الأحد 20 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

طُعم فى سنارة رئاسية.. كيف باع ترامب مسئولى وصحفيى البيت الأبيض للنجاة من التهديد الإيرانى؟

حرف

- وثائقى على «نتفليكس» يكشف تفاصيل جديدة عن واقعة اختبائه فى «شاحنة تموين» بمطار أنقرة

- «الخدمة السرية» أجبرت المصورين على إنزال الستائر لعدم مشاهدة لحظة الاختباء

- صعد للطائرة الرئاسية ثم دخل للشاحنة الملاصقة من باب جانبى

فى 10 أغسطس الماضى، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن واحدة من أكثر عمليات التمويه الاستخباراتية غرابة، والتى نفذها جهاز الخدمة السرية لتأمين الرئيس الأمريكى خلال السنوات الأخيرة.

فبعد مغادرته قمة حلف شمال الأطلسى «ناتو» فى تركيا، ظهر الرئيس دونالد ترامب أمام الكاميرات وهو يصعد إلى الطائرة الرئاسية الأمريكية التى جاء بها من واشنطن، وبينما تابعت وسائل الإعلام المشهد باعتباره عودة عادية إلى الولايات المتحدة، لم يعرف الصحفيون وبعض مسئولى البيت الأبيض أن الرئيس لم يكن على الطائرة التى اعتقدوا أنه يستقلها.

 

مصادر أمريكية تتحدث عن محاولة إيرانية لاغتيال ترامب أثناء وجوده فى تركيا
مصادر أمريكية تتحدث عن محاولة إيرانية لاغتيال ترامب أثناء وجوده فى تركيا

فوفقًا للتحقيق، دفعت معلومات عن تهديد إيرانى باغتيال ترامب، جهاز الخدمة السرية إلى تنفيذ خطة استخباراتية، تمثلت فى أنه بعد دقائق من صعوده إلى الطائرة، يخرج الرئيس وعدد من مساعديه من باب جانبى، ليدخلوا شاحنة تموين كانت تقف بجوارها، قبل أن تنقلهم إلى طائرة أصغر من طراز «C-32A».

فى المقابل، أقلعت الطائرة الرئاسية وعلى متنها صحفيون وموظفون، لتواصل رحلتها إلى بريطانيا كما لو أن الرئيس لا يزال بداخلها، لتتحول «إير فورس وان» إلى «طائرة تمويه»، فيما ظل ركابها لا يعرفون أنهم أصبحوا جزءًا من الخدعة.

وكان يمكن للقصة أن تنتهى عند هذا الحد، باعتبارها عملية أمنية استثنائية كشفتها الصحافة بعد وقوعها، لكنها لم تنتهِ، حيث طرحت «نتفليكس» فى ٤ سبتمبر الجارى وثائقيًا بعنوان «The Decoy Plane»، يعيد تركيب ما جرى من خلال شهادات أشخاص كانوا داخل القصة؛ بينهم صحفيون كانوا على متن الطائرة التى تحولت إلى «طُعم»، ومراسل من «واشنطن بوست» شارك فى كشف العملية، وعميل سابق فى جهاز الخدمة السرية، وعضوة سابقة فى طاقم «إير فورس وان».

والسؤال الذى يطرحه الوثائقى ليس فقط «كيف هرب ترامب؟» بل أيضًا: ماذا حدث داخل الطائرة التى تركها خلفه؟ وماذا كان يعرف ركابها؟ ومتى أدركوا أنهم كانوا جزءًا من واحدة من أكثر عمليات التمويه الرئاسية إثارة للجدل والسخرية؟!

كان المشهد فى أنقرة يوم ٨ يوليو الماضى طبيعيًا تمامًا، فالرئيس دونالد ترامب يستعد لمغادرة تركيا بعد انتهاء قمة حلف شمال الأطلسى، والصحفيون المرافقون له يستعدون للعودة إلى الولايات المتحدة على متن الطائرة الرئاسية التقليدية، التى كانت ترافقها فى نفس الرحلة، الطائرة الجديدة التى أهدتها قطر للرئيس الأمريكى.

وأمام الكاميرات، صعد «ترامب» إلى الطائرة التقليدية كما جرت العادة، وبدا أن الرحلة على وشك أن تبدأ كأى رحلة رئاسية، لكن داخل الطائرة وعلى المدرج، كانت عملية أخرى قد بدأت فى الخفاء.

بحسب ما يعيد وثائقى «The Decoy Plane» بناءه من شهادات من كانوا هناك، بدأت علامات الغرابة تظهر للصحفيين قبل أن يعرفوا حقيقتها، إذ صدرت تعليمات بإغلاق ستائر النوافذ، وظهرت عربات تموين بمحاذاة الطائرة فى مشهد لم يعتده المصور الصحفى فى البيت الأبيض أليكس براندون، والذى كان يراقب ما يحدث من موقعه، محاولًا فهم سبب الإجراءات غير المعتادة، بينما لم يكن يعرف أن الرئيس نفسه يستعد لمغادرة الطائرة التى صعد إليها لتوّه.

بعد دقائق من صعوده، خرج ترامب سرًا من الباب الجانبى للطائرة إلى شاحنة تموين كانت تقف بجوارها، ومنها نُقل إلى طائرة أخرى أصغر، من طراز C-32A ، ولم يكن معظم الصحفيين والمسئولين المرافقين على علم بما جرى، ولذلك ظلت الطائرة الرئاسية الكبيرة تستعد للإقلاع وعلى متنها الركاب الذين يفترض، بحسب الترتيبات الظاهرة، أن يكون الرئيس بينهم.

وأقلعت الطائرة من تركيا متجهة إلى بريطانيا، فيما كان ترامب قد سبقها على متن الطائرة الأخرى، وهنا اكتملت وظيفة «طائرة التمويه»، إذ بقيت الطائرة الرئاسية بما تحمله من صحفيين ومسئولين، تتحرك فى المسار الذى يُفترض أن يكون مسار الرئيس، بينما كان الرئيس نفسه قد غادرها بالفعل، ووفقًا لإعادة بناء الواقعة، لم يكن ركابها يعرفون أنهم أصبحوا، من دون إرادتهم أو علمهم، جزءًا من عملية أمنية هدفها إخفاء مكانه.

فى بريطانيا، التقت الطائرتان مجددًا فى قاعدة سلاح الجو الملكى البريطانى فى ميلدنهال، وهناك عاد «ترامب» إلى الطائرة الرئاسية التى كانت قد وصلت قبله أو فى أعقابه، ليكمل منها رحلته إلى الولايات المتحدة، لتمتد الخطة من مجرد إخراج الرئيس من تركيا بطائرة سرية؛ إلى إعادته مرة أخرى إلى الطائرة التى كان الجميع يظنون أنه لم يغادرها أصلًا.

لكن المفارقة لم تتضح كاملة إلا بعد انتهاء الرحلة، حيث كان الصحفيون على متن الطائرة جزءًا من الخطة نفسها، فالطائرة التى ظلت تحملهم أصبحت، من حيث لا يعلمون، واجهةً توحى بأن الرئيس موجود على متنها.

هنا تحديدًا يبدأ الجزء الأكثر إثارة فى رواية «The Decoy Plane» ليس من منظور أجهزة الأمن التى خططت للعملية، وإنما من منظور الأشخاص الذين كانوا داخل الطائرة المموهة، ولم يعرفوا إلا لاحقًا أنهم كانوا جزءًا من العملية.

ترامب يتحدث للصحفيين من الطائرة الرئاسية
ترامب يتحدث للصحفيين من الطائرة الرئاسية

تأتى شهادة أليكس براندون، كبير مصورى البيت الأبيض لدى وكالة «أسوشيتد برس»، كأول خيط فى الرواية، حيث يقول إن نظره التقط قبل الصعود مشهدًا غير مألوف، حيث تقف شاحنات تموين بشكل ملاصق على جانبى طائرة «إير فورس وان».

