الخميس 25 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

30 يونيـو.. الثورة التى تحولت إلى «دولة»

حرف

- نجحت الثورة فى إلقاء فكرة تكوين حرس ثورى- لإرهاب المصريين ومنازعة المؤسسات الوطنية السيادية- إلى سلة مهملات التاريخ

- قدمت الثورة المئات من الشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة والمواطنين

- نجاح الثورة يمكن رؤيته بسهولة بنظرة واحدة على خريطة الإقليم الآن بعد مرور ثلاثة عشر عامًا

- السيسى شق صمت الصحراء بمشاريع بنية أساسية كبرى من طرق ومصانع.. مشاريع استصلاح أراضٍ صحراوية.. ملفات الصحة مع معجزة الوحدات السكنية لسكان العشوائيات

- مصر أصبحت قوة سياسية إقليمية يخطب ودها الكبير قبل الصغير من دول العالم

مشهد الثلاثاء 16يونيو هذا العام فى فرنسا حين جلست مصر على مائدة قمة الدول السبع كدولة مدعوة بصفة «شريك»، حسب البيان الفرنسى الرسمى، هذا المشهد هو ما وصلت إليه دولة 30 يونيو بعد ثلاثة عشر عامًا من قيام الثورة. 30 يونيو عام 2013م هو ثورة مصرية شعبية خالصة تحولت إلى دولة هى الجمهورية المصرية الجديدة. ثلاثة عشر عامًا- فى عمر الثورات والأمم- ليست فترة طويلة كافية للتقييم. لكن حين تكون هذه الفترة زاخرة بكل تلك الأحداث الإقليمية الكبرى والاستثنائية يصبح الحديث عن الإنجازات أو حتى الإخفاقات منطقيًا جدًا..

ليكن البدء من أكثر الأسئلة التى حاول البعض ترويجها لتزييف ما حدث منذ ثلاثة عشر عامًا.. لماذا لم نصبر حتى يكمل مرسى- أو جماعته- مدته الرئاسية بهدوء ثم نقوم بانتخاب غيره إن أردنا ذلك؟ هذا السؤال يذكرنى بسؤال مشابه فى النهج لمحاولة التزييف.. لماذا تعجل عبدالناصر تأميم القناة ولقد كان متبقيًا بضعة عشر عامًا ثم ينتهى عقد الشركة الغربية وتعود القناة بهدوء لمصر؟ هذه الطريقة فى طرح الأسئلة- حين يتم طرحها من مثقفين أو محيطين معلوماتيًا بظروف ما حدث- هى طريقة متعمدة للتزييف والخداع. رغم قناعتى الشخصية بمسئولية إدارة الرئيس جمال عبدالناصر- رحمه الله- عن كثير من أزمات مصر فى العقود التالية لرحيله، لكن فى هذه النقطة تحديدًا- تأميم قناة السويس- فأنا أعتقد أنه كان على صواب تام، وأنه من القرارات المنطقية التى تم اتخاذها، بناء على معلومات حقيقية منشورة وقتها فى وسائل إعلام غربية عن قيام الشركة الغربية بمشاريع توسيع وتطوير للقناة، بما يعنى أن إرجاع القناة لمصر بعد سنوات لم يكن إلا وهمًا فى عقول من يردد السؤال. الفارق بين مبادرة ناصر بالتأميم وبين انتظاره تلك السنوات هو الفارق بين أن تخوض دولة جولة مواجهة فى توقيت زمنى تحدده هى وتدرك أنها سوف تدفع الثمن، لكنها سوف تخرج منتصرة ومحققة هدفها الأهم، وبين أن تتلكأ حتى يتم الطرف الآخر استعداده لتلك المواجهة بشكل سوف يُعجز تلك الدولة عن تحقيق الهدف الأكبر وهو استعادة القناة. وكم كنتُ أتمنى أن تفعل مصر ذلك صباح الخامس من يونيو عام ٦٧ أى أن تستبق ما كانت تعرف أنه مخططٌ لها. 

لماذا لم ينتظر المصريون اكتمال مدة رئاسة مرسى؟ الذين يحاولون ترويج هذا السؤال هم من جماعة مرسى، وهم يطرحونه عمدًا لتحقيق هدف محدد هو محاولة تخطى حقيقة انكشاف الجماعة للمصريين والتعامل مع ما حدث وكأنه صراع سياسى طبيعى بين حزبين مثلًا وليس بين شعب وجماعة إرهابية. هذا السؤال لا وجود له على أرض الواقع وعلى ضوء الأحداث ذاتها. فما حدث أن المصريين- من غير المنتمين تنظيميًا أو فكريًا للجماعة-قد خُدعوا فى معرفتهم بطبيعة الجماعة وتعاملوا معها كفصيل سياسى مصرى من حقه أن يصل للحكم وأن تُختبر قدرته على إدارة البلاد. ثم بعد اكتمال الخديعة- بمساعدة مباشرة من رجال الدين فى خطب الجمعة- وانتخاب المصريين للجماعة بفترة وجيزة جدًا انكشف الحجاب كاملًا لهؤلاء المصريين. اكتشفوا أنهم ارتكبوا خطيئة وطنية ضد بلادهم وأنهم انتخبوا جماعة لا تؤمن مثلهم بفكرة الوطن وهى الفكرة التى تمثل الحد الأدنى لشرعية أى فصيل أو مجموعة من المواطنين تريد ممارسة السياسة. اكتشف المصريون أن الجماعة تؤمن بفكرة رئيسية غير مصرية وأن لديها أجندات غير مصرية، وأن أرض مصر لا تحظى بقداسة فى فكر الجماعة، وأن ولاء أعضاء الجماعة السياسى هو للجماعة فقط والتى بدورها تعتقد أنها جماعة كونية وليست مصرية. لذلك بادر المصريون لتصويب خطيئتهم السياسية والتكفير عنها بثورة يونيو. 

