الإثنين 15 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

نكسة الأحلام.. قراءة درامية فى ملفات «حسين رضوان» و«على البدرى».. و«عبودة أفندى»

حرف

- حسين رضوان كان محاولة عكاشة الأولية للتعبير عن انكساره قبل أن تتبلور صورة «على البدرى» بوضوح فى «الليالى»

- عبودة أفندى شخصية ثرية طبخها «سيد الدراما» على نار هادئة لتصير النقيض لكل من المنهزمين بالنكسة

لا أظن أن هناك لحظة فارقة أثرت فى الشاب «أسامة أنور عكاشة» أكثر من تلك اللحظة التى أدرك فيها أن البيانات الصاخبة التى هلل لها قبل قليل مع أقرانه، ما هى إلا صورة حية للسراب وتجسيد بليغ للوهم، فى تلك اللحظة ارتعدت الأوصال وفقد الجميع البوصلة بعد أن تخيلوا أنفسهم يتسابقون للفوز بتذكرة الحفل الأول لأم كلثوم داخل تل أبيب المحررة، طبقًا لما أخبرتهم به الصحف قبل أيام، وأمّنت عليه بيانات صوت العرب أثناء المعركة.. فى نفس اللحظة التى كانت تتوه فيها أقدام وعقول إخوانهم فى صحراء سيناء بحثًا عن مهرب من مجزرة الأحلام فى ٥ يونيو ١٩٦٧. 

آمن أسامة وجيله أن النصر الساحق الحتمى على العدو هو التتويج العادل للحلم الكبير الذى عاشوه، سنوات وعيهم الأول فى الخمسينيات والستينيات.. حلم غذاه المشروع الناصرى وآمنوا به حتى النخاع، ولم يتسرب الشك لحظة واحدة إلى نفوسهم من نقاء المشروع ولا صاحبه.

لكن لحظة الحقيقة جاءت قاسية مريعة تركت ندبة لا تلتئم داخل الشاب أسامة، الذى حمل ندبته على سن قلمه وصاغ منها أصدق شخوصه وأقربهم إلى قلبه، أفرز على لسانهم أوجاعه وذرف دموعه من خلالهم، لم يترك فرصة لبروزة تلك اللحظة القاسية دون استغلالها، وكأن أسامة أراد أن يذّكر نفسه ويذكرنا معه أن لحظة الحقيقة قاسية، لكنها ضرورية لكى نعرف أين نضع أقدامنا، كما كان لا بد أن نبكى بحرقة وقهر حتى نصل للحظة الفرح الكبير.

فها هو على البدرى لعبته المفضلة فى «ليالى الحلمية» يبكى بحرقة فى حضن «ماما أنيسة» ذارفًا الدموع الساخنة.. يحكى لها لحظة الخذلان العظمى التى عاشها مع زملائه على الجبهة، بعد أن فوجئوا بأنهم عرايا من سلاحهم وأحلامهم أمام نيران عدو لا يرحم، وبدا أن غضب «على البدرى» وحزنه العميق ليس من فقدان رفاقه أمام عينيه فقط، لكن سببه الحقيقى أنهم ماتوا دون أن يمتلكوا فرصة لفهم ما يحدث لهم ولأحلامهم.

على البدرى لم يكن أسعد حالًا من «حسين شوقى رضوان» فى رائعة الشهد والدموع، الذى نزل من الجبهة إلى حارته حاملًا على أكتافه جبالًا من التساؤلات، ينظر للفراغ بعينين زائغتين، ويمسك منديلًا مخضبًا بدم صديقه ورفيقه «عباس» الذى مات بين يديه دون أن يحارب، ودون أن يفهم أيضًا، حينها التقط حسين منديله الدامى وتمسك به ليذكره بلحظة الخذلان القاتل، لحظة الموت «فطيس» بعد أن تركهم القادة فى الصحراء مسلوبى الإرادة والفهم.

