الثلاثاء 07 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

كُتَّاب ومبدعون نسيناهم 5

غبريال زكى غبريال.. أسباب غامضة وراء استبعاد صاحب «المقامرون»

حرف

- تجربة غبريال زكى فى الحياة الأدبية قصيرة جدًا ولكنها مكثفة ومعبرة ولافتة لم تستمر أكثر من ست سنوات

- عندما ظهرت رواية «وصايا اللوح المكسور» كانت الفاشية الدينية وصلت إلى حدود قصوى فى الإجرام ونشرت تأويلات للنصوص الدينية غير متسامحة

لم تكن الهجمة المتطرفة الدينية فى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى مصر فى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضى سوى طوق نجاة كما كانت تفكر سلطة ما بعد حركة التصحيح فى 15 مايو 1971، والتى جاءت كحل ذهبى للتخلص من قوى اليسار التى بدأت تتنفس الهواء بشكل معلن بعد غياب طويل ومعقد فى تنظيمات سرية صغيرة، منها حزب العمال الشيوعى المصرى الذى تكونت نواته الأولى «حلقة البقرى وخميس، ثم تشم، ثم حزب العمال الشيوعى المصرى» فى 8 ديسمبر 1969 بقيادة الناقد والمفكر إبراهيم فتحى وخليل كلفت وحسنين وآخرين، وكذلك الحزب الشيوعى المصرى بقيادة الدكتور رفعت السعيد وبعض من قيادت الحركة الشيوعية فى عقد الأربعينيات، ثم تشكيلات يسارية أخرى على رأسها التيار الناصرى الذى واصل معارضته الشرسة وسط إجراءات مشددة فى منتصف عقد السبعينيات، وهناك تحت قبة البرلمان تنفسّت قوى معارضة فردية تميل إلى التكوين الليبرالى القديم، مثل المهندس محمود القاضى، وممتاز نصار، ومحمد حلمى مراد وغيرهم، بالتالى لم يكن إطلاق المتطرفين الإسلاميين فى تلك الفترة، مجرد حدث عابر وستمر آثاره بعد فترة، وسيزول وجوده بعد تقزيم قوى اليسار والتيار الناصرى وبعض التمثيلات لليبرالية المصرية، ولكن تلك القوى المتطرفة بدأت تؤسس لنفسها كيانات ووجودًا واضحًا، وعلى رأس هؤلاء جماعة «الإخوان غير المسلمين» تحت عباءات وتأويلات دينية شديدة التطرف، وعاد مرة أخرى صدور مجلة الدعوة، والتى كانت تتصدرها فى كل عدد مقالات لحسن البنا، ولسيد قطب، وتليها كتابات لقيادات أخرى وعلى رأسهم عمر التلمسانى، وكان أول إنذار مرعب هو اختطاف واغتيال الشيخ محمد الذهبى على يد جماعة دموية، وهى جماعة «التكفير والهجرة» بقيادة المهندس الزراعى شكرى أحمد مصطفى، التلميذ المباشر لسيد قطب، والذى لازمه بعض الوقت فى حبسه عام 1965.

لم يكن أثر تلك الهجمة المتطرفة اللا دينية لجماعة الإخوان اللا مسلمين، مقتصرًا على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقط، بل كان شديد الأثر السيئ على الحياة الأدبية والثقافية والفئوية، وحدثت أشكال من القيود المعلنة لتلك الجماعات اللا دينية المتطرفة، والتى تعددت وتفرعت وتشعبت وتغلغلت فى المجتمع المصرى، تلك القيود بدأت تتجلى على الثقافة والفن والهويات الأخرى مثل المرأة والجماعة النوبية، وخلافه، وفى ظل ذلك المناخ، كانت تلك الكيانات والهويات التى شعرت بقدر من الهلع تحاول التعبير عن نفسها، وبدأت على سبيل المثال أشكال من تجليات إبداعية تعبر عن نفسها فى شعر وقصص وروايات، تلك الإبداعات التى كانت تمثل نوعًا من المقاومة الطبيعية للحفاظ على تلك الهويات التى كانت مهددة بالزوال أو التهميش والتقزيم والمحو، واستطعنا فى مجال التعبير عن الذات الأنثوية، نقرأ لعدد من الكاتبات المهمات، منهن رضوى عاشور، وفتحية العسال، وسلوى بكر، وليلى الشربينى، ونعمات البحيرى وغيرهن على مدى عقود سابقة، فقرأنا رواية «خديجة وسوسن» لرضوى عاشور، ورواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» لسلوى بكر، ومجموعة «ضلع أعوج» القصصية لنعمات البحيرى، وغيرهن. وفى كل تلك وغيرها، سنجد أن وتيرة الدفاع عن حرية المرأة ارتفعت كثيرًا، مع عدم إهدار الأبعاد الفنية لشروط كتابة الأدب.

