القصيدة المُنتقبة.. مسابقة مجهولة تروِّج لـ«السلفية الأدبية»!
- تنتحل اسم «دولة الشعر المصرية».. وترفض أية قصائد تحتوى على أية قضايا خلافية
- تقصر التقديم على «العمودى» فقط.. وتحظر تناول «التابوهات»
- مؤسسوها 3 شباب غير معروفين فى الوسط الشعرى
خلال الأيام الماضية، فوجئ شباب الشعراء بظهور إعلانات لافتة على موقع «فيسبوك» تروّج لمسابقة شعرية بعنوان «دولة الشعر المصرية»، وبدا الإعلان جذابًا، والموقع الإلكترونى الخاص بالمسابقة مصممًا بعناية وبإمكانات واضحة، ما أوحى بأن وراءه جهدًا منظمًا وميزانية معتبرة.
ووصف الموقع المسابقة بأنها «مبادرة مستقلة بجهود مصرية خالصة، تهدف إلى إحياء مكانة الشعر الفصيح وإعادة الاعتبار للقصيدة الأصيلة فى زمن تراجع فيه الذوق، وكثرت فيه المجاملات».
لكن بمجرد الاطلاع على شروط المشاركة، ظهرت مفاجآت صادمة، إذ اشترط القائمون عليها بأن تكون القصائد المقدمة من الشعر العمودى فقط لا غيره، وأنه لن ينظر أصلًا إلى أى عمل مقدم من أى شكل شعرى آخر.

كما نصت القواعد على استبعاد أى نص يتناول أية «تابوهات»، أو على حسب وصف الشروط «القضايا الخلافية فى الدين أو السياسة وغيرها» وكذلك تجنب أية عبارات شعرية قد تمس الجوانب الأخلاقية.
أما المفاجأة الأكبر فكانت فى قيمة الجائزة، حيث يحصل الفائز بالمركز الأول، على ٥ آلاف جنيه فقط! وهو مبلغ أثار استغراب المعلقين الذين رأوا فيه استخفافًا بالشعراء وبقيمة الشعر نفسه وبقيمة العنوان العريض الذى تم إطلاقه وهو «دولة الشعر المصرية».
فما هى هذه المسابقة؟ ومن يقف وراءها؟ وهل يمكن أن تُسمى «مستقلة» بينما تروّج لشروط أقرب إلى أفكار ما يمكن وصفه بـ«السلفية الأدبية» التى تحصر الشعر فى الأشكال القديمة فقط والكتابات ذات النزعات المُحافظة، وتقصى كل ما هو حداثى وخلاق ومنفتح؟!


