الأربعاء 23 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

 قراءة إنسانية لـ«نسمة جميلة» هَبّتْ على عائلة «عم إمام»

حق مصطفى متولى.. لم يكن مجرد زوج أخت عادل إمام

حرف

- عصام إمام كان البوابة التى دخل منها مصطفى إلى العائلة وأول من أبدى له رغبته فى الزواج من أخته

- عادل قابل مصطفى وسأله سؤالًا واحدًا: عاوز تتجوز أختى؟ ولما أجابه بنعم قال: أنا موافق

- تعلق مصطفى إنسانيًا بـ«عم إمام» والد صديقيه وأصر على أن يعيش معه فى بيت الزوجية بعد تأسيسه

- ظلمت الصحافة والإعلام مصطفى بحصره فى لقب زوج أخت الزعيم والتغاطى عن كونه فنانًا كبيرًا

- أحمد زكى دافع بشراسة عن موهبة صديقه فى المعهد ونفى عنه وصم التمثيل بالواسطة

- وقائع ما حدث فى شارع النيل الأبيض بميدان لبنان ليلة موت مصطفى متولى

- شهادات حية لكل من حضر لحظة رحيل «درش» المفاجئ بعد ليلة عرض «بودى جارد»

- لماذا تجنب عادل إمام كل تلك السنوات أن يحكى عن ليلة فقدان صديقه الأقرب وزوج أخته؟

- تليفون قاسٍ من عادل إلى أبوداود بعد ساعة واحدة من دفن مصطفى: «روح المسرح النهاردة اعمل بروفات»

- محمد أبوداود شعر أنه ضيف ثقيل عندما قبل أن يحل محل صديقه فى المسرحية فور أن أدخله القبر

- مشاعر عادل إمام دائمًا مؤجلة لا ينهار إلا بعد أن ينفض عنه الجميع

- حاصرت الصحافة والإعلام مصطفى بسؤال سخيف غير حقيقى وهو: لماذا لا تعمل إلا مع عادل إمام؟

- مصطفى تحدى استفزازات الصحافة: «عادل بالنسبة لنا صحيفة توزع مليون نسخة»

فى ليلة صيفية رائقة من النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين قرر عادل إمام نجم المشاغبين الصاعد بقوة الصاروخ أن يستغل إجازة المسرح ويتسكع فى شوارع وسط البلد عله يظفر بصحبة ترافقه ساعات الليل التى اعتاد أن يقضى معظمها داخل المسرح مع باقى المشاغبين، الذين تصادف انشغالهم جميعًا فى تلك الليلة، ويبدو أن الأقدار استجابت لرغبة عادل ومنحته صحبة لم تكن على باله، فقد قابل مصادفة أحد الأصدقاء وسأله عن وجهته: «على فين العزم أمال»

فقال له الصديق: 

رايح عيد ميلاد واحد صاحبى متعرفوش اسمه مصطفى متولى ممثل شاب لسه متخرج من المعهد 

عادل التقط طرف الخيط قائلًا: إزاى معرفوش.. ده صاحب أخويا عصام الروح بالروح.. وشوفته كذا مرة وهو جاى المسرح لأحمد زكى زميله فى المعهد.. يلا بينا يا جدع 

وبعد دقائق كانا الاثنان يقفان على باب شقة مصطفى متولى الفنان الريفى ابن مركز بيلا فى كفرالشيخ والذى غلب عليه طابعه الفلاحى وحول بيته فى قلب القاهرة إلى واحد من بيوت الفلاحين الذى لا تخلو أركانه من «اللمة» و«القعدات» الحلوة، فتخيل أن تلك القعدة التى كانت احتفالًا بعيد ميلاده الخامس والعشرين، ضمت صلاح جاهين بجانب أسماء شابة ستصير جميعها نجومًا فى قادم السنوات عمار الشريعى وصلاح السعدنى ومحمود الجندى وفاروق الفيشاوى وسيد حجاب ومحمد منير.

 مصطفى مع أصدقاء المدرسة فى بيلا
 مصطفى مع أصدقاء المدرسة فى بيلا

فوجئ هذا الحشد بسماع طلقات مدوية على الباب بشكل أدخل الخوف إلى قلوب الجالسين، لكن الفزع تبدد على الفور وتحول إلى سيل من الضحك والقهقهة على عادل إمام الذى اقتحم الباب كما يقتحم القلوب، ممسكًا بمسدس صوت لتكون هذه الدخلة المثيرة المناسبة لشخصيته مدخلًا لتوطيد العلاقة بصديق أخيه الأصغر.. وصاحب المنزل مصطفى متولى الذى يصغره بست سنوات ويتلمس خطواته الأولى فى دنيا الفن.

فتح هذا المشهد اللطيف الباب على مصراعيه لصداقة بين الاثنين، عادل ومصطفى، سيطهوها الزمن على مهل بمقادير لم تكن على بال أحدهما يومًا ما، لأن القدر كان يدخر لهما بعد قليل رباطًا أشد وثاقًا، هو رباط الدم والنسب.

كما فتح نفس المشهد باب عالم «عادل إمام» السحرى على مصراعيه أمام مصطفى متولى، وتصادف حينها أن نفس هذا العالم للزعيم المنتظر كان يتشكل ويتعملق بعد أن صارت موهبته الاستثنائية أكبر وأعظم من أن تخطئها عين منتج أو مخرج أو مشاهد، لذلك ظلت حركة اسمه السريعة على الأفيشات برهانًا لحالة التصاعد الصاروخى للممثل الكوميدى الشاب، فترتيبه أخذ يتحرك ناحية القمة بانسيابية وثقة حتى اعتلى الاسم على مدى عقود تالية قمة كل الأفيشات منفردًا وجاء بعده كل الآخرين، صنع خلالها شبكة إنسانية وفنية بالغة الاتساع، لم تؤتَ لفنان مصرى آخر، وداخل تلك الشبكة مترامية الأطراف تربع نفس ذلك الشاب الريفى شديد الموهبة والطيبة القادم من كفرالشيخ واسمه مصطفى متولى، واتخذ لنفسه مكانًا شديد الخصوصية من قلب الزعيم خال أولاده ورفيق أيامه الحلوة، غير أن هناك زاوية رؤية أخرى وضعت عادل فى ثوب الرجل الذى ربما بغير ذنب منه، ظلم موهبة زوج أخته بعد أن صار الأخير مطاردًا طوال حياته بأسئلة صحفية بالغة السخف تهتم بكونه زوج أخت الزعيم وليس الفنان الموهوب صاحب الحضور مصطفى متولى.. وظل الأمر على هذا النحو حتى جاءت ليلة مشئومة مع بداية الألفية، محملة بمقلب شديد القسوة حين وصلت للزعيم مكالمة غريبة غير معتادة فى هذا الوقت من الليل بصوت زوجته هالة، قبيل فجر اليوم الخامس من شهر أغسطس٢٠٠٠ تخبره أن الرجل الذى مازالت صدى ضحكاته المجلجلة قبل ساعتين ترن فى أذنه قد غادر الدنيا لتوه:

مصطفى متولى مات يا عادل .. تعالى على بيت إيمان فى المهندسين بسرعة.

