الأحد 19 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

قصائد النجيب.. نادى قراء محفوظ السرى: «شاعر متخفى»!

حرف

- تيد هيوز أمير شعراء بريطانيا قال عنه: «أجزم أنه شاعر خفى»

- التدفق الشعرى الهائل يوحى بأن وراء كتابته روح شاعرية محلقة

ربما لم ولن تتوقف البشرية يومًا عن مواصلة دراسة واستكشاف ما يضمه تراث العظيم نجيب محفوظ، من أسرار وأفكار وكتابة لا تُسبر أغوارها مهما تعاقبت عليها الأزمنة.

واستجلاء هذه الأسرار ليس «كيمياء» تحتاج إلى معامل وتجارب، ويكفى فقط مواصلة قراءة أعماله بتدقيق وتمعن، لتمنح كل قراءة قارئها كنوزًا جديدة فى كل مرة، وتطلعه على تفاصيل لم ينتبه إليها فى مطالعته الأولى.

من أجل ذلك، فكرت فى خوض مغامرة جديدة مع نجيب محفوظ، تتمثل فى إعادة قراءة أعماله بترتيب زمنى بتاريخ الصدور، منذ بداية الثلاثينات التى شهدت نشر ترجمته لكتاب «مصر القديمة» للكاتب جيمس بيكى، وروايته «عبث الأقدار»، وانتهاء بمنتصف الألفية الأولى حيث «أحلام فترة النقاهة» عام 2004.

 

القراءة الزمنية لـ«محفوظ»، منحتنى حالة تذوق مختلف لكتابته، فصرت أشعر بالاختلافات وحركة التطور من ناحية اللغة وطريقة صياغة الجملة ورسم الشخصيات وصناعة الحبكات وطبيعة الأفكار وغير ذلك من الآليات الفنية.

غير أن أبرز ملمح تذوقته فى تلك التجربة، كان جانبًا لافتًا ورئيسيًا فى أعمال «محفوظ»، وهو التدفق الشعرى الهائل الذى ينساب من كتابته، بشكل يوحى بأن وراء تلك الكتابة روح شاعرية محلقة، وأنه إن لم يكن ذلك الإنسان الاستثنائى روائيًا عظيمًا لكان بالطبع شاعرًا عظيمًا.

والأغرب أننى حين تحدثت عن هذه الفكرة مع دائرة الأصدقاء من قراء «محفوظ» المحترفين، والذين خاض أغلبهم مغامرة القراءة الزمنية لأعماله، اكتشفت أن جميعهم تذوقوا ذلك الملمح وأحسوا به يغمر قلوبهم وعقولهم فى أثناء القراءة.

فكيف طعّم «محفوظ» كتاباته بالشعر الخام، وكيف تذوق من يمكن وصفهم بـ«نادى قراء محفوظ» تلك الشاعرية الخاصة؟!

 

يكمن الشعر فى كتابة نجيب محفوظ فى الإيقاع الداخلى الذى يصوغ به جملته السردية، وهو إيقاع خفى لكنه حاضر بقوة، يشبه إلى حد بعيد الإيقاعات التى يتذوقها القارئ فى قصيدة النثر الجادة، فيمنح النص موسيقى داخلية تجعل القراءة تجربة وجدانية وليست مجرد متابعة للحكى وللأحداث.

كما أن لغة «محفوظ» مغلّفة بغلاف شفاف وراقٍ، يضفى على المفردة والتركيب وقعًا خاصًا، فلا تمر الكلمة مرورًا عابرًا على عقل القارئ، إنما تخطف انتباهه منذ المطالعة الأولى، وتعيد توجيهه نحو المعنى الأعمق الذى يقصده المؤلف، وهذه القدرة على شحن اللغة بطاقة وجدانية تجعل نصوصه أقرب إلى نصوص شعرية متخفية فى ثوب الرواية.

وإذا تأملنا تصويره للمكان والشخصيات، نجد أن الأزقة والمقاهى والبيوت القديمة تتحول بين يديه إلى تكوينات أو لوحات شعرية حقيقية، وأن الشخصيات تتحرك فى النص كما لو كانت صورًا متجسدة، وأتصور أن تلك الجمل لو كتبت فى صورة أسطر شعرية لما فرقها القارئ عن أى قصيدة.