لو صبر المصريون لمدة أربع سنوات لكانت الجماعة قد تمكنت من تنفيذ بعض بنود أجندتها الخارجية. لذلك استبق المصريون هذا التنفيذ بثورة يونيو. لم تكن ثورة شعبٍ ضد حاكم أو رئيس فشل فى إدارة البلاد، لكنها كانت ثورة ضد أيديولوجية الجماعة ذاتها بعد أن انكشفت تلك الأيديولوجية للمصريين. هى ثورة اختارت أن تنتصر لفكرة الحفاظ على كيان الوطن وأن تنتصر لشخصية المصريين التاريخية الحقيقية ضد محاولات فرض شخصية لا تمت لهم بصلة. الانتظار لأربع سنوات كان معناه المقامرة بالوطن ذاته، والخضوع قسرًا للانسلاخ عن الشخصية المصرية الحقيقية. كان معناه أننا سوف نصل حتمًا لمشهد الاحتراب الأهلى فى الشوارع كما حدث فى كل مرة وصلت إليها جماعة سياسية تتخفى خلف فكرة دينية للسلطة. فى الحقيقة ما حدث بعد ثورة يونيو فى بعض الدول الأخرى أثبت أن المصريين كانوا على صواب فى قرارهم، وأنهم إن تلكأوا أو انتظروا هذه السنوات فلقد كان حتميًا عليهم خوض هذا الاحتراب دون أن يكون مؤكدًا نجاحهم فى استرجاع مصر بحدودها وشخصيتها كما نعرفها.

الثورة والدولة..

هل نجحت الثورة فى أهدافها الثورية العاجلة؟ 

وهل ارتقت الدولة- حين تحولت الثورة إلى دولة- لمستوى طموحات المصريين الذين اختاروا هذا الطريق؟ 

إجابة السؤال الأول تقتضى أن نعود للوراء ونتذكر ما حدث. كانت ثورة المصريين ضد الفكرة الإخوانية الرئيسية وهى- أى تلك الفكرة- الوصول فى نهاية المطاف لشكل من أشكال الحكم الثيوقراطى الدينى الذى يرأس فيه رئيسُ أو مرشدُ الجماعة رئيسَ مصر ويحدد له الطريق، ولا تتخذ مؤسسة الرئاسة قرارًا دون أن يمر عبر مكتب الإرشاد. ومكتب الإرشاد لا يمثل حزبًا سياسيًا مصريًا، إنما مكتب دولى مرتبط بتحقيق مصالح الجماعة فى شتى الدول، ولا مانع لديه بأن يساوم أو يدفع فعلًا مقابل تلك المصالح قطعة من أرض مصر طبقًا لتخاريف أنه سيصبح يومًا حاكما للعالم الإسلامى! أدوات تحقيق ذلك كانت تتجسد فى مئات الآلاف من أعضاء الجماعة المنتشرين فى مصر والذين عكفت الجماعة على إعدادهم ليكونوا قوتها على الأرض لمواجهة مؤسسات الدولة العريقة من شرطة وقوات مسلحة وأيضًا مواجهة من يرفض فكرتهم من الشعب. والطريق الذى كان مرسومًا- حين زارت شخصية سياسية شيعية كبرى مصر وقت أن كان مرسى فى الحكم- هو تكوين ميليشيات بشكل رسمى بمسمى الحرس الثورى الإخوانى ليكون موازيًا لمؤسسات الدولة الوطنية، وليكون أداة قمع للمصريين فى الشوارع. الآن يمكن القول قطعًا أن الثورة نجحت فى إجهاض هذا الخطر الذى كان على وشك أن يدهم مصر. نجحت الثورة فى تحرير منصب الرئاسة المصرية الرفيع من هذا العبث أو الخيانة الوطنية الصريحة. نجحت الثورة فى إلقاء فكرة تكوين حرس ثورى- لإرهاب المصريين ومنازعة المؤسسات الوطنية السيادية- إلى سلة مهملات التاريخ. 

أما على الأرض فلقد كانت هناك بالفعل ميليشيات مسلحة مكلفة أولا بإشاعة الفوضى الدموية والإرهاب فى شوارع مصر بمجرد قيام ثورة المصريين، أو حرق مصر لأن الجماعة مسكونة بفكرة منذ عشرات السنوات أن الفوضى فى مصر هى خيار وجوبى لتتمكن من السيطرة على البلاد. وتقوم بتفعيل هذه الفكرة الشيطانية على أرض مصر فى لحظات هزيمتها أو انكشافها أو وقوعها تحت تهديد البتر من التربة المصرية. وثانيًا كانت هذه الميليشيات مكلفة بتمهيد الظروف اللوجستية والأمنية فى سيناء لتنفيذ ما اتفقت عليه الجماعة من التنازل الرسمى عن السيادة الوطنية عن جزء من أرض مصر. انتصرت الثورة بإجهاضها لمخطط إشعال الفوضى الدموية فى مصر. نعم لقد قدمت الثورة المئات من الشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة والمواطنين، لكنها انتصرت فى هذه المعركة ولا توجد معارك من دون ثمن. هى حربٌ خاضها المصريون بشرف ولم يبخلوا بالدم فداء للأرض كعادتهم عبر تاريخهم. تم احتواء الفوضى وإجهاض مئات الجرائم قبل حدوثها. أما التكليف الثانى الذى عملت ميليشيات الجماعة على تنفيذه على أرض مصر، فلقد قضت عليه ثورة يونيو قضاء مبرمًا عبر مواجهة عسكرية على أرض سيناء استمرت لعدة سنوات، وكان درة الانتصار المصرى هى تأمين تلك الحدود الشرقية، ما أجهض مخطط السابع من أكتوبر. 

