الأربعاء 05 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

العانس

حرف

-بدلًا من أن تحتلَّ الفراشات البيضاءُ سمائى؛ تركتْنى وأبقَتْ بياضها؛ ليحتلَّ شَعرى 

يا رب، لم أعُدْ تلك الفتاةَ الصغيرة، التى تُلوِّن الكونَ بشريط ضفيرتها الأبيض، لم أعُدْ تلك المراهِقةَ، التى تعتلى غيمةً؛ لتقابِلَ الشاطرَ حسن، أو تطير على بساط سِحرى؛ لتلاحِقَ فراشاتٍ، تخيِّطهُنَّ فى فستان؛ لكى يحمِلْنَها لأعلى، فتلاحقها نظراتُ بنات الفصل، لم يعُد جسدى كما كان، نبتَت لى زهرتان، صرت أُخبئهما تحت ملابسَ فضفاضة، وعندما صارتا يمامتين تتوقان إلى الفرار؛ كان البيت محْبَسى، مُنعتُ من اللعب، صارت «لا. لا. لا...» هى ما أسمعه كلَّما هممتُ بفِعلٍ ما.

يا رب، لم أعُد تلك الشابةَ، التى يتحلَّق حولها الشبابُ؛ فتختار أوْسَمَهم وأجملَهم، تعيش معه قصةً فى خيالها، تُشاهد فيلمَ ماجدة ورشدى أباظة، تريده مثلَه، يُحلِّق بطائرته فوق شُرفتها. يا رب، أنا صنيعة الخوف والعيب والتقاليد، لم أشاطِرْ ولدًا نظرةَ عِشق، لم أخُضْ تجربةَ حُبٍّ.

يا رب، منحتَنى خيالًا خِصبًا، وعُزلة، وصمْتًا، صرتُ مثالًا للبنت الهادئة، التى ترفلُ فى ثياب طوال، من فرْط خجلى أتعثَّر وأقَع، عيناى لا تتجاوزان المسافةَ ما بين رأسى والأرض، يا رب، نبتَتْ لى حَدَبَةٌ صغيرة من كثرة انحنائى.

يا رب، لم أعُد شابة تُشتَهى؛ صِرتُ فى الخامسة والثلاثين، غادرنى خيالى، وخذلتنى أحلامى، لم يعد فتى أحلامى يشبه رشدى أباظة.

بمرور الوقت صرتُ أفتح خزانتى، أزيح عنها الغبار، أترك نافذتى للشمس، ربما أفلَحَت فى محْوِ العطن الذى سكَن الملابس، أصبحت أحلامى كوابيسَ، تتخلَّلها نهنهات أمى المكتومةُ، نظرتها الكسيرة وهى تحضر أعراسَ مَن هُنَّ أصغر مِنى سِنًّا.

دعوات النسوة لى وهُنَّ يتغامزْنَ عن التى فاتها قطارُ الزواج.

الخامسة والأربعون جاءت سريعة، فبدلًا من أن تحتلَّ الفراشات البيضاءُ سمائى؛ تركتْنى وأبقَتْ بياضها؛ ليحتلَّ شَعرى، يمامتاى اللتان كنت أخجل منهما، صارتا مكسورتَى الجناح، انسَدلَتا رخوتَين، ما عُدت أهتمُّ بإخفائهما تحت حمَّالة ضيقة، لهما البراح.. ولىَ الضيق.

يا رب عادتى الشهرية لم تعُد كعهدها، مَن هنَّ فى سِنِّى قابلتُهن فى عيادة النساء، يجرجرن وراءهن أولادَهن.

دخلت إلى الطبيبة، أخبرتُها عن عادتى الشهرية التى تأخَّرت لسبعة أشهر.

- هل أنا حامل؟

- منذ متى وأنت متزوجة؟

- كم لديك من الأولاد ؟

- متى آخِر مَرَّة ضاجعتِ فيها زوجك؟

- متى آخِر ميعاد للدورة؟

- هل تأخذين أدوية منشِّطة للحمل؟

- هل........؟

- أنا لستُ متزوجة!

نظرت إلىَّ الطبيبة

- قبْل أىِّ شىء، أنا لا أُجرى عملياتٍ لمَن حملت سِفاحًا.

- هل أنا حامل؟!

أنا لم أُضاجع رجُلًا حتى فى أحلامى، ولم يلمِسْنى رجُل قَطْ.

أمى كانت تحذِّرنى من الجلوس مكان رجُل فى عربة المواصلات؛ ربما تساقَط منه.. واختلط بشىء دون أن أدرى!

ربما اختلطت ملابس أخى بملابسى؛ فاختلطت أشياؤه بى.

ربما ضاجَع امرأته، والتصقت ديدانه بملابسها، التى هى فى الأصل ملابسى، التى أخذتها منى؛ لأننى فى نظرها العانس «ذات الحَدَبَة»، ولم تعُد تليق بى.

ربما عاشرنى جِنىٌّ من تحت الأرض، استحسن جسدى، الذى كنت أطالعه فى المرآة.

فى ظلمة الحجرة، جسدى يستقيم، يرتفع نهداى كما كانا فى العشرين، تتخلَّى عنِّى الحَدَبَةُ، التى لازمَتْنى، وصار اسمها لصيقًا بى؛ «العانس ذات الحَدَبَة»، فى الظلام فقط كنتُ أُبصرُ بهائى. ربما.... ربما....

ضحكت الطبيبة من فزعى:

- لا تخافى.

سألتنى عن عُمرى، أجبتها.

- ربما قد قاربتْ على الرحيل، هناك نساء تنقطع دورتُهن فى الأربعين.

يا رب، اشتهائى للرجُل لم يعُد كما كان.

يا رب، تركتْنى أمى حسيرة من كلام النسوة عنِّى، ومصمصة شفهاهن كلَّما مررتُ أمام عتباتهن.

يا رب، كنت أشتهى بنتًا أربِّيها على عينَى. أُخبرها أنه لا شىء يستحق الخوف.

يا رب، لم أعُد أشتهى شيئًا.