ولم يكن مصريًا ليحاول فى عام ١٨٣٢ السيطرة على الشام ولثمانى سنوات كاملة حيث أصبح ابنه إبراهيم باشا نائبًا له فى مواجهة الدولة العثمانية!
مال أصالة وألبومها الجديد بالفراعنة وكليوباترا ومحمد على وجمال عبدالناصر؟!
لقد وضعت أصالة نفسها فى قلب السياسة دون اختيار.. فقد كان والدها المطرب والملحن مصطفى نصرى الذى مات صغيرًا واحدًا من أجمل الأصوات العربية وأحد أهم مؤيدى نظام حافظ الأسد، وقد غنى له مثلما غنت أصالة فى عام ١٩٨٤ «زادك الله» وكان قد عاد من رحلة علاج صعبة:
«أطيب سلام على النضال وأهله
وأحلى سلام على الكفاح وجنده
كل المحبة للقائد
م الشعب العربى الصامد
زادها الله عروبتنا».

قبلها بسنوات طويلة.. كان جد أصالة المونولوجست حاتم نصرى سجينًا فى زنازين الاحتلال الفرنسى لانتقاده الدائم فى أغنياته لهم.
بيت أصالة معجون بالسياسة إذن.. وهكذا هى الموسيقى فى بلادنا.. لا يمكن أن تبتعد حتى لو أراد العازفون، فقد ولدت فى «قصور الخلفاء والسلاطين» من الأمويين للعباسيين وحتى هذه اللحظة..
ولمحاولة فهم ما قدمته أصالة فى ألبومها الجديد.. يمكنك قراءة دراسة مهمة كتبها الباحث حسان عباس باسم «الموسيقى والمجتمع فى سوريا» حيث يرصد أن «منطقة شرق المتوسط شكلت عبر التاريخ بوتقة تمازجت فيها الأقوام والإثنيات المختلفة.. بعض هذه الأقوام يعود وجوده إلى زمن طويل جدًا لا يمكن تحديده.. وبعضها الآخر وفد إليها فى هجرات واسعة هربًا من أوضاع مأساوية فى مواطنه الأصلية.
الباحث البروفيسور «حسان عباس» يصل فى مجمل دراسته فى النهاية إلى أن سوريا اليوم «تتعايش» فيها عدة تقاليد موسيقية مختلفة المنابع.. أهمها وأكثرها حضورًا.. العربية والكردية والأزيدية والشركسية والأرمنية.
كل هذه الثقافات بتقاليدها الموسيقية المختلفة والمتنوعة هى أحد مفاتيح فهم محاولة أصالة الجديدة.. فهى المطربة التى أجادت الغناء بعدة لهجات أولاها الخليجية.. فقد كانت أغنيتها الأولى من كلمات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.. والشامية المصرية.. هضمت «تراث الغناء العربى جيدًا».. وأتقنت موسيقاه بشكل واضح حتى إنها وكثيرين تتمادى ليس فى استعراض قوة صوتها فقط فى أحيان كثيرة.. لكنها ولعنادها الذى استمدته من «زنوبيا» كثيرًا ما تخرج عن «السهم» فى عز صولجانها على المسرح.
أصالة مطربة من زمن الكبار.. خرجت إلى المسرح فى عز وجود وردة الجزائرية وميادة الحناوى وسميرة سعيد.. وسمحت لها ظروف بداياتها مع شركة كبيرة مثل «صوت الفن» أن تكون فى حضرة كبار الملحنين والشعراء سواء فى القاهرة أو عواصم العالم العربى.
الرحلة لم تكن سهلة مع مطربة تحمل ذلك التاريخ.. شرقية الميلاد والتلوين.. حضارة موسيقية كاملة تجمع بين ما هو كلاسيك وما هو شعبى.. تخلط ما بين ما هو «عاطفى وإنسانى وسياسى.. فى جملة موسيقية واحدة.. كل تلك التفاصيل لم تكن تأتى صدفة قطعًا.


يشكل «حلمى بكر» حجر زاوية فى تاريخ الغناء المصرى الحديث.. فهو ابن تجربة عبدالوهاب الأقرب وهو ابن الحارة المصرية بموسيقاها الرحبة.. بدايته مع الغناء الشعبى وصوت محمد رشدى فى عرباوى منحته قدرة إضافية.. وقد ظلم الرجل نفسه كثيرًا بمعاركه الطويلة مع العاملين فى الوسط الموسيقى وفى مقدمتهم النكرات من أصحاب الحناجر المهترئة.
حلمى بكر.. إحدى أهم المراحل فى تجربة غناء أصالة نصرى.. وأغنيته الأولى لها «يا صابرة يانا» التى تلاها ألبوم «اغضب» وعدد مهم من الأغنيات بما فيها إعادتها تقديم لحنه الشهير لعليا التونسية «ع اللى جرى».. هذه الأغنيات «حمولة» لم يكن يقدر عليها سوى صوت بحجم صوت أصالة لكن الأهم أنه اقترب كثيرًا من فهم طبيعة صوت أصالة ومساحته وعنفوانه.
درس موسيقى مهم ومتفرد تجده فى «يا صابرة يانا» ما بين القرار والجواب، ترك حلمى بكر خيول أصالة تمرح على راحتها.. اختيار ذكى لمقامات «الكورد» بشياكته و«البياتى» بوجعه وشعبويته معًا مع إيقاعات شرقية رصينة ومساحة بوح درامية فذة.. هكذا رسم الأستاذ «الشكل الذى يريده لها» لكنها «فرسة حنون» لا يمكن حصارها فى شكل موسيقى واحد.. فكان من المنطقى أن تذهب إلى مساحات أخرى أقرب إلى روح جيل جديد كان يتأرجح وقتها ما بين «الغرب والشرق» بين «الهيب هوب والمقسوم».. بين «الشعبى» الذى يقربها إلى شعبيات الشام وقد وجدته فى موسيقى محمد رحيم «منازل» وهى واحدة من أعذب أغنيات أصالة وأكثرها اكتمالًا.. و«بنت أكابر» و«العنب الساقع» و«المال السايب» وغيرها من شعبيات.

بداية التحول.. كانت مع إطلالة العام ١٩٩٨ فى ألبوم «قلبى بيرتاحلك» وإن سبقتها إشارات دالة فى ألبوم «ارجع لها».
الأغنية القصيرة.. كانت سمة تلك المرحلة.. وإن لم تستغن أصالة عن الأغنية الطويلة فى ألبوماتها الخليجية.. وقتها كان زياد الطويل قد عاد من رحلته إلى أمريكا وقد حاول خلالها أن يتعلم ماذا يفعل الغرب.. فى ذلك الألبوم لحن زياد كلمات أحمد شتا.. أغنية بسيطة.. شرقية.. سريعة.. لا مجهود تبذله أصالة فى أدائها.. أراد زياد اقتناص إحساس أصالة الذى كثيرًا ما يتوه فى سياق صخبها باستعراض مهاراتها.. لكن زياد نفسه عاد فى نفس الألبوم ليمنحها ما تريد فى واحدة من أكثر أغنياتها تميزًا وتفردًا «اسكت بقى» من كلمات وائل هلال:
«قلت النهار هيبان.. مابانشى
قلت الأمل حيكون.. ماكانشى
قلت العذاب هيهون.. ما هانشى
ولامتى حبقى مصدقاك.. اسكتِ بقى».
لم تكتف أصالة بزياد الطويل.. ومحمد ضياء وقد شكلت معه ثنائيًا ناجحًا فى عدة تجارب.. اقتربت أكثر من الجيل الجديد مع تامر على ومحمد رفاعى فى أغنيتها «أكتر من اللى أنا بحلم بيه» وهى أغنية أقرب إلى مزاج «تراث الأناضول».
لم تستقر أصالة أبدًا.. رغم إقامتها شبه الدائمة فى القاهرة فى ظل شجرة واحدة.. من صلاح الشرنوبى إلى أمير عبدالمجيد إلى إيهاب عبدالواحد.. وفى كل حالاتها لم تترك الشام.. لم تخلع رداء الشرق وموسيقاه.


ألبوم أصالة الجديد وقد صدر فى مطلع سبتمبر يجنح إلى «الفولكلور» باعتباره إحدى الوسائل السريعة التى يحتاجها «الإنسان» فى لحظات فقدانه لاتزانه وهويته فى محاولة لاستعادتها.. حدث هذا كثيرًا من قبل فى تجارب الرحابنة مع فيروز.. ومع بليغ حمدى من خلال أصوات متعددة فى مقدمتها شادية وصباح وعبدالحليم حافظ.. وفعله قبله محمود الشريف وأحمد صدقى أيضًا.. ومن بعدهما بسنوات الموسيقار على إسماعيل.
الشام.. بتنوع عرقياته واختلافه.. منح أصالة «بوابة سحرية».. هذا بحر عظيم فلتنزل إليه وتنهل ما تشاء.. وهى تكتب وتعزف وتغنى لأربع عشرة محافظة وكأنها تحاول «لملمة شتات».. تلك الموسيقى وناسها فى أغنية واحدة.. حتى وإن اختلفت مقاماتها وآلاتها.. وتوزيعاتها وبذكاء وقصدية حملت أصالة موسيقى سيد درويش «زورونى كل سنة مرة» وكأنها تطلب من أبناء سوريا العودة إلى «ذاكرتهم» الجمعية.. فى الوقت نفسه هى تشير إلى تأثر سيد درويش أهم المجددين فى الموسيقى العربية وإلى تأثره بموسيقى الشام فى رحلتيه الشهيرتين إليها.. من خلال أغنية على روض الحبيب التى أهدتها أصالة إلى «اللاذقية».
ربما تثير أصالة باستعادة جملة سيد درويش خلافًا وجدلًا.. فقد ظهرت الأغنية عام ١٩١٧ وقيل إنها جملة تعود إلى «عثمان الموصلى» فى أغنية «زر قبر الحبيب مرة» وقد التقاه درويش فى الشام.
جملة سيد درويش ليست وحدها التى فتحت أبواب النار على ألبوم أصالة.. وعلى عودتها إلى هناك أيضًا.. فالسلفيون يرفضون تبنى وزارة الثقافة السورية حفل أصالة- من باب أن الغناء حرام أصلًا- والذين يَحِنون إلى عصر «الأسد» يرفضونها مثلمًا يرفضون «الجولانى» خاصة أن العديد من التظاهرات قد انطلقت فى شوارع سوريا رفضًا لزيادات حارقة فى أسعار المواد البترولية اضطرت إليها الحكومة مع تضاؤل الكميات المنتجة من النفط السورى إلى الثلث والاحتياج إلى استيراد الثلثين فى الوقت الذى أزاحت فيه بعض المصادر غير الموثقة الستار عن «أطنان من النفط» تذهب إلى «آل صهيون».

الجو العام الذى صدر فيه ألبوم أصالة الجديد ربما لا يمنحه فرصة «التوغل» والاستماع.. وإن منحه الكثير من الصخب والحضور فى منتديات السوريين فى دمشق أو فى الخارج حيث آلاف المهجرين لا يزالون ينتظرون فرصة العودة وقد وجدوا فى ألبوم أصالة ضالتهم ولو من قبيل «النوستالجيا»:
«مرقت سنين وليالى
وشاب عمرى من الصبر
والوطن شاغلى بالى
وصوتى ماليه القهر
ياما أسرح بخيالى
وياما هالقلب انتظر
يرجع يلاقى الغوالى
ويحلى على الدنيا العمر
وحلفت ع اسمه سمّى
بنتى بلكى يطيب همى
قولو يا عالم لأمى
رجعت أصالة ع الشام».
غناء دافئ عذب.. سريع الإيقاع.. متوتر لكنه «حنون وطيب» هكذا أرادت أصالة أن تكون عودتها.. وقد عادت.. فهل يعود الشام؟!