إذن إجابة السؤال الأول- هل نجحت ثورة يونيو فى أهدافها الثورية العاجلة؟ هى إجابة قاطعة على أرض مصر.. نعم نجحت نجاحًا مبهرًا. هذا النجاح يمكن رؤيته بسهولة بنظرة واحدة على خريطة الإقليم الآن بعد مرور ثلاثة عشر عامًا. 

ترتبط بهذه الإجابة حقيقة مهمة يجب أن يتحلى المصريون بالوعى لمواجهتها.. هى كيف حاولت الجماعة مواجهة انتصار المصريين؟ 

نجد تشابهًا كبيرًا جدًا بين الطريقة الصهيونية عقب انتصار أكتوبر ٧٣ وبين الطريقة الإخوانية فى مواجهة حقيقة انتصار المصريين عام ٢٠١٣م. عام ٧٣ انتصرت مصر انتصارًا عسكريًا معجزًا أخرس إسرائيل لمدة من الوقت. عام ٧٤م كتب بعض المراسلين الحربيين الصهاينة الحقيقة كاملة فى كتاب «محدال» أو التقصير. اعترفوا فيه بالهزيمة وبالإعجاز المصرى. ثم بدأت الآلة الصهيونية الإعلامية فى محاولة طمس هذه الحقيقة بطريقة محددة.. محاولة تقزيم ما حدث وحصاره وحجبه وثائقيًا.. محاولة تصوير الأمر وكأن الروس هم من حاربوها على عكس الحقيقة التى اعترفوا بها سابقًا فى مثل ذلك الكتاب.. محاولة تسفيه وتقليل الإنجاز المصرى بتصويره بأنه استيلاء على مساحة محددة من سيناء.. تضخيم أكذوبة الثغرة.. للأسف وقع مصريون كُثر فى هذا الفخ.. وأتذكر أننى قد خضت نقاشات حادة أكثر من مرة منذ سنوات مع بعض الأصدقاء ممن يفترض أنهم دارسو تاريخ وكانوا يروجون للأكاذيب الصهيونية ولا يرون فى نصر أكتوبر سوى أكذوبة الثغرة.. لم ينتبهوا لحقيقة استعادة المصريين لقناة السويس بالقوة، ولم ينتبهوا إلى أن الصهيونية لا تنسحب من أرض- ولو شبر واحد- دون أن تكون مجبرة على ذلك.

سارت جماعة الإخوان على نفس الطريقة الصهيونية فى مواجهة الانتصار المصرى فى ثورة يونيو.. واستفادت قطعًا من التقدم فى وسائل النشر والاتصال. آلاف الصفحات سارت على الدرب الصهيونى.. محاولة التقليل من الإنجاز المصرى فى إنهاء خرافات التنظيم التى ظل يروج لها عبر العقود.. عجز التنظيم وفشله- بكل المساندة المخابراتية من دول كبرى- فى مواجهة ثورة المصريين.. هذا العجز أصاب التنظيم بهوس وجنون فانطلق مرة يدشن لأسطورة المظلومية..ومرة يكشف عن وجهه القبيح كاملًا.. أذرع الخارج فقدت عقلها بعد فشل التنظيم فى القيام بما تم تكليفه به وتعامل بعض الرعاة معها على أنها عبء أو أوراق محروقة.. حتى الآن المحاولة الإخوانية مستمرة لإفراغ نصر المصريين من مضمونه، ودفع المصريين لنسيان الأحداث التى طالما ظلوا يتذكرونها فسوف يمثل ذلك سدًا عقليًا ونفسيًا منيعًا يحول بين الجماعة وبين خداع المصريين. أموال طائلة تُنفق من أجل تشتيت ذهن المصريين وإغراقهم فى متاهات مشاهد يومية مكذوبة لنشر اليأس للوصول لهدف واحد.. أن ينسى المصريون ما حدث! 

أما أخطر ما لجأت إليه الأذرع الإعلامية للجماعة فهو ترديد جملةٍ سقط فى فخها بعض المصريين.. «إنتو كل حاجة تقولوا الإخوان.. الإخوان خلاص انتهوا.. إما برة مصر أو فى السجون.. فين اللى حققه النظام بتاع السيسى؟»، وجد يتامى الجماعة بالداخل فى هذه الجملة طوق النجاة النفسى بعد أن عادوا مضطرين لوضع الأقنعة على وجوههم، خاصة بعد أن انتهت إكلينيكًا عبارة «أنا مش إخوان بس بحترمهم.. أنا مش إخوان بس شايف البلد ماشية غلط».. لقد قابلتُ كثيرين منهم أثناء عملى.. يبدأون حديثهم بشكل ناعم ولا بأس من الإشادة بشىء ما.. ثم تبدأ حملة السخرية من أى حديث عن الإخوان وإن «مصر مفيهاش إخوان خلاص».. ثم تشويه أى إنجاز أو فكرة.. معلومات مغلوطة كاذبة كذب بيّن.. أو تضخيم لحادثة معينة وكأن الكوكب قد خلا من الحوادث أو حتى الجرائم. للأسف كثيرون ممن كانوا فى صفوف ثورة يونيو سقطوا فى الفخ، وسلموا عقولهم طواعية لتلك الأذرع.. تسأل أحدهم عن مصدر المعلومة التى يرددها فيخبرك ببلاهة أنها من النت وتفاجأ بلوجو «رصد» أو صورة منتجة بالـ«فوتو شوب» أو فيديو بالذكاء الاصطناعى.. هذه الطريقة هدفها هو إسكات أى حديث عن الإخوان حتى يتمكنوا من التسلل فى صمت.. وإسكات أى حديث عن تفاصيل ثورة يونيو وما حدث.. حتى يتناسى المصريون الذين عاصروا تلك الأحداث أو حتى لا تعرف الأجيال الجديدة ما حدث.. أى إسكات لهذا الحديث يصب قطعًا فى صالح الجماعة التى لا تزال موجودة فى مصر فكرًا وأعضاء. 