مصطفى متولى حكى فى حوار نادر عن بداية علاقته بعادل إمام على المستوى الإنسانى أجراه معه الزميل محمد الغيطى فى عدد الإذاعة والتليفزيون يناير ١٩٩٤، قال إنه عرف عادل منذ سنة ٧٠، لكنها كانت علاقة سطحية يسودها استظراف عابر بين الاثنين عندما كان مصطفى لا يزال فى السنة الثانية من معهد الفنون المسرحية مزاملًا لأحمد زكى الذى سبقه للاحتراف على مسارح التليفزيون وآخرها مسرحية «هاللو شلبى»، وبعد قليل سيكون زكى أحد أفراد مدرسة المشاغبين فتتكرر الزيارات من مصطفى لأحمد زميله فى المعهد أثناء عرض المسرحية وتتعدد اللقاءات بين مصطفى وعادل فى كواليس المسرحية التى صارت ذائعة الصيت بعد عرضها وأسست لجيل جديد سيكتسح المسارح منطلقًا من عباءة منتج جديد مغامر اسمه سمير خفاجى مؤسس فرقة الفنانين المتحدين، فصار مصطفى وجهًا مألوفًا ومريحًا لعادل نجم الفرقة الأول بعد أن صار يراه كثيرًا، ثم جاء دور عصام إمام الأخ الأصغر لعادل إمام ليقرب المسافات بين عادل ومصطفى أكثر، بعد أن صار عصام ومصطفى صديقين مقربين، وعليه أصبح من العادى والمنطقى أن يدخل كل منهما بيت الآخر مرات عديدة، حتى صارت الألفة سائدة بينهما.

لكن ما اللحظة التى رأى فيها مصطفى إيمان أخت عادل وتعلق بها؟

اللحظة كانت فى يوم كان يستعد مصطفى للسفر إلى الأردن للمشاركة فى مسلسل بدور صغير كفنان شاب فى مقتبل الحياة الفنية، لكنه قابل عصام إمام صديقه بالصدفة، فطلب منه الأخير أن يوصله للمطار لكن بعد أن يرافقه إلى منزله ليحضر بعض الأغراض، والمنزل المقصود كان هو بيت الأستاذ محمد إمام أبو عادل وعصام فى الحلمية وأثناء وجودهما داخله رن جرس التليفون ترانك من الإسكندرية، ليرد عصام وبعد حديث متبادل يفهم مصطفى أن المتحدث عادل إمام، الذى عرف من أخيه أن مصطفى معه داخل البيت، فقال عادل: ابن حلال.. اديهولى.

أبوعادل أشعرنى أنه مثل أبى تمامًا.. راجل فلاح.. رغم أنه كان عسكرى بوليس فمع حزمه وطريقته «سى السيد القديمة» تجده يتمتع بخفة ظل، عادل جنبه صفر على الشمال.

وعندما أمسك مصطفى بالسماعة وجد عادل يطلب منه راجيًا أن ينقذ موقفًا، وأن يأتى إلى الإسكندرية حالًا ليؤدى دور وكيل النيابة بديلًا عن سعيد طرابيك الذى حدث معه ظرف طارئ أجبره على السفر للقاهرة، ووقع عادل والفرقة فى حيص بيص، من يؤدى هذا الدور فى هذا الوقت الضيق.

وتلك القصة بالطبع تفسر الصورة النادرة المنتشرة فى فضاء الإنترنت لمصطفى متولى يقف على منصة وكيل النيابة والمعلومات المرافقة لها دائمًا خاطئة تقول إن متولى كان هو صاحب الدور الأصلى، لكن سعيد طرابيك هو من صورت به المسرحية لحسن حظه مثلما كان معتادًا فى المسرح تلك الفترة، لكن فى حالتنا وطبقًا لحكاية مصطفى نفسه أن الأمر كان عكسيًا والدور هو دور سعيد طرابيك، أما مشاركته فكانت إنقاذًا للموقف فقط بإلحاح من عادل إمام بطل المسرحية.. ولمدة أيام عرض محدودة جدًا.

المهم أن ذلك الطلب الذى طلبه عادل من مصطفى كان هو السبب المباشر الذى جعل الأخير يشاهد أخت عادل الصغرى لأول مرة، وكان ذلك فى يوليو ١٩٨٠، حيث كانت برفقة الأسرة فى شقة الإسكندرية التى ذهب إليها مصطفى، الشاب الأعزب المضرب عن الزواج، كما كان معروفًا عنه وسط أصدقائه. 

ويفسر مصطفى هذا الأمر قائلًا: 

السبب الرئيسى غير اختلاف تركيبتى أننى أتيت بعائلتى من كفرالشيخ لتعيش معى هنا فلم أشعر بالغربة أو الاحتياج لزوجة مثل القادمين من الأقاليم.

لكن مصطفى عندما دخل بيت عادل شعر بالارتياح الشديد والألفة الغامرة، فقد رأى عائلة مصرية مثل عائلته تمامًا، نفس ما يحدث بين أمه وأبيه وإخوته ونفس الجو الأسرى ونفس الروح.. وفى هذا اللقاء نظر مصطفى إلى أخت عادل ونظرت له ولم يحدث أى حوار، لكن بعد هذه النظرة فك إضرابه عن الزواج.. وطلب يد أخت صديقه. 

لحظة دخول مصطفى متولى بشكل رسمى البيت الإمامي
لحظة دخول مصطفى متولى بشكل رسمى البيت الإمامي

الأستاذ محمد إمام الرجل العسكرى الصارم كان عاملًا مؤسسًا لهذه العلاقة الإنسانية الاستثنائية التى تكونت بين عادل ومصطفى بعد ذلك، فقد رأى مصطفى فى هذا الرجل أبًا آخر يشبه أباه فيقول عنه: 

«أبوعادل أشعرنى أنه مثل أبى تمامًا.. راجل فلاح.. رغم أنه كان عسكرى بوليس فمع حزمه وطريقته «سى السيد القديمة» تجده يتمتع بخفة ظل، عادل جنبه صفر على الشمال... أو اضرب عادل فى ميه.. طبعًا فيما بعد تكررت جلساتى معه حتى أصبح أحد مصادر متعتى أن أجلس معه وأستمع لحكاياته وهو يسرد لك تاريخ القدماء وكأنه عاش فى عصر عبدالملك بن مروان أو الخليفة الفاطمى.

وهو يتحدث لك فى الدين لأنه يحفظ القرآن وفى الحياة ولكن لا يتحدث فى الفن، هو كما يقول الفلاحون فى بلدنا، «ابن نكتة».

