الخميس 09 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مبدعو «كتارا»: الكتابة ليست حرثًا فى الماء.. نجوم القائمة الطويلة للجائزة يتحدثون لـ «حرف»

حرف

أعلنت المؤسسة العامة للحى الثقافى «كتارا» عن القوائم الطويلة لجائزتها فى مختلف فروعها: «الرواية المنشورة» و«الرواية غير المنشورة» و«رواية الفتيان» و«الرواية التاريخية» و«الدراسات النقدية»، بواقع 18 عملًا فى كل فرع، كان لمصر منها نصيب وافر بلغ 22 عملًا. 

ويمثل هذا الإعلان لحظة تكريم واعتراف بجهود كتّاب من مصر ومن أنحاء العالم العربى، والذين وجدوا فى الوصول إلى القائمة الطويلة شهادة تقدير لمسيرتهم الأدبية، وفرصة لتسليط الضوء على أعمالهم أمام جمهور أوسع. 

خلال شهاداتهم لـ«حرف»، يتحدث عدد من أصحاب الأعمال التى وصلت إلى القوائم الطويلة، عن انطباعاتهم حول هذا التكريم، وما يعنيه لهم الوصول إلى هذه المرحلة من المنافسة، باعتبارها محطة فارقة فى رحلتهم الإبداعية، ونافذة جديدة للتواصل مع القراء والنقاد على حد سواء.

حمادة البهنسى:  فيلم «seven» ألهمنى «ظلال الخطايا» 

حمادة البهنسى
حمادة البهنسى

وصولى لجائزة مهمة مثل «كتارا»، شهادة أعتز بها وهى فضل من الله وجزاء لتعب وجهد استمر خمس سنوات من التحضير والكتابة والمراجعة.

جائزة كبيرة بحجم «كتارا» تمثل دفعة معنوية وتشجيعية للكاتب، أما بالنسبة للقارئ فالجوائز تعمل كدليل يرشده إلى الأعمال التى تستحق القراءة.

 الرواية تحلل الخطايا المختلفة التى يقع فيها الإنسان

وجاءت فكرة روايتى «ظلال الخطايا» من المونولوج العبقرى الذى قدمه النجم كيفين سبيسى فى نهاية فيلم SEVEN والذى يناقش فكرة الخطايا السبع.

الفيلم ممتع، ولكن لى مأخذ عليه أنه اكتفى بعرض عقاب المذنبين على يد قاتل متسلسل دون الغوص فى تفاصيل شخصياتهم. خطر ببالى تساؤل: «ماذا لو تعمقت فى كل شخصية وأظهرت خطيئتها الخاصة النابعة من نفس مريضة، وتلك الخطيئة هى التى تقودها إلى نهايتها وليس قاتلًا خارجيًا. وللتوضيح الرواية تبتعد تمامًا عن قصة الفيلم، فقط أخذت التيمة حتى الخطايا المذكورة فيها لا تتطابق تمامًا مع الخطايا السبع المميتة المتعارف عليها فى النصوص الدينية.

أما عن رحلة العمل عليها، فقد بدأتها بمسودة رسمت فيها الشخصيات التى تعدت ١٠ شخصيات رئيسية و٤٠ شخصية ثانوية منها شخصيات عايشتها ومنها شخصيات من وحى خيالى، ثم شرعت فى كتابة سيناريو بقصة وحوار لمسلسل درامى من ٣٠ حلقة بواقع ٣٠ ساعة درامية، وبالتوازى مع ذلك كنت أكتب فصول الرواية. لقد انتهيت مبكرًا من كتابة السيناريو لأن لغته أسهل، بينما تحتاج الرواية إلى بناء خاص بإضافة طبقات وتراكيب لغوية أعمق.

بعد انتهائى من السيناريو، واجهت صعوبة فى تسويقه، لأن سوق الإنتاج الدرامى تحكمها حسابات واعتبارات إنتاجية وتجارية. 

وظفت كل تركيزى فى إتمام الرواية، وهى الرحلة التى استغرقت منى وقتًا طويلًا فى الكتابة. وبمجرد الانتهاء منها تم تقديمها لدار الفنار.

وناقشت بعدًا رمزيًا وهو «هل يمكن للإنسان أن يتحرر من عبء خطاياه»، وسمح لى أن أجعل إحدى شخصيات الرواية تجيب عن هذا السؤال «كثيرون يتوبون بعد تعرضهم لصدمة ويختارون التوبة لكن بمرور الوقت يتلاشى تأثيرها ويعودون لسابق عاداتهم. إن لم تحسم أمرك بإرادة صادقة، فالشيطان سينسج لك طريق الرجوع بخيوط من التزيين والتبرير».