«لم أرَ ذلك من قبل»، يقول «براندون» الذى أمضى أكثر من ٤٠ عامًا فى تغطية نشاط الرؤساء خلال الوثائقى، موحيًا بأنه رغم أن تلك التفصيلة صغيرة، كانت كافية لإشعال حواسه المهنية.

ثم حدث الأمر الذى زاد الغموض، وهو إغلاق ستائر النوافذ، فيروى مراسل «رويترز» فى البيت الأبيض جرام سلاترى، أن الصحفيين تلقوا تعليمات من موظفى البيت الأبيض بخفض الستائر، وهو إجراء كان مستغربًا لديهم، لأن مهمتهم هى أن يروا ويسجلوا كل ما يتعلق بحركة الرئيس، أما الآن، فكان المطلوب منهم ألا يروا أى شىء!

«براندون»، من جانبه، بدأ يجمع القطع، حيث شاحنات التموين، ثم الستائر المغلقة، والحركة غير المعتادة حول الطائرة، ومع تراكم التفاصيل، تحوّل الفضول لديه إلى شك.

يقول فى الفيلم، بعد أن بدأت الصورة تتضح له: «يا إلهى... شاحنات التموين تلك!»، قبل أن يضيف أن كل هذه الأشياء الصغيرة بدأت تتجمع معًا، وعندما عرف لاحقًا أنه كان على متن الطائرة التى استُخدمت كطُعم، أحس بدهشة كبيرة، فيقول بوضوح: «فى أكثر من ٤٠ عامًا من مسيرتى، لم أُوضع قط فى موقف أكون فيه طُعمًا. أمر جنونى. جنونى حقًا».

ولا يكتفى الفيلم بعين المصور، فيستعين بشهادة واندا جويل، العضو السابق فى طاقم «إير فورس وان»، وروبرت ماكدونالد، العميل السابق فى جهاز الخدمة السرية، لتفسير ما بدا غريبًا لمن كانوا على الأرض وفى الجو.

كما يكشف الصحفى دان لاموث من «واشنطن بوست»، وكارول ليونيج، الصحفية الاستقصائية البارزة فى شبكة «إم إس ناو»، عن طبقة أخرى من القصة خلال «الوثائقى».

واللافت فى شهادات الصحفيين أن الخدعة لم تُكتشف لحظة تنفيذها، بل بعد ذلك، إذ كان هؤلاء الأشخاص داخل الطائرة يؤدون مهمتهم المعتادة، فيما كانت الطائرة نفسها تؤدى مهمة أخرى لم يعرفوها، وهى أن تبدو للعالم، ولأى جهة تراقب حركة الرئيس وكأنه موجود على متنها.

وهنا تكمن المفارقة التى يلتقطها الفيلم، فالصحفيون الذين يفترض أن يكونوا عيون الجمهور على الرئيس، أصبحوا هم أنفسهم جزءًا من صورة صُممت لإخفاء مكانه الحقيقى. 

يلخص «براندون» المفارقة من زاوية أكثر شخصية؛ فهو يقول إنه سبق أن خاض مواقف صعبة وخطرة بحثًا عن الصورة، لكنه يرى أن من حقه أن يعرف طبيعة المخاطرة مسبقًا، حتى يقرر بنفسه إن كان مستعدًا لتحملها.

لم تكن المشكلة إذن فى أن الطائرة أقلعت فقط من دونه؛ إنما فى أن من بداخلها كان يمكن أن تتم التضحية بهم نظير نجاة «ترامب» لو تم استهداف الطائرة بالفعل.

عندما حطّت الـ٣ طائرات، طائرة الرئاسة التقليدية، والأخرى التى تم إهداؤها من قطر، والثالثة التى تخفى فيها «ترامب»، فى قاعدة «إيه إف سى ميلدنهال» البريطانية، اكتملت آخر حلقات الخدعة. 

كان طائرة «إير فورس وان» القديمة قد وصلت وعلى متنها الصحفيون والموظفون، بينما كان «ترامب» قد وصل قبلهم على متن الطائرة الأصغر «سى-٣٢ إيه»، ومن قبلهما وصلت الطائرة التى تم إهداؤها من قطر.

وبعد دقائق، ظهر الرئيس مجددًا أمام الكاميرات وهو ينزل من طائرة «إير فورس وان» التقليدية، فى مشهد يوحى بأن الرحلة جرت كما كان يفترض لها منذ البداية، ثم انتقل إلى الطائرة الرئاسية الجديدة التى أهدتها له قطر، ليواصل طريقه إلى واشنطن.

لكن الرحلة التى انتهت بنجاة الرئيس وعدم حدوث أى تهديد، تركت وراءها سؤالًا أكبر من تفاصيل عملية التمويه نفسها، فماذا تقول هذه الواقعة عن القوة التى يفترض أن تجسدها الرئاسة الأمريكية؟!

فالرئيس الذى لا يريد أن يبدو مختبئًا اضطر إلى أن يختفى من طائرته أمام أعين الصحفيين، وأن يُنقل فى شاحنة تموين إلى طائرة أخرى، بينما تُترك طائرته فى السماء لتبدو وكأنه موجود على متنها، وجميع من فيها مهددون بالموت لو تم تنفيذ الخطة الإيرانية المزعومة، حيث احتاجت الحماية إلى صناعة صورة كاملة تخدع من يراقب حركة الرئيس، حتى لو كان جزء من هذه الصورة، أشخاصًا بريئون لم يعرفوا أنهم يؤدون هذا الدور.

يقول المصور أليكس براندون بدهشة، إنه فوجئ بأنه أصبح «طُعمًا»، معتبرًا أن المسألة بالنسبة إليه تتعلق بالحد الفاصل بين الخطر الذى يختاره الصحفى والخطر الذى يُفرض عليه، ويضيف أن عمله سبق أن وضعه فى مواقف بالغة الصعوبة والخطورة بحثًا عن الصورة، لكنه كان يريد أن يعرف أنه قد يكون مقبلًا على موت محقق.

والمفارقة أنه فى اللحظة التى تصبح فيها حياة الرئيس مهددة، يمكن أن تتغير قواعد كل شىء حوله، فالصحفيون الذين والموظفون الذين يتحركون مع الرئيس، والطائرة التى تحمل اسمه، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات فى عملية واحدة هدفها الأول والأخير إخراج الرئيس من دائرة الخطر، ويذهب كل شىء بعد ذلك إلى الجحيم.

والأكثر دلالة أن هذه العملية لم تأتِ من فراغ، فالتهديد الإيرانى الذى استدعى كل هذا التعقيد كان نتيجة مباشرة للمواجهة العسكرية التى دخلتها إدارة ترامب مع إيران دون خطة واضحة، رغم محاولاته إقناع الجمهور الأمريكى بأن بلاده فى موقف أكثر قوة خلال تلك المواجهة، وهو ما أطلق تساؤلات، أهمها هل القوى هو من يختبئ من خصمه فى شاحنة تموين؟!

فبعد أن انكشفت الحكاية، لم تستغرق تلك الصورة الغريبة وقتًا طويلًا حتى تحولت إلى مادة للسخرية؛ فانتشرت «الميمز» والصور المركبة لترامب مختبئًا داخل شاحنة التموين، وتحولت العملية الأمنية السرية إلى مشهد ساخر يتداوله الجمهور. 

هذه الحقيقة، يدلل عليها جرام سلاترى، مراسل «رويترز» للبيت الأبيض فى المشهد الختامى للفيلم الوثائقى، إذ رأى فى الصورة ما هو أبعد من الإحراج، فيقول: «وجود الرئيس داخل شاحنة تموين بسبب تهديدات من إيران لا يعكس قوة، ولا يعكس سيطرة، وهم يعرفون ذلك».