دعونى أحيلكم مثلًا إلى تصوير «محفوظ» لإحدى المقاهى التى كان يجلس عليها «كمال» بطل رواية «قصر الشوق»، واسمحوا لى أن أكتب تلك الفقرة فى صورة أسطر شعرية:

«بدا المقهى المدفون كجوف حيوان من الحيوانات المنقرضة

طُمر تحت ركام التاريخ إلا رأسه الكبير

تشبَّث بسطح الأرض فاغرًا فاه عن أنياب بارزة

على هيئة مدخل ذى سلَّم طويل

وثمة فى الداخل صحن واسع مربَّع الشكل

مبلَّط بالبلاط المعصرانى

تتوسطه فسقية رصت على حافتها أصص القرنفل

أحدقت بها من الجهات الأربع أرائك فُرشت بالحصير المزركش والوسائد

أما جدرانه فقد انتظمتها مقاصير صغيرة الحجم مُتجاورة

كأن الواحد منها كهف منحوت فى الحائط

لا نافذة بها ولا باب لها».

هنا تظهر فقرة وصف المقهى كأنها قصيدة مستقلة بذاتها، تمتلك كل مكونات القصيدة من إيقاع داخلى وأوصاف مجازية وتراكيب شاعرية، تجعلنا نتأمل فى الآلية التى كان يكتب بها «نجيب»، فهل كان يعمل على المزج بين الأجناس الأدبية فى كتابته، أو على الأقل المزج العمدى بين الشعر والسرد.

فى منشورات كتاب «أبحاث مؤتمر أدباء مصر» عام ٢٠٠٨، يرى الناقد الدكتور محمود الضبع، أن «نظرية الأنواع الأدبية تراجعت بوصفها مدخلًا للتصنيف، يتم اعتماده للفصل بين جنس أدبى وجنس آخر، ولكن على المستوى التطبيقى لم تزل بعد –فى أدبنا العربى- قائمة، ولم يزل بعد البحث -نقديًا- يسعى لتأصيل مفهوم النوع، والبحث عن السمات الفارقة بين جنس وآخر».

ويتساءل «الضبع»: «هل استطاعت الأعمال الأدبية العربية بحق إحداث هذا التماهى بين ما هو شعرى وما هو نثرى؟ بمعنى اعتماد السرد بنية منظمة للنص شعريًا كان أم نثريًا؟ وإذا كان الأدب بعامة، أداته الأولى هى اللغة، فما الحدود الفاصلة بين لغة القص ولغة الشعر؟ وكيف تتحول البنى السردية لتنتقل من القص إلى الشعر، والعكس؟».

وإذا كان الدكتور الضبع يتساءل عن مدى تحقق الانصهار الكامل ووصول التداخل بين الأجناس إلى تجليه الأكبر فى عالمنا العربى قبل أن يحلل ذلك فى بقية الدراسة، فإن حديثه يأخذنا إلى حقيقة مفادها، أن نجيب محفوظ كان سابقًا لعصره، وأنه منذ كل هذه العقود الطويلة، كان واعيًا تمامًا إلى ما يفعله من مزج خلاق للغة الشعر فى البناء السردى، بما يحوّل الكتابة إلى قصائد مستترة فى ثوب روائى.

فى نادى «قراء محفوظ» تتنوع الرؤى والأفكار حول شِعرية «أديب نوبل»، فبين من يرى تلك الشعرية متجلية بشكل أكبر فى المجاز، يراها آخرون بأنها تتجلى أكثر فى التصوير البديع، وغيرهم يرونها فى القدرة على صناعة اللقطات والابتكارات اللغوية التى تصنع الدهشة وتثير فى العقل عواصف التفكير.

كرم منصور، الصحفى، وأحد أعضاء نادى «قراء محفوظ» المُخلصين، يرى أن البناء المُحكم والجمع بين الموهبة والصنعة فى تناغم نادر، وتسلسل الأحداث الرشيق، هو ما يكسب كتابة «نجيب» تلك السمة الشاعرية، فيعتقد أنه يجعل القارئ فى أثناء قراءته «يسمع ويرى»، وأن إثارة هذا الشعور الحسى يستدعى وصف صاحب «الحرافيش» بالعظمة والنبوغ والتفرد.