وكما أحب مصطفى أبو عادل وأُعجب بشخصيته أحب عادل وأدهشه قدرة عادل على قيادة زمام عائلته بهذا القدر من العقل والحكمة فى وجود الأب دون أن يشعر أنه صار هامشيًا فى حياة أولاده، ويقول مصطفى عن عادل: 

«عادل هو حكيم أسرته الصغيرة. هو كبيرها. وقد عشقت كل تصرفاته بعد معرفته عن قرب، والعائلة كلها أخذت على أنه كبيرها. هو يتصرف بتلقائية والجميع اعتاد أن يأخذ رأيه ومشورته، لرجاحة عقله وذكائه وقدرته الفظيعة على اجتذاب الجميع حوله، استطاع أن يكسب بسهولة حب الصغير والكبير، فهو حكيم أسرته الصغيرة والكبيرة أيضًا. أقصد العائلة الفنية والجماهيرية».

يبدو من كلام مصطفى قدر الانبهار بشخصية عادل وحبه لتفاصيلها، لذلك عندما أخذ قراره النهائى بالزواج من إيمان إمام ذهب إلى صديقه عصام وقال له رغبته بشكل مباشر فى الزواج من أخته، عصام أخذ الكلام من مصطفى ونقله كما هو لأخيه الكبير عادل، وبعد أيام جاءه عصام وقال له: عادل عاوز يقعد معاك.

ولأن عادل شديد العملية وتلك الصفة تحديدًا هى السر الأكبر لنجاحه الصاروخى المستقر، فقد جلس عادل إلى صديقه وصديق أخيه مصطفى وشربا الشاى ثم نظر إليه مبتسمًا وقال: عاوز تتجوز أختى؟

وعندما أومأ مصطفى بالإيجاب قال له عادل بمنتهى البساطة: أوكيه.. ولم يزد بكلمة.

جلسة لم تستغرق ٥ دقائق ليدخل بعدها مصطفى متولى رسميًا إلى أقرب نقطة لقلب الزعيم، وكان مبرر عادل فى الموافقة السريعة شبيهًا بسبب تعلق مصطفى بأخت عادل وعائلتها، فقد دخل عادل بيت مصطفى وشعر أنه وسط عائلته تمامًا نفس الأم ونفس الأب ونفس التركيبة الاجتماعية، السائدة والغالبة فى مصر نهاية السبعينيات والثمانينيات ممن لم يتحولوا لرجال أعمال عهد الانفتاح، أسرتان من الطبقة المتوسطة لذلك لم يناقش عادل ولا أبوه مصطفى فى أى شىء، سواء مهرًا أو مؤخرًا أو صداقًا أو عفشًا أو تفاصيل مادية مطلقًا، وكتبوا الكتاب فى بيت عادل وسط الأسرتين ثم ذهب الجميع إلى «كازينو ليل» رمز الترفيه الأبرز بداية الثمانينيات فى شارع الهرم، واستقبلتهم صاحبته شريفة فاضل بترحاب شديد، ثم غنت للعروسين ومعها أحمد عدوية نجم الكازينو الأول، وبعد نهاية الاحتفال ذهبوا جميعًا إلى بيت عائلة عادل ليعيش مصطفى سنة كاملة بين «عم إمام» وأبنائه حتى تتأسس شقة الزوجية، وعندما حدث ذلك أصر مصطفى إصرارًا حازمًا، أن يصطحب العم إمام ليعيش معهما فى بيتهما الجديد لأنه يشعر بمتعة وراحة نفسية كبيرة بجوار هذا الرجل الذى كان يملك السر الأكبر فى دخول مصطفى إلى عالم «عادل إمام» بتلك الصيغة الحميمية.. وظل على هذه الدرجة من القرب الإنسانى طيلة عقدين هما ما تبقى من عمر مصطفى متولى الطيب الذى سينصرف مبكرًا مع بداية القرن الجديد.. فى لحظة عصيبة لم تمر على عادل مرور الكرام.

مصطفى المبتسم دائمًا
مصطفى المبتسم دائمًا

قبل أن نتأمل لحظة فقدان عادل لصديقه وزوج أخته ونرصد شهادات مختلفة عن هذا اليوم الصعب، لا بد أن نتأمل تعاطى عادل نفسه مع موت الأحبة فى العموم حتى قبل موت مصطفى، حيث يبدو فى لحظة الصدمة الأولى واقفًا صامدًا بملامح جامدة لا تبدو عليها سمات الانهيار النفسى مثلما حدث لحظة فقدان الأب والأم، يقف بصلابة كبيرة يستقبل المعزين دون أن تهتز ملامحه، أما مشهد الانهيار الكامل فيكون مؤجلًا.. يأتى بعد ذلك فى وقت لم يجهز له، وكأن إحساس الفقد يتفاعل داخله ويأخذ وقته حتى يصل للحظة الانفجار الكبير الذى يفقد فيه عادل سيطرته على نفسه ومشاعره فى لحظة شديدة الندرة بالنسبة له، ولتوضيح الأمر دعونا نسترجع حكايته هو شخصيًا لحدث موت أمه.

عادل يقول عن نفسه بمنتهى الهدوء إنه لا يخاف الموت، لذلك تلقى نبأ موت أمه عبر الهاتف بمنتهى الثبات، صلى ركعتين ونزل قاصدًا المستشفى الذى لفظت الأم أنفاسها الأخيرة فيه، دخل عليها بنفس الثبات، لكنه مع ذلك رفض رفع الغطاء عن وجهها ليراها، بدا أنه لا يريد أن يكون مشهد ملامحها الميتة هو آخر مشهد يطبع فى ذاكرته، ولم يبك عادل فى تلك اللحظة حتى عندما رأى ضعف أبيه الرجل القوى الذى لم يرَ له دمعة فى حياته، رأه يبكى بكاءً شديدًا على رفيقة رحلته، ومع ذلك ظل عادل محافظًا على تماسكه المعتاد لأيام وأسابيع بعد وفاة الأم، ولم تتوقف عجلة العمل لحظة واحدة، مسرحه يفتح فى موعده المقدس، ويصور مشاهده السينمائية كما كان مخططًا لها تمامًا، حتى حدث الموقف الذى سيكشف عادل الآخر، عادل الذى ينهار داخله ولا يحب لأحد أن يرى ضعفه، جاءته لحظة الانهيار بغتة دون أن يدركها، أو حتى يكون جاهزًا لها، فقد كان يقود سيارته بعد أكثر من شهر فى ليل القاهرة بين شوارع وسط البلد، لكن فجأة تذكر وجه أمه وشعر بالافتقاد لهذا الوجه الجميل الذى لم يستطع كشف الغطاء عنه بعد أن انسحبت منه الروح، فما كان من عادل إلا أن ركن سيارته على جانب الطريق، ونزل من سيارته ليغوص فى نوبة بكاء شديدة لمدة طويلة وانهيار كامل وحيدًا، حيث لا أحد يراه أو يربت على كتفه، شعر حينها بفداحة خسارته أو كما حكاها هو أكثر من مرة:

حسيت إنى فقدت أهم وأعظم حب فى حياتى، فلن يحبنى أحد مثل أمى

مرت سنوات أخرى وجاءت لحظة وفاة الأب ليواجه عادل الموقف بنفس الثبات حين جاءه النبأ الحزين عن طريق زوجته وهو يتأهب للدخول إلى المسرح فى بيروت لعرض مسرحيته الزعيم، فصلى ركعتين صلاة الغائب عليه ثم دخل المسرح وأكمل ليلته وفى نهاية العرض شعر أنه يريد أن يحدث الناس عن أبيه الذى يتمدد جثمانه على بعد آلاف الكيلومترات هناك فى القاهرة، منتظرًا أن يوارى التراب فى غير وجود ابنه البكرى، حينها وقف عادل على المسرح بعد أن حيا الجمهور نهاية العرض، فقال لهم أريد أن أرثى لكم رجلًا عظيمًا مات للتو، هذا الرجل أبى. 

