الراقص.. مؤمنة كامل تروى قصة شقيقها عبدالمنعم
- ثروت عكاشة كان له الفضلُ الكبيرُ فى تقدُّم الفنون فى مصر بصفة عامة وخاصة فن الباليه
- كان سفيرًا للفن المصرى من خلال أدائه كراقص زائر اشترك مع أحسن وأشهر فرق الباليه فى العالم
خصصت الدكتورة مؤمنة كامل، فى كتابها «مذكرات مؤمنة كامل.. لم يكن طريقًا واحدًا»، فصلًا بعنوان «أخى عبدالمنعم كامل.. وحكاية فنية وإنسانية لا تنسى»، وجاء الفصل كشهادة إنسانية نادرة تكتبها شقيقة عاشت تفاصيل الرحلة منذ بدايتها، وشاركت فى صناعة جانب من ملامحها، ثم عادت لتروى ما بقى فى الذاكرة من حب وقلق وفخر وندم.
فى هذا الفصل من كتاب «مذكرات مؤمنة كامل.. لم يكن طريقًا واحدًا»، تفتح الدكتورة مؤمنة كامل نافذة خاصة على حياة شقيقها الراحل عبدالمنعم كامل، الراقص الأول، ومدير دار الأوبرا المصرية الأسبق، الذى استطاع أن يحول حلمًا شخصيًا إلى مسيرة فنية استثنائية امتدت من قاعات التدريب الأولى إلى أكبر مسارح العالم.
ولا يقتصر الفصل على توثيق محطات النجاح الفنى، بل يكشف أيضًا عن الوجه الإنسانى لعبدالمنعم كامل، كما عرفته شقيقته الكبرى؛ الطفل الذى عانى المرض فى سنواته الأولى، والموهبة التى اكتشفها الخبراء الروس مبكرًا، والشاب الذى جمع بين التفوق الأكاديمى والاحتراف الفنى، حتى أصبح أحد أهم الأسماء فى تاريخ الباليه المصرى.
وتروى مؤمنة، تفاصيل العلاقة الخاصة التى جمعتهما، وتستعيد ذكريات الأسرة، وبدايات مدرسة الباليه فى مصر، والدور الذى لعبته الدولة فى تأسيس هذا الفن، وصولًا إلى رحلة عبدالمنعم كامل نحو العالمية، وما تركه من أثر لا يزال حاضرًا فى الحركة الفنية المصرية.

من بين أشقائى الأربعة، أُخصص هذا الفصل للكتابة عن أخى الراحل عبدالمنعم كامل؛ الفنان الشامل الذى بدأ حياته راقصًا للباليه، ثم صار الأشهر والأنجح فى مصر.. ووصلت سُمعتُه إلى العالم كله، وترقّى وظيفيًا حتى وصل إلى رئاسة دار الأوبرا.
وبالرغم من الفارق السنى بيننا، فأنا أكبر منه بستة أعوام ونصف العام.. وبيننا شقيقان- مُحسِنة ومصطفى- فقد كنتُ الأقرب له. كان وهو طفل صغير يعانى من الحساسية، خصوصًا فى فصل الشتاء، وكانت أمى تسهر إلى جواره.. أو تحمله حتى ينام، وكانت تبذل جهدًا كبيرًا للتخفيف عنه حتى تنتهى نوبات السعال والبكاء الشديد، وكنت أبقى إلى جوارها فى هذا الوقت.
مسئوليتى عن عبدالمنعم أو «مايك» بدأت منذ نعومة أظافره. احتويت أخى منذ صغره، وضمَّه قلبى فى أمومة مبكرة. ولما كبرنا، صِرنا أقربَ الأصدقاء، علمًا بأن أخى الأكبر عبدالستار كان من أكثر الداعمين لعبدالمنعم فى الفترة المبكرة من حياته الفنية، كما كان يدعمنى كذلك.
وأكتب فى هذا الفصل عنه وحده؛ لأننى وأنا أراجع مسيرة حياتى وانشغالاتى بسفرياتى وأبحاثى ومعاملى، أصِلُ إلى قناعة بأننى قد غبت عنه لبعض الوقت فى وقت كان يحتاجنى فيه.. لكن فى أوقاتٍ أخرى أؤكد لذاتى أننى لم أتأخر أبدًا عنه فى مرضه الأخير. وكان زوجى يدعمنى فى كل ما أقوم به لإنقاذ حياة عبدالمنعم.. لكن ما أقصده أنه كان علىَّ أن أتفرغ أكثر لحمايته. كنت أراه يُحَلِّقُ بحرية زائدة.. ولأنه فنان، كان علىّ أن أدرك أنه يحتاج رعاية ومتابعة بشكل أكثر مما قدمت.