من حيث المبدأ، لا أحد يمكن أن يطعن فى أى جهد مخلص يسهم فى رفعة شأن القصيدة ودعم الشعراء الشباب، خاصة أن الساحة الثقافية شهدت عشرات المبادرات المستقلة التى أطلقت من أجل تنشيط الواقع الأدبى فى مصر وحققت نجاحات كبرى واستطاعت اجتذاب واكتشاف مئات الموهوبين فى مجالات الإبداع المختلفة، لذلك فأى جهد فى هذا السياق هو جهد مشكور ومحمود.
لكن حين يتكرس هذا الجهد فى حراك ثقافى غير معروف المعالم ولا الاتجاهات، وليس له أثر أو تاريخ أو إسهامات معروفة، بل ويروج لأفكار إبداعية شديدة الانغلاق وتدعو إلى العودة إلى الماضى وتكرس لكتم أنفاس القصيدة، فإن هذا يستحق أن نتوقف عنده ونفكر قليلًا.
فمع قليل من التأمل فى «الإنترو» الذى صدر به القائمون على مسابقة «دولة الشعر المصرية» موقعهم الإلكترونى، نجد حديثًا فضفاضًا وعريضًا عن «إعادة الاعتبار للقصيدة الأصيلة»، لكن دون أن يذكر من كتب هذا الكلام، ما هو شكل «القصيدة الأصيلة» التى يروج لها.
فهل يقصد أن «القصيدة الأصيلة» هى النصوص التى تشبه قصائد القدماء منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة مثلًا؟ أم هى القصيدة على نمط الأناشيد الوعظية والإرشادية فى الكتب المدرسية؟ أم هى القصيدة ذات «الاستايل المسابقاتى» التى أصبحت نمطًا ثابتًا فى برامج وجوائز الشعر الإقليمية؟!
هذه الأسئلة كان يجب أن يجيب عليها القائمون على تلك المسابقة، لكن من هم أساسًا القائمون عليها؟!
الإجابة نعرفها بـ«اسكرول» قصير داخل الموقع الإلكترونى لها، فنجد أسماء وصور ٣ من الأشخاص، تم تصدير وصف «الشاعر» قبل أسمائهم، وتم وضعهم فى خانة باعتبارهم مطلقى المسابقة ومحكّميها فى نفس الوقت!
لكن المثير للدهشة أن جميعهم أشخاص مجهولون، تبدو على بعضهم مظاهر السمت الدينى، ورغم حضورهم على الفضاء الإلكترونى، وهو فضاء يستطيع أى إنسان تحقيق الحضور عليه، ليس لهم أى ذكر أو منجز معروف أو مشاركة فاعلة وملموسة داخل الوسط والمؤسسات الشعرية المصرية، ما يعكس عدم خبرتهم فى التعامل مع مثل هذه الفعاليات الثقافية، فضلًا عن عدم امتلاكهم المعرفة والدراية التى تؤهلهم لتحكيم مسابقات الشعر.
يقول القائمون على الجائزة فى «التعريف»: «تنطلق المسابقة من إيمان عميق بأن مصر كانت ولا تزال من أعرق منابع الشعر والأدب، وأن واجب الوقت هو إبراز الشعراء الحقيقيين، وتقديم قصائدهم للجمهور، وصناعة زخم شعرى جاد يليق باسم مصر».

فهل هناك أجمل من ذلك التعريف؟ بالقطع لا. لكن هل مصر التى كانت ولا تزال من أعرق منابع الشعر، يمكن اختزال واقعها الشعرى فى قصيدة عمودية ذات نزعة محافظة ربما تخفى وراءها الكثير من الأفكار المنغلقة؟
ويبدو أن القائمين على تلك المسابقة التى تحمل اسم «دولة الشعر المصرية»، وتطلق من مصر ويعيش القائمون عليها على أرض مصر، لا يعرفون أن هناك فى مصر ما يسمى بـ«شعر العامية المصرية»، فلم يأتوا على أى ذكر له وكأن ذلك اللون الشعرى الذى شكّل أحد أبرز ملامح الهوية الأدبية الحديثة، وأسهم فى صياغة وجدان أجيال كاملة، غير موجود أصلًا أو كأنه لا يستحق الاعتراف.
فإذا شاء شاعر من «بلد الأهرامات» أن يتقدم بقصيدة مكتوبة بلغة شعبه، فإن أصحاب المسابقة سوف يمزقون الورقة المكتوبة عليها القصيدة ويرمونها فى أقرب سلة قمامة، تنفيذًا لشرطهم الصارم والمتعالى: «أن تكون قصيدة عمودية ولن يُنظر إلى غير ذلك!».
فهل هذه بوادر مشروع يُفترض أن يفتح أبواب الإبداع أمام الجميع؟ أم هو آلية إقصاء تُعيد إنتاج رؤية ضيقة للشعر، وتغلق الباب أمام التنوع والحداثة والانفتاح، وهل نحن أمام جهد حقيقى لإحياء الشعر الفصيح كما يقول القائمون على المسابقة، أم محاولة لإعادة إنتاج «سلفية أدبية» تحصر الشعر فى قوالب قديمة وتقصى كل ما هو جديد؟