وبعدها استغرق عادل فى تعداد صفات والده العظيمة الذى منعته هيبته من إبدائها له وجهًا لوجه طيلة حياته، وهو ما لن تستغربه عندما تعرف أن الأب مات دون أن يجرؤ ابنه الأكبر وأهم ممثل فى مصر على التدخين أمامه، تحول عادل فى تلك اللحظة إلى الطفل الذى يحمله أبوه على كتفيه ليرى «المحمل» أو كسوة الكعبة التى كانت تخرج من مصر إلى السعودية وتطوف الشوارع فى مظهر ظل محفورًا فى ذاكرة الطفل الذى تربى فى شوارع الحلمية، وكان يحب أباه حبًا شديدًا على الرغم من قسوته الظاهرية عليه، وهى نفس القسوة التى أخرجت منه ذلك الرجل الصلب الذى يستطيع أن يواجه صدمات فقد الأحباب، بثبات دون أن يفقد توازنه.

لكنه مع ذلك دخل حينها فى نوبة بكاء، تأثرًا بهستيريا الدموع التى اجتاحت المسرح من الممثلين زملائه على الخشبة أو حتى الجمهور اللبنانى الذى وقف تأثرًا لحكى عادل الصادق الحزين عن والده الراحل.

من فيلم ضربة شمس
من فيلم ضربة شمس

لو كانت هناك كاميرا بكادر واسع تصور هذا المشهد العاطفى الذى عاشه عادل إمام وهو يرثى أباه، على مسرح بيروت، فى العام ١٩٩٧ وعاشه معه أبطال وجمهور مسرحيته «الزعيم»، كان اتساع الكادر سيظهر تأثر الفنانين على المسرح كثيرًا بدموع عادل، ومشاركتهم أحزانه، لكن الكاميرا بالتأكيد لم يكن ليفوتها أن تأخذ لقطة مقربة لشخص آخر غير عادل إمام يقف على نفس المسرح كانت دموعه أكبر من مجرد مشاركة لزميله الذى فقد والده للتو، شخص كانت دموعه أغزر وتأثره أوضح، هذا الشخص ببساطة كان مصطفى متولى الذى لم يكن فى تلك اللحظة يبكى أبو صديقه، بل كان يبكى حماه أو والد زوجته، الرجل الذى عاش معه فى بيته فترات كبيرة من حياته، ووجد فيه الأب والصديق ولم يشعر لحظة واحدة أنه مجرد زوج لابنته، فقد وقع مصطفى فى غرامه منذ اللحظة الأولى التى دخل فيها بيته على أنه صديق ابنه الأصغر عصام إمام، مثلما حكى هو، وصار يتردد على البيت بتلك الصفة حتى قبل أن يسير فى إتجاه النسب.

المفارقة القدرية هنا أن مصطفى الذى يبكى فى تلك اللحظة على المسرح لفقدان حماه وأبو صديقه عادل إمام سيكون بعد ثلاث سنوات تقريبًا هو بطل مشهد قريب للغاية فى تفاصيله من ذلك المشهد، لكنه حينها سيصير أكثر تراجيدية وشجنًا، سيكون مصطفى هو « المُبكى» عليه الذى يبكيه عادل وأصدقاؤه بكل جوارحهم، الاختلاف الوحيد لحظتها هو اختلاف خشبة المسرح، فبدلًا من مسرح بيروت سيصبح مسرح الهرم، حيث مكان عرض مسرحيته الأخيرة «بودى جارد» سنة ٢٠٠٠. لنصل إلى اللحظة الأكثر قسوة فى حياة الجميع.. لحظة موت الرجل الطيب الذى مر كالنسمة الرائقة فى حياة العائلة الإمامية واسمه مصطفى متولى.

الفنان الشاب فى صحبة صلاح جاهين وسيد مكاوى
الفنان الشاب فى صحبة صلاح جاهين وسيد مكاوى

الغريب أننى لم أعثر على رواية واحدة مكتملة بلسان عادل إمام عن ذلك اليوم الذى فقد فيه مصطفى، وكيف تعامل معه، كثيرون حول عادل تحدثوا عن روايتهم للأمر لكن عادل لم يحكِ، وكأنه كان يهرب من تلك الذكرى الأكثر إيلامًا فى حياته، أقصى ما كان يقوله عندما يُسأل فى أى لقاء عن سر إصراره على استمرار العرض على الرغم من صعوبة ذلك نفسيًا عليه وعلى باقى الممثلين، فكان يقول جملة واحد صارت شهيرة من كثرة ما رددها:

«المسرح لا يعوقه إلا القبر».

وكان يقصد بالطبع أن الممثل لا ينبغى أن يمنعه أحد عن الصعود للمسرح غير دخوله القبر.. كما كان يعتبر أن التذكرة التى يقطعها المشاهد من شباك المسرح بمثابة عقد لا رجعة فيه، بين الممثل والمتفرج ولا يجوز للأول أن يخذل الثانى فى الموعد الذى اختاره ليشاهده.

فى اعتقادى الذى يرقى للقناعة أن عادل إمام على الرغم من كونه مؤمنًا إيمانًا كاملًا بما يقول فيما يخص حق المشاهد والعقد وخلافه، لكن ذلك لا ينفى وجود سبب آخر لإصرار عادل على استمرار عرض المسرحية بعد دفنه صديق عمره ورفيق أيامه، مع استبداله بممثل آخر، هذا السبب فى اعتقادى هو الهروب من شبح الحقيقة المتمثلة فى غياب مصطفى النهائى عن دائرة عادل القريبة، وأطباء النفس لديهم تفسيرهم المنطقى فى مثل تلك المواقف التى يلجأ فيها الإنسان إلى الاستغراق الشديد فى العمل عندما يواجه نكبة إنسانية فى حياته مثل فقدان عزيز، فكأنه يدفن أحزانه بين تروس العمل المتواصل المجهد، وظنى أن عادل من تلك النوعية التى تهرب من أحزانها بالعمل.