من يعتقد أن تنظيمًا ظل يعمل فى مصر لما يزيد على ثمانية عقود وهو امتداد لتنظيم يمتد لقرنين من الزمن يمكنه أن يتلاشى فجأة، من يعتقد ذلك فهو ساذج. هناك أجيال بأكملها ما زالت تؤمن بما تم غرسه فى عقولها. يشعرون بالهزيمة وينكمشون، لكنهم لم يتلاشوا، ويحلمون بالعودة وتصويب ما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه.. والخطأ الذى يعتقدون أنهم قد اقترفوه هو «سلميتهم!». نعم أنا لا أمزح، بل هذا ما يردده بعضهم فى تعليقاتهم على صفحات بعضهم البعض. مع كل ما اقترفوه من جرائم، يعتقدون أنهم كانوا سلميين، وأنهم إن عادوا فلا بد أن يصوبوا هذا الخطأ! تصويب هذا الخطأ، من وجهة نظرهم، أن يكونوا قادرين على مواجهة عسكرية ضد المصريين شعبا ومؤسسات. 

إن أسوأ ما يمكنه أن يحدث فى وطنٍ ما أن ينشأ فى تربته تنظيمٌ سياسى سرى يقوم على خلق ثم امتطاء أسطورة دينية- مهما تكن ديانته- لأن من ينتمون لمثل هذا التنظيم يؤمنون إيمانًا قاطعًا بأن الله قد منحهم حقًا إلهيًا بالقتل.. قتل كل من يخالفهم أو يختلف معهم؛ لأنهم خلفاء الله على الأرض وهم الفئة الوحيدة المؤمنة على سطح تلك الأرض! لم تشذ عن هذه الحقيقة التاريخية أى جماعة أو تنظيم بهذا الشكل مهما اختلفت ديانة هذا التنظيم. أقبح ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ما أن يكون من بين مواطنيه من يعتقد أن القتل يقربه لله! 

لذلك فمواجهة أى شخص يعتقد فى هذا المعتقد لا يجب أن تتجه لمناقشة فرعيات أو الإغراق فى تفاصيل.. المواجهة يجب أن توجه مباشرة للرأس.. للعقل.. لهدم الفكرة الأم وبيان فسادها وشذوذها عن الدين والسياسة والوطنية. وجود التنظيم أو الجماعة فى حد ذاته هو الخطأ والخطر.. وهو الخطيئة إن سمح وطنٌ بوجوده. وأى شخصية عامة- سياسية أو إعلامية أو ثقافية أو فنية- تجاهر بإيمانها بهذا المعتقد أو يُعرف عنها إيمانها وتصديقها بمشروعية وجود مثل هذه الجماعات والتنظيمات- فهى لا تصلح لتولى أى منصب، ولا تؤتمن على أى ثغر من ثغور البلاد أو مؤسساتها أو هيئاتها، ويُتوقع منها الخيانة فى أى لحظة. لأن مثل تلك الشخصيات لا تعترف فى الأصل بأن تواطؤها مع جماعة من تلك الجماعات خيانة إنما تؤمن بأن ذلك فعلٌ دينى تُثابُ عليه وتقربٌ لله! 

لا تنخدعوا بمقولات بعض متنطعى السياسة والثقافة حين يردون على هذه الحقائق بعبارة..«أنا ضد الإقصاء وكلنا شركاء فى الوطن!».. هذه عبارة ساقطة.. عدم الإقصاء السياسى حقٌ لكل المواطنين الذين يعترفون بكلمة مواطنة، ويعتقدون فى قداسة الدساتير والقوانين، وقداسة أرض الوطن.. أما الذين يسخرون من هذه المفردات، أو الذين يعتقدون أنها مجرد وسائل مؤقتة للوصول للحكم ثم دهسها، فهم ليسوا مواطنين.. هم طابورٌ خامس تُنتظر خيانتهم فى أى وقت. 

لقد انتصرت ثورة يونيو انتصارًا قاطعًا، وكل ما نواجهه الآن هو مجرد محاولاتٍ ممن هُزموا على أرض مصر لتقزيم الانتصار المصرى أو حجبه ومحاولة إهالة التراب على جرائم الجماعة تمهيدًا لمحاولة التسلل مجددًا وبدء مرحلة ثانية وإعادة المأساة! سيظل المصريون فى مأمنٍ من هذا طالما لم ينسوا.. ويُخشى عليهم وعلى مصر إن نجحت- لا قدر الله- الجماعة وأذرعها فى غرس النسيان فى العقل المصرى المعاصر. 

وأنا حقيقة أتعجب كثيرًا من عدم قيام أجهزة الإعلام المصرية بتثبيت برامج تحوى مواد أرشيفية عن تاريخ الجماعة وتاريخ وجرائم كل الجماعات التى خرجت من رحمها. ليس كافيًا أن يتم عرض ذلك فى شهر يونيو فقط من كل عام.. لأن الجماعة لا تهدأ عن عملها ضد مصر طوال العام. قنوات النيل الحكومية يجب أن تحتوى على برامج وثائقية ثابتة طوال العام للتوعية. قنوات المتحدة يجب أن يكون لها نصيب الأسد فى ذلك.. قليلٌ دائم فى هذا المحك خيرٌ وأكثر جدوى من كثيرٍ مكثف فى شهر واحد! ربع ساعة كل يوم- تحوى وثائق تاريخية مثل وثائق تواطؤ الجماعات مع جهات خارجية أو تعرض لجرائم الجماعات فى أربعة عقود منذ منتصف السبعينيات- أصبحت فرض عين على كل قنوات التليفزيون المصرية حفظًا لها الوطن.