وإذا كان ذلك الأمر على مستوى مقاومة الكاتبات عن حريتهن الفكرية والاجتماعية وكذلك السياسية قد تم تفاقمه وتطويره بداية من عقد السبعينيات، وصولًا إلى الألفية الثالثة، حتى الآن، وجدنا أن الوجود المسيحى أيضًا راح يعانى بقسوة من أشكال الاستبعاد والقهر الدينى فى أشكال عدائية معروفة تاريخيًا بداية من أحداث الزاوية الحمرا، مرورًا بسلسلة وقائع إجرامية بشعة، وكان محركوها الأساسيون هم جماعات الشؤم المتطرفة، وكانت هناك ثمة سمات مجتمعية وإعلامية وسياسية تخدم ذلك الاستبعاد، وتعمل على تقوية ذلك الخوف والارتياب.

من هناك بدأت نوازع خاصة باستدعاء التراث المسيحى فى الكتابات الأدبية، لمجرد استدعاء هوية تعانى من التقزيم والمحو والتهميش، وكان رائد ذلك التوجه هو الكاتب الاستثنائى الكبير إدوار الخراط، منذ صدور مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» عام ١٩٥٩، وكان قد كتب بعضًا من قصصها فى عقد الأربعينيات، ولم تكن تلك الكتابات الأولى لإدوار الخراط خوفًا على الهوية المسيحية المصرية من الزوال أو المحو أو التقزيم، ولكنها كانت محاولة لإحياء ذلك التراث المنسى، مجرد تراث منسى، لذلك كان المطروح فى القصص علاقات عادية وطبيعية بين مسلمين ومسيحيين، ليس فيها أى تعقيدات طائفية، أو تعقيدات لممارسة الهيمنة والسيطرة لفئة دينية على فئة دينية أخرى، وذلك لأن جماعات التطرف لم تكن قد توغلت وتغولت فى تفاصيل ومفاصل المجتمع المصرى، وبعد «حيطان عالية» عام ١٩٥٩، جاءت مجموعته القصصية الثانية «ساعات الكبرياء» فى عام ١٩٧٢، وكان قد نشرها فى بيروت، ولكنها كانت تسير على الوتيرة ذاتها، ذلك الجو العلاقاتى الدافئ بين المسلمين والمسيحيين المصريين، حتى جاءت مرحلة ما بعد منتصف السبعينيات بكل سمومها الطائفية والتمييزية المتطرفة، فكانت روايته الأولى «رامة والتنين» المنشورة فى طبعتها الأولى عام ١٩٧٩، وهى جزء من ثلاثية روائية، ثم صدر الجزء الثانى «الزمن الآخر» عام ١٩٨٥، ثم الجزء الثالث «يقين العطش» عام ١٩٩٤، مع صدور بعض كتابات أخرى له، حاول فيها تكثيف الرموز والطقوس المسيحية الاجتماعية، مثل «اختناقات العشق والصباح» عام ١٩٨٣، وجاء كتاب «ترابها زعفران» بعد ذلك، ليتفاقم التعبير المكثف عن التراث الحضارى المسيحى، كمقاومة ودفاع عن هوية مهددة بالزوال.