ينبهر «كرم» بقدرة «محفوظ» على استخدام تعبيرات يراها بسيطة جدًا، لكنها فى نفس الوقت قد تفوق تعبير البشر، وكأنها «فيض إلهى، ومدد ربانى، ونفحة لخاصة الخاصة!».

ويستشهد «كرم» ببعض مقاطع تمثل له لقطات غاية فى الشاعرية والكمال التعبيرى، منها: «إن قيام الساعة نفسها يطيب فى أحضان الحب»، وجملته «متى يجود بالراحة الرحمن؟!»، داعيًا القارئ إلى تأمل ذلك بهدوء وتدقيق.

وحين يقرأ كرم منصور أعمال «محفوظ»، يجد نفسه مأخوذًا بالنهايات المدهشة واللقطات التى تحمل طابعًا شعريًا خاصًا، ففى قصة «بيت سيئ السمعة»، يلفت انتباهه ذلك المشهد الأخير الذى ينطوى على مفارقة ساخرة، حين يحضر البطل الهاتف ليتصل على «حلاوة» ويسأل وهو يبتسم فى حالة من العبث، قائلًا: «بيت حلاوة؟ فيجيب الصوت بخشونة: لا يا سيدى... هنا محل الطمبلى لبيع الخيش».

بينما فى «حضرة المحترم»، يتوقف أمام النهاية التى تختزل رحلة العمر فى مطاردة سراب، حيث تمتزج السخرية بالأسى فى صورة شعرية مكثفة، حين يقول:

«ها هى نداءات الباعة تنذر باقتراب الشتاء

لعله من محاسن الصدف أن القبر الجديد

قد حاز رضاه تحت ضوء الشمس!»

ويشير «كرم» إلى أن «محفوظ» يمتلك قدرة فريدة على صياغة تعبيرات بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل عمقًا يتجاوز حدود اللغة اليومية، لتصبح أقرب إلى نفحات شعرية، مثل:

«الجو حر.. آمات الهواء؟!».

كما يستشهد بوصفه لـ«الجحيم الدنيوى»، فى قول: «سيدخل الجحيم قبل أن يدركه الموت!»، كما يبتسم وهو يقرأ قوله: «وقامت المرأة وهى تبتسم ابتسامة لا تُرى عادة إلا بالقلب».

كما يتحدث عن السخرية الواردة على لسان أحد أبطاله الساخرين خفيفى الظل، حين يقول: «أنت مغالط عزرائيل فى عمرك؟!».

ويسأل «كرم» القارئ: بالله عليك ألم تشم رائحة النعناع وأنت تقرأ قول «نجيب»:

«رأى عن قرب ساعدها السوية البضَّة

وكأنها هى التى تنفث رائحة النعناع»؟!

كما يدعو لتخيل شكل البطلة التى يصفها «نجيب» بقوله: «تكد بصبر النمل ودأبه»، وقوله: «ابنها حسنى لم يخلف وراءه إلا اسمه»، ويعيد سؤال القارئ: ألم تتنهد مع البطل «عثمان» وهو يقول فى أسى: «مسئوليات جسيمة؛ نحن أبناء الفقر، وهو يصر على مطاردتنا؟!».

ويتأمل ما يصفه بالسخرية الخام فى الجملة الحوارية التالية:

«وكم غاظه أن تعترف له مرة بأنها اشتركت فى مظاهرة!

فهتف محتدًا: مظاهرة؟!

– ما لك!..

_ نعم مظاهرة..

حتى هذا الدرب أحب الوطن يومًا ما!».

ويتساءل أيضًا هل رأى أى قارئ وصفًا أبلغ من ذلك للبخيل، مثل قول «نجيب»: «عرف للنقود وظيفةً غير التحنيط فى صندوق البريد».

ويخلص كرم منصور إلى أن هذه الأمثلة شواهد على شاعرية «محفوظ» الكامنة فى السرد، والتى تجعل القارئ يتذوق النصوص كما لو كان يقرأ قصيدة، ويشعر أن وراء كل عبارة روحًا شعرية محلّقة.