نأتى للسؤال الثانى المهم.. هل ارتقت الدولة- حين تحولت الثورة إلى دولة- لمستوى طموحات المصريين الذين اختاروا هذا الطريق؟ 

فى مشهدٍ لزينب الغزالى من مسلسل الجماعة ٢ وبعد كشف مؤامرة الإخوان بالتواصل سرًا مع مسئولى مخابرات من أكثر من دولة قبيل توقيع مصر لاتفاقية الجلاء.. تقول للمرشد.. علينا أن نشيع عن عبدالناصر أنه التقى بن جوريون.. وأنه يعيش فى بزخ.. ويقول أحد مسئولى الجماعة بالزى الأزهرى، وهو المسئول عن قسم الدعوة بالجماعة.. علينا أن نسفه من أفعالهم فى المساجد أمام العامة ونسخر من كل ما يقوم به العسكر وأن نشيع أن اتفاقية الجلاء فى غير صالح مصر..

وبعد حوالى سبعة عقود لم تغير الجماعة من أسلوبها.. ما يحدث الآن ونعاصره منح كثيرًا من مشاهد مسلسل الجماعة مصداقية كبرى.. نفس الطريقة حرفيًا. الكذب ثم الكذب ثم الكذب..الجماعة- كأى تنظيم يمتطى فكرة الدين- تبيح لنفسها أى خروج على تعاليم نفس الديانة وأيضًا تحت مسوغ دينى على طريقة المحامى الشهير مصطفى خلف فى فيلم ضد الحكومة «أحمد زكى».. «القانون دا لعبتى.. أقدر أقلب الحق باطل والباطل حق»، تمارس الجماعة- وكل الجماعات الشبيهة- السياسة بنفس هذا المنطق ولسان حالها وأفعالها ينطق.. «الدين دا لعبتى..أقدر أخلى الحلال النهاردة حرام حسب هدفى ومصلحتى!»، ما كانت تقول الجماعة إنه حرامٌ، وظلت تتاجر به لعقود، وتستميل ملايين المصريين عن طريقه، وظلت تغسل به عقول طلاب الجامعات سنوات طويلة- مثل الصلح مع إسرائيل- يتحول لحلالٍ كامل لا شبهة به إن وصلتْ للحكم! 

بعد إدراك الجماعة لهزيمتها الأكبر فى مصر عام ٢٠١٣م حاولت أن تقوم بهجمة مرتدة تتمكن من خلالها من العودة للحكم.. حاولت ذلك بكل ما تمتلكه من أسلحة وأوراق.. إرهاب.. فوضى.. تمويلات خارجية صريحة.. تواطؤ سافر مع دول أجنبية إقليمية ودولية.. تأليبُ المجتمع الدولى ضد مصر والمصريين.. «هناك مرشد سياحى مصرى تظاهر وقتها خارج مصر أمام مقرات دبلوماسية غربية مطالبًا بفرض عقوبات دولية على مصر».. ولا أدرى حقيقة إن كان لا يزال يحتفظ بحق ممارسة هذه المهنة أم لا.. عامٌ كامل واجهت مصرُ خلاله هذه الهجمة مواجهة صارمة.. انتهت محاولات الجماعة البائسة بالفشل الكبير، وانتقلت ثورة يونيو إلى دولة عام ٢٠١٤م مع أول انتخابات رئاسية فى عمر هذه الدولة، وبأعلى نسبة تصويت فى انتخابات رئاسية فى تاريخ مصر.. وبواحدة من أعلى نسب التصويت فى انتخابات رئاسية على مستوى دول العالم. هذه الجمهورية عمرها الآن اثنا عشر عامًا حافلة بالأحداث السياسية الكبرى ليس محليًا فقط، بل إقليميا ودوليًا.

فما الذى حققته تلك الدولة حتى الآن؟ وهل ما حققته يرقى لمستوى طموحات المصريين الذين قاموا بثورة يونيو ٢٠١٣م؟ إذًا- ومن باب الإنصاف والموضوعية- يجب أن نرجع للوراء اثنى عشر عامًا، لنرى ماذا كانت هذه الطموحات عام ٢٠١٤م.. طبقًا للأرشيف.. كانت عبارات المصريين وقتها «.. المهم ننقذ البلد.. مش عايزين مصر تضيع.. مش مهم أى حاجة تانية.. المهم بلدنا..» فى تلك اللحظة انحصرت طموحات المصريين فى هذه الفكرة.. إنقاذ البلد.. وانحصرت طموحاتهم الواقعية فى أن تنتهى الفوضى من شوارع مصر وأن تعود الحياة بشكلها الطبيعى..لكن المفارقة والمفاجأة النادرة عام ٢٠١٤م، والتى يمكن أن نراها الأن بشكل أوضح.. أن طموحات القيادة المصرية لمصر لم تكن بهذه المحدودية والنظرة الوقتية.. المفارقة أن طموحات القيادة المسؤلة- على غير عادة الأمور فى كل الدول- كانت تفوق بمراحل كثيرة جدًا طموحات الشعب ذاته! هل تخيل المصريون وقتها- ولو مجرد تخيل وليس طموحًا متوقعًا حدوثه- أن مصر بعد عشر سنوات مثلًا ستكون قد شيدت أكثر من مليون وحدة سكنية وأنها نقلت مئات الآلاف من الأسر من المناطق العشوائية لتلك الوحدات الجديدة؟ أو أن مصر ستكون بعد هذه السنوات العشر قد أضافت بالفعل خمسين بالمائة من مساحة أراضيها الزراعية؟ لو قلت لأحدهم ذلك عام ٢٠١٤م لوصفك بالجنون الخالص! 