وركزت فى الرواية على تحليل الخطايا المختلفة التى يقع فيها الإنسان، والبحث فى الدوافع والأسباب التى تجعله يتمسك بخطيئته ويغرق فيها. وأردت أن أوضح كيف أن هذه الخطيئة ذاتها هى التى تقود صاحبها فى النهاية إلى مصيره المحتوم.

وأنا أعكف منذ فترة على كتابة عمل روائى يحمل اسم «سنوات الفتن»، يتناول فترة حساسة يخشى البعض الاقتراب منها، لكننى سأقدم العمل بشكل موضوعى يتناول الروايات التاريخية المختلفة على لسان إحدى الشخصيات الإسلامية التى عاصرت الفترة.

أحمد محمد أبوالنجا:  بحثت 3 أعوام لكتابة «حين يظلم العالم»

أحمد أبوالنجا
أحمد أبوالنجا

وصولى لقائمة «كتارا» حلم راودنى كثيرًا، أنا أحترف الكتابة منذ عام ٢٠٠٧ وتعرضت لكثير من فترات الإحباط وقليل من النجاحات، وكلما راودنى طيف الفشل كانت تأتينى تلك الرؤى، فتغدوا أملّا بأننى سأصل يومّا إلى قائمة جائزة كبيرة. لهذا اليوم بُذل جهد تسعة عشر عامّا، وطالما أحسست أن تكون تلك القائمة لجائزة كتارا. 

وأرى أن ظهور الاختراع للنور بالنسبة للمخترع يشبه تمامًا حال الروائى أو الأديب بصورة عامة إذا ما خرجت كلماته وإبداعاته إلى النور، وذلك هو الدور الذى تقوم به الجوائز الكبيرة مثل كتارا، وغيرها من الجوائز، وخاصة فيما يخص المخطوطات التى لم تر النور بعد.

الرواية التاريخية من أكثر الكتابات تعقيدّا

وعملت على الرواية طيلة ٣ أعوام، ما تطلب بحثّا وتنقيبّا فى كتب التاريخ ومخطوطات الرحالة العرب والمسلمين، خاصة المصنفات الصادرة عن دار العين للدراسات والنشر والتى تخص الحياة السياسية فى الدولة الأيوبية، وكذلك الحياة الاجتماعية فى عصر المماليك، وتدور أحداثها فى الفترة الممتدة من ١٠١٩م إلى ١٢٢٦م ، فى ربوع العالم الإسلامى، ما بين الشام والأناضول والأندلس وإفريقيا ومصر، حيث ترصد مسيرة حياة بطلها الرئيس منذ النشأة حتى الممات، وهجرته من الأندلس إلى إفريقيا ومنها إلى مصر، وتؤرخ لحياة أجداده التى بدأت فى إفريقيا ثم رحيلهم نحو الأندلس.

وأعتبر أن الرواية التاريخية التى تبدو للكثيرين سهلة المنال من أكثر الكتابات تعقيدّا، والتعقيد هنا نابع من محاولة الكاتب كبح جماح المعلومات التى يحصل عليها أثناء بحثه، وأن يتناول التاريخ بصورةٍ مجردة، كواحد يعيش فى تلك الفترة، لا بنظرة المتفلسف السارد للتاريخ وكأن الناس كانوا يعيشون فى تلك الفترة يعرفون كيف ابتدأ التاريخ وكيف انتهى!

وأنا أرى أن أنجح الروايات التاريخية وأكثرها صدقًا تلك التى تركز على حياة الإنسان اليومية، وذلك يستدعى بحثًا أدق، وبناء أعمق للشخصيات؛ بل بالعكس كلما ابتعدنا عن سرد سير أعلام تلك الفترة، استطاعت الرواية أن تجنح وتبتعد عن أدب السيَر وفخ التحيز لتصل إلى تجربة روائية حقيقية وصادقة.

وأعتقد سبب رواج الرواية التاريخية حاليًا أزمة البحث عن الهوية فى ظل تخبط نفسى ناجم عن الحروب والأزمات الاقتصادية وتركات الفشل وبواعث الفتن، فيغدو الشاغل الرئيس للوعى الجمعى هو إحياء الهوية والبحث عن الذات، ولا يكون التاريخ إلا المنبع الأفضل لاستلهام ذلك. 

هناك سلسلة أطمح فى كتابتها تمتد من الجذور إلى الساق ثم الفروع والثمار، رواية «الخيط الأبيض الرفيع» كانت استكمالًا لتلك الفكرة التى طرأت فى بالى لكتابة تاريخ روائى ممتد، على الرغم من أنها كتبت قبل مخطوطة «حين يظلم العالم» وأنها تدور أحداثها فى عام ١٨٦٠م؛ أى بعد الفترة التاريخية التى تدور فيها أحداث مخطوطة «كتارا» ولكن الفكرة كانت حاضرة، واستمرارّا لتلك الفكرة، فأنا أعكف الآن على كتابة نص يستكمل مشروعى الكتابى، ويدور النص فى الفترة من العام ١٩٢٠ حتى وقتنا الحالى. 