ولم يكن إدوار الخراط وحده الذى عبّر عن تلك الريبة، ولكن برز كاتب شاب رائع، سنكتب عنه لاحقًا، وهو الكاتب نبيل جورجى نعوم، والذى أصدر روايته الأولى «الباب» عام ١٩٧٧، ثم صدرت له مجموعة قصصية عام ١٩٨٤، وهى «عاشق المحدث» عن دار شهدى، وقدم لها إدوار الخراط، وجاء فى مستهل تقديمه «يقف نبيل نعوم جورجى وحده بين كتّاب السبعينيات بكثافة النسيج الذى يقوم جانبًا من قصصه القصيرة، وروايته الوحيدة المنشورة (الباب)، التى يمكن اعتبارها قصة طويلة، وبزخم المعالجة، باحتشاد العناصر التى تكون رؤيته وصياغته معًا»، والجدير بالذكر أن نبيل نعوم كاتب وناقد تشكيلى ولد فى القاهرة عام ١٩٤٤، درس الهندسة المدنية فى كلية الهندسة جامعة القاهرة، وتخرج عام ١٩٦٧، عمل مهندسًا مدنيًا فى الولايات المتحدة الأمريكية، وصدرت له عدة أعمال قصصية وروائية، وترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، ويعيش الآن فى باريس. لم تكن النهاية عند نبيل جورج نعوم، ولكنها عبّرت عن نفسها بشكل أكثر وضوحًا وعنفًا وقوة عند كتّاب آخرين، على رأسهم الدكتور غبريال زكى غبريال، الذى كتب متأخرًا، قبل رحيله الفاجع، وترك مجموعة نصوص روائية وقصصية، نشر منها البعض، وهناك بعضها ما زال فى حوزة أسرته. 

فى ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٦ نشرت جريدة الأهرام نعيًا يقول: «رقد على رجاء القيامة الدكتور غبريال زكى غبريال بمصلحة الطب البيطرى، زوج السيدة مارى إلياس بميكرو فيلم الأهرام، ووالد غسان وسلمى زوجة كريستيان شقيق المرحوم ملاك، والأستاذ نبيل، والسيدة مريم، والأستاذ يسرى، وزوج شقيقة السيدة انبياس بسفارة مالى، والسيدة أليس، وجوزيف بأمريكا، والمرحوم تونى، والأستاذ فرانسوا بكندا، وشيعت الجنازة أمس من كنيسة الشهيد أبوسيفين بالمهندسين..».

ولم يذكر النعى أن الراحل كان أديبًا وكاتبًا للرواية على وجه الإطلاق، ولم يكن النعى فقط مسئولًا عن استبعاد غبريال زكى غبريال عن صفة الكاتب الروائى فقط، بل كانت الحركة النقدية لها دور كبير وبعيد فى ذلك التغييب والاستبعاد، فغبريال الذى ظهر فجأة كأديب فى روايته الأولى «وصايا اللوح المكسور»، فى يوليو ٢٠٠٠، واحتفت به بضعة أقلام نقدية محترمة قليلة ولكنها فاعلة ومؤثرة مثل الراحلين علاء الديب وفاروق عبدالقادر والناقد أحمد الخميسى أطال الله فى عمره، ثم أصدر بعد ذلك روايته الثانية «المقامرون» عام ٢٠٠٢، ثم روايته الثالثة «خداع بصر» عام ٢٠٠٣، ثم رحل عام ٢٠٠٦، وجاء فى التعريف الذى نشر على غلاف روايته الأولى مقتضبًا جدًا يقول التعريف: «مواليد القاهرة ١٩٤٥، حاصل على بكالوريوس طب بيطرى ١٩٧٣، خدم كرقيب فى حرب ١٩٧٣ فى الجيش الثالث الميدانى، لم ينشر سوى ثلاث قصص قصيرة، لديه الكثير من الأعمال الأدبية، لصعوبات النشر قرر نشر هذا العمل على نفقته وبمساعدة أصدقائه».