وأيضًا، أكتب عنه بشكل خاص؛ لأننى وأنا أتعمّق فى سرد فصول حياته ونجاحاته الفنية، أشعرُ بأننى أتحدث عن نفسى؛ عن تاريخى الشخصى، وطموحاتى التى نفذتُها أو التى لم أستطع أن أحققها؛ شغفى بالفن وبأن أصبح راقصة باليه مثل الذين أراهم على المسارح والفرق الكبرى.
حلمتُ بأن أرقص مثل فراشات البولشوى. لم أستطع أن أفعل ذلك، لكن عبدالمنعم فعلها.. بل رقص معهم وغيرهم على خشبة الأوبرا فى مسارح روسيا وأوروبا بأكملها.. وتفوّق عليهم.

«مايك» هو ترجمة حيّة لكل أحلامى وطموحاتى الفنية والإنسانية.
أخى عبدالمنعم هو أصغر إخوتى.. وَلَدَته أمى فى شارع السرايات بالعباسية. كان البيت فيلا مخصصة لأبى، عميد كلية الهندسة- كما أوضحتُ من قبل- والتزم أبى ورضخَت أمى لنبوءات الشيخ الصوفى الذى اختار أسماءنا جميعًا.. وآخرنا «عبدالمنعم». انتقلت العائلة إلى شارع عائشة التيمورية بجاردن سيتى وهو دون سن المدرسة. بعدها بسنوات معدودة كانت أمى- المُحبة للموسيقى والرقص وتعزف البيانو- تريد لى أنا وأختى محسنة أن نلتحق بمدرسة الباليه التى أُنشئت لأول مرة بمصر عام ١٩٥٨ بقرار وزير الثقافة والإرشاد القومى الدكتور ثروت عكاشة، وكان مقر هذه المدرسة فى أحد أجنحة معهد التربية الرياضية بحديقة الزهور بالجزيرة. وكانت المرحومة عنايات محمود عزمى هى مديرة المدرسة. والمقر عبارة عن فصل مسائى، تبدأ الدراسة فيه من الساعة الخامسة مساءً حتى التاسعة مساءً. وكان يُشرف عليه الخبير السوفيتى ألكس جوكوف، وكانت المدرسة تقبل الهُواة. ذهبنا مع أمى إلى المدرسة لإجراء الاختبار، وخضعت أنا وأختى محسنة لعدة اختبارات، أجراها لنا الخبير الروسى، الذى رفض انضمامنا؛ حيث تجاوزنا السن المطلوبة.. كانت محسنة فى الثانية عشرة، وأنا فى الرابعة عشرة- على ما أتذكر- وقال الخبير «جوكوف» لوالدتى: «بل أريد هذا الصبى».. وكان يشير إلى عبدالمنعم الذى كان حاضرًا معنا، كان عمره حينئذ ثمانية أعوام، وأجرى له بعض الاختبارات، واجتازها بتفوق، وتم قبوله فى مدرسة الباليه.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت علاقة «مايك» بهذا الفن الراقى. شجعته العائلة، خاصة أمى، وكان حينها تلميذًا بمدرسته «القومية» بالمنيل. كان يذهب إلى المدرسة لتلقّى المواد المقررة عليه وفقًا لمناهج وزارة التربية والتعليم، ثم يذهب إلى مدرسة الباليه ليتدرب ويرقص من الساعة الخامسة حتى الساعة التاسعة مساءً. مدرسة الباليه فى ذلك الوقت لم تكن بها دراسة المواد الثقافية التى تُدَرَّس فى المدارس الأخرى. كان تنفيذ عبدالمنعم لهذا الجدول بشكل يومى أمرًا صعبًا للغاية، لكنه أحبَّ هذه الحياة.