وأقول فى الختام إن التاريخ هو بحر لا نهاية له، كلما اعتقدت أنك امتلكت جزءًا منه تجد أنك لم تحمل فى يدك إلا الزبد.

طارق الطيب: الجوائز «وقود نفسى» للكاتب 

طارق الطيب
طارق الطيب

طبعى يتوجس من أغلب الجوائز العربية لأسباب قديمة. أرسلت لى دار النشر ترشيحًا ووافقت عليه. نسيت الأمر حتى وجدت مكاتبات من الأصدقاء بالإعلام عن وجودى ضمن القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فئة «الرواية المنشورة»، عن رواية «رأيت ما لا يجوز لك»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية.

أتمنى أن تُزيد المؤسسات والهيئات الثقافية من دعمها المالى سواء فى شكل جوائز تشجيعية أو منح أدبية

يسعدنى الاختيار، وإذا تقدّمتْ الرواية للقائمة القصيرة أو حازت الجائزة فسأسعد بالتأكيد، ولو لم يحدث فلن أهجوها وأتحول إلى النقيض. ومبروك مقدمًا لمن سيحوزون الجوائز.

الجائزة فى العموم تلقى ضوءًا على عمل المبدع، وربما تركيزًا على بقية أعماله، وتمنح قراءات أوسع واهتمامًا نقديًا أكبر. هذا يهِبُ الكاتب وقودًا نفسيًا مميزًا لفترة مقبلة. كما أن الجائزة المالية عون للبعض وانتشال من ضغوط حياتية.

أتمنى أن تُزيد المؤسسات والهيئات الثقافية من دعمها المالى، سواء فى شكل جوائز تشجيعية أو منح أدبية أو غيرها، لفئات الشباب فى وقت مبكر، تشجيعًا للمواهب من أجل إنتاج أفضل.

رواية «رأيتَ ما لا يجوز لك» تسير فى شقين متوازيين: «بلال» الذى يعيش مع والد المصاب بـ«ألزهايمر»، ويتذكر العالم من خلال الصور القديمة فى الألبوم الشخصى، فتخرج لنا مفاجآت عن حبيبة الأب التى نسى اسمها ويطلق عليها اسم «حبيبة».

الشق الآخر هو تلك الرحلة الخيالية التى انجذب إليها «بلال» لينزل إلى البرزخ أو يصعد إليه لفترة لم يعلمها، يلتقى هناك بأمه وخالته، ويسمع أسرارًا لم يعرفها تصيبه بالخجل الشديد، بل يلتقى بمئات الشخصيات التى تسرد حكاياتها فى مكان يبوح كل من فيه بكل حقائق الدنيا دون كذب.

لكن «بلال» لا يستطيع الفرار من البرزخ، فمن شروطه إن من يعلم بما يعلمون، فعليه أن يبقى معهم دومًا فى هذا البرزخ الاحتفالى العجيب الواسع الذى لا يشبه حالة القبور بأى شكل.

يرافق «بلال» شخص اسمه «سريد»، هو دليله فى هذا البرزخ، ويستطيع فى الوقت نفسه قراءة أفكار «بلال» بكل سهولة. سيفاجأ بعالم غريب غير عالم الدنيا التى عاش فيها، ستجذبه هذه الحياة، أو «الموت» إن صح التعبير، سيقارن حتى يظن أنه فى فردوس لا ينبغى له أن يغادره، حتى يرى شيئا يقلب له كل الأمور على عقب، فيحاول المروق من البرزخ، لكن الوقت يكون قد تأخر، فماذا حدث؟ وماذا رأى؟ وهل سيخرج سالمًا؟ وأسئلة أخرى كثيرة تنتظر القارئ.

لا أود أن أبوح بتفاصيل عن عمل لم يكتمل. منذ سنوات وأنا أكتب فى عملين وأتوقف لزمن وأعود إليه كعادتى. كان من المفترض أن ينتهى العملان فى هذا الصيف، لكن كثرة أسفارى إلى الخارج منذ بداية العام عطلتنى كثيرًا عن إنجاز ما تمنيتُ. أملى أن أصل إلى ما رغبتُ حتى نهاية هذا العام.