ظنى أن أسامة أنور عكاشة قد تجسد بروحه فى هذين الشابين اللذين شاركاه الإيمان بيوليو إيمانًا مطلقًا، وشاركاه أيضًا الإحساس بالخذلان الشنيع وبشاعة الحلم المهدور دمه على أرض المعركة.. حتى اقترب من الكفر بكل شىء، لكنه وهو على الحافة انتشلته شخصية ثالثة من شخوصه لتلهمه الصبر وتعيد إيمانه بالوطن إلى صوابه، وهو «عبودة أفندى» فى الشهد والدموع، الشخص الأكثر إيمانًا بوطنه داخل دراما عكاشة، الرجل الذى قرر فى مشهد أيقونى أن يؤدب زوجته بعد أن أنّبته وسخرت من مشاعره ودموعه على وطنه المهزوم، لينفجر فى وجهها بدفقة قوية من المشاعر التى تعلى قيمة الوطن على النكسة، مؤكدًا لها أن تلك المحنة وضعتنا فى امتحان يفرض على الجميع أن يزداد إيمانهم بالوطن لا أن يكفروا به.

عن هؤلاء الثلاثة «على وحسين وعبودة»، ومن داخل عوالم سيد الدراما، نسترجع لحظة الامتحان الكبير فى ٥ يونيو ١٩٦٧، اللحظة التى خاضها أبناء هذا الوطن بشرف حتى وصلوا إلى لحظة الضوء الكبيرة ظهيرة يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣.

على البدرى.. «محدش فينا حاسس بيك يا ضنايا»

دائمًا ما أتعامل مع شخصية على البدرى على أنها لعبة أسامة أنور عكاشة المفضلة، فقد قلبها على كل الأوجه طوال أحداث المسلسل منذ أن كان طفلًا يلهو فى بيت ليس لأبيه ولا أمه، وتفتحت عيناه على وجهين، الوجه الأول «ماما أنيسة»، التى هى فى الحقيقة خالته أخت أمه الميتة كمدًا واكتئابًا قبل أن يصاب قلبها بالعطب، والوجه الثانى «بابا توفيق» وهو ابن عم أبيه البيولوجى لكن شخصيته على النقيض منه، وعلى الرغم من تلك الحالة الأسرية الشاذة الذى خرج فيها على البدرى، إلا أنه وجد دفئًا فى هذا البيت لم يكن ليتوافر له أبدًا بنفس القدر لو نشأ فى بيت أبيه الحقيقى وبجوار أمه، فقد امتلك «توفيق أفندى البدرى» و«أنيسة بدوى» قلبين حانيين تربع فيهما الطفل «على» وحده، وأثبتا أن البديل أحيانًا يكون أفضل من الأصل.

نشأ على البدرى فى رحاب هذا البيت الدافئ، بالتزامن مع الثورة الجديدة التى ضربت البلاد من شرقها إلى غربها، وعملت على تربية جيل جديد على مبادئها الطموحة التى ترتكز على قيم سامية وشعارات براقة مبهرة لعلى وجيله، ظلت جذوة تلك الثورة ساخنة فى صدره يتغذى قلبه على الإيمان بها.. بنفس القدر الذى يتغذى على حبه لـ«زهرة» بنت جيله، التى تربت فى بيئة أكثر شذوذًا من بيئته، لكنها لم تجد ماما أنيسة وبابا توفيق ليعوضانها عن حالة الضياع والتفكك والصراع التى كانت هى ثمرته بالأساس، فقد تزوج أبوها العمدة سليمان غانم من أمها نازك هانم السلحدار فقط ليغيظ غريمه سليم باشا البدرى فى معركتهما السيزيفية التى لا تنتهى.

نعود إلى على البدرى الذى رأى الثورة تزدهر وتنمو ثمرتها، وكبرت معها الأحلام، وكانت هزيمة العدو التاريخى هناك فى الشرق هى التاج الذى لا بد أن ترصع به الثورة إنجازاتها، وآمن «على» إيمانًا مطلقًا مثل غيره بأن النصر قادم وسهل وفى متناول اليد، وذهب مع رفاقه إلى ما ظنوا أنها رحلة خلوية فى الصحراء مسيرة يوم أو يومين، وفى نهايتهما سيكون الغذاء ساخنًا فى قلب مدينة العدو التى ستسلم مفاتيحها صاغرة لنا، نحن الجيش العربى القومى.