على غرار المثل الشعبى القائل: «الجنازة حارة»، انتظر الشعراء أن يعرفوا قيمة الجائزة أو الثمرة الجميلة التى سيتم قطفها بعض كل هذه الضجة والكلام الفضفاض والعناوين العريضة التى صدرها القائمون على مسابقة «دولة الشعر المصرية»، فإذ بهم يُفاجأون بأن الفائز بالمركز الأول فى تلك المسابقة سيحصل على ٥ آلاف جنيه مصرى فقط لا غير.
فهل كل هذه الضجة والإعلانات التى يبدو أنها «ممولة» والموقع الإلكترونى الذى يتكلف تصميمه وإطلاقه مبالغ ليست قليلة، وينتهى الأمر إلى أن تكون قيمة الجائزة ٥ آلاف جنيه للمركز الأول، و٣ آلاف جنيه للمركز الثانى و٢٠٠٠ جنيه للمركز الثالث؟!
ردود الفعل على موقع التواصل الاجتماعى جاءت ساخرة ومتهكمة، ففى منشور على صفحته بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، علق الشاعر أحمد عايد على إعلان المسابقة وقيمة الجائزة، قائلًا: «المركز الأول ٥ آلاف جنيه.. مش محصلين تمن البدلة اللى يروح الشاعر يستلم بيها الجايزة»! ويضيف ساخرًا «ولكن الشعر (لا بواكى) له».
ويقول «عايد»، إنه فى الوقت الذى تتنافس فيه الدول العربية والأفراد العرب الأغنياء لإبراز سخائهم فى رعاية الأدب والشِّعر، تطلُّ علينا تلك الجائزة بأعجب من العجب، واصفًا إياها بـ«جائزة مجهولةٌ بلجنة تحكيم صغيرة السن لا تعرفها أحد ولا خبرة لها فى الشِّعر، فضلًا عن تحكيمه».

ويضيف: «لعلَّ الناس فى أزماننا نسوا أغراض الجوائز، فأحد أغراض الجوائز هو إشباع الفائز ماديًّا ليتفرَّغ لإبداعه.. ولا أدرى كيف سيُشبع الشاعر ماديًّا بـ٥ آلاف جنيه مصرية؟ فى الوقت الذى تعلن فيه إحدى الدول الشقيقة جائزة على قصيدة لا تزيد على ٣٠ بيتًا، والفائز الأول يحصل على ١٥ ألف دولار.. وفائز جائزة (دولة الشِّعر المصريَّة) لا بد أن يكتب قصيدة لا تقل عن ٣٠ بيتًا ويكسب ١٠٠ دولار.. قد يحصل على أكثر منها إن نشر القصيدة فى مجلة مرموقة».
ويصف ما يحدث بأنه «عبثٌ يدلٌّ على عدم فهم قيمة الشِّعر، وقلة تقدير للمبدع»، رافضًا الأعذار التى يسوقها البعض بقولهم «أصلها جائزة بجهود شخصية»، قائلًا: «تريدُ أن تعطى قليلًا، أعطه باسمك؛ لا باسم مصر العظيمة التى يسرى الشِّعر على لسان أبنائها كما يسرى الهواء فى الفضاء، والتى ترعرع الشّعر فيها على ضفاف النيل منذ الحضارة المصرية القديمة».
وينتقد «عايد» شروط المسابقة، متسائلًا: «ما هذه الشروط العجيبة! ولماذا حصر الجائزة فى القصيدة العمودية فقط؟ أين قصيدة التفعيلة؟ وقصيدة النثر؟ لماذا هذا الإقصاء لشرائح كبيرة من الشعراء؟!».
أما الشاعر وسام دراز، فكتب على صفحته بـ«فيس بوك» ساخرًا: «بمناسبة المسابقات اللى بـ٥ جنيه دى.. أنا أقترح نعمل مسابقة ونسميها (الجمعية) الشاعر اللى يشارك يدفع مبلغ صغير.. وكل شهر يقبضها واحد.. واللى قبض مرة ما يفوزش تانى لحد ما الكل يفوز مرة. لو موافقين أنا أول واحد هيشارك، بس بشرط أقبضها أول شهر».