فى فيلم سلام يا صاحبي
فى فيلم سلام يا صاحبي

إذن هذا هو عادل إمام القوى ظاهريًا الذى فقد أباه وأمه وما تركاه الاثنان من بثور فى نفسه لا يراها غيره، يستقبل خبر موت صديقه وزوج أخته الأقرب مصطفى متولى بعد ساعتين فقط من جلجلة ضحكاته أمامه بعد العرض المسرحى، حيث جاءه التليفون المشئوم ليخبره بأن متولى ذهب دون وداع.

كيف ومتى وأين وكل صيغ الأسئلة بالتأكيد دارت فى عقل الزعيم الشارد بلا جواب، لكن لا مفر أن يظل عادل إمام فى هيئته القوية الحمولة، حيث رجع على الفور إلى بيت أخته فى شارع النيل الأبيض، أحد شوارع ميدان لبنان بحى المهندسين ليرى الحقيقة متجسدة أمامه، وكأنه يقول لنفسه «لا مفر يا مصطفى فقد فقدتك»، واسى عادل أخته الصغيرة التى رباها على يديه وزوجها بنفسه قبل ربع قرن لذلك الشاب الريفى القادم من مدينة بيلا فى كفرالشيخ، الشاب الذى أحب فيه طيبته وجدعنته وضحكته الصافية كما أحب فيه أيضًا تعلقه بأبيه «عم إمام» دون تصنّع، وأحب أيضًا صداقته النقية لأخيه «عصام».

للأستاذ محمود سعد، الإعلامى والصحفى الكبير، شهادة مهمة عن هذا المشهد أسفل بيت مصطفى متولى فى المهندسين يوم ٥ أغسطس سنة ٢٠٠٠ حيث جاءه الخبر المشئوم عبر أسلاك التليفون صباحًا من صديقه وصديق الجميع الفنان العظيم صلاح السعدنى الذى قذف الخبر فى وجه محمود سعد بطريقة مندهشة مصدومة كما يحكى محمود قائلًا: «تخيل الواد مصطفى متولى اللى عامل زى ضلفة الباب مات دلوقتى». 

وكانت بالطبع تلك طريقة السعدنى فى وصف الأشياء والمشاعر والتى لا يشاركه فيها أحد، وبسرعة خاطفة تقابل الاثنان صلاح وسعد وذهبا سريعًا إلى بيت مصطفى متولى ليقفا بجوار عادل والأسرة المكلومة، والملاحظة هنا التى قالها محمود وتبرز مقدار الصدمة التى عاشها الزعيم بفقدانه المفاجئ لصديقه وزوج أخته أنه وصلاح وكل من ذهب لاحظوا أن عادل لم يكن منهارًا أو باكيًا بشكل تقليدى كأى إنسان يمر بهذا الموقف الإنسانى، لكنه كان مغتاظًا وعصبيًا لدرجة شديدة، لدرجة أنهم لم يقتربوا منه لحظتها، وتفسير محمود سعد القريب جدًا من قلب وعقل عادل حينها، أن الأخير كان يشعر بالغيظ الشديد والغضب المكتوم، وكأن غيظه موجّه إلى مصطفى متولى نفسه الذى تركه فجأة وضحك عليه، فكيف بعد أن كان معه فى المسرح فى جلستهما المعتادة وضحكاته تملأ الفضاء حوله، فما إن يغيب عنه ساعتين بالعدد، حتى يهرب مصطفى إلى البر الآخر دون وداع، ما هذا المقلب السخيف، بالتأكيد شحنة مشاعر متضاربة انفجرت حينها داخل عادل، وتفاعلت داخله تريد الانفجار، لكن لأن الموقف يحتاج القوة وجثمان صديقه ممدد على سرير أخته، فكان لا بد أن يكتم عادل فيضان المشاعر خلف وجه متجهم صارم، يحاول أن يلملم شتات الموقف والكسور التى تركها غياب مصطفى المفاجئ عن دائرة عادل، سواء على المستوى الإنسانى بعد أن ترك أخته الحبيبة أرملة مع أولاد صغار لم يستوعبوا بعد غياب الأب، وعلى المستوى الفنى أيضًا فقد كانت مسرحية «بودى جارد» تعرض بنجاح ساحق منذ سنة وفى عز الموسم ومسرح الهرم كما العادة «كومبليت»، ومصطفى بطل من أبطالها بطبيعة الحال. 

باختصار تغلغل مصطفى متولى داخل وجدان عادل إمام، بكل مقاديره الإنسانية الفريدة التى اختلطت فيها طيبة ابن الريف الهادئ بجدعنة ابن المدينة الصاخبة، فكان هذا المزيج الإنسانى الرائع المتجسد فى روح طفولية محببة لعادل، فقد أحب ضحكه على إفيهاته على المسرح، بل إنه أحيانًا كان يغالى فى الخروج على النص حتى يرى انفجار مصطفى متولى من الضحك أمام الجمهور، يأسره عندما ينفعل عليه ضاحكًا: «يا بنى اسكت بقى عاوزين نشتغل»، بعد أن يفيض به كيل الضحك ولا يستطيع أن يقول جملة فى المسرحية، فيضحك عادل فرحًا بنفسه أنه استخرج تلك الروح الطفولية المحببة من داخل هذا التكوين الإنسانى الجميل الجالس أمامه.

تعددت الشهادات عن ذلك اليوم الصعب، لكن تبقى شهادة الأقربين أكثر أهمية، فهذا الفتى المراهق، حينها، عمر مصطفى متولى صاحب السبعة عشر عامًا والابن الأكبر للفقيد يحكى عن ذلك اليوم العصيب ولحظة وصول الخبر، أن الأمر لم يكن أكثر من تليفون على الهاتف المحمول الذى كان جهازًا جديدًا فى تلك الأيام، وكان عمر وأخوه فى الساحل مع بعض الأقرباء، فجاءت المكالمة الغامضة من خاله عصام تطالبه بالعودة مع إخوته لأن: «بابا تعبان شوية».. لاحظ عمر الارتباك الواضح على الجميع ومحاولتهم الإسراع لسحبه خارج المصيف وإرساله على الفور دون إبطاء إلى القاهرة قبل أذان الظهر.. ولكن لأن هاجس موت الأب لم يكن يدور فى خلد الابن الصغير ضمن قائمة الاحتمالات أصلًا، فقد صدق عمر وإخوته أن والده «تعبان شوية» ومن غير اللائق أن يتركوه «عيان» ويستمروا فى المصيف، وذهبوا على هذا التصور المريح لعقلهم الطفولى حتى فوجئوا بالمشهد المهيب على مدخل العمارة أسفل شقتهم فى المهندسين، جمع من الناس والوجوه المألوفة لعمر وإخوته الصغار وعلى رأسهم خالاه عادل وعصام وأصدقاء والده الذين يعرفهم جيدًا صلاح السعدنى وأحمد راتب ومحمود الجندى وغيرهم، والكل متجهم صارم ومن العجيب أن أباه لم يكن معهم، لوهلة تساءل الفتى: لماذا لم يقف والده مع أصدقائه أمام مدخل العمارة؟، لكن الإجابة ساقها له وعيه بالأمر، الذى تكون فى اللحظة التى رأى فيها ضمن تفاصيل المشهد القاتم عربة غريبة الشكل أدرك حينها لأول مرة معنى الجملة المكتوب عليها «سيارة تكريم الإنسان»، فتشابكت المدخلات البصرية داخل عقله ليدرك أن الرجل الذى تنتظره تلك السيارة لتكريمه هو نفسه العنصر الناقص فى المشهد، إنه والده وحبيبه مصطفى متولى.