هكذا نكتشف أن عمر تجربة غبريال زكى فى الحياة الأدبية قصير جدًا، ولكنها مكثفة ومعبرة ولافتة، لم تستمر أكثر من ست سنوات، ولكنه استطاع منذ الرواية الأولى أن يلفت الأنظار بقوة، مع اعتبار أن الكاتب كان يعمل- إلى جانب وظيفته كطبيب- مسئولًا فى حزب التجمع الوطنى الديمقراطى، وكان مسئولًا عن المقر المركزى، وهذا يعنى أنه كان ينتمى إلى تيار اليسار المستنير ممثلًا داخل حزب التجمع، وربما لم يعرف الكثيرون من القريبين منه أنه يمارس كتابة القصص والروايات، وهذه سمة لغالبية من يكتبون فى عمر متأخر، وينتمون إلى عمل سياسى واضح ومعلن، ولكنه كان الشائع عنه أنه فى حزب التجمع، هذه التجربة التى احتفى بها بعض النقاد المحترمين، لم يتذكره أحد بعد رحيله إلا ما ندر من أحباء وأصدقاء، وكتابات عابرة، رغم أهمية كتاباته، وبالتالى لم تُنشر رواياته الثلاث مرة أخرى، والتى لم تعد موجودة، وسكتت عنه الحياة الثقافية تمامًا، كما تسكت عن كثير من الظواهر الإبداعية الكثيرة كما أسلفنا فى الحلقات السابقة، وربما لا تعرفه معظم الأجيال الأدبية التى تعيش بيننا الآن.

عندما ظهرت رواية «وصايا اللوح المكسور»، كانت الفاشية الدينية وصلت إلى حدود قصوى فى الإجرام، ونشرت تأويلات للنصوص الدينية غير متسامحة، وعملت هذه الفاشية على إحداث تفرقة عميقة وواسعة وشاملة فى المجتمع المصرى، وكان لا بد للأدب أن يكون شاهدًا أو راصدًا أو محللاً أو ساردًا، وظهرت كتابات عديدة تعالج تلك الأحوال الشائكة فى العلاقات الدينية، ولكن على استحياء، وكانت أدبيات النصوص تمعن فى التعامل مع الأمر بطريقة مفرطة فى المثالية أو الأدبية، مثل نصوص إدوار الخراط البديعة، أو نصوص نبيل جورجى نعوم الممتعة، ولكنها مغرقة فى الضبابية إلى حد كبير.

ولكن رواية «وصايا اللوح المكسور»، والتى كان بطلها «بولا» الطبيب، والذى جاءه أمر بنقله إلى مديرية «بنى سويف»، دخلت إلى لبّ الموضوع من أبواب عديدة، دون اللف والدوران، فـ«بولا» لم يكن شخصًا مسيحيًا عاديًا، بل كان مسيحيًا مستنيرًا، ولا يذهب إلى الكنيسة إلا فى مناسات رسمية وتقليدية مثل الجنازات أو الأفراح وهكذا، ورغم أنه كان زوجًا مستقرًا، ولديه أبناء، وكذلك له صديقة يحبّها ويذهب إليها لكى يستنشق عطر الغرام عندها، وكانت «تريزا» صديقته تجد فيه الحبيب والعاشق الطيب، وكان يمارس حياته فى بعض من اليسر، وجاء قرار نقله إلى بنى سويف كالصاعقة، وعندما فكّر فى الدسيسة التى فعلها أحدهم، وسوست له نفسه بأنها لن تخرج عن زميل مسيحى، لأنه كان يعتقد أن أى كارثة تحدث لمسيحى فى مكان وظيفى ما، كثيرًا ما يكون فاعلها مسيحى مثله، وهذا يعود للتعقيدات التى تجعل من الفئة الواحدة، وكأنهم يعملون ضد أنفسهم.

