من يدفع للزمار؟!.. جوائز «رجال الأعمال» تُفجّر الوسط الشعرى: قصائد مدفوعة.. واقتتال بين «العمودى» و«النثر»
- أنصار «النثر» يعتبرون «العمودى» قصيدة منتهية الصلاحية
- شعراء «القصيدة الخليلية» يرون «النثر» مجرد خواطر
- جوائز إقليمية تكرس للقصيدة العمودية باعتبارها النمط الشعرى الوحيد
من كان يتصور أن يتحول «الشعر» فى مصر فى يوم من الأيام إلى «ترند»؟ هذه حقيقة نشاهدها رأى العين بعد أكثر من أسبوعين كاملين من الجدل الذى أثاره رجل الأعمال والشاعر السعودى عبدالله باشراحيل بتصريحاته الهجومية تجاه الحداثة، وتجاه الشعراء محمود درويش وأدونيس وبدر شاكر السياب، ثم اندلاع جدل آخر مُضاد يتهم القصيدة العمودية بالتراجع وانتهاء الصلاحية.
هذا الانفجار الكبير الذى ضرب الوسط الشعرى المصرى، هو الأول من نوعه ربما منذ عقود طويلة بشكل يستعيد حالة السخونة التى كانت تتطور لمعارك أدبية كبرى فى عهود سابقة نتذكر معها معارك عباس محمود العقاد تجاه قصيدة التفعيلة ومعارك أحمد عبدالمعطى تجاه قصيدة النثر، وجدل «زمن الرواية» الذى أثاره جابر عصفور، وحراكات مثمرة أخرى طالما أثرت الواقع الأدبى المصرى. لكن الجدل هذه المرة تصاعد ليصل إلى حالة تجييش كبيرة بين «فسطاطين» من الشعراء الذى اختلفوا حول القضايا المثارة، خاصة «الخناقة» حول قصيدتى النثر والعمودى، فصار كل منهم يعدّد أسماء رموزه على طريقة «كنا وبنى عبد مناف كفرسىْ رهان»، وصار كلٌّ من الطرفين يضرب فى القيمة الجمالية للنمط الشعرى الخاص بالآخر.
فما الذى يحدث فى الوسط الشعرى؟ وكيف يمكن تحويل هذا الحراك الكبير إلى «جعجعة بطحين» على خلاف المثل الشائع؟!


البداية كانت مع التصريحات المثيرة للجدل التى أطلقها رجل الأعمال السعودى عبدالله محمد باشراحيل، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعى بلقب «الشاعر الكندى»، حيث انتقص فى منشور له، من منجز ٣ من أبرز رموز الشعرية العربية الحديثة، محمود درويش، وأدونيس، وبدر شاكر السياب، واصفًا إياهم بأقدح الألفاظ، واعتبر أن تجاربهم تنتمى إلى حداثة «تؤذن بالأفول» ولا قيمة لها بسبب ارتباطها بالنظريات الغربية، حسب ادعائه.
تصريحات «باشراحيل» الذى أطلق فى مصر قبل سنوات جائزة شعرية تحمل اسم والديه، فجّرت موجة واسعة من الجدل بين شعراء ومثقفين مصريين وعربًا، الذين رأوا فيها مغالطات جسيمة وتجرؤوا على قامات أسست للشعر العربى الحديث، واعتبروا أنها محاولة لإعادة الكتابة الشعرية إلى عصور قديمة وترسيخ قيم رجعية جديدة تهدد القصيدة المعاصرة.
وأعاد ذلك الجدل النقاش حول قضية الجوائز الأدبية، فبينما يرى البعض أن الجوائز تمنح الاعتراف والشرعية وتكرّس أسماء بعينها فى المشهد، يذهب آخرون إلى أنها تحولت إلى «صُرّة دنانير» تُوزع وفق حسابات مؤسسية أو علاقات شخصية، أكثر مما تُمنح على أساس القيمة الفنية الخالصة.