ثم جاءت اللطمة القوية التى نزلت على خد «على» وجيله، عندما وجدوا أنفسهم فى مرمى نيران مجهولة لعدو ظنوا وأمنوا أنه أضعف من أن يجرؤ على ملاقاتهم حتى، وليس هناك أبلغ ولا أقسى تعبيرًا مما قاله «على البدرى» فى وصف ما رآه من أهوال: 

«كانوا بيصيدونا زى العصافير»

والمعنى الكامن هنا أن الأزمة الحقيقية لم تكن فى موت رفاقه أمام عينيه على الجبهة، لكن فى موتهم دون أن يفهموا السبب، دون أن ينتبهوا لموضع الخطر فيرفعون سلاحهم ليدافعوا عن أنفسهم، تمامًا مثل العصفور البرىء الذى ينطلق بأحلامه فى السماء المفتوحة أمامه ظنًا منه أنه يمتلك هذا الفضاء الفسيح، ولا ينازعه فيه أحد، حتى تأتى له الرصاصة الغادرة من أسفل دون أن يعى لماذا قُنص ولا كيف؟، وإلا كان راوغ حتى فى طيرانه ليهرب من قناصه ولا يصير لقمة سائغة.

داخل عالم الحلمية حرص أسامة أنور عكاشة على تجسيم لحظة صدمة النكسة على الجميع، وكان من الطبيعى أن يكون «على» هو الأكثر صدمة وانكسارًا، حيث جاء لتوه من على خط النيران بعد أن فقد الرفاق وفقد معهم الإيمان بالثوابت التى تربى عليها، وفقد حتى الرغبة فى الحياة وصار اليأس ملازمًا لكل مفرداته، حتى إن «زهرة» حبيبته عندما جاءت تواسيه مع أبيها، وقالت له من قبيل التخفيف عنه إنها تتدرب فى جريدة ورئيس التحرير متحمس ويتنبأ لها بمستقبل هائل، لكن «على» يقاطعها بسخرية مريرة:

هو لسه فيه حد عنده مستقبل فى البلد دى.

وفى نفس الجلسة فقد «على» أعصابه لأول مرة وعنّف أمه أنيسة وهى تحاول أن تشغله بتفاصيل يومية عله ينسى آثار النكسة والخذلان.. لكنه سرعان ما يشعر بالندم والأسف لأنه لم يعتد أن يتجاوز أمام «ماما أنيسة» فأفرز هذا الموقف المشهد الأيقونى الأكثر تعبيرًا عن النكسة داخل ملحمة الليالى.

يدخل «على» مترددًا منهزمًا والشاش الأبيض ملتفًا على رأسه يوارى جراح الرأس ولا يخفى جراح النفس، ثم يجلس أمام أمه والدموع تقف على بوابة عينيه تنتظر الانفجار، ثم يقول لها معتذرًا عن عصبيته وتجاوزه فى حقها:

سامحينى يا ماما أنا مش فى وعيى.

هنا تنظر إليه ماما أنيسة بكل ما تمتلكه من حنو وترد عليه مهدهدة: 

سامحنا إنت يا على. 

فى تلك اللحظة التى تعتذر فيها ماما أنيسة لعلى، لن تخطئ الإحساس بأن الوطن تجسد فيها وصارت هى مصر تعتذر لجيل «على»، الجيل الذى آمن بها إيمانًا فائق الوصف.. لكنه حصد نظير إيمانه المطلق.. جبالًا من الخذلان.

لعل أنيسة أو «مصر» أدركت فى تلك اللحظة أن نكسة ١٩٦٧ بمثابة الزلزال الذى حطم عالم «على البدرى». لقد رأى أحلامه وأحلام جيله تتبدد، وانهارت أمامه الإمبراطورية الأخلاقية والسياسية التى آمن بها. هذا الانكسار لم يكن عسكريًا فحسب، بل كان انهيارًا للقدسية التى أحاط بها أحلامه، مما دفعه إلى حالة من «الكفر» بكل شىء.