أحمد عامر:  أبحرت فى «الشدة المستنصرية» لكتابة «منابت الجوع»

أحمد عامر
أحمد عامر

الوصول لجائزة مهمة مثل «كتارا» يكون له تأثير، فالجائزة من الجوائز المهمة لأنها تعكس مشهد الرواية العربية ومؤخرًا الرواية التاريخية، لذلك يمكنك أن تتعرف على المشهد من الجوائز مثل «كتارا» وحجم المشاركة من جميع الدول، وبالمتابعة نستطيع أن نقول إن الرواية العربية بخير بعيدًا عن الوصول للقائمة الطويلة أو الفوز، فالكثير من الأعمال الجيدة لم تصل للقائمة.

والجوائز تقدم للمبدع الدعاية والانتشار وتمنحه التقدير الذى ينتظره ليستمر، لا يمكن أن نقول بشكل قاطع إن الجوائز تمنح للأفضل، ولكن الجوائز محدودة ومحددة وتذهب لعدد من المتقدمين، ولكن يبقى الابداع دائمًا هو الأهم، أما بالنسبة للقراء فإنهم ينتظرون نتائج المسابقات لقراءة الأعمال الفائزة لأنها أعمال منتقاة من مجموعة من النقاد والأدباء المشاركين فى لجان التحكيم ويؤمنون بأنها أعمال منتقاة، والقارئ الآن يبحث عن عمل مضمون الجودة خصوصًا مع ارتفاع أسعار الكتب.

وتناولت فى رواية «منابت الجوع» فترة من أصعب الفترات فى تاريخ مصر، وهى الشدة المستنصرية وجاءت الفكرة من منطلق إنسانى بحت، كيف يواجه الإنسان الجوع وصراع الإنسان من أجل البقاء وهل يصنع الجوع تحولات جوهرية تؤثر على الإنسان وبالتالى على المجتمع، هذا ما كان يشغلنى.

وعندما بدأت القراءة عن هذه الفترة كانت قراءة عشوائية ثم قراءة انتقائية وجدت الفكرة وهى فكرة قائمة على الصراع بين فصائل الجيش، وهى أزمة بدأت بعد وفاة الظاهر لإعزاز دين الله، والد المستنصر، حيث كان المستنصر صبيًا فى السابعة من عمره وجلست والدته السيدة رصد على العرش وكانت جارية سوداء اشتراها الظاهر لإعزاز دين الله وتزوجها، وهذا ما أحدث فتنة بين فصائل الجيش، حيث رفض البربر والترك وجود العرق الأسود، هذا الرفض تحول إلى صراع بل إلى حرب داخلية دمرت الجيش والدولة.

وعملت على الرواية بوصفها رواية لأن الرواية التاريخية هى مجرد تصنيف وليست بحثًا فى التاريخ، فهمت التاريخ وهضمته ووظفته داخل الرواية واستخدمت الخيال فى خلق الأحداث دون المساس بالخطوط الرئيسية أقصد الأحداث التاريخية المؤكدة، ولكن حياة الناس وسلوكياتهم وبحثهم عن حلول للخروج من الأزمة وكذلك حياة الحاكم ومحاولاته للتغلب على الأزمة والسيطرة على المتمردين، وكذلك مواجهة الناس للمخاطر، هى أحداث خيالية ممزوجة بالتاريخ، واجتهدت أن أصنع هذا التوازن بين التاريخى والخيالى ليتكامل النص الروائى ولا يشعر القارئ بغربة أثناء القراءة.

ما أردت أن أقوله فى رواية منابت الجوع أن كل إنسان يبحث عن متطلباته بشكل منفرد فهناك من يبحث عن السلطة وهناك من يبحث عن المال «التجار أثناء الشدة» وهناك من يقاتل من اجل البقاء وهو حال الناس وهم الغالبية، حيث قضت الشدة على ثلث الشعب وتحول الصراع من صراع من أجل تحقيق الذات لصراع من أجل البقاء، ما أردت أن أقوله إن الحكايات ليست مدهشة دائمًا فأحيانًا تكون دامية وقاسية ومستحلية ليس من أجل تحقيق الأحلام ولكن فقط من أجل البقاء.

وبعد الرواية، ليس لدىّ مشاريع مكتملة، فأنا أحب اللعب مع الكتابة، بدأت رواية بعنوان «فضيحة عمياء» ثم توقفت لا أريد أن أكرر نفسى ولا أكتب من أجل التواجد فقط، أكتب من أجل المتعة، وأجتهد أن أقدم كتابة مختلفة ربما لا تكون الأفضل من وجهة نظر بعض النقاد، ولكن أحب أن أقدم ما يرضينى ويمثلنى.

محمود ربيع سمرة:  الأرشيف الإمبريالى يفكك «شعرية الوثيقة»

محمود ربيع سمرة
محمود ربيع سمرة

أحمد الله على وصول دراستى «شعرية الوثيقة وسرديات التحول.. نماذج مختارة من الرواية القطرية المعاصرة دراسة فى ضوء التاريخانية»، لقائمة جائزة مهمة مثل جائزة «كتارا».