أسرتى تفهّمَت طبيعة المسئولية التى زادت على عاتق ابنها الصغير، وشجَّعَتهُ على استكمال طريقه كراقص باليه.. وهو فنٌّ لم يكن يتمتع بشعبية واسعة فى المجتمع. فقد كان الإقبال على الباليه محدودًا للغاية. غالبية الأسر فى هذا الوقت كانت تأمل أن يكون أحد أبنائها متخصصًا فى الطب أو الهندسة.. أما عائلتى فقد شجعت صغيرها على احتراف الباليه، لكن ينبغى التأكيد هنا على أن أبى وأمى طلبا من عبدالمنعم ألا يُهمل تعليمه.. ونفذ هذا الطلب والتحق بكلية التجارة جامعة القاهرة، وتفوّق فيها كما تفوق فى الباليه. وسأشرح ذلك فى صفحات مقبلة.
كُنا نمارس الرياضة فى نادى الأهلى.. وكان عبدالمنعم ناجحًا فى عدة نشاطات، وكنا حريصين على ألا يمارس رياضة تعطله عن الباليه.
وأعود إلى مدرسة الباليه التى انتقلت فى عام ١٩٥٩ إلى مبنى المعهد العالى للسينما بالهرم. وكانت بالمدرسة صالة كبيرة لتدريس فن الباليه الكلاسيكى، وكان ذلك يتم بواقع حصتين يوميًا؛ فصل للأولاد يدرسون على أيدى الخبير «ألكس جوكوف»، وزوجته الخبيرة «لودميلا شركاسوفا»، التى كانت تتولى التدريس لفصل الطالبات.
وعندما كان «مايك» فى العاشرة من عمره، اشترك مع زملائه فى أداء الحركات الراقصة التى تعلموها فى الحفل الذى أقيم فى آخر العام الدراسى.. فلقِىَ أداؤهم إعجاب الجمهور الموجود وصفقوا لهم طويلًا، فتعلق «مايك» بالباليه أكثر وبالمسرح والجمهور ابتداءً من هذا الحفل.

كان لوزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة الفضلُ الكبيرُ فى تقدُّم الفنون فى مصر بصفة عامة، وخاصة فن الباليه. انتقلت مدرسةُ الباليه عام ١٩٦٢ إلى مقرّها الحالى فى أكاديمية الفنون، وضُمَّت إلى جوار المعهد العالى للباليه، معهد الكونسرفتوار، ومعهد الفنون المسرحية، ومعهد السينما. واستعانت وزارة الثقافة بخبراء من المدرسة الروسية، التى تعتبر منْ أفضل المدارس لتدريس فن الباليه الكلاسيكى. وبالفعل، استقرت الدارسة فى مدرسة الباليه المصرية، والتى كانت تبدأ من الساعة التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً على أسس ومناهج المدرسة الروسية.. وتوالَى الخبراءُ الرُّوس الذين درَّسُوا لعبدالمنعم أو قاموا بتدريبه على الرقصات بعد ذلك.. وجميعهم أشادوا بنبوغه وتميُّزه فى الأداء الحركى، حتى تخرّج وحصل على دبلوم إتمام فن الباليه وفروعه الفنية من مدرسة الباليه بتقدير امتياز عام ١٩٦٧، وأصبح الراقص الأول فى فرقة الباليه فى مصر. وكانت فرقته تضم مجموعة كبيرة من خيرة الراقصين الذين اشتُهِروا بعد ذلك؛ مثل: رضا شتا، رضا فريد، أحمد شكرى، صفوت عبدالملك، وطارق صالح. وجميعهم أصبحوا من أوائل راقصى فرقة الباليه المصرية؛ حيث قاموا بأداء الأدوار الرئيسية مع الراقصات الأُوليَات؛ أمثال: ماجدة صالح، مايا سليم، علية عبدالرازق، وديانا حقاق.. وغيرهن. وقد شاركوا جميعًا فى عروض الباليهات العالمية، مثل: بحيرة البجع، وكسّارة البندق، وجيزيل، ودون كيشوت.. وغيرها من الباليهات التى عُرضت فى مصر وأيضًا خارجها فى بلاد كثيرة.
وبدأت فرق باليه القاهرة فى تقديم عروضها خارج مصر ابتداءً من عام ١٩٧٢، وبالتحديد فى موسكو وليننجراد، وبلغاريا ويوغسلافيا وألمانيا وفرنسا. وتوالت السفريات، وحظيت الفرقة بالترحيب والتقدير فى كل بلد سافرَتْ إليه؛ وذلك لتميُّزها بالأداء رفيع المستوى، الذى كان يضاهى الفرق العالمية الأخرى.