تقول أنيسة لعلى: 

سامحنا إنت يا على .. محدش فينا حاسس بيك يا ضنايا، محدش دخل جواك وشاف وحس، كلنا عمالين نقول قوم واتحرك واصحى، كلنا عمالين نلومك عشان مسلم نفسك للنوم، كأن النوم ده راحة، مش واخدين بالنا إنه موت، موت زى اللى شفته حواليك.

هنا يلتقف «على» الطوق الذى ألقته له أمه ليحكى وجيعته كما هى بدون تجميل، وتنطلق مع كلماته شلالات الدموع المختزنة خلف حدقة العين، فيرد «على» باكيًا: 

أيوة يا ماما شفته بعنيا، شفته بيخطف كل اللى شاركونى اللقمة والزاد وشربة المية، بيحصدهم زى ما يكون وباء، ماكانش فيه فرصة لبعضيهم يعرفوا أو يفهموا حتى إن هما هيموتوا، مكانش فيه فرصة لواحد فيهم حتى إنه يمسك سلاحه، يدافع عن نفسه، عشان يموت حتى وهو بيحارب.

هنا تتدخل مصر أو أنيسة لتطمئن ابنها «على»: 

ابكى.. ابكى يا حبيبى.. بس عاوز أقولك حاجة، محدش راح هدر، إوعى تصدق، فى يوم هنشوفه كلنا إن شاء الله، دم اللى راحوا كلهم هيفتح سكة خضرا فى أرض مصر.

إذن هى النبوءة بالنصر التى جاءت بيقين تام على لسان «ماما أنيسة» أو التى طبطبت على ابنها المجروح بعد أن فقد إيمانه بوطنه فى لحظة ضعف ثم جاء معتذرًا بسرعة متوقعًا غضبها، لكنه على العكس وجدها: محبة مهدهدة وملتمسة الأعذار ومبشرة بالنصر القريب، الذى سيعيد الأحلام المبتورة ويحيى الآمال المؤجلة.

عبودة أفندى.. «مصر ستى وستك وست الكل»

بدموع منهمرة يميل عبودة أفندى على سريره منصتًا لصوت أم كلثوم وهى تنشد «مصر التى فى خاطرى وفى دمى»، ينظر الرجل إلى سقف الغرفة التى تضمه مع زوجة لاهية، لا تشعر بخطورة الموضع الذى تقف فيه سفينة الوطن، يتقلب عبودة بنظراته الدامعة بين أركان الحجرة التى صارت سجنًا له ولأحلامه، يحاول أن يستوعب كغيره وكأنه يبحث عن إجابة السؤال اللغز: كيف حدث ذلك ولماذا؟ ألم نكن سائرين فى الطريق الصحيح كل تلك السنوات، هل ضاع الوطن بغير رجعة؟

لكن فى اللحظة التى انتبهت الزوجة اللاهية إلى حالته وبدأت فى سحق مشاعره ومطالبته أن يترك السياسة «اللى جابتلنا الكافية»، ينفجر فيها عبودة أفندى بكل ما امتلك حينها من مشاعر الغضب قائلًا لها: 

مصر ستى وستك وست الكل. 

ثم يحاول انتشالها من وحل اللا مبالاة والتفاهة التى تعيش فيه غير منتبهة لما يحيط بمصير وطن عظيم فقد جزءًا غاليًا من أرضه، وبقى الخوف من فقدان هويته معها، ليبقى عبودة أفندى هو صمام الأمان الذى يحمى من الكفر بالوطن استسلامًا للهزيمة.