وأتمنى التوفيق من الله لإتمام الحصول على الجائزة، فهى منصة ذات شأن قدير فى الوسط الأدبى، واعتراف بأهمية المنتج الإبداعى نقديًّا كان أو أدبيًّا، ونحن أحوج ما نكون إلى بوصلة نقدية تُسهم فى إثراء المشهد الإبداعى العربى. 

والجوائز بالنسبة للمبدع تأشيرةٌ لزيادةِ تلقِّى إبداعِه، ودافعٌ للاستمرار والتجديد والإبداع المتوقَّع والمُنتَظر، كما تُحمِّله مسئولية ما بعد التأهل أو الجائزة.

بالنسبة للقارئ، فقد تكون مصفاة معرفية، فى عصر يُعانى من طوفان النشر، الجائزة لا تفرض وصاية على القارئ بقدر ما تُثير فضوله، وتصنع حول العمل المتأهل أو الفائز حالة من الحوار الجمعى.

وجاءت فكرة كتابى انطلاقًا من قناعة نقدية لدىّ بأن الرواية العربية المعاصرة تجاوزت كونها ترفًا جماليًّا مجردًا، لتُصبح وثيقة حيَّة، شاهدة ومؤثِّرة؛ حيث يلتقى التخييل الجمالى بالأثر التوثيقى لتفكيك سرديات التحول الاجتماعى والتاريخى. 

واتخذتُ نماذج روائية قطرية معاصرة مادةً دراسية مُكثفة، واشتغلتُ عليها فى ضوء «التاريخانية الجديدة»؛ حيث وظفتُ أدواتِ النقدِ الثقافى والدراسات ما بعد الكولونيالية، بهدف الحفر فى بنية الخطاب، واستنطاق المسكوت، عنه عبر أرشيف الأشياء الصغيرة والأجساد؛ بوصفها شواهد حية لمقاومة المحو والنسيان. 

واختيارُ الرواية القطرية المعاصرة هو خيار منهجى، فالمشهد القطرى شهد تحولات اجتماعية واقتصادية مُتسارعة ومُكثَّفة خلال العقود الأخيرة، وقد عايشت ذلك، فقد عشتُ فى قطر تسع سنوات مغتربًا مُقيمًا، أتاحت تلك السنوات لى الاطلاع على نماذج من المنتج الثقافى والأدبى، وكان سؤالى؛ كيف يُلاحق الأديب قفزاتٍ مجتمعيةٍ بهذا التسارع؟ هذا الانشغال هو ما دعانى لفحص نماذج من الرواية القطرية المعاصرة لتأكيد مضامين الدراسة، لأجد أنَّ الرواية قد التقطت تفاصيل هذا التحول ووثَّقته، واقتصار الدراسة على هذه النماذج أتاح لى التغلغل فى بنية النص دون تشتيتٍ، دون التطرق إلى مقارناتٍ قد تستهدفها أنماطٌ أخرى من الدراسات.

وخلُصت الدراسة إلى نتائج، ومنها أن مفهوم الوثيقة فى السرد القطرى المعاصر قد شهد قفزة مفاهيمية؛ بالتحول من الوثيقة الورقية «فى سرديات التأسيس»، مرورًا بأرشيف الأثر، وصولًا إلى الشفرة الرقمية والوثيقة البيولوجية، هذا التطور يعكس وعى الذات القطرية فى معركتها الوجودية للحفاظ على الهوية من الذوبان.

الجسد البشرى فى الرواية تحوَّل إلى وثيقة حاملة للتاريخ

وأثبت البحث أنَّ الروائى القطرى قدَّم «التاريخ من أسفل»، باستنطاق الهامش، وبتحويل الأشياء اليومية إلى نُصب وشواهد تاريخية ناطقة، تواجه سطوة النسيان. 

وكشف البحث أن الجسد البشرى فى الرواية تحوَّل إلى وثيقة حاملة للتاريخ، وأرشيفٍ يفضح المسكوت عنه كما فى رواية «زعفرانة»، أو جسدٍ عاجزٍ يوثق انهيار الإنسان تحت وطأة التحولات فى رواية «سَفرطاس» ، أو جسدًا يمارس سيادته الأخيرة عبر الموت الإرَادِى ليحرم الأرشيف الاستعمارى من جثته وثيقة نصر كما فى رواية «القرصان».

وثَّقت الدراسة ما يُسمى بـ«حرق المراحل التاريخية»، برصد التحول الحاد من زمن الطين والقيم الصلبة والترابط إلى زمن الأسمنت والقيم الاستهلاكية السائلة، أنتج هذا التحول قلقًا واغترابًا عالجته الرواية، وفكَّكت أنساقه. 