ورغم أنه كان منزعجًا إلى حد كبير، إلا أنه استلم خطاب النقل، وكأنه ينتظره، حيث أعدّ حقيبته، وراح ليتسلم «خلو الطرف»، فأثار حفيظة زميله، الذى اندهش، وهمس لنفسه «مسيحى فعلًا»، والتقط بولا هذه الهمسة بابتسامة خبيثة أيضًا، وعندما ذهب بولا ليتسلم العمل فى مديرية بنى سويف، واجهته تعقيدات كثيرة، لم تكن التعقيدات من أطراف مسلمة فقط، بل كذلك جاءت من مسيحيين، فهو لم يكن يتعامل مع الجماعة المسيحية باعتبارها جماعة دينية، بقدر ما كان يتعامل معها من موقع مستنير، ولكنه كان يفاجأ بسلوكيات مدمرة من الأطراف العديدة، هذا فضلًا عن الأصابع المتطرفة التى كانت تعمل جاهدة طوال الوقت لإيذائه وإيذاء كل الأطراف الأخرى، ولأن غبريال زكى راح يفضح كل أطراف العملية الطائفية المعقدة، وبوضوح تام، وأدخلنا مباشرة إلى طقوس ومفردات لم تنص عليها نصوص أخرى كتبها أدباء مسيحيون، أخذت هذه الرواية مساحة اهتمام عميقة من كتّاب ونقاد كبار ومهمومين ومسئولين عما يكتبون، ولم يشغلهم الحجم الإعلامى الذى يشغله الكاتب.

لذلك كتب فاروق عبدالقادر فى مقال بديع له يقول: «مبعث الاهتمام بهذا العمل أنه واحد من الأعمال القليلة فى الأدب المصرى الحديث التى تعنى بتصوير جماعة الأقباط، وقد كنت ألحظ دائمًا قلة هذه الأعمال- خلّ جانبًا (ميخا) التى يتقنّع بها إدوار الخراط، بحذلقته ودعاواه ذات الطلاء الفلسفى وألاعيبه اللغوية، فى بعض أعماله التى تنحو منحى السيرة الذاتية- رامة والتنين-..»، وبعد استرسال عبدالقادر يقرر بأن غبريال يكتب نصًا واضحًا وشجاعًا وجريئًا، ولا يريد أن يتحذلق أو يتفلسف، أو يتعامل مع جماعة المسيحيين من باب طقوسى.

وكتب صلاح عيسى وعلاء الديب وأمينة النقاش وسيد خميس ود. عبدالمنعم سعيد، كلهم أكدّوا أهمية العمل، وقدرته الفائقة على تشريح الأمر بشكل واضح، ورغم الكتابة التى تصل إلى حد المباشرة والتقرير فى الوقت نفسه، إلا أنها لا تفقد تميزها الأدبى، وبراعة وذكاء وتكثيف الكاتب فى حواراته التى لا تفقد الدلالات المتنوعة، تلك الدلالات التى لا تقتصر على مغزى سياسى أو اجتماعى أو طائفى، ولكن هناك فلسفة ما تحيط بالكتابة.

بعد هذه الرواية، نشر الروايتين التاليتين، وكان قد قطع شوطًا معقولًا فى تطوير ذلك النوع والمنحى الإبداعى الخاص فى كتابة الرواية، ولأنه لم يكن يملك ذلك الإلحاح الذى نراه عند آخرين، ورغم تطوره الفنى، إلا أنه لم يجد ذلك الاحتفاء السابق، لأن آلات التدشين النقدية والمؤسسية التى كانت تعمل فى الحياة الثقافية بقيادة نقاد مرموقين ومعلومين ومؤثرين، كانت تعمل فى اتجاهات أخرى، ليست لها علاقة بمن ليست لهم أسلحة غير كتاباتهم، وكل ما أخشاه أن يكون استبعاد غبريال له أسباب طائفية خفية، أو أن ارتضى بعض من يديرون الأمرة، بتلك الكتابات الطقوسية التى كان يكتبها مسيحيون آخرون، ولا تفضح كتاباتهم الوضع الحقيقى الذى يحيط بالمناخات المعقدة المصرية فى العلاقات الدينية