الشاعر عبيد عباس، قارئ مخلص آخر لنجيب محفوظ، يجد نفسه فى لحظة من الزمن مدينًا له باعتذار كبير.. فأى ذنب اقترفه ليكون مدينًا بذلك؟.

فى مقاله فى عدد يناير ٢٠٢٦ بمجلة «الثقافة الجديدة»، وتحت عنوان «اعتذار إلى نجيب محفوظ»، يقول عبيد عباس: «من عام أو أكثر، وبعد انتهائى من قراءة مشروع الأستاذ نجيب محفوظ كله والتى امتدت لأكثر من ستة شهور، باستثناء الثلاثية التاريخية الأولى، وجدتنى فى ذروة شعورى باللذة والانبهار، مدفوعًا إلى كتابة هذا المقال كاعتذار مُتأخّر لهذا الكاتب العظيم».

يكشف «عبيد» عن السبب فيقول: «هذا الاعتذار لأننى وجدتنى قبل هذه القراءة، قد عزفت عنه بل وحكمت عليه بأنه تقليدى وبأنه أقل من هؤلاء الروائيين العالميين الذين حصلوا على نوبل من غير أن أقرأ له سوى روايتين أو ثلاث».

ويُرجع ما وصفه بهذا الحكم الجاهل الجائر وقتها إلى «عقدة الخواجة»، قائلًا: «هذه العقدة القديمة التى تجعل كثيرين منا يظنون أن الأجنبى دائمًا هو الأفضل؛ وبناءً عليه فحصول محفوظ على نوبل مجرد ضربة حظ أو لأى سبب آخر سوى الإبداع، أما السبب الثانى، فهو أننى حينذاك، كنت مفتونًا بكتابة يوسف إدريس الذى وجّهنى غضبُه من حصول محفوظ على نوبل إلى غضب غير مبرّر وصل إلى حد التعصّب، يشبه وفق روايات محفوظ، تعصّب أحد أتباع الفتوّة ضد الفتوّة الآخر».

ويقول إن السبب الثالث هو السينما؛ لأن «مشاهدة أعمال الأستاذ محفوظ الروائية سينمائيًا قبل قراءتها جعلتنى أظن أن هذه الأفلام ترجمة بصرية للروايات، حتى اكتشفت أنها لا تمت إليها إلا بصلة سطحية، بل وأظن أنها قد أفسدتها فى بعض الأفلام كـ«أهل القمة، والسراب، والحب فوق هضبة الهرم» كنماذج».

ويقف «عبيد» عند نقطة يراها جوهرية فى منجز «نجيب» وهى الملمح الشعرى، فيقول: «قطعًا لا أملك ما أقوله، فى خضم ما قيل، عن هذا الكاتب الكبير سوى أننى لاحظت، وربما هو من المعلوم عنه نقديًا؛ أن الأستاذ فى كتابة الرواية مختلف عنه فى كتابة القصة القصيرة؛ ففى الرواية هو حكّاء واقعى منطقى عظيم، ولكنه فى القصة شاعر».

تيد هيوز
تيد هيوز

ويتابع: «أجد الشعر متجسدًا تجسدًا كاملًا فى الرواية والقصة القصيرة أكثر من الشعر، وعندما قرأت محفوظ صرخت، وكنت أصرخ دائمًا فى مواضع كثيرة: هذا هو الشعر! هذا هو الشاعر! ولم يدهشنى بعد ذلك أن أقرأ أن الشاعر الكبير «تيد هيوز»، أمير شعراء بريطانيا، قال عن محفوظ: إنى أكاد أجزم أن محفوظ شاعر خفى».

ويواصل: «ليس هذا فحسب، بل أنا أعتبر مسرحياته القليلة، المتناثرة فى مجموعاته القصصية والتى لم تلق الاهتمام الكافى، مسرحيات شعرية، مسرحيات شعرية غير موزونة، قياسًا مثلًا بمسرحيات شوقى التى نسميها مسرحيات شعرية وما هى إلا مسرحيات موزونة. هو نفسه قال: الأدب الذى لا يحاول أن يرتقى إلى مرتبة الشعر، حتى لو لم يكن منظومًا، ليس أدبًا».