وأثبتت الدراسة قدرة الرواية التاريخية على تفكيك الأرشيف الإمبريالى، وكشف زيف تُهَمٍ مثل القرصنة وتلفيق الذرائع، فلم تكن سوى أقنعة أيديولوجية لتبرير السيطرة العسكرية واحتكار المعرفة وكسر المنافسة الاقتصادية والتجارية فى المنطقة.

هشام الخشن: «كتارا» تتعامل بحيادية وعلى أسس نقدية محترمة

هشام الخشن
هشام الخشن

جائزة «كتارا» تحتل مكانة متميزة ومهمة بين جوائز الرواية العربية، وحازت على هذه المكانة عبر دوراتها منذ بدأت بكونها جائزة جادة تتعامل بحيادية وعلى أسس نقدية محترمة، لذلك الترشح فى قوائمها بدون شك أعتبره شرفًا لى وإحدى علامات مشوارى الروائى. 

والجوائز ومجرد الوصول لقوائمها دون شك تقدير للكاتب وإشارة إلى تفوقه وتميزه، تقدير معنوى من الطراز الأول. فى ظنى أن الجوائز بالنسبة للقراء تلقى الأضواء على أعمال قد لا تكون معروفة لديهم، وكذلك تقدم لهم عناوين مميزة قد لا تمر عليهم لولا ترشحها للجوائز .

وقناعتى أن الرواية والكتابة عملية تفاعلية تشبه من يتحدث لمجموعة ملتفة فى مجلس يجمع أصدقاء يستمعون للمتحدث. المتحدث هنا هو الكاتب الذى يجب عليه أن يكون حديثه جذابًا يشد المستمع/ القارئ فى هذه الحالة. 

ومن هنا يجب على الكاتب أن يجتهد كى يكون سرده آسرًا وأخاذًا، ليس تلاعبًا بقدر ما هو حرفيًا يجعل القارئ منتبهًا راغبًا فى المزيد. اهتمامى الأول حين أكتب يكون دائمًا تكامل السرد ومنطقية الأحداث وتكامل خيوط الرواية وألا تكون بها ثغرات فى الحكى.

وأؤمن ان الكتابة عملية تفاعلية لا حياة لها دون قراءة، من هنا أعتبر القارئ شريكًا أصيلًا لى فيما أكتب لأنى بدونه لا قيمة لما أكتب. من هنا أظن أننى أكتب وبذهنى قارئى، أتخيله ينصت لى فلا أثقله بكل ما لدىّ إلا فى اللحظة المناسبة. أشركه فى بناء الرواية كلمة كلمة وسطرًا سطرًا حتى نصل معًا إلى نهاية مرضية لمغامرتنا معا.

وأنا أحب التجريب والتجديد لا أؤمن إطلاقًا بتكرار أو مشابهة عمل من أعمالى فى عمل تال. أحب أن أفاجئ نفسى أولًا وقرائى «الذين أظنهم ينتظرون ذلك منى» مع كل عمل جديد. آخذ وقتى فى الكتابة وأشحذ قلمى جيدًا حتى يكون ما أقدمه ذا مذاق مختلف فى كل مرة أنشر رواية جديدة.

أحمد سامى خاطر: «حجر الزاوية» تواجه السلطة الرقمية الغاشمة

أحمد سامي خاطر
أحمد سامي خاطر

أشعر بالسعادة لصعود روايتى «حجر الزاوية» للقائمة الطويلة لهذه الجائزة العربية القيمة، فهى جائزة كبرى يتطلع المبدعون إليها من كل مكان فى الوطن الكبير، ومحطة مهمة فى مسيرتى الروائية، التى بدأت فى تسعينيات القرن الماضى، وتوجت وقتها بجوائز عربية مهمة كجائزة الدكتورة سعاد الصباح، وجائزة الشارقة للإبداع العربى. 

والآن تتأهل روايتى التاسعة لجائزة كتارا. أسأل الله التوفيق لى ولكل المتأهلين. لقد سجلت الجائزة هذا العام رقمًا قياسيًا فى عدد المشاركات الروائية المتنافسة، وكونى ضمن قائمة الثمانية عشرة، فهذا يعنى اعترافًا بالقيمة الفنية التى تمنح الكاتب دفعة وثقة بأن صوته ومشروعه الروائى قد وصلا إلى مساحات أوسع من التقدير العربى، وهذه مسئولية كبيرة.