مصطفى وعادل.. وحياة لا تخلو من الضحك والفرفشة
مصطفى وعادل.. وحياة لا تخلو من الضحك والفرفشة

من ضمن حضور هذا المشهد المهيب أسفل بيت مصطفى متولى كان الفنان محمد أبوداود بصفته النقابية أولًا، حيث كان عضو مجلس نقابة المهن التمثيلية، وبصفته صديقًا لمصطفى ثانيًا، فكان وجوده منطقيًا لترتيب إجراءات الجنازة والدفن وخلافه، لكن أبوداود واجه موقفًا لا يحسد عليه، يصفه هو بعد مرور السنوات قائلًا: «لو عادت الأيام لما وافقت أبدًا على هذا»، والقصة باختصار أن أبوداود بعد أن أتم إجراءات دفن صديقه مصطفى متولى، وقبل أن يصل إلى منزله مهمومًا، بعد أن أدى دوره النقابى، جاءه تليفون من الزعيم عادل إمام ليرد عليه ويفاجأ به يقوله له مباغتَا: «إنت هتفتح المسرحية بكرة مكان مصطفى الله يرحمه». 

واجه أبوداود الأمر بصعوبة متلجلجًا، أقرب للرفض، لكن عادل إمام حسم الأمر قائلًا: «ده إنقاذ موقف يا محمد والمتفرجين ملهمش ذنب فى أحزاننا، ريّح شوية وبعدين إنزل إعمل بروفات النهارده على الدور، وهنشتغل العرض بُكرة فى ميعادنا طبيعى».. وأغلق عادل القوى الهاتف ليجد أبوداود نفسه فى أصعب موقف فى حياته، لكنه لم يعد يملك رفاهية الرفض، وجاء اليوم التالى لينفتح الستار عن أصعب يوم عرض مسرحى فى تاريخ عادل إمام كله.

يحكى الضيف الجديد الثقيل على المسرحية هذا اليوم قائلًا إنه لم يساعده أحد من أبطال المسرحية فى هذا اليوم أبدًا، فقد كان وجوده أمامهم مصدرًا لانفجار الأحزان الطازجة، حيث كان يقف مكانه منذ ساعات قليلة صديقهم الذى يرقد أسفل التراب فى تلك اللحظة، فكلما نظر أحد الممثلين إليه أدار وجهه وبكى، فكان مطلوبًا من الممثل الضيف أن يحاول الصمود على الخشبة وسط أجواء جنائزية يسيطر عليها النحيب بين الفنيين والممثلين، دون أن يفقد بوصلة الدور الرئيسى والمحرك لأحداث المسرحية والذى يعتمد جزء كبير من مناطق الضحك فيها على ردود أفعال الشخصية التى يؤديها بديلًا عن الفقيد.

انفجرنا جميعًا فى بكاء شديد مسموع وراء الستار للجمهور الذى يهم بالانصراف، وحضن الجميع بعضه، ونظرت حينها إلى أبى فوجدته يبكى بكاء شديدًا لم أره يبكى بهذا الشكل أبدًا.

لكن على عهدة أبوداود أن الوحيد الذى ساعده على المسرح وأخذ بيده فى تلك الليلة هو الشخص الوحيد المتماسك والرابض على إفيهاته وجمله دون أن تنقص شيئًا هو عادل إمام نفسه، والذى كان بلا شك أكثرهم حزنًا على فراق مصطفى، ولكن عادل على المسرح لا يملك إلا أن يكون قويًا وينسى كل الأحزان.

لكن جاءت الانفجارة الكبرى لعادل بعد المشهد الأخير وتحية الجمهور، وهنا نترك شهادة أبوداود ونذهب لشهادة أخرى مهمة جدًا، وهى شهادة مخرج العرض رامى إمام والذى يملك صفة فى الحكاية أكثر أهمية، حيث إنه فتح عينيه على الدنيا ليجد زوج خالته مصطفى متولى يملأ حياته ضحكًا ولعبًا، فالأمر كان بالغ الحزن بالنسبة له.. لذلك يحكى رامى عن تلك اللحظة التى أغلق فيها الستار ثانى يوم وفاة متولى، قائلًا: «انفجرنا جميعًا فى بكاء شديد مسموع وراء الستار للجمهور الذى يهم بالانصراف، وحضن الجميع بعضه، ونظرت حينها إلى أبى فوجدته يبكى بكاء شديدًا لم أره يبكى بهذا الشكل طيلة حياتى، وكأنه ينادى على مصطفى: متولى إنت فين يا متولى».

أغلق المسرح فى اليوم التالى لتلقى العزاء ثم استكملت العروض لمدة تزيد على العشر سنوات بعد ذلك.. وأصبح تعبير الفنان الراحل معتادًا وسائغًا قبل اسم مصطفى متولى.

مصطفى وعادل فى فرح عامر منيب
مصطفى وعادل فى فرح عامر منيب

سؤال سخيف غير واقعى ظل يطارد مصطفى متولى دون وجه حق وبمنتهى الإلحاح، والسؤال ببساطة: لماذا لا تعمل إلا مع عادل إمام؟

وهو ما يجعلنا نطرح سؤالًا عكسيًا بعد تلك السنوات بمنتهى المباشرة: هل ظُلم مصطفى متولى بالصفة التى التصقت به بحكم كونه «زوج أخت عادل إمام»؟ والتى ألغت فى طريقها أى صفة أخرى تتعلق بقدراته التمثيلية وموهبته التى دفعته أواخر الستينيات ليترك بلدته الصغيرة فى كفرالشيخ ويستقر فى عاصمة كل الفنون والبؤرة التى تنطلق منها كل المواهب، وهى القاهرة بالطبع؟، وظل متولى يواجه اتهامًا صريحًا أحيانًا ومبطنًا أحيانًا أخرى بأنه يعمل فى كل أفلام عادل إمام ومسرحياته بحكم تلك العلاقة، وليس بحكم موهبته واستحقاقه كممثل موهوب محترف، له الحق فى اختيار أدواره، وازداد الأمر حساسية ليصير مجرد العمل مع عادل إمام هو تهمة يجب عليه التبرؤ منها. 