كما يرى البعض أن الجوائز الإقليمية بكل عام، تحولت إلى جزء من معركة النفوذ الشعرى، وأداة لصناعة النجومية ووسيلة لتثبيت اتجاه شعرى على حساب آخر، وهو ما يحدث منذ عقود عبر ترويج المسابقات فى الدول المحيطة للقصيدة العمودية دون غيرها، فتكرس لها المبالغ المجزية والبرامج الدعائية الكبرى بهدف صناعة مركزية ثقافية تسير بالتوازى مع المركزية الثقافية المصرية أو ربما تحاول أن تحتل مكانها.
هذا الجدل حول الجوائز يعكس فى جوهره أزمة أوسع حول علاقة الشعر بالتمويل والشرعية، فإذا كان «الزمّار» لا يعزف إلا لمن يدفع، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا الآن، هو من يحدد إيقاع الشعر المصرى اليوم؟ المؤسسات الرسمية؟ أم الجوائز العربية؟ أم الجمهور الذى يختار نصوصه عبر منصات التواصل وفق معيار الأسهل والأكثر شهرة؟
لا توجد إجابة نموذجية لتلك الأسئلة، لكن لا أحد يغفل دور «التمويل»، خاصة إذا كان أصحاب الجوائز من رجالات الأعمال الذين يأسسونها بأغراض الدعاية والحضور الثقافى، وهو أمر ليس عيبًا إطلاقًا بشرط أن يكون لوجه الفن وحده وألا ينتقص من قيمته أو من قيمة أى إنسان.
والأغرب فى جائزة الشاعر عبدالله باشراحيل الذى هاجم القصيدة الحديثة بكل هذه الضراوة، أن قائمة الفائزين فى دورتها الأخيرة احتوت على تجارب حقيقية وثقيلة من قصيدة النثر ومن قصائد العامية المصرية وغيرها، وهو ما يحتجّ به البعض بأن الرجل لا يتدخل فى نتائج تحكيم مسابقته.
لكن وبمنطق «أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب»، نجد الشاعر باشراحيل يطعن فى ٣ من رموز الشعر بأقدح الألفاظ، فيقول فى منشوره المثير للجدل: «وسلم لى على حداثة أدونيس ودرويش والسياب التى تؤذن بالأفول إلا قلة من شعر السياب احترمها، أما الباقون الذين ذكرت فيهم من الحثالات أو الجراثيم المتسكعين على أبواب الشعر لأن إيمانهم بنظريات الغرب أطاحت بهم كشعراء ونصوصهم الفارغة من القضية ومعاجمهم التى عكفوا عليها هى كلمات وأحاجى وألغاز ما أتى بها الشعر بسلطان».
والأغرب فى قضية «باشراحيل»، أن كثيرًا من الشعراء الذين هاجوا وماجوا بسبب تصريحاته المهاجمة للقصيدة الحديثة والتى تحمل تطاولًا فجًّا تجاه ٣ من شعرائها الكبار، هم فى الأصل «نجوم» فى مسابقات أخرى ربما تحتقر بالمثل القصيدة الحديثة وتنزع عنها الشعرية وترفض الأعمال المقدمة إليها من تلك الأنماط، ولا تقبل إلا بالقصيدة العمودية فى شكلها وصيغتها العكاظية القديمة، حيث كان الشاعر يلقيها ويحصل مقابلها على «صرة من الدنانير»!.
وفيما كشفت أزمة «باشراحيل» عن عودة ظاهرة «المديح»، أيضًا على طريقتها القديمة التى كان فيها الشاعر يمدح الأمير أو الرجل الثرى، لـ«ذهبه» أو لـ«سيفه» أو حتى «محبته» كما يسميها بعض المادحين الآن، تُعيد القضية طرح سؤال: أليس بعض المهاجمين لتلك الظاهرة هم أيضًا «نجوم» فى «مسابقات المديح الإقليمية»، سواء فى مدح بعض الرموز التراثية والتاريخية أو مدح رموز حسية مثل «النخلة والشجرة» وغير ذلك من الأشياء؟!