تَفَوُّقُ أخى عبدالمنعم كامل العلمى كان مساويًا لتَفَوُّقِه فى فن الباليه. فقد حصل على بكالوريوس المعهد العالى للباليه بتقدير ممتاز عام ١٩٦٩. وحصل أيضًا فى العام نفسه على بكالوريوس التجارة من جامعة القاهرة- شعبة إدارة أعمال- بدرجة جيد جدًا. وفى أحد اللقاءات معه، وعند إجابته التى لا أنساها حول أسرار تفوقه الدائم فى فن الباليه، قال فى ردّ طويل: «الحافز الذى كان عندى هو أن هذا الفن كان جديدًا، وأنا من أسرة تتكون من خمسة أشقاء، ولكى أستمر فى هذا الفن فلا بد أن أكون متميزًا حتى لا أترك الباليه؛ لأن أشقائى منهم المهندس والطيار والطبيبة والمهندسة، فكان لا بد أن أكون متميزًا عنهم؛ لأن العائلة أصرَّت على دخولى الجامعة مع دراستى فى معهد الباليه. ربنا وفَّقنى وتخرجت فى الكلية والمعهد فى سنة واحدة.. تخرجت وكانت سنّى عشرين عامًا. وكان التفوق والتميز راجعين لتوافر الإمكانيات والإرادة والعزيمة فى داخلى؛ لأن الباليه من أصعب الفنون التى تعتمد على منهج تتعلمه من سن ثمانية أعوام حتى بلوغ سن الأربعين.. بمعنى أنَّ الذى تتعلمه فى سنة أولى هو الذى تأخذه فى سن الأربعين.. وذلك يحتاج إلى صبر وإصرار وتطوير فى الأداء، إلى أن تنتهى الحياة الفنية على المسرح. وإذا كان راقصو الباليه تنقصهم الإرادة والصبر، فإنهم قد يصابون بالملل، لأنهم سوف يستمرون على هذا المنوال.. لذلك يجب أن تكون عندهم إرادة قوية وحب لهذا العمل؛ لأنهم ملتزمون بمواصلة الأداء والتدريس ست ساعات يوميًا؛ حتى يصلوا إلى مستوى عالمى. ولأن هذا الفن له حدود، لا يمكن التنازل عنها، فإذا تطرَّقَ المللُ وعدمُ المثابرة إلى العمل، انحدر مستوى الراقص وأصبح هاويًا وليس محترفًا».
وأخرُج من عالم الباليه والفن قليلًا، لأصل مع أخى عبدالمنعم إلى جامعة القاهرة وإلى مدرجات كلية التجارة تحديدًا.. فقد كان غير منتظم فى الحضور، لكنه كان يتواجد فى المحاضرات التخصصية المهمة أو محاضرات الأساتذة المتميزين.
وأتذكر أننى كنت أترك عملى فى قصر العينى وأنا نائبة فى المستشفى الجامعى، وأذهب إلى مدرجات كلية التجارة مع «مايك» لحضور بعض المحاضرات. كانت تعجبنى المدرجات الكبيرة والمحاضرات النظرية التى تشتبك مع واقعنا الاقتصادى والسياسى؛ حيث إن الدراسة فى كلية الطب تفتقر إلى ذلك..
وفى إحدى المرات، حضرتُ معه محاضرة فى إدارة الأعمال، وكان يلقيها أستاذ ذكى وجرىء فى منتصف الأربعينيات من عمره، وهذا الأستاذ هو الدكتور عاطف عبيد، رئيس الوزراء فيما بعد.. كان المدرَّج الرئيسى بكلية التجارة فى محاضرات «عبيد» كامل العدد دائمًا، بل يتكدس الطلاب على السلالم والممرات. وكان هناك حضورٌ كثيفٌ لطلاب وخريجين من خارج كلية التجارة مثل حالتى. انبهرتُ بعاطف عبيد.. وكان عبدالمنعم يحبه جدًا، وحرصتُ بعد ذلك على حضور كل محاضراته.. وكنت «أزَوِّغ» من قصر العينى لحضور محاضراته.

وللعلم، فإن عبدالمنعم كان ترتيبه هو الثالث على دفعته بكلية التجارة؛ أى أن روايته حول حرصه على التفوق فى الفن الذى اختاره ودراسته فى كلية التجارة، كانت صحيحة تمامًا.
انتهت علاقة عبدالمنعم بتخصص إدارة الأعمال مع تخرجه.. ربما استفاد منه فقط حين تولى مناصب إدارية؛ منها رئاسة دار الأوبرا بعد فترة، فيما ترقّى وظيفيًا وفنيًا فى المجال الذى أحبَّه، وهو «الباليه». عُيِّن معيدًا بالمعهد العالى للباليه، ولم يكن مجرد راقص متمرّس أو مخرج مبدع، وإنما جمعَ بين هذه الموهبة والعمل الأكاديمى.
وقام بالتدريس لتلاميذ مدرسة الباليه المصرية، خاصة فصول المرحلة النهائية؛ مثل السنة السابعة والثامنة والتاسعة «باليه كلاسيك»، منذ عام ١٩٦٩ حتى عام ١٩٩١.. علمًا بأنه قد حصل على الدكتوراه من الاتحاد السوفيتى بتفوق فى الفنون عام ١٩٧٩.
شارك «مايك» الفرق الكبرى فى الرقص، وحصل على جوائز دولية، فقد حصل على شهادة التعمُّق فى الدراسات العملية فى الباليه من مسرح ألاسكالا بميلانو عام ١٩٨٠.. وأجاد أخى التحدث بأربع لغات هى: الإنجليزية والروسية والإيطالية والفرنسية، ومكّنته هذه المعرفة بجانب خبراته الفنية من التعرف على ثقافات العالم.
وكان- كما كتبت- يعمل راقص باليه محترفًا وفنانًا زائرًا فى أكبر وأعرق مسارح العالم؛ منها مسارح البولشوى «موسكو»، وكيروف بمدينة «ليننجراد»، التى عاد إليها حاليًا اسمها القديم «سان بطرسبرج».. كما عَمِل بفرق فى «طشقند وصوفيا وبلجراد وطوكيو»، واستقر لمدة عام ونصف العام للعمل فى موسكو، كما عَمِل بعد ذلك عامين فى ميلانو بإيطاليا من عام ١٩٧٩ حتى عام ١٩٨١. وفى العام التالى انتقل إلى أمريكا الجنوبية؛ حيث عمل لمدة عام فى مسرح كراكاس فى فنزويلا، وشارك فى العديد من المسابقات العالمية للباليه، وحصد العديد من الجوائز الدولية، ووصل إلى مستوى يضاهى الراقصين العالميين.
كان سفيرًا للفن المصرى من خلال أدائه كراقص زائر اشترك مع أحسن وأشهر فرق الباليه فى العالم، وساهم فى خلق جيل جديد من فنانى الباليه فى فترة أستاذيته بالمعهد أو من خلال تدريبه فى فرق الباليه حتى أصبحوا من مشاهير هذا الفن فى مصر والخارج. وبرزت قدرته فى مجال الإخراج، وذلك من خلال إعادة تقديمه للباليهات العالمية الشهيرة برؤية فنية خاصة وقدرة إبداعية متميزة، وأظهر من خلالها صورة جمالية لهذه الباليهات تماثل المخرجين العالميين.
ومن أفضل الأعمال التى قدمها كمخرج، وأتذكرها هنا: «أوبرا عايدة»، التى قُدِّمَت تحت سفح الأهرامات، وأبهرت الجميع، خاصة الأجانب الذين شاهدوا هذا العرض.. كما أبدع فى تقديم رؤية الإخراج لباليه إيزيس وأوزوريس، الذى أظهر فيه روح التاريخ الفرعونى من حيث الملابس والديكور، وتصويره الرائع فى تجسيد النزعات الإنسانية من خلال شخصيات تلك الأسطورة المصرية الخالدة.

كما أبدع فى تقديمه باليه «الليلة الكبيرة»؛ وهى من التراث الشعبى، وظهر إبداع عبدالمنعم كامل فى خلق جو «المُولِد» من خلال عرض الباليه، الذى قدم تصميم رقصاته بحركات تؤدّى بصورة مماثلة لحركات العرائس، وأخرجه عبدالمنعم بأسلوب خاص. وترك أيضًا ثروة من الأعمال، سواء التى جرى تنفيذها أو التى بقيت أفكارًا على الورق.
وإضافة لتفوق عبدالمنعم فى كل تخصصات فن الباليه، من: رقص وتصميم وإخراج وتدريس، فإنه قام أيضًا بالتمثيل السينمائى فى ثلاثة أفلام ناجحة، وكلها كانت من إخراج صديقه حسين كمال الذى شجعه وأزال الرهبة من نفسه. فقد قال له حسين كمال: «أنت ترقص على المسرح وأمامك جمهور.. إذًا، أنت ممثل.. لا تقلق».
وبالرغم من أدائه الجيد فى الأعمال الثلاثة، وهى: «الحب تحت المطر»، و«أرجوك أعطنى هذا الدواء» و«قفص الحريم»، فقد ظلّ يعتز بالباليه وبدار الأوبرا أكثر.. لكن تجربته كممثل، ربما تكون شجعت راقصين وراقصات للباليه على تجربة التمثيل، وأشهرهم نيللى كريم ونادين.
قام عبدالمنعم بتصميم رقصات لبعض المسلسلات والمسرحيات؛ أبرزها مسرحية «إيزيس» لكرم مطاوع عام ١٩٨٦، ومسرحية «ريا وسكينة» بطولة شادية وعبدالمنعم مدبولى وسهير البابلى، إخراج حسين كمال، ومسلسل «شهرزاد وألف ليلة وليلة» مع المخرج عبدالعزيز السكرى.


تجدر الإشارة إلى أن الاهتمام الرسمى بالفنون، وضمنها فن الباليه، والتى برزت عقب استقرار ثورة يوليو، قد وصل نهايته بحريق وانهيار دار الأوبرا الملكية فى عام ١٩٧١.. قبلها، كان الاهتمام الرسمى بجميع الفنون يَلقى دعمًا مباشرًا من القيادة العليا.
الرئيس عبدالناصر كان يحضر حفلات الأوبرا ويُكرّم الفنانين. وذات مرة، منح أخى عبدالمنعم وسام الاستحقاق وهو فى سن السابعة عشرة بمناسبة الاحتفال بإنشاء فرقة الباليه المصرية.. لكنّ حريق الأوبرا وانشغال الدولة بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل وتحرير سيناء عطَّلا كل المشروعات الفنية، ما أدى إلى هجرة الكثير من الفنانين، ومن ضمنهم راقصو الباليه، للخارج.. أى أن النشاط الفنى خارج مصر لعبدالمنعم، الذى أشرتُ إليه، كان سببه هذه الأوضاع التى شهدتها الساحة المحلية. هاجر جميع الفنانين الموهوبين إلى الخارج، أو على الأقل الغالبية منهم. وظل عبدالمنعم متواصلًا مع عائلته ومع الفنانين المصريين بالداخل. ومع استقرار الأحوال كان من أوائل العائدين، وعمل بسرعة على تحقيق حلمه بإعادة تكوين وإنشاء فرقة باليه أوبرا القاهرة فى أوائل الثمانينيات.
قبل أن أصل إلى عمله فى الأوبرا، أود أن أشير إلى أنه فى إحدى حفلاته المهمة فى اليابان، أعجبت به وبأدائه إحدى راعيات الفنون هناك، وقالت له: «أنت رائع فى رقصك.. لا بد أن لديكم دار أوبرا غنية بالإمكانات والمواهب».. فقال لها عبدالمنعم: «إن دار الأوبرا لدينا قد احترقت قبل عدة سنوات».. فصمَّمَت هذه السيدة بعد هذا الحوار على أن تموّل هى وحكومة بلدها بناء دار أوبرا جديدة فى القاهرة. وجاءت فى زيارة للقاهرة واستقبلها الرئيس أنور السادات وقرينته السيدة جيهان السادات، وتم الإعلان عن مشروع الأوبرا، وأنا أتذكر الاحتفال الذى جرى لهذه المناسبة فى شيراتون القاهرة. وهنا أؤكد أن الرئيس السادات كان مُحبًا للفنون العالمية وبشكل خاص الباليه.. كان حريصًا على استضافة كبار الفرق والمغنيين العالميين وإقامة الحفلات لهم أمام الأهرامات وأبوالهول. أما قادة الدول الأجانب فى زياراتهم لمصر، فكان يقيم لهم حفلات فنية فى قصر عابدين.

«مايك» رَقَصَ هناك عدة مرات؛ إحدى هذه المرَّات كانت لشاه إيران، محمد رضا بهلوى، قبل شهور معدودة من الإطاحة به على يد آية الله الخومينى. مع استقرار الأمور فى دار الأوبرا، أعاد عبدالمنعم كامل فرقة باليه القاهرة إلى الدار، بعد الاتفاق مع وزير الثقافة فاروق حسنى، الذى ساعد فى استقرار الأمور من خلال إقامة حفلات بمصاحبة الأوركسترا الخاصة بالأوبرا بعد أن كانوا يستخدمون الموسيقى المسجلة الـ«بلاى باك»، وظل عبدالمنعم مسئولًا عن الفرقة حتى ٢٠٠٥، وقادها لنجاحات فنية ملموسة فى الداخل والخارج، وفى عام ٢٠٠٤ تم تعيينه رئيسًا للأوبرا، وظل يشغل هذا المنصب ثمانى سنوات.
وأنا أقول دائمًا إن هذا المنصب قد تأخر كثيرًا فى الوصول لأخى عبدالمنعم.. فقد كان أكثر كفاءة وتفاعلًا مع ما تقدمه دار الأوبرا من رؤساء آخرين وصلوا إلى المنصب ولم يكونوا مؤهلين لذلك.
وهناك عدة محطات فى حياة عبدالمنعم سأمرّ عليها سريعًا، فقد تزوج لأول مرة من الفنانة والمذيعة السابقة منى جبر، وأنجبا ابنتهما «مى» ثم حدث الانفصال بينهما. ومى تخرجت فى كلية الفنون الجميلة.
وأتذكر أن عبدالمنعم كان يقدم برنامجًا أسبوعيًا فى التليفزيون اسمه «فن الباليه»، وعندما سافر للخارج اختارت السيدة كوثر هيكل، رئيس التليفزيون حينها، زوجتَه «منى جبر» لكى تقدم البرنامج بدلًا منه. لم يَعُد «مايك»، وتم الطلاق، واستمرت منى فى تقديم البرنامج فترة طويلة.
كانت منى جبر فنانة باليه جيدة، كما كانت الإعلامية الشهيرة هالة سرحان كذلك، لكنّ الاثنتين ابتعدتا عن الباليه فى وقتٍ مبكر.
تزوّج أخى عبدالمنعم بعد ذلك من الفنانة الإيطالية «أرمينيا».. وصارت تُعرف باسم «أرمينيا كامل». تعرَّفت أرمينيا على أخى عبدالمنعم خلال عملهما معًا فى أوبرا لاسكالا، خلال فترة عمله بإيطاليا نهاية السبعينيات. وعقب العودة إلى القاهرة، قام بتأسيس فرقة باليه القاهرة، وتولت أرمينيا رئاسة الفرقة فترةً بعد أن تركها لرئاسة الأوبرا، وكذلك بعد وفاته. وما زالت أرمينيا تحتفظ بجزء كبير من مشروعاته وبرامجه وتصميماته. ولقد أنجبا ابنهما «كريم».
تجدر الإشارة هنا إلى أننى سعيت لإنتاج فيلم وثائقى عن حياة عبدالمنعم كامل، وقد ظهر للنور بالفعل بعنوان «رقصة لا تُنسى».. هناك عشرات الفيديوهات فى أرشيف التليفزيون والفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعى، تتضمن رقصات شقيقى عبدالمنعم كامل.. لكننى اكتشفت أنها معلومات ناقصة وأحيانًا مغلوطة ومشوشة عن حياته. لقد لجأتُ إلى فريق فنى متخصص ولعدد من أصدقائى وأصدقاء عبدالمنعم لتجهيز هذا الفيلم.. كما أننى من خلال «مؤسسة مؤمنة كامل» مستمرة فى الجهد المتعلق بتوثيق أعماله وحفظها بأسلوب حديث ومفيد للباحثين ولشباب الدارسين للفن والأجيال القادمة، ولتأكيد دور العائلات فى دعم الفن فى كل تخصصاته خلال مرحلة مهمة فى تاريخنا.. ليتنا نعود إلى المستوى نفسه!