بالتأكيد لا نستهدف هنا نسف أى مبادرات شبابية إبداعية، وربما يتسامح البعض مع الهدف الأسمى الذى تسعى إليه تلك المسابقة، ويعتبر أن هذه المحاولة بريئة لوجه الشعر وليست لأهداف تسويقية أو دعاية، وأنها تريد أن تعيد المجد للقصيدة الفصيحة وتعيد القيمة للبلاغة والجزالة وغير ذلك، لكن ألم يكن عليهم أن يتريثوا قليلًا قبل إطلاق العبارات الكبرى مثل «دولة الشعر المصرية».
فعنوان «دولة الشعر المصرية» المقتبس من مصطلح «دولة التلاوة المصرية» الذى طالما أطلق على مصر التى تمتاز بمجد وبتاريخ متألق وتفرد غير مسبوق فى قراءة القرآن الكريم، هو عنوان عريض كان يجب أن تعد له العدة بما يليق بمصر وتاريخها وتنوعها.
ولا يمكن فصل تلك الجرأة فى إطلاق العناوين الكبير عن حالة السيولة الثقافية التى أصابت الثقافة المصرية، والناتجة عن فوضى مواقع التواصل الاجتماعى، وفوضى النشر لـ«كل من هب ودب»، وصناعة وتكريس شخصيات و«براندات» إبداعية لا تمتلئ إلا بالهواء.
ودعونا نتذكر الظواهر التى لاحظناها فى بعض معارض الكتب، حيث الدعاية الرهيبة التى كانت تكرس للكتب والروايات المزعومة التى ينتجها «الإنفلونسرز» و«البلوجرز» وتجتذب جماهير غفيرة من الشباب الصغير، فى ظل غياب الفرز والنقد الحقيقى الذى يوجه الجمهور.

كذلك لا يمكن إغفال طغيان الأفكار السلفية فى الأدب على عقول شرائح ليست قليلة من الشباب الراغب فى أن يكون له حضور إبداعى، وهى أفكار تطفو على السطح ويتم اكتشافها من وقت لآخر خلال أى نقاشات حول الحداثة والكتابة الجديدة وتطوير الأشكال والأنماط الأدبية.
فإذا أردت أن تتعرف على شعراء «السلفية الأدبية» فى أى نقاش، ستجدهم على سبيل المثال يكرهون ويهاجمون كل ما يمت للحداثة الشعرية بصلة، فأدونيس بالنسبة لهم مجدف وليس شاعرًا، وقصيدة النثر لديهم مجرد خواطر وليس لها أية علاقة بالشعر، وكُتابها يكتبونها لأنهم لا يتقنون الأوزان الشعرية ولا يفقهون شيئًا فى النحو والصرف!
يتعامل شعراء «السلفية الأدبية» مع علم العروض «الأوزان الشعرية» الذى وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدى على أنه «مقدس»، وأى قصيدة ليست مكتوبة على أوزان «الخليل»، تافهة وصاحبها مارق مُعادٍ للتراث العربى والإسلامى.
وهم أيضًا يرتزقون من وراء ذلك، فتجدهم يقيمون دورات تدريبية فى «علم العروض»، يستدرجون بها الناشئة والشعراء المبتدئين الباحثين عن حضور إبداعى، ويدرسونه بطريقة «مشايخيّة» على طريقة تدريس «الأحكام الفقهية» فى الجوامع.
شعراء «السلفية الأدبية» يلقبون أنفسهم حتى على مواقع التواصل الاجتماعى بـ«أبوفلان» و«أبوعلان» و«أبوترتان»، على غرار الألقاب البدوية القديمة، ويمتلكون جرأة يحسدون عليها، ولديهم قدرة على اتهام المخالفين وذبح أرواحهم المعنوية بأسوء الكلمات والتعليقات الصفراء.
شعراء «السلفية الأدبية» يزعمون أنهم محاربون ويضحون بالغالى والنفيس من أجل الذود عن حياض التراث واللغة العربية والشعر الأصيل، بينما يعيشون فى الحقيقة داخل بالونة كبيرة من الأوهام والانغلاق الفكرى والثقافى.
ولا يمكن فصل تلك «السلفية الأدبية» عن «التمويل» الإقليمى الذى يكرس لتلك الأفكار عن طريق المسابقات والجوائز ذات القيم المالية الضخمة، والتى تمثل من جهة ترويجًا ودعاية لأنماط إبداعية قديمة وجماليات منتهية وبائدة، ومن جهة أخرى تحاول انتزاع المركزية الثقافية من بلد طالما عرف بالتنوع والحداثة الإبداعية والجمالية.