ويبدو أن مصطفى متولى عانى كثيرًا من تلك الصورة المعلبة البائسة الفقيرة التى كانت تصر الصحافة والإعلام أحيانًا أن تضعه فيها، ولتبيان معاناته من هذا الأمر دعونا نسترجع حوارًا تليفزيونيًا قصيرًا جدًا لكنه كاشف، أجرته معه المذيعة نهلة عبدالعزيز فى كواليس فيلم «رسالة إلى الوالى» الذى كان يشارك فيه مصطفى كأحد أبطال الفيلم.

المذيعة أرادت أن تسأل السؤال بطريقة غير مباشرة على ما يبدو حتى لا تضايقه، فكانت صيغة السؤال عن مدى تأثير الارتباط بين الممثلات اللاتى يعملن فى أغلب أعمال عادل إمام على جودة أعمالهن لو خرجن من عباءة عادل، وهل هذا الأمر سيؤثر إيجابًا أم سلبًا عليهن؟

بالطبع التقم مصطفى متولى بطيبته الجميلة طرف السؤال التى تحرجت المذيعة على ما يبدو من طرحه بشكل مباشر وقال لها: «أنا اتسألت السؤال ده كتير أوى». 

ولم تستطع ملامحه الطيبة إخفاء انزعاج واضح خلف تلك الملامح الودودة من إصرار الإعلام على حبسه فى أغلال هذا السؤال العقيم، فأكمل بكل وضوح قائلًا بمنطق من قرر أن يتحدث على المكشوف: «أنا مرة اتسألت السؤال ده من واحد صحفى بس كان السؤال مستفز شوية مش لطيف زى سؤالك، وقالى إنت ليه مبتشتغلش غير مع عادل إمام؟».

هنا رد مصطفى عليه طبقًا لحكايته معنفًا: 

«أولًا مش صحيح إنى مبشتغلش غير مع عادل إمام، لكن مع ذلك بشكل عملى أنا أتمنى إنى مشتغلش غير مع عادل إمام».

وفسر متولى الأمر بسؤاله للصحفى المفترض والذى كان واضحًا أنه موجه للمذيعة نفسها قائلًا: «لو إنت صحفى وأمامك خيارين، تشتغل فى صحيفة توزيعها ٣ نسخ ولا تشتغل فى صحيفة توزيعها مليون نسخة، وبنفس المنطق لو عرض عليا دور فى فيلم عادل إمام ويكون مناسب طبعًا وجيد أنا أسعى إن أعمله، مش أهرب منه عشان محدش يقول إن مبشتغلش غير مع عادل إمام».

طبعًا انفعال مصطفى وضيقه كان مبررًا جدًا فى تلك اللحظة فى البرنامج خاصة لو عرفت أنه قبل شهور من إجراء هذا الحوار كان دور محفوظ سردينة فى رائعة «لن أعيش فى جلباب أبى» ما زال ملء السمع والبصر، وهو المسلسل الذى أجلس الشعب المصرى والعربى كله أمام شاشات التليفزيون سنة ١٩٩٦، ولم يكن عادل إمام فى المعادلة بأى شكل من الأشكال.. وكان دور مصطفى من أروع الأدوار التى تعلق بها المشاهدون للمسلسل حينها مع الأدوار الأخرى لعبدالغفور البرعى وفاطمة كشرى والمعلم سردينة الكبير.

كان يمكن لعادل أن ينهى هذا التصور الذى يظلم مصطفى كثيرًا لو أنه تحدث بشكل صريح مدافعًا عن موهبة زوج أخته، ورافضًا الربط غير الموضوعى بعلاقة النسب معه وأدواره فى أفلامه، لكن لأن هذا الأمر ليس من صفات عادل إمام الذى يعتمد مبدأ تجاهل الأكاذيب حتى لو كانت تنال منه شخصيًا، ولا يبذل أى جهد فى نفيها، والدليل موقفه من السردية المتداولة عبر عقود عن علاقته برفيق عمره سعيد صالح وترديد مقولة أن سعيد أكثر موهبة من عادل الذى يتميز عنه بالذكاء فقط، مع تلميحات خبيثة تطعن فى نقاء صداقة عادل وتتهمه فى بعض الأحيان بخذلان صديقه فى أيامه الأخيرة، وكل تلك الأمور التى دائمًا ما يعطيها عادل ظهره ولا يلتفت لها.

وبنفس المنطق لم يُعِر عادل هذا الأمر أى اهتمام، لكن من دافع عن موهبة مصطفى ونفى عنه شبهة المجاملة كان زميله فى المعهد الفنان أحمد زكى، الذى استضافته مذيعة التليفزيون المصرى فريال صالح فى برنامجها الشهير «حق الجماهير» تقريبًا منتصف التسعينيات، كان فورمات البرنامج أن يكون هناك جمهور فى الاستديو والنجم موجود يحكى ويكون هناك نقاش وأسئلة مع الجمهور الحاضر، فاستغلت فريال وجود ابن خال أحمد زكى الفنان التشكيلى سمير عبدالمنعم وسألته عن سبب عدم فرضه ابن خاله فى شغله، حيث إنه النجم الذى يستطيع أن يفرض من يشاء، ثم عرجت معللة سؤالها بتعليق سخيف ظنى أنه ضايق مصطفى متولى جدًا عندما سمعه، حيث قالت له بالنص: 

«أنا هقول حاجة تُحسب لعادل إمام، مفيش فيلم لعادل إمام، إلا ويجيب مصطفى متولى جوز أخته.. لازم يشغله معاه».

هنا كان موقف أحمد زكى من السؤال المستفز نبيلًا، حيث دافع بشراسة عن موهبة زميله وقال بالنص: 

«الفن مفيهوش واسطة، وعادل إمام مبيفرضش مصطفى متولى علشان هو جوز أخته، مصطفى متولى ممثل وزميلى ودفعتى فى معهد فنون مسرحية، فهو ممثل، عادل إمام محتاجه، لأنه ممثل شاطر وممثل كويس قوى.. وأى فنان يتمنى يشتغل مع مصطفى متولى لموهبته العظيمة... وأرفض القول إن عادل إمام بيفرضه».

فى مسلسل
فى مسلسل "لن أعيش فى جلباب أبى" 

أخذت سؤالى لأطرحه على أساتذة اقتربوا من عالم عادل إمام، وما زالت مشاهد هذا العالم حاضرة فى أذهانهم خلال وجود مصطفى داخل هذا العالم الرحب الفسيح قبل أن يغادره بغتة فى صيف سنة ٢٠٠٠، بدأت جولتى مع الأستاذ أيمن الحكيم الذى سمع كثيرًا من عادل خلال تجهيزه لكتابين عن الرجل، الأول كتاب «ضحكة مصر» الذى صدر ضمن المهرجان القومى الخامس عشر للسينما سنة ٢٠٠٩، والثانى كتاب «الحرفوش» الذى يحكى عن مناطق إنسانية فى حياة ابن الحلمية الذى تربع على عرش السينما المصرية خلال عقود.