وقد اختلفت طبيعة الأوساط الأدبية كثيرًا عن الماضى، فالأقلام كثرت وقل الاحتفاء والتقدير، ومع انتشار «الميديا» والنشر الإلكترونى، وغياب المتابعة النقدية الجادة والواعية، أصبح الكل شاعرًا والكل أديبًا والكل ناقدًا، وهنا يأتى دور الجوائز الكبرى التى تستهدف الغربلة والفرز الحقيقى من خلال لجان أكثر اختصاصًا وعلمًا وإبداعًا.

والجوائز تقدم خدمات متبادلة ومهمة لكل من المبدع والقارئ. بالنسبة للمبدع تقدم الثقة والاستقرار النفسى والانتشار وتسليط الضوء والاعتراف النقدى. كما تخرج بالعمل من النطاق المحلى إلى النطاق العربى والعالمى من خلال النشر والترجمة. 

وبالنسبة للقراء فإنها تبصرهم بالأعمال الأدبية المتميزة، وتسلط الضوء على كتاب أو تجارب روائية قد تكون بعيدة عن الأضواء الإعلامية المباشرة، وتتيح فرصة للاشتباك مع نصوص ذات جودة فنية وبنائية عالية ومُحكَّمة.

وأى رواية قبل الشروع فى كتابتها هى عالم يختمر ليكتمل فى مخيلتى أولًا، ربما يبدأ بسؤال: ماذا لو؟ وفى روايتى مرتكز تراثى حقيقى فى الذاكرة الشعبية، ربما كانت تلك الروح التى أزهقت قسرًا منذ ثلاثين عامًا، لكن الروح لا تموت حتى يظهر من يأتى بحقها، ويظل قنديلها رهين إشعال فتيله، لتبدأ الحقائق المرعبة فى الظهور، وتفتح ملفات قديمة كانت قد أغلقت، لتتكشف الأسرار تباعًا، ويبدأ عالم الرواية حين يكلف المهندس ياسين بهدم العقار «١٣» بدرب النحاسين بشارع المعز، ليعثر على صندوقٍ قديمٍ بداخله سجل أوراق مخطوطة بالمداد الأحمر، كتبت بخط امرأة تدعى «حياة الوجود»، ليكتشف ياسين أنها قتلت منذ ثلاثين عامًا.

وتصبح هذه الأوراق حجر الزاوية لاكتشاف أسرار عالمٍ بأكمله كان يُدار فى الخفاء بمدينة القاهرة التاريخية وأزقتها القديمة، كدرب النحاسين والغورية وسور مجرى العيون، والربط بينها وبين أحداث الماضى بالجنوب فى كوم أمبو، ونجع الحجر. 

ويدور الصراع فى الرواية بين عالمين، الأول عالم النفوذ والسلطة الرقمية الحديثة، ويمثله منصور بك الشيشتاوى، الذى يمثل القوة السلطوية الغاشمة، وهو عالم تقنى حديث، يضرب بأذرعه التى تستخدم أدوات التحكم، والترددات الصوتية، وطائرات الدرونز المجهرية، والتزييف العميق لتشويه الحقائق وسلب ذكريات الناس. والعالم الثانى عالم الأرض والذاكرة المنهوبة والفلكلور، وتمثله «حياة الوجود» وأوراقها المكتوبة بالمداد الأحمر العالق، والوشم الجنوبى الذى ينتقل كعقد دم لا يبرد، وطمى الجنوب الذى يثور ضد الأسمنت. 

والرسالة الأساسية التى تنطوى عليها الرواية هى أن الحقيقة لا يمكن طمسها أو طمرها للأبد، وأن الذاكرة الحية للأرض والإنسان أقوى من كل أدوات النفوذ والسيطرة.

شريف صالح:  أنا مجنون بأم كلثوم من أولى إعدادى

شريف صالح
شريف صالح

الترشح لأى جائزة أو الفوز بها يسعد أى كاتب، وهو تقدير مهم للكتابة. سبق لى الفوز بجوائز من الإمارات والكويت، وبالطبع من مصر، لكن هذه المرة الأولى التى أُرشح فيها لجائزة «كتارا» فى قطر. وسعيد بوجود عدد كبير من المبدعين المصريين فى قوائم الجائزة.

الجوائز سلاح ذو حدين. إما أن تكشف عن مشروع إبداعى مهم، وتساعد فى توسيع دائرة القراء وإما أن تروج لقيمة سطحية أو استهلاكية وتوجه الذائقة إليها فتصبح ضد الأدب. والأمر هنا رهن بأداء ووعى المحكمين.

بالنسبة لرواية «مجانين أم كلثوم»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، ووصلت من خلالها إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فئة «الرواية المنشورة»، أنا أحد مجانين أم كلثوم، وهى جزء من يومى دائمًا، وأعتبرها من أعظم نساء مصر عبر آلاف السنين.