كان همس المصريين وقتها- ولا أتحدث هنا عن الإخوان غير الموالين لفكرة الوطن- مش مهم الكهربا تقطع شوية أدينا بقينا نقعد مع بعض، بس المهم بلدنا، بينما كانت القيادة تطمح لجعل مصر قوة إقليمية كبرى فى مجال الطاقة والاستثمار وتوفير فرص العمل وتوفير سكن لائق وإعادة هدير المصانع وغزو الصحراء بشكل فعلى بعيدًا عن شو الكاميرات ومشاهد قص الشريط لمشاريع وهمية وهو الذى اعتدنا عليه سابقًا! وهكذا فى كل ملف بدا التباين كبيرًا جدًا بين سقف طموحات الشعب وبين سقف طموحات القيادة. لم يتجرأ بعض المثقفين أو أصحاب الأقلام على النطق بهذه الحقيقة خوفًا من الاتهام بممالأة السلطة.. كتموا الحقيقة طلبًا أو تماشيًا مع ما تحب سماعه الشعوب عادة بأن تعلق الجرس دائمًا فى رقبة الحكومات. الشعبية الشعبوية تدغدغ مشاعر كثيرٍ من هؤلاء فيستسلمون لها على حساب الحق.

الحقيقة أن مشهد انتخاب السيسى وخطاباته الأولى، ثم سيرته فى الحكم والإدارة يؤكد أن سقف طموحات القيادة لمصر كان أعلى بكثير جدًا من سقف طموحات المصريين الذين انتخبوه، وأن بعضهم الآن يريد أن يحاسبه على سقف طموحاته هو- أى السيسى- لمصر لا على سقف طموحات هذا البعض وقتها. وحتى مع تلك المحاسبة غير العادلة، أعتقد أن إدارته قد حققت قدرًا معجزًا من تلك الطموحات.

قبل مشهد الانتخاب، كانت الصراحة وقتها من القيادة المسئولة التى تدرك أن كل كلمة ستنطق بها ستصبح وعدًا.. «لو موافقين إننا ننقذ بلدنا ونبنيها يبقى لازم تعرفوا إننا هنشتغل بجد وهنصحى بدرى وهنستحمل علشان نبنى بلدنا..» صفق المصريون ومنحوا القيادة موافقتهم. 

ربما فى هذا المشهد لم تكن كل العقول مستوعبة معنى الكلمات. ربما بعض العقول كانت تعتقد أنها عبارات إنشائية تقليدية أو أكليشيهات من تلك التى اعتادوا سماعها دون أن تتحول من نطاق الكلام للفعل فصفقوا احتفالًا بالنصر على الجماعة أكثر من التصفيق لما تعنيه العبارات.. بعض العقول لم تكن تدرك ما سوف تعنيه هذه العبارات حين تتم ترجمتها على الأرض، وحجم المسئولية التى سوف تلقى على عاتقهم، وتأثير ذلك على أنماط حياتهم، ومدى استعدادهم بشكل حقيقى أنهم «يستحملوا علشان بلدهم وعلشان مستقبل أولادهم».. مسئولية الوعد من القيادة لا بد- ومن منطق العدل المجرد- أن تقابلها مسئولية الالتزام من الجماهير.. والمحاسبة لا بد أن تكون ذات اتجاهين لا اتجاهًا واحدًا! حقيقة أخرى يتهرب منها المثقفون وأصحاب الأقلام الذين يفترض أنهم القاطرة العقلية للأمة. 

بدأ الرئيس فى تنفيذ رؤيته مبكرًا جدًا.. وباختصار فلقد فاجأ المصريين بأنه كان «بيتكلم جد». كل صباح يرونه فى موقع.. تدشين مشروع ضخم «قناة السويس» بعد أشهر من توليه السلطة..تصديه لملفات صحية عاجلة.. والمفاجأة الأهم أنه اقتحم ملفاتٍ مسكوت عنها لسنوات وكانت فى عداد الملفات الميتة، ولقد اقتحمها فى وقتٍ واحد.. ملف الخطاب الدينى المنفلت.. إصلاح المؤسسات.. مواجهة الفساد الإدارى بالرقمنة.. شق صمت الصحراء بمشاريع بنية أساسية كبرى من طرق ومصانع.. مشاريع استصلاح أراضٍ صحراوية.. ملفات الصحة.. معجزة الوحدات السكنية لسكان العشوائيات.. تأهيل قيادات شابة على أسس علمية معاصرة.. يحدث هذا وقواتنا المسلحة تخوض حربًا عسكرية صريحة على الجبهة.. باختصار اختار الرئيس وبمنطق ولغة الشغيلة أن «يفتح بطن البلد» الذى أغلق على كوارثٍ لعقود طويلة.

فجأة يستفيق المصريون على حقيقة.. مصر- التى كانت مهددة بعقوبات دولية بعد محاولات خارجية لفرض حكم الجماعة عليها- تصبح قوة سياسية إقليمية يخطب ودها الكبير قبل الصغير من دول العالم. تتحول مصر- التى كانوا ينتظرون إعلان وفاتها وتقسيمها لدويلات- إلى قوة سياسية واقتصادية. 

