الأحد 12 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الوجه الأسود لـ«هوليوود».. كيف أفسدت الأفلام الأمريكية كل شىء؟

حرف

- كتاب جديد: أعمال هوليوود جعلت من القتلة والنرجسيين قدوة

- قدمت نماذج مُضللة للهوية الجنسية وعبادة السلطة والنفوذ

- «مايكل كورليونى» و«هانيبال ليكتر» رمزان لـ«الانحطاط الجذاب»

صناعة الأفلام عملية إبداعية معقدة، ومن بين آلاف المحترفين المساهمين، هناك العشرات ممن يمكن أن تُشكّل إسهاماتهم تاريخًا راسخًا لهذا الفن.

النجوم والمخرجون العظماء هم عادةً الطريق إلى تاريخ السينما، لكن أدوار مديرى الاستديوهات والمنتجين ومصممى الأزياء، وملحنى الموسيقى التصويرية ومديرى التصوير والمحررين، تشكل أيضًا سرديات شيّقة.

 

قد يكون تاريخ جمهور السينما مثيرًا للاهتمام أيضًا، بدءًا من أولئك الذين يُفترض أنهم فروا مذعورين عندما اندفع قطار سريع مُصوّر نحوهم فى تسعينيات القرن الـ١٩، مرورًا بالمشاغبين الذين حطموا المقاعد فى دور السينما التى تعرض أفلام موسيقى «الروك أند رول» فى خمسينيات القرن الـ٢٠، وصولًا إلى الغناء الجماعى لفيلم «صوت الموسيقى». 

بل قد يكون هناك تاريخ لدور السينما نفسها، مثل سينما «جومونت» فى شيفيلد، و«فينيكس» فى أكسفورد، و«آرتس» فى كامبريدج، و«سكالا» فى كينجز كروس، حيث كان يضفى هدير قطارات الأنفاق هالة من الرهبة على الأفلام الكلاسيكية المعروضة. 

بشكل عام، هناك الكثير مما يمكن الكتابة عنه فى صناعة الأفلام، لكن أن يُصدر ديفيد تومسون، المؤلف والناقد والمؤرخ البريطانى الفريد من نوعه فى مجاله، الملقّب بـ«عميد مؤرخى السينما» و«أعظم كاتب سينمائى على قيد الحياة»، كتابًا جديدًا وهو فى عمر الـ٨٥ عامًا، فهذا يعطى انطباعًا مؤكدًا بأنه يجمع بين سعة المعرفة التى تتمتع بها الموسوعة المتحركة، وحكمة الرواية، وروح الدعابة اللاذعة. كما أن ذلك تتويج لمسيرته المهنية الممتدة لـ٥٠ عامًا من مشاهدة الأفلام والكتابة عنها، ومخالطة صُناع السينما.

الكتاب الجديد لديفيد تومسون صدر أمس الثلاثاء، الموافق ٧ يوليو الجارى، ويحمل عنوانًا مثيرًا للاهتمام هو «ومضة ضوء مفاجئة: تاريخ سينمائى مُنقّح»، والذى أصبح الأكثر مبيعًا على موقع «أمازون» فى فئة «تاريخ السينما ونقدها».

ويكشف «تومسون» فى كتابه الجديد كيف أفسدت الأفلام الأمريكية كل شىء فى العالم، متتبعًا قرنًا من سحر السينما، ومحللًا أعمالًا سينمائية كلاسيكية ومعاصرة، بدءًا من فيلم «متروبوليس» إلى «المواطن كين» و«العرّاب» وصولًا إلى «أنورا» الحائز على «الأوسكار».

الكتاب يُوزّع فى بريطانيا من خلال دار «آلان لين» المرموقة التابعة لمجموعة «بنجوين راندوم هاوس» ذائعة الصيت، التى تأسست عام ١٩٦٧، ومتخصصة فى نشر كتب غير روائية جادة ومؤثرة فى مجالات التاريخ والعلوم والسياسة والاقتصاد والفنون. بينما يُوزّع فى الولايات المتحدة من خلال دار «سايمون آند شوستر» الأمريكية، التى تعد إحدى أكبر دور النشر فى العالم.

غلاف الكتاب الموزّع من خلال «بنجوين راندوم هاوس» يضم صورة بالأبيض والأسود لدار سينما، مع ضوء كشّاف مُسلط على الجمهور، وهو قريب من مفهوم العنوان. أما غلاف «سايمون آند شوستر» فيحتوى على ٥ صور للنجم الهوليوودى مارلون براندو فى فيلم «العرّاب»، لنفس المشهد فى كل صورة، مع تغير جودتها حتى تصبح مشوشة، وهو ما قد يكون مغزاه أن السينما تنقلنا إلى عوالم أخرى، لكنها تغيرنا تغييرًا جذريًا، وتستدرجتنا إلى عالم خيالى زائف لا يشبه الواقع إلا ظاهريًا.

أنتوني هوبكنز
أنتوني هوبكنز

ويقدم المؤلف، من خلال الكتاب المهم الذى يضم بين دفتيه ٣٦٨ صفحة، تاريخًا شاملًا للأفلام الأمريكية، وقليلًا من الأفلام الأوروبية. 

وأثناء تتبعه تطور الفن السابع، يشيد بالأفلام العظيمة، لكنه يُقر بقلقه المتزايد حيال ما فعله هذا الفن بالمشاهدين حول العالم، من الترويج للخيال، ونماذج مُضللة للهوية الجنسية، وعبادة السلطة والنفوذ، وتمرير الأجندات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى أصبحت السينما أداة للدعاية فى يد صناع القرار، وسلاحًا يصب فى صالح الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ووسيلة سريعة لنشر المعلومات والأفكار المضللة، وتشجيع السلوك المعادى للآخر، مغذيةً مليارات المستهلكين بجرعات متواصلة من الأكاذيب.

ويحلل «تومسون» صناعة السينما من زوايا نظر متعددة، مُسلطًا الضوء على التأثير الملحوظ للأفلام على سلوكنا، ومستعرضًا ٥ عقود قضاها فى مشاهدة الأفلام، من خلال كتاب ملىء بالاسترجاعات والتحولات السردية.

وينزلق المؤلف فى حوار مع القارئ يتأرجح بين التلميحات والأسلوب الأكاديمى. يقول، مُقتبسًا من النجم روبرت دى نيرو فى فيلم «سائق التاكسى»: «أنا أتحدث إليك، وأنت الوحيد هنا. هل ما زلت تشاهد؟». يسأل القراء لاحقًا، مدركًا ندرة الانتباه فى عصر «نتفليكس».

لا يميل «تومسون» عادة إلى النميمة والحكايات المثيرة، لكنه يمتلك موهبة فى التكهنات الجريئة.

يُلمّح مثلًا إلى أن المخرج الصاعد رومان بولانسكى تم اختياره لإخراج فيلم «الحى الصينى»، من بطولة جاك نيكلسون وفاى دوناواى وجون هيوستن، لأنه كان شخصًا يستطيع أن ينظر إلى هذه الكوكبة الرائعة من النجوم ويقول لهم: «اذهبوا إلى الجحيم»!

وفى موضع آخر، يُطلق ادّعاءً صادمًا بأن كيرك دوجلاس اغتصب ناتالى وود عندما كانت مراهقة، مستندًا إلى مزاعم شقيقتها «لانا» ولا يخفى عشقه لمشاهدة الأفلام الأمريكية الجريئة مثل «امرأة جميلة». وهو صريح بشأن ما تُثيره هذه الأفلام، وما تُملّه، وما تُربكه، بل وتُثيره عاطفيًا.

وقد ينزعج البعض من بعض ما تناوله فى كتابه، مثل أن مارلين مونرو كان لديها سلاح واحد «أن الرجال أرادوا مضاجعتها»، وأن جوليا روبرتس استعانت بممثلة بديلة ذات صدر أكبر فى فيلم «امرأة جميلة» لأنها «لم تكن تتمتع بالقوام المثالى»، وأن جزءًا من متعته مع فيلم «أنورا» كان نابعًا من مشاهدة مايكى ماديسون وهى شبه عارية!

 ريتشارد جير وجوليا روبرتس “امرأة جميلة
 ريتشارد جير وجوليا روبرتس “امرأة جميلة"

يدرك «تومسون» أن الجنس هو جوهر صناعة الأفلام ومشاهدتها. يقارن التوتر الذى يسبق مشهد الاستحمام فى فيلم «سايكو» بحالة حبيب على وشك الدخول إلى حبيبته فى الحمام. ويعتقد أن المشهد الافتتاحى لفيلم «الفك المفترس»، حيث يخطف القرش الفتاة ويفترسها، هو أكثر المشاهد إثارة فى أعمال ستيفن سبيلبرج. كما يعتقد أن مارتن سكورسيزى، رغم ولعه بالعنف المروّع، نادرًا ما يتطرق إلى الحوارات الجنسية. 

ويحتفى المؤلف بالكلمة المكتوبة بقدر ما يحتفى بالصورة المتحركة، ويرى أن الفارق التقليدى بين الكتب والأفلام يكمن فى أن الأولى تشجعنا على قراءة ما بين السطور، بينما تُفضل الثانية التركيز على المعنى الضيق.

ويوضح تلك الفكرة بقوله: «يا لها من إثارة مثلًا عندما يترك فيلم مثل (بييرو المجنون)، للمخرج الفرنسى جان لوك جودار، مساحة للخيال، عندما يترك رجل (جان بول بلموندو) زوجته فى حفلة، ويعود إلى منزل جليسة الأطفال (آنا كارينا)، ويأخذها إلى شقة أخرى، ثم يستيقظان فى الصباح التالى عاريين فى السرير».

ويسلّط الكتاب الضوء على أفلام ومخرجين بارزين، أمثال فرانسيس فورد كوبولا وبول توماس أندرسون وأورسون ويلز، وكذلك على شخصيات سينمائية لا تُنسى، مثل «تشارلز فوستر كين» و«مايكل كورليونى» و«هانيبال ليكتر»، فى أفلام «المواطن كين» و«العراب» و«صمت الحملان»، الذين أصبحوا «رموزًا للانحطاط الجذاب»، مُلخّصًا إرثهم الجماعى المبهم فى قوله: «الكثير من العظمة، والكثير مما يُثير العار!».

وبالنسبة لمؤلف الكتاب، يتربع «كين» على رأس سلسلة من الرجال الطامحين للسلطة، والذين يعانون من مشاكل أخلاقية، واستطاعوا أن يهيمنوا على المخيلة الشعبية. ليس فقط «مايكل كورليونى» و«هانيبال ليكتر»، بل أيضًا أبطال التليفزيون المثيرين للجدل، مثل «تونى سوبرانو» و«والتر وايت» فى مسلسلىّ «آل سوبرانو» و«بريكنج باد»، ضمن قائمة تضم نخبة من أعظم أداءات الممثلين الذكور على الشاشة.

يقول ديفيد تومسون: «يمكن القول إن (العرّاب) هو الفيلم المحورى، إذ حقق كل ما يُفترض أن يحققه هذا الفن. نخبة من الممثلين الموهوبين الاستثنائيين».

ويضيف: «إلى جانب المخرج فرانسيس كوبولا، وطاقم الممثلين، الذى ضم مارلون براندو وآل باتشينو وجيمس كان وروبرت دوفال، ومجموعة من الممثلين المتميزين الآخرين، يدين الفيلم بمكانته فى تاريخ السينما لأشخاص مثل مدير الإنتاج دين تافولاريس، ومدير التصوير جوردون ويليس، ومصمم الصوت والمونتير والتر مورش».

ويواصل: «لقد حقق الفيلم نجاحًا باهرًا. فاز بجميع الجوائز، ومع ذلك، ما لا يُتحدث عنه كثيرًا هو مضمون الفيلم. بالنسبة لى، يتمحور الفيلم حول إقناع الرجال بأنهم يريدون الانضمام إلى العصابة والعائلة، وأنهم يرغبون فى ارتكاب الأفعال الشنيعة التى يرتكبها الرجال، وأنهم يريدون إقصاء النساء من حياتهم».

ويكمل: «استغلت السينما تحرير الرغبات الدفينة: قُد سيارتك بأقصى سرعة، حوّل منزلك المتواضع إلى قصر، تغلب على كل الأرواح الشريرة فى العالم، كن حرًا وجذابًا كالمتشرد، كل وضيع يمكن أن يكون كورليونى!».

«إذا كنا نمرّ بانحدار ثقافى وسياسى كبير، فهناك قائمة طويلة من الأشخاص والأماكن والأشياء التى يمكننا إلقاء اللوم عليها»، وفق «تومسون»، الذى يضيف: «لا شك أن السينما، الآن أكثر من أى وقت مضى، ليست سوى واحدة من بين العديد من الوسائل التكنولوجية التى تُغرينا بالانغماس فى الصراعات والعنف والانهيار الاجتماعى».

ورغم اعتراف المؤلف بعظمة الأفلام وفن السينما، لم يُخفِ مخاوفه الكبيرة من تأثيرها على السلوك، بالإضافة إلى استخدامها كأداة.

ويعتبر أن «الهواتف الذكية وخدمات البث، والذكاء الاصطناعى، والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، كلها أمور أوصلتنا إلى اللا مبالاة»، مضيفًا: «يا عزيزى، لا نبالى. طوال قرن من الزمان سادت المغالطة القائلة بأن المشاهدة ستجعلنا أفضل، بدلًا من أن تجعلنا غير مبالين فحسب». 

وعلى مدار نحو ١٣٠ عامًا من وجودها، استقطبت الأفلام الشكوك والقلق إلى جانب الدهشة والبهجة. وحسب «تومسون»، عملت الأفلام، خاصة الأمريكية، على تزييف التاريخ، وتمجيد العنف، وجعلت من المجرمين والنرجسيين والقتلة قدوة.

ويضيف: «أثرت هذه النتائج على حياتنا العامة»، واصفًا دونالد ترامب بأنه «هو رجل السينما»، قبل أن يشرح: «رئاسة ترامب، التى أراها كارثة، كانت متوقعة، بل وممكنة إلى حد ما بفضل هوليوود»، ثم يشير إلى أن «تأثرنا بالأفكار قد يكون كافيًا لتنصيب دكتاتوريين، ومحو جرائم ضد الإنسانية».

وربما ليس من المستغرب أن يختتم الفصل الأخير من الكتاب بعنوان «اصمتى يا خنزيرة»، وهى الإهانة التى وجهها الرئيس الأمريكى لمراسلة شبكة «بلومبرج»، كاثرين لوسى، عندما سألته على متن طائرة عن تفاصيل جديدة وردت فى وثائق جيفرى إبستين.. وفى الواقع، يُخصص الكتاب فقرات للحديث عن «الترامبية» وأنصارها.

وحلل «تومسون»، خلال الجزء الخاص بـ«ترامب» والسينما، شخصيات الأفلام التى اعترف الرئيس الأمريكى بإعجابه بها، بدءًا من «نورما ديزموند»، الشخصية الرئيسية التى لعبتها الممثلة جلوريا سوانسون فى فيلم «شارع صن ست»، معتبرًا أنها ربما تُشاركه براعته أمام الكاميرا فى «الانتقال من الرعب إلى الكوميديا العبثية فى جملة طويلة غير مُنظمة»، وصولًا إلى «الطاغية الوحيد» الذى جسّده أورسون ويلز فى فيلم «المواطن كين».

ولذلك كله يدعونا «تومسون» إلى التفكير مليًا فيما نشاهده ونبحث عنه تحديدًا، عندما نجلس منفردين فى الظلام، نُحدّق أو نُشهق فى اللقطات المقربة لنجوم جذابين، ونشاهد التجاوزات من مسافة آمنة، بعد أن سمحنا للسينما بأن تُغرينا بسهولة متزايدة.

ويؤكد «تومسون» أن الرقابة والمعايير المُقنّنة «جعلتنا مُغرمين بالجنس والعنف وجنون السلطة»، كما تؤكد إيرادات شباك التذاكر لأفلام قصص العصابات.