يمكن اعتبار الاشتباك بين أنصار القصيدة العمودية وأنصار قصيدة النثر، انعكاس لتشابك عوامل فكرية واقتصادية وثقافية أعمق، حيث يلاحظ من يتابع المشهد الشعرى العربى أن كثيرًا من الأصوات التى تهاجم قصيدة النثر وتدافع عن «العمودى»، تستند فى جوهرها إلى أفكار سلفية ترى أن الشعر لا يكون شعرًا إلا إذا التزم بالوزن والقافية، وأن أى خروج عن هذا الإطار هو تهديد للهوية الثقافية و«تفريط» فى التراث.
وتتغذى هذه الرؤية على نزعة محافظة تحاول أن تُبقى الشعر فى قوالب قديمة، وتتعامل مع التجديد باعتباره خطرًا أو حتى تجديفًا، لا فرصة للتطوير والتحديث والانطلاق نحو آفاق أكثر رحابة واختلافًا.
لكن هذا البعد الفكرى لا ينفصل عن البعد الاقتصادى الذى لعب دورًا كبيرًا فى تأجيج الجدل، فالجوائز الأدبية الإقليمية، خاصة تلك التى تُنظم فى بعض الدول الشقيقة، ساهمت فى ترسيخ مركزية القصيدة العمودية عبر تخصيص مبالغ مالية ضخمة لها، وتقديمها فى صورة «المعيار الأصيل» للشعر العربى.

ولم تكتف هذه الجوائز بالتكريم، إنما صنعت نجومية كاملة لـ«شعراء العمودى»، وروّجت لهم عبر منصات إعلامية واسعة، ما أدى إلى تغيير تدريجى فى ذائقة القراء الذين انجذبوا إلى ما يُسوّق لهم باعتباره «الشعر الحقيقى»، وما دون ذلك خواطر وكلام نثرى لا يرقى لمستوى الشعر.
فى المقابل، وجد كثير من الشعراء الشباب أنفسهم أمام خيار صعب، فإما الاستمرار فى كتابة قصيدة النثر أو حتى «التفعيلة» التى تعبر عن روح العصر وتجاربهم الذاتية، مع إدراك محدودية فرصهم فى الحصول على دعم أو اعتراف مؤسسى، أو التحول إلى كتابة «العمودى» بحثًا عن الجوائز والمال والوجاهة، ومع الضغوط الاقتصادية التى يعيشها المثقف العربى، أصبح الميل إلى «العمودى» ليس خيارًا فنيًا فقط، بقدر ما هو خيار معيشى يضمن للشاعر دخلًا وفرصًا للظهور.

هذا التداخل بين أثر الفكر السلفى والجوائز الإقليمية خلق حالة من التجييش الشعرى، حيث صار النقاش حول «العمودى» و«النثر» معركة هوية أكثر منه نقاشًا نقديًا، فيستحضر أنصار القصيدة الخليلية رموزهم ويهاجمون «النثر» باعتباره «تفريطًا»، بينما أنصار «النثر» يرون أن «العمود» فقد حيويته وأصبح مجرد تكرار للماضى، وبين الطرفين، يقف الشعر العربى حائرًا وسط سؤال مهم، وهو هل يمكن للقصيدة أن تتحرر من هذه الثنائية وتبحث عن جوهرها الفنى بعيدًا عن الاصطفافات؟!
وربما تكشف الأزمة الراهنة أن الشعر العربى يعيش الآن أكبر عملية ضغط مزدوج فى تاريخه، ما بين الأفكار المحافظة التى ترفض التجديد، وضغط «الاقتصاد الثقافى» الذى يوجّه الذائقة عبر الجوائز والتمويل، فإذا كان «الزمار لا يعزف إلا لمن يدفع»، فإن إيقاع الشعر اليوم تحدده البرامج الدعائية والجوائز أكثر مما تحدده النصوص ذاتها.
لكن رغم ذلك، يمكن تحويل هذا الجدل إلى فرصة، فبدلًا من الاكتفاء بـ«الجعجعة»، يمكن أن يكون النقاش حول «العمودى» و«النثر» مدخلًا لإعادة التفكير فى علاقة الشعر بالواقع، وفى كيفية تطوير الذائقة لتستوعب أشكالًا متعددة، لا أن تنحصر فى شكل واحد، وأن تسلك القصيدة مسارًا حرًا ومختلفًا بعيدًا عن الحرب بين ثنائية «النثر» و«العمودى»، بشكل تستعيد معه القارئ الذى انصرف بشكل شبه كلى عن الشعر تجاه أشكال أدبية أخرى.