كلمة «قوة اقتصادية» يسىء فهمها بعض المصريين. قوة اقتصادية لأى دولة لا يعنى أن الدولة تقوم بتوزيع أموال مجانية على شعبها.. إنما تعنى أنها دولة راسخة موثوق فى اقتصادها من جانب المؤسسات الاقتصادية الدولية ومن جانب المستثمرين، وهناك فرص عمل مضافة تقريبًا كل يوم. قوة اقتصادية تعنى أن من يريد أن يعمل بشكل حقيقى فهناك فرص عمل.. فرص عمل وليست وظائف وهمية تكمل مأساة «البطالة المقننة».. فرص عمل فى الزراعة والصناعة.. زراعيًا فقط وفرت مصر أكثر من أربعة ملايين فرصة عمل على أقل تقدير.. من يريد أن يعمل بشكل حقيقى سيعمل.. ومن يحلم بالثراء السريع.. فليبحث عن تحقيق أوهامه بعيدًا عن مصر..

لو لم تنجح الدولة المصرية فى تحقيق نجاحات وإنجازات- فاقت طموحات المصريين أنفسهم الذين قاموا بثورة يونيو- لكنا سمعنا الآن أسوأ عبارة يمكن وضعها فى تاريخ مصر الحديث على لسان رئيس مثل ترامب.. بالأمس تحدث ترامب قائلًا: أنا وضعت هذا الرجل «أ» لحكم دولة «س» بالاتفاق مع رئيس دولة «ت».. كان ترامب يتحدث عن قيادى من قيادات جماعات التأسلم السياسى المدان بالإرهاب والذى وضعه ترامب- كما قال رسميًا- على مقعد حكم إحدى دول الإقليم.. كان هذا هو المخطط لمصر.. التقسيم.. قضم قطعة من سيناء لصالح المشروع الصهيونى.. ثم تمزيق أوصال الدولة الأقدم فى التاريخ.. ووضع أحد رموز جماعة الإخوان ليحكم الدويلة المصرية الشمالية وعاصمتها القاهرة.. لو لم تنجح ثورة يونيو ودولتها.. لكان هناك شخصٌ مصرى آخر ينتظر على باب قاعة اجتماع دول السبع بصفته رئيس الجمهورية الإخوانى.. الذى وضعه ترامب ليحكم تلك الدويلة المصرية ولقد جاء مأمورًا ممن أنعم عليه بمقعد حكم دويلة! 

الموضوعية والإنصاف هما الطريق لكى يصل أحدنا لإجابة منصفة للسؤال عما حققته دولة ٣٠ يونيو.. باختصار على من يريد التوصل لإجابة حقيقية أن يجهد نفسه قليلًا ويجمع بيانات من مصدرها عما كانت عليه مصر عام ٢٠١٤م وكيف أصبحت الآن.. فى كل القطاعات..اقتصاد وصحة وتعليم وزراعة وتجارة.. كم مليون فدان تمت إضافتها.. كم مصنعًا أعيد تشغيله وكم مصنعًا تم بناؤه؟.. ما كان لدى مصر من كهرباء وما أصبح لديها.. طول الطرق المقامة حديثًا.. عدد فرص العمل المضافة.. كم تكلفت خزانة مصر جراء أحداث خارجية عاصفة مثل حرب أوكرانيا وكوفيد ومؤامرة السابع من أكتوبر وحرب إيران؟.. كم تكلفت مصر فى حربها العسكرية لتأمين حدودها الشرقية؟.. ما حققته من استثمارات آمنة.. الحقيقة ظاهرة لمن يريد أن يراها.. الذى يريد أن تصل مصر فى عشر سنوات لما وصلت إليه دولٌ أخرى فى عقود طويلة دون أن تواجه تلك الدول خمسة بالمائة مما واجهته مصر خلال تلك السنوات العشر، الذى يريد ذلك عليه أن يعيد تعليم وتثقيف نفسه سياسيًا. الإنصاف الوحيد الممكن هو كما قلت أن نضع مصر عام ٢٠١٤م فى مواجهة مصر الآن بالأرقام والبيانات والمعلومات وليس بالهوى أو الاستفادة الشخصية. 

لكن الذى يقرر الاستسلام لما يراد به فهذا قراره.. لكن ليس من حقه أن يصدر ما سقط فيه من وهم للمصريين. ما حدث ويحدث أن هناك- كبندٍ دائم من باقى بنود محاولة هزيمة المصريين- خطًا إعلاميًا واضحًا وقويًا موجهًا للمصريين. هو خط الإلحاح على تصدير الإحباط. محاولة إقناع المصريين بهزيمةٍ لم تحدث من الأصل. هل هناك أكثر سفورًا من محاولة إجهاض فرحة المصريين بإنجازهم فى مباراة كرة قدم فى محفل دولى هو الأعظم دوليًا. فرح المصريون بمباراتهم أمام بلجيكا، بسرعة شديدة نفاجأ بصفحات كثيرة موجهة لمصر والمصريين تحاول إجهاض الفرحة التى اجتمع عليها المصريون.

الفزع من تأثير إيجابى لمباراة كرة قدم على معنويات المصريين كان ظاهرًا بقوة فى رد الفعل بالغ السرعة الذى فوجئ به بعض المصريين، وكأن من وجّه أتباعه قال لهم «الحقوا بسرعة حاولوا تنكدوا عليهم قبل حالتهم المعنوية ما ترتفع!» صفحاتٌ تهاجم طريقة احتفاء واحتفال لاعب الكرة إمام عاشور بهدفه.. صفحاتٌ أخرى تحاول تصوير مشهد خروج صلاح وكأنه اعتراض لغرس الفتنة بين الفريق المصرى.. صفحاتٌ تسفه صراحة من الحدث وترجع للسوفت وير القديم الذى انتهت صلاحيته بأن كرة القدم إلهاءٌ للشعوب عن قضاياها.. بينما تكون كرة القدم شيئًا عظيمًا حين تخفق الفرق المصرية أو حين تنظم دولة راعية للجماعة فعالية مهمة! 