لكى نحاول فهم الدوافع العميقة والقوة الداخلية لشخصية «عبودة أفندى» لا بد أن نعود إلى تاريخ التكوين الإنسانى للشخصية، والتى طبخها أسامة أنور عكاشة على نار هادئة طيلة جزءين من أحداث المسلسل، وأهم مفترق طرق للشخصية كان معركة السويس عام ١٩٥٦ إبان العدوان الثلاثى. عبودة أفندى هو تجسيد صارخ لـ«الوطنى المغمور» الذى يحب وطنه حبًا جارفًا دون انتظار أى مقابل، ولم يسعَ يومًا وراء مجد شخصى أو مغنم مادى، بل إنه قدم أغلى ما يملك فداءً لتراب بلاده، وفقد ذراعه داخل خنادق حرب السويس، أما الغريب أن الفقد الجسدى المؤلم لم ينل من عزيمة عبودة أفندى ولا حبه لوطنه، كما لم يكن سببًا للانكسار والعزلة، بل تحولت هذه الإعاقة الجسدية إلى وسام دائم وجرح مقدس.

والشىء الأهم الذى سنلاحظه هو دور عبودة أفندى فى مجتمع الشهد والدموع.. أو قُل رسالته، فقد زرعه عكاشة قاصدًا ليكون مدد الجيل الجديد من الشباب، مثل أحمد وحسين «أبناء شوقى رضوان» ومكرم «ابن جاره ميلاد أفندى».. ينفخ فى جذوة الوعى الوطنى لديهم.. وينتشلهم من الإحباط الملازم للهزيمة، وفى نفس الوقت يحميهم من الانسحاق مع زمن جديد لا يرى وطنه وهويته بالقدر الكافى.. ففى المشهد الأخير من المسلسل عندما تجتمع زينب وأولادها أمام المائدة بعد انتصارها، لم يفوت عبودة أفندى جملة عابرة قالتها إحدى بنات زينب كناية عن فرحتها بلمة العائلة تدعو فيها إلى نسيان اللى فات والبداية الجديدة، لكن الضمير الواقف على قدمين بينهم، ونقصد عبودة أفندى، يراجعها بلطف مستكملًا دوره فى ترسيخ الوعى بالهوية عند الشباب الذى قطمت الهزيمة ظهره، فيقول لها: 

«كله إلا كده يا دكتورة.. اللى مالوش تاريخ.. مالوش مستقبل».

عبودة أفندى طوال أحداث المسلسل، أو تحديدًا من بعد وفاة صديق ورفيق جلسات الفرفشة والغناء شوقى رضوان المفاجئة.. تحول وعيه بالكلية إلى حب الوطن والتضحية بكل مغريات الحياة من أجله.. وفى سبيل ذلك أدرك أن رسالته كما قلنا هى محاربة التجهيل واللامبالاة، وكان سلاحه الرئيسى هو «الكلام فى السياسة» على المقهى وفى زوايا الحى الشعبى، وعلى موائد الأصدقاء، مناقشًا كل شئون بلاده بحرية ووعى يسعى دائمًا لجذب الشباب إلى طاولة النقاش السياسى اليومى. كما نرى فى أكثر من مشهد، ويظهر الهاجس الذى يؤرق عبودة أفندى دائمًا وهو هاجس الوعى، والخشية من ضياع تضحيات جيله، والتى كان فقدانه ليده رمزًا لها، وإيمانه المطلق بأن الجسد حتى لو تم بتر أجزاء منه، والوطن حتى لو تعرض للمحن الضخمة مثل محنة النكسة، لكن مع ذلك يظل الرهان الكبير على بقاء الوعى الشعبى بقيمة الوطن التى تعلو على كل قيمة، وتتضاءل أمامها أى ماديات.. لذلك مثّل عبودة أفندى النقيض تمامًا لرموز المادة والانتهازية وفقدان بوصلة الوطن مثل حافظ رضوان وصديقه مختار البرهامى وخادمه حجازى الذى سيرث إمبراطوريته المادية الهشة لاحقًا.

حسين شوقى رضوان.. «متسيبنيش يا عباس»

حسين هو الصورة الأصلية المختصرة لعلى البدرى، تستطيع أن تقول إنها محاولة أسامة الأولية للتعبير عن مشاعر انكساره هو بالنكسة، قبل أن تتبلور فى ذهنه صورة الجيل المظلوم كاملة فى هيئة «على البدرى» بعدها بسنوات.