دائمًا ما كانت لدى رغبة لكتابة شىء عن أم كلثوم، وشيئًا فشيئًا ولد المشروع، بداية من تعليقات وتدوينات على «فيسبوك» تدور حول أغانيها وأدائها وشعراء وملحنى أعمالها. ثم أصابتنى حيرة: هل أنشر التدوينات كما هى أم أعيد صياغتها فى قالب روائى؟. 

أتمنى كتابة رواية جديدة عن نجيب محفوظ أو محمد عبدالوهاب

لا أكتب سيرة بالمعنى المتعارف عليه على الإطلاق. فى رواية الناشئة «أينشتاين: أسرار القطعة ٩٩» قدمت سيرته بصوت مخه الذى انفصل عنه، مع انشغالى أكثر بأفكاره الفيزيائية والفلسفية وتقريبها لأولادنا. و«ابتسامة بوذا» ليست سيرة عنه وإنما معايشة روائية لأهم أفكاره الفلسفية وعلاقة البطل «مار» بها.

هنا أيضًا لم تشغلنى سيرة أم كلثوم وإنما سيرة جمهورها وافتتانه بها. أحب السيّر لكننى لا أعيد كتابتها كأنها صفحة «ويكبيديا»، وإنما أقيم حوارًا مختلفًا معها. لو هناك شخصية أخرى أحب تقديمها فستكون نجيب محفوظ أو الموسيقار محمد عبدالوهاب.

الكتابة تصورات. أفضل أن أكتب عما أعرف وأحس وأحب. لا أميل لبناء عوالم واقعية لم أختبرها ولا استعارة قناع التاريخ، ولا أومن بأن هذا هو فن الرواية. أفضل الرواية كمشروع تخييل ذاتى ينطلق من تجاربى وهواجسى. حتى الشخصيات التاريخية التى تعاملت معها كنت أخترعها وفق رؤيتى الخاصة لها. لا أدعى أننى كاتب بارع وقادر على كتابة روايات ملحمية من مئات الصفحات. بل يكفينى امتلاك تعبير خاص عن ذاتى.

سحرتنى أم كلثوم منذ كنت طفلًا فى الصف الأول الإعدادى وأصبحت شريكة أيامى. بهذا المعنى كانت الرواية مشروعًا سريًا استمر ينمو فى داخلى لأكثر من ٤٠ عامًا. وبالفعل لدى هذا الولع برد الدين لكل من أحبهم وإعادتهم للحياة عبر الكتابة عنهم. ربما لأننى عمومًا أومن أن الكتابة بنت الحب.. منه تبدأ وإليه تنتهى.

حاليًا استعد لنشر مجموعتى القصصية «حكايات مزدوجة» مع «بيت الحكمة»، وهى المجموعة التى فازت بجائزة «سرد الذهب» الإماراتية، وكانت تجربة مختلفة تتناول الحصان فى التراث العربى والإنسانى، من خلال اللعب على حكايات معروفة بصياغة جديدة ومختلفة.

أيضًا لدى مجموعة جديدة بعنوان «مبدئى لا شىء غير الرقة» أستعد لنشرها مع الدار المصرية اللبنانية وهى تضم مجموعة نصوص انتقيتها من ذاكرتى، بعضها لقطات من الطفولة مثل قصة «سحبت رمشها وردت الباب»، وبعضها من مرحلة الشباب والجامعة مثل قصة «فى صحتك يا سلوى».

١٠ قصص تمزج ما بين التذكر والتخييل، ولا يجمعها خيط صارم كما هو الحال فى «حكايات مزدوجة»، وإنما بطريقة ما يحضر فيها الأموات، أو يستعاد طقس الموت والغياب كلغز إنسانى. وأتوقع أن تكون المجموعة متاحة للقراء خلال الأشهر القليلة المقبلة كتاسع مجموعة قصصية أنشرها.

سمر نور: سمعت «الجعران والقمر» من جدى التاسع

سمر نور
سمر نور

سعيدة جدًا بوصولى إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» فرع «الرواية المنشورة»، عن روايتى «آشا.. الجعران والقمر»، الصادرة عن دار «ديوان» للنشر والتوزيع، خاصة أنها جائزة مرموقة، وأعضاء لجان تحكيمها أكاديميون متخصصون من دول مختلفة، ما يمنح الجائزة مصداقية كبيرة.

الجوائز لا تصنع كاتبًا والمهم صمود الأعمال فى وجه الزمن

الترشح لجائزة ما يعنى تقديرًا للرواية المختارة، ما يمنح الكاتب تقديرًا معنويًا فى طريقه، لكنها لا تصنع كاتبًا، وإن كانت تمنح العمل مزيدًا من المقروئية بالطبع. والكاتب لا يكتب لنفسه، وإلا لما أقدم على النشر، بل لديه رغبة فