الثلاثاء 18 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

مصر تبحث عن غناء جديد 2

سبع الرجالة يا خالة.. هل يتورط محمد الشرنوبى فى الترويج لـ«المثلية»؟

حرف

- الشرنوبى يختتم موسم البواقى بالترويج لغرام المثليين

- «زى الغجر» أفضل أغنيات العام مطربها لا يعرف الفرق بين غناء الأنثى وغناء الرجل

- النص بديع وأجاد محمد الشرنوبى كملحن التعبير عنه وصياغته فى قالب مودرن

هل جاءكم حديث «خُد البزة واسكت.. خُد البزة ونام أمك السيدة وأبوك الإمام؟!».

ربما يبدو السؤال غريبًا ونحن نسأل عن إجابة سؤال أهم.. وهو إلى أين يتجه الغناء المصرى فى الأيام المقبلة.. ويبدو أكثر غرابة ونحن نتعرض لموسيقى حديثة صدرت منذ أيام وأنتجتها عقول تدّعى الحداثة والعالمية.. ولكن بقليل من الهدوء والتفكير لن تجد غرابة إذا ما علمت أن هذه الأغنية التى تعود إلى زمن غناء «الأسطوات والعوالم» تحولت من لحن شعبى مغرق فى السفالة إلى أحد أهم ألحان مصر «الوطنية» أثناء أحداث ثورة ١٩١٩.. تلك الثورة التى يزعم المؤرخون أنها بداية الموجة الثانية من عملية تمصير الغناء ومنحه هوية أبناء النيل.. وحتى يزول عجبك إن كنت قد تعجبت فلتقرأ معى هذه السطور عن ملحن أزهرى شارك بقوة فى إرساء قواعد الغناء العربى الحديث قبل أن يظهر سيد درويش بأعوام قليلة واسمه «بدوى أمان».

الشيخ بدوى، وحسب مقال نُشر فى جريدة الأهرام فى التاسع من أغسطس وأعادت اليوم السابع نشره فى ٣ فبراير ٢٠٢٠ للدكتور ياسر منجى.. هو رجل أزهرى انتقل من كونه أحد المجاورين إلى تخت حسن الحويمى وحفظ ألحانه، ومن ثم نقلها بعد ذلك لعدد من المطربين والمطربات من بينهم سيدة الإسكندرانية ونعيمة المصرية.

نعيمة.. التى قيل إنها جاءت لمسارح الأزبكية هاربة من أهلها فى أسيوط، عملت أول ما عملت فى القاهرة فى كازينو «مونت كارلو» بروض الفرج، حيث أخذت تقدم كل يوم فصلًا تمثيليًا وفى أحد هذه الفصول تأخذ ابنة السلطان شقيقها الرضيع، وتهرب به إلى الجبال لإنقاذه من القتل على يد عمها الطامع فى الملك، ويبكى الرضيع فتهدهده بتلك الكلمات المغناة:

«خُد ... واسكت / خُد ... ونام

خُد ... يا نونو / وادبحلك حمام

آه لو يسمعونا ولاد الحرام

ييجوا يدبحونا / ونموت والسلام».

نفس اللحن.. ونفس الكلمات حولها ثوار عام ١٩١٩ إلى أغنية وطنية نسبها مؤرخون كُثر لبديع خيرى وسيد درويش، لكن الباحث د. ياسر منجى يكشف عن أن «المايسترو الأمريكى رالف مارتيرى» أعاد توزيع اللحن وقدمه عام ١٩٥٧ باسم «شيش كباب»، فانتشر بشكل كاسح وتم استخدام موسيقاه فى عدد من الأفلام، وحقق فيما بين عامى ١٩٥٧ و١٩٥٩ قرابة مليون جنيه من حقوق الأداء العلنى. والغريب أننا عُدنا لنستخدم اللحن نفسه فى أفلامنا العربية ومنها «إسماعيل ياسين فى مستشفى المجانين».

ما هى العلاقة إذن بين الشيخ «بدوى أمان» ولحنه وكلمات أغنيته البذيئة وموسيقى المصريين فى صيف ٢٠٢٦؟!

الإجابة باختصار هى حيرة أهل الطرب فى بلادنا منذ ذلك الحين بين موسيقى الشرق والغرب بحثًا عن نغمة مصرية خالصة.. تلك الحيرة كانت السبب الأول والمباشر فى نضوج تجربة الشيخ عبدالرحيم المسلوب فى أولى محاولات الخروج من عباءة وطغيان النغم التركى الذى سيطر على موسيقانا ما يزيد عن خمسة قرون، وهو السبب نفسه فى وجود ظاهرة سيد درويش الذى استخدم فى أوبريتاته مثل «شهرزاد والباروكة» قوالب «الهارمونى كونترابوينت» التى لم تعرفها الموسيقى الشرقية من قبله، كما تقول د. رتيبة الحفنى فى كتابها «موسوعة الموسيقى العربية».

وهو السر نفسه الذى حاول بليغ حمدى اكتشافه بنزوعه إلى استلهام الفلكلور المصرى بدءًا من رائعته «يا نخلتين فى العلالى» التى غنتها وردة فى فيلم «ألمظ». وإذا كان سيد درويش هو «والد الموسيقى المصرية الحديثة» حسب تعبير د. زين نصار فى كتابه «أعلام الموسيقى والغناء فى مصر»، فبليغ حمدى هو أحد أهم مجدديها من أبناء الموجة الثانية المحسوبة على زمن «ثورة يوليو».

سؤال الهوية لم يتوقف يومًا عن التردد على ألسنة الموسيقيين فى مصر.. فالذين وصفوا اسم مؤتمر «الموسيقى العربية» عام ١٩٣٢ ليحذفوا اسم الشرقية ظنًا منهم أنهم يمنحون موسيقانا هوية عربية لم يتمكنوا أبدًا من حسم ذلك الصراع طيلة مائة عام ويزيد.

فى ١٦ يناير ١٩٥٦ أصدر جمال عبدالناصر أول دساتير ثورة يوليو الذى أقر الجمهورية بديلًا عن نظام «أبناء دولة ولى النعم»، وقبلها بعام واحد فقط قدم عبدالحليم حافظ ما يمكن اعتباره مطلب الجيل الجديد بذلك الدستور.. لا عجب فى ذلك، فالباحث الفرنسى جاك أتالى يقول «الموسيقى نبوءة تستشرف التغيرات حولها قبل أن تصبح مرئية تدريجيًا».. فهل مهّد حليم لنهاية دولة محمد على ونظامه بشكل تام قبل أن يحدث ذلك بعام كامل؟!

يمكنك أن تدير مؤشر «الكاسيت» أو الشاشة وتضبطهما على أغنية «يا سيدى أمرك.. أمرك يا سيدى» من فيلم «ليالى الحب» الذى شارك فى بطولته عبدالسلام النابلسى ومحمد عبدالقدوس.. والأخير فى ذلك المشهد كان يؤدى دور «الباشا» رمز زمن دولة أبناء محمد على الذى يجبر العندليب على الغناء القديم تحت تهديد السلاح فيما السيارة تمرق من أمام قسم شرطة إلى آخر.

اللحن العبقرى الذى صاغه أحد أهم المجددين فى تاريخ الغناء المصرى الموسيقار محمود الشريف يمشى بهدوء معبرًا عن نص بديع كتبه فتحى قورة بذكاء.. بعد أن اختار أربعة مقاطع كل منها يبدأ بسطر من أغنية قديمة.. تشير إلى مرحلة الغناء المصرى فى العهد السابق.. أولاها يبدأ بـ«بالذى أسكر من عذب اللمى»، وهو السطر الأول من موشح أندلسى كتبه أحمد كيوان «سورى»، وينسب لدى البعض للسان الدين الخطيب لدمجه مع قصيدة «جادك الغيث».. وفى المقطع الثانى يستعير دخول قصيدة «بحقك أنت المنى والطلب» للشيخ أبوالعلا محمد التى غنتها أم كلثوم فيما بعد، ثم إحدى أغنيات منيرة المهدية «حبك يا سيدى غطى على الكل.. على الكل يا عينى»، وأخيرًا وفى المقطع الأخير يستدعى عبده الحامولى فى «أنا قلبى عليك.. عليك قلبى» ليوجه حليم رسالته الواضحة «وباغنى قديم وأنا إيه ذنبى».

رسالة أو نبوءة حليم فى لحن محمود الشريف البديع كانت مقصودة.. ولم تكن من قبيل المشاهد الدرامية اللذيذة الساخرة وكفى، وكانت نبوءة واضحة لعصر من الغناء الجديد.. وهو ما حدث بالفعل مع جيل كمال الطويل والموجى وبليغ ومن تلاهم، وإن عطلت النكسة المشروع برمته لتنفجر ساحة الغناء وتنقسم مجددًا إلى عالمين.. الجيل الذى يهاجر فى موسيقاه باستدعاء موسيقى غربية خالصة بألحانها وكلماتها.. وجيل يستدعى الفلكلور المصرى وبأسوأ ما فيه كما هو الحال فى أغنيات «الطشت قاللى والعتبة قزاز وغيرهما»، وإن حاول البعض تطويعها لغناء مصرى حقيقى كما هو الحال فى تجربة الموسيقار على إسماعيل مع الثلاثى المرح وغيرهم.. وفى تجربة بليغ حمدى مع محمد رشدى وشادية ومحمد العزبى وعشرات المطربين.

هل يعيد التاريخ نفسه فى صيف ٢٠٢٦؟!

يبدو السؤال مُربكًا.. والإجابة لن تكون قاطعة لكن ثمة مؤشرات وظواهر تدعونا إلى رصد حالة الحيرة التى يعيشها صُناع الموسيقى فى بلادنا وسط أجواء سياسية متوترة تمامًا تقطع بأن تغيّرًا «جيوسياسيًا» سوف يحدث عما قريب.

يعرف محمد حماقى أن وليد سعد هو أحد أهم ملحنى مصر فى السنوات الأخيرة، وأن أهم ما يميزه هو جملته الجانحة إلى «الشرق».. ولأن حماقى يعرف أن المزاج المصرى والعربى قد ذهب فى الأعوام الأخيرة إلى أغنيات فضل شاكر الطربية قرر الاستعانة بتامر حسين ووليد سعد فى إحدى أهم أغنيات الموسم.. «عُمرنا ما نسينا».. وبعيدًا عن «بساطة الكلمات» واقتراب روح اللحن من أعمال أخرى لبليغ حمدى وحسن أبوالسعود، إلا أن الأغنية نجحت فى احتلال قمة «الترند» الذى صاحب ألبوم حماقى الذى ضم ثلاث عشرة أغنية أخرى لم تجد لها آذانًا مصغية.. وأغلبها غارق فى «إيقاعات وأنماط موسيقية غربية»، وإن حاول حماقى الاستفادة من «الإيقاعات الشعبية» باستدعاء الموزع الشعبى المعروف فى أفراح الدلتا «عبدالسلام» فى أغنية «نقاوة عينى» التى حاولت الاستفادة من ذلك المزاج الشعبى.

وفيما فشل أحمد سعد ورامى صبرى ورامى جمال رغم اجتهادهم الواضح لتقديم أشكال موسيقية حديثة، إلا أن عمرو دياب وأنغام أدركا ذلك التغيير الذى يحدث.. الحاجة إلى نغمة مصرية شعبية فيها بعض الطرب مما استدعى أن يستعين كلاهما بما يحقق له «خلطة» بين العالمين.

عمرو دياب بأغنيته التى أشرنا إليها فى سطور سابقة «لولا البنات» بلحنها الشعبى الذى يستدعى فلكلور الدلتا.. و«اتأخر عتابنا» بتركيبتها «الطربية» التى تستدعى ألحان بليغ حمدى وبالأخص «ألف ليلة وليلة».. أما أنغام فقد اكتفت بـ«بُعدك وجع» تلك التى قامت بتوزيعها بنفسها - وهو أمر ليس غريبًا عنها- فهى ابنة معهد الموسيقى العربية وابنة مطربة مصرية كبيرة اعتزلت مبكرًا، إضافة إلى تكوينها الطربى فى منزل محمد على سليمان وعمها خليفة العندليب عماد عبدالحليم، إضافة إلى دراستها المعمقة فى الكونسرفتوار.

تكوين أنغام سمح لها بذكاء أن تقتنص واحدة من أفضل أغنيات الموسم، وتعتلى به قمة «الترند» لأيام.. لكن فى هوجة الأغنيات التى صدرت تباعًا لم تستطع أغنياتها الأربع الأخرى أن تحصد نفس الحضور والنجاح رغم الجهد الواضح فى موسيقاها.

رغم أن محمد الشرنوبى قدم أفضل أغنيات الموسم بلا استثناء وأكثرها اكتمالًا إلا أن حيرة البحث عن «الترند» و«الهوية» معًا جعلته لا يتوقف عند معانى كلمات أغنيته الأهم.

الأغنية كتبها شاعر موهوب حقًا.. يملك مفردات جديدة ومميزة.. اسمه «فلبينو» قادم من عالم «كتابة الإعلانات» وسبق له أن قدم أغنيات ناجحة منها «شبر ونص» مع أنغام، «يا ليالى» مع أحمد سعد.. «لمون نعناع» مع حماقى.. و«اتخمينا» مع حمزة نمرة.

الشاعر أحمد السيد وهذا اسمه الحقيقى قدم لمحمد الشرنوبى- الذى أعتبره أحد أهم مطربى جيله مثلما أعتقد أنه مؤهل بحكم تفاصيل كثيرة لأن يكون مطرب السنوات المقبلة - نصًا بديعًا تشعر أنه قادم من عالم الفلكلور.. وهذه خدعة.. فهو نص حديث تمامًا، لكنه يستدعى بذكاء روح الفلكلور وهذه مهارة لا يمتلكها الكثيرون.. كما أنه يستخدم مهارته تلك فى اشتقاق المفردات وتداعى الجناس بذكاء شديد وببساطة يُحسد عليها.

«سبع الرجالة يا خاله/ اتمكن منى.. وخلى «خلا بيا»

بسلامته عيونه قتّالة/ وضعفت قصادها أنا يامه

عايقه بقميصى الطوبى/ الولا جه شد ف توبى

شكل الذنوب مكتوبى/ وإنتى تقوليلى توبى يامه

زى الغجر يامه/ يعشقنى فى الضلمة

يغوينى بالكسرة/ وغويته أنا بضمة».

نص بديع.. أجاد محمد الشرنوبى كملحن التعبير عنه وصياغته فى قالب مودرن وصيغت توزيعاته فى قوالب مدهشة بارعة.. ناهيك عن قدرات الشرنوبى نفسه كمطرب.. لكن ما لم يلاحظه الشرنوبى أن الكلمات موجهة لرجل من امرأة عاشقة.. وفى علاقة حميمة مع رجل تصف علاقتها به بأنها «ذنوب مكتوبة».

جمال اللحن يبدو أنه أغرى الشرنوبى بالاستئثار باللحن الذى لا يمكن أن يغنيه رجل ويشاركه الغناء رجل - عمرو البنا- وكأننا أمام عملية ترويج لغرام «المثليين».. وهو أمر أستبعد أنه خطر على بال أىٍّ من صناع تلك الأغنية.

الشرنوبى.. قدم سبع أغنيات أخرى.. قدم فيها أشكالًا مختلفة تكشف بوضوح عن أزمة صناع الموسيقى فى بلادنا فى هذه اللحظة.. ماذا نغنى؟! وأعتقد أن ذلك السؤال سيستمر لشهور وربما لسنوات ليست قليلة.