الحكيم رأى بشكل واضح لا لبس فيه، أن مصطفى متولى ظُلم بالفعل كموهبة وطاقة تمثيلية فى تلك المعادلة، أما تفسير الأمر فأسرده كما فهمته من الأستاذ أيمن الحكيم فيما يلى:

ظلم مصطفى متولى كان ثلاثى الأبعاد، لم يمثل عادل إمام أى بعد فيها، فعادل لم يتسبب فى ظلم موهبة مصطفى بأى حال من الأحوال، أما الأبعاد الثلاثة فتتمثل فى المخرجين أولًا، ومصطفى نفسه ثانيًا، والصحافة بمعناها الشامل ثالثًا، كيف ذلك؟ .. سنرى.

أولًا: ظلم المخرجين مصطفى متولى فى استسهال حصره فى دور الشرير الذين رأوه مناسبًا لطبيعة ملامحه الشكلية، وإن كان فكرة «الفيلين» أو الشرير قد عانت كثيرًا فى الثمانينيات بعد اختفاء أبطال هذا الدور إما بالموت أو بكبر السن وتغير طبيعة الأدوار المناسبة لسنهم مثل المليجى والدقن وعادل أدهم وغيرهم، وهو ما قد يفسر البحث الدائم عمن يسد هذا الفراغ الكبير، لذلك قد يكون مصطفى متولى من بين تلك المحاولات الكثيرة للمخرجين. 

ومن هنا نأتى للبعد الثانى فى ظلم مصطفى متولى وهو مصطفى نفسه الذى يرى الحكيم أنه كان ينبغى عليه التمرد على رغبات المخرجين، ويحاول أن يستغل نجاح بعض الأدوار له سواء التليفزيونية أو السينمائية البعيدة عن قالب الشرير، فى فك تلك القيود المفروضة عليه، وضرب مثلًا بما فعله عادل إمام نفسه فى بداية حياته الفنية عندما نجح دور دسوقى أفندى فى مسرحية «أنا وهو وهى» مع فؤاد المهندس، الأمر الذى علق عليه عادل نفسه بعد ذلك أنه فوجئ أن بعض المنتجين كانوا يطلبون منه إحضار ملابس دسوقى أفندى ليؤدى نفس الشخصية بنفس ملامحها الشكلية حتى لو باسم جديد، وهو ما تنبه له عادل إمام بذكائه الفطرى مبكرًا، وسريعًا فك تلك الأغلال وكانت لديه القدرة على الرفض منذ البداية، لكن مصطفى لم يفعل ذلك، ولم يحاول التمرد على رغبات المخرجين، كما أنه لم يقم ولو بمحاولة واحدة أن يكون بطلًا حتى لو على سبيل المغامرة الإنتاجية، مثلما فعل ممثل ثمانينياتى آخر هو عماد محرم، وطبقًا لظن أيمن الحكيم، فإن هاجس عماد محرم بالفعل كان يطارد مصطفى متولى لتشابه البنيان الجسدى معه وطبيعة الأدوار الشريرة مع الوضع فى الاعتبار بالطبع الفارق الكبير فى الموهبة والقدرات التمثيلية بينهما لصالح مصطفى بطبيعة الحال، فهو خريج معهد الفنون المسرحية الذى بدأ حياته على خشبة مسرح الحكيم، وشارك فى عروض تأسيسية مهمة كموهبة ناشئة، لكن عماد محرم كان محدود الإمكانيات التمثيلية حاول أن يقفز لصدارة الأفيش عبر أفلام من إنتاجه مجاورًا لسمير غانم، لكنه لم يوفق، لذلك على ما يبدو أن مصطفى متولى خشى أن تفشل مغامرة أدوار البطولة، وحينها سيكون من الصعب عليه العودة كما كان فى أدواره المساعدة التى تترك بصمتها خاصة تلك التى برفقة عادل إمام.

نأتى للبعد الثالث فى ظلم مصطفى متولى، وكان للأسف هو البعد الأهم وهو الصحافة بمعناها الأشمل صحافة وتليفزيون، فقد حاصروه كما قلنا سابقًا بنفس السؤال السخيف: لماذا لا تعمل إلا مع عادل إمام؟ وهو الأمر الذى كان بمثابة عبء نفسى كبير على مصطفى الذى يحب صديقه وأخو زوجته عادل إمام بلا حدود، لكن مثل تلك النوعية من الأسئلة كانت تترك فى النفس غُصة كبيرة بالتأكيد.

كلام الحكيم معى عن دور الصحافة فى تعميق إحساس مصطفى متولى بالظلم تلاقى مع كلام واحد من كبار الصحفيين والإعلاميين الذين اقتربوا من الزعيم عادل إمام وعالمه فى عز صولجانه خلال الثمانينيات والتسعينيات، وكان من الزمرة المقربة جدًا من عادل، تحدثت معه فى الأمر فى إطار الدردشة، لكننى لم أستأذنه فى ذكر اسمه، وطرحت عليه نفس السؤال: هل ظلمت الصحافة مصطفى متولى بما أنك كنت قريبًا من عالم عادل إمام الذى كان متولى أحد عناصره؟، فكان رده قولًا واحدًا: نعم ظلمت الصحافة المقروءة والمرئية مصطفى كثيرًا بإصرارها الدائم على حبسه داخل إطار واحد اسمه «زوج أخت الزعيم عادل إمام»، مع أن مصطفى يستحق أن يكون هو الفنان الكبير والقدير، ولكن لأن مصطفى إنسانيًا كان بالغ اللطف والصفاء، فلم يتوقف كثيرًا عند هذا الأمر مع أنه بالتأكيد كان يضايقه لكن دماثة خلقه وطيبته تجعله يرد على أسئلة الصحافة التى ترسخ ذلك المعنى الظالم له.

أما الكاتب الكبير طارق الشناوى الذى يملك باعًا صحفيًا ونقديًا هائلًا، بالإضافة لقرب كبير من عادل، فقد قال لى: قطعًا كان مصطفى متولى موهوبًا جدًا، ولكن فى مساحته الخاصة، وظلمه البعض بترويج ادعاء كاذب أن مصطفى يعمل مع عادل بناء على صفة النسب التى تربطهما، واستشهد الشناوى بما قلناه سابقًا عن أن من دافع عن موهبة مصطفى كان أحمد زكى، لأنه أكثر من يدرك قيمة وموهبة مصطفى الأصلية كونه كان زميلًا له فى المعهد.

بقى أن نقول فى نهاية الكلام إنه بدون مصطفى متولى فى عالم عادل إمام الإنسانى والفنى، كان سيخسر هذا العالم الكثير من الموهبة والطيبة واللُطف، وكل جميل يزخر به هذا الرجل الريفى الجميل الذى جاء شابًا من مركز «بيلا» فى كفرالشيخ ليبحث عن نفسه، ويطبع بصمته اللطيفة داخل زحام المدينة الصاخبة.. ولعله بالفعل طبعها فى وجداننا.

رحم الله مصطفى وأطال عُمر عادل.