ما حدث بعد هذه المباراة يؤكد أن هناك خطة واضحة أو تكليف محدد لأعضاء الجماعة داخل وخارج مصر بالعمل على دفع المصريين للسقوط قسرًا فى شرك نفسى للشك فى كل إنجاز وكل نصر مهما يكن مجال الإنجاز.. زراعة.. صناعة.. فنون.. رياضة.. هى حربٌ موجهة تستهدف الحالة المعنوية للمصريين.. أى إنجاز تتم محاولة تسفيهه أو تقزيمه، أو على الأقل تقزيم الدور المصرى به. حرب واضحة مباشرة لا تحتاج إلى ذكاء كبير لإدراكها.. لكن الغريب أن البعض قد سقط بالفعل فى هذه الحالة وأصبح يفتش بنفسه كل صباح عما يمكن أن يهاجم من خلاله بلادَه، أو يلقى به فى غيابات جب الإحباط الذى اختاره لنفسه طواعية! محاولة نشر القتامة النفسية ونظرة الشك فى الأعين المصرية.. هو الهدف.

قطعًا لا أدعى أننا حققنا كل ما نطمح إليه- سواء كقيادة أو شعب- وهذه طبيعة الحياة بأن نستمر فى الطموح ونستمر فى العمل لتحقيق ذلك الطموح، كما نستمر فى تحديد الأخطار ومواجهتها. ولقد كتبتُ فى نفس المنبر الإعلامى العديد من المقالات عبر السنوات الماضية منتقدًا مشهدًا هنا أو هناك.. ويمكننى الآن- بعد متابعة ما كتبتُ عنه- أن دولة ٣٠ يونيو ليست ساذجة أو قابلة للضغط والابتزاز.. الآن تقوم تلك الدولة بالفعل فى معالجة بعض تلك المشاهد وحسم بعض الملفات بعد أن تخيرت لنفسها ما يناسبها من توقيت. كل هذا الحراك طبيعى ويمكن اعتباره علامات إيجابية على تخطى مصر مرحلة الصعاب. 

وكل ذلك لا يمنع من توضيح مهم.. يكون لازمًا- فى مثل تلك الظروف الاستثنائية التى تمر بها مصر- على أصحاب الأقلام أن يسلطوا الضوء على ما تحقق من إنجازات؛ لأنها تحققت فى تلك الظروف. ويلزم أيضًا تسليط الضوء عليها للانتصار فى الحرب الموجهة لزعزعة ثقة المصريين بأنفسهم وبما يستطيعون إنجازه. أسوأ ما يمكن أن تتعرض له أمة أن تفقد تلك الثقة، فتفقد همتها وتقدم لأعدائها انتصارات مجانية. حين نضع ما أنجزته دولة يونيو فى حوالى اثنى عشر عامًا فى صورته الحقيقية بكل ما أحاط بمصر من عواصف سياسية ألزمت مصر بأن توجه جزءًا كبيرًا من طاقتها لاحتواء أخطار خارجية، حين نفعل ذلك يستبين لنا عظمة ما أنجزناه. هذا هو سبب جنون من كانوا يراهنون على فشلنا.. الجماعة وغيرها. 

سارت دولة يونيو حرفيًا فى حقل ألغام سياسى دولى كبير، وفى نفس الوقت كان هناك من يحاول أن يشغل أعينها بحيل وألاعيب بهلوانية حتى لا تتنبه فى سيرها فتزل قدمها وتصطدم بأحد تلك الألغام فتنفجر فى مصر كلها. هذا هو ما حدث ولا يزال يحدث. لذلك فمن يرى الصورة كاملة بشكل منصف يدرك أن من حق هذه الدولة ومن ساندها ومن راهن عليها أن يقفز فرحًا بما أنجزناه. لم تنجُ دولة فى المنطقة من لغمٍ إلا مصر، رغم أن كل الألغام كانت تلقى عمدًا فى طريقها هى. هو توفيق وفضل من الله ولا شك. لكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ونحن المصريين قد غيرنا ما كان على وشك أن يدهسنا جميعًا. فعلنا ما لم يفعله غيرنا فأنعم الله علينا بنعمة حفظ الوطن ومعها كثير من النعم الأخرى. ما بقى من ألغام أصبحنا ندركه جيدًا ونعلم أن الله لن يخذل مصر فى سبيل تخطى هذا اللغم أو ذاك، لأن مصر لم تكن أبدًا لا دولة شرٍ أو جارة سوءٍ لأحد. ننتصر بما حققناه، لكننا لا ننسى أبدًا أن المعركة ما زالت مستمرة لأننا نواجه خطرًا- بكل أسف- مغروسًا فى عقول بعض الذين يحملون جنسية هذا الوطن. سوف تأخذ تلك المعركة وقتها حتى نزيل كل شتلات الشر هذه من العقول المصرية. وحتى يصل المصريون يومًا لهذا الانتصار يجب أن يبقوا دائمًا فى حالة وعى متيقظ.. لا استسلام لموجات غرس الإحباط قسرًا فى مصر، أو بذور التشكيك فى عقول المصريين فى دولتهم.. ولا لفقد الثقة فى الذات المصرية. وهذه الأخيرة هى أحد أسرار الشخصية المصرية. 

فلتفرحوا أيها المصريون بما حققتموه حتى وإن كان بعضكم لا يدرك عِظم قيمته.. فسوف يأتى يومٌ يدرك فيه الجميع هذه القيمة!