فى كل مرة يندلع فيها جدل بين أنصار القصيدة العمودية وأنصار قصيدة النثر أو أى جدل أدبى بشكل عام، يظهر من يسعى إلى تسفيه هذا الاشتباك، واعتباره مجرد ضجيج فارغ لا قيمة له، لكن الحقيقة أن هذا الجدل بكل ما فيه من حدة وتجييش، هو فى جوهره ظاهرة صحية ينبغى أن تستمر، لأنه يعيد الشعر إلى واجهة النقاش الثقافى، ويمنح الشعراء فرصة لإيصال أصواتهم إلى جمهور انصرف عن الشعر منذ سنوات طويلة.
ولا يمكن اعتبار الاشتباك الحالى خلافًا حول الشكل الفنى وفقط، بقدر ما يمكن أن نعتبره معركة أدبية ربما تستعيد مجد المعارك الكبرى التى عرفها الوسط الثقافى المصرى والعربى فى القرن الماضى، وشهدت سجالات للكبار مثل طه حسين ومحمود شاكر ولويس عوض وغيرهم، وهى معارك كانت وقودًا لتجديد الفكر الأدبى وإعادة تشكيل الذائقة، ودفعت الشعراء إلى البحث عن جوهر الشعر بدلًا من الاكتفاء بالشكل.
ويمكن أن يكون الجدل الحالى حول «العمودى» و«النثر» امتدادًا لهذه الحيوية، إذا ما أُعيد توجيهه نحو تطوير النصوص والوعى النقدى، وتنشيط الواقع الثقافى، وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية، مثل ما الذى يجعل الشعر شعرًا؟ وكيف يمكن أن يعبر عن قضايا الناس وهمومهم؟ وكيف يمكن أن يوازن بين التراث والتجديد؟ حتى لا يظل الشعر مجرد تكرار لأشكال وجماليات الماضى دون تجريب أو بوصلة للتحديث.
والأهم أن يكون هذا الجدل وسيلة لتنقية وعى الأجيال الجديدة من الشعراء، بحيث لا يكرسون مواهبهم فى مطاردة الجوائز الإقليمية التى غالبًا ما تفرض شروطًا شكلية وتكرّس للقصيدة العمودية وحدها، وإنما يلتفتون إلى تجاربهم الذاتية ويبحثون عن لغة جديدة أكثر صدقًا وعمقًا، خاصة بعدما أسهمت المسابقات الإقليمية رغم ما تقدمه من دعم مالى، فى تغيير ذائقة القراء ودفع كثير من الشعراء الموهوبين إلى كتابة نصوص تستجيب لمعاييرها فقط بدلًا من الانشغال بتجاربهم الأصيلة.

ورغم أنه لا يمكن لأحد أن ينكر ما يعيشه المثقف العربى بشكل عام من ظروف ضاغطة، لكن ذلك ليس مبررًا للتنازل عن جوهر الشعر، فالشاعر الحقيقى هو الذى يوازن بين حاجته المعيشية وبين تجربته وصدقه الفنى، ويبحث عن طرق جديدة للحصول على التقدير وإيصال صوته إلى الجمهور بشكل لا يهدم الطبيعة الفنية للشعر ذاته.
فهل يمكننا تحويل الجدل حول «العمودى» و«النثر» إلى «جعجعة بطحين»؟ أظن أنه يمكن ذلك، إذا تعاملنا مع ذلك الضجيج على أنه شىء مثمر يفتح الطريق أمام تطوير الشعر العربى عامة، والشعر المصرى خاصة.
وإذا تعاملنا معه على أنه ليس معركة عبثية، بل فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة بين النص والقارئ، وإذا نجحنا فى تحويل هذا الاشتباك إلى نقاش نقدى مُنتج، حينها يمكن أن تكون المردود فى النهاية، شعرًا أكثر حيوية وقدرة على التعبير عن قضايا الناس وهمومهم بعيدًا عن سطوة المال وضيق الأفق السلفى.