حسين فى مجتمع الشهد والدموع هو الابن الأصغر لشوقى رضوان، رمز الخير والنقاء وحب الحياة، الذى هو الطرف الثانى والنقيض لأخيه حافظ رضوان، رمز المادية والجشع وانسحاق المبادئ تحت وطأة الطمع والبحث عن المادة على حساب القيمة حتى لو كان الثمن حياة الأخ، وتفسخ أسرته الصغيرة.

حسين كان يمتلك شخصية مغايرة لأخيه أحمد الذى بدا من أول لحظة حاملًا لواء الأخذ بثأر الأب المغدور واقتناص حقه وحق أمه وإخوته من العم الظالم، لكن حسين بدا متسامحًا أو قُل مستسلمًا للواقع ومنصاعًا له، حتى إنه الوحيد الذى كان يعامل عمه معاملة ودودة ليكسر حدة الأخ الغاضب دائمًا والأم التى تواجه العم بجريمته طوال الوقت، و«تسمم بدنه» كما يقول لها دائمًا.

أسامة أنور عكاشة
أسامة أنور عكاشة

حسين قرر التأقلم مع أى واقع جديد، حتى إنه على غير رغبة أمه وإخوته عمل ميكانيكًا ضاربًا عرض الحائط بمبدأ الأم ووعدها القديم أن تربى وتعلم أبناءها أفضل من أبناء حافظ رضوان حتى مع هذا التفاوت المادى الكبير. 

حسين أبدى تطلعه لزيارة سرايا العم، غير مكترث بتأنيب الأخ الأكبر بأن أصل هذا «العز» الذى ينعم فيه عمهم وأولاده هو من صميم حقهم المسلوب قديمًا من الأب.

حتى عمله ميكانيكيًا كانت له تخريجته النفسية بالنسبة له، وهى تخريجة متوائمة مع مبادئ الثورة التى تقدس الأيدى العاملة، وتساوى بين المواطنين، فالعامل والدكتور والمهندس كلهم إخوة فى المصير الثورى.. وبهذه الشخصية التى تبدو متصالحة مع الأوضاع يدخل حسين شوقى رضوان الحرب، ويواجه الصدمة الشنيعة التى ستحول شخصيته تمامًا فيما بعد.

لحظة الصدمة جاءت فى الحلقة السابعة عشرة، عندما فوجئ أهل الحارة بدخول ابنها الغائب حسين الذى ظن كثير منهم أنه استشهد، ويظهر حسين فى مشهد كاشفًا عن حجم الصدمة، وجه شاحب ينظر حوله محدقًا بلا هدف، وينام على سريره فاقد النطق والفهم.

ثم فى مشهد تالٍ تنحل عقدة لسان حسين صارخًا بكل قوة ينادى على شخص مجهول ليقول:

متسيبنيش يا عباس.. متسيبنيش يا عباس.

وعندما تدخل الأم زينب مفزوعة ومعها الأخ الأكبر يهاجمها رافضًا وجود أحد معه، وهو يمسك منديلًا داميًا ينظر إليه باكيًا: ده منديل عباس.

ثم يبدو عليه أنه تذكر شيئًا جللًا وهو «الجواب» الذى يظهر طرفه من جيب الجلابية العلوى، ويقول: 

أنا لازم أسافر أبوالمطامير حالًا عشان أوصل الجواب.

لنفهم من السياق أن هذا الخطاب هو خطاب رفيقه عباس إلى أبيه الحاج عبدالتواب، قبل أن يموت عباس أمام عينيه دون أن يفهم لماذا مات؟، ودون أن يجد الوقت لكى يرفع السلاح يدافع عن نفسه، لتتجسد الإشكالية الكبيرة والتى لم تكن الموت فى حد ذاته ولكنه الموت بلا فهم، أو بمعنى أوضح.. الموت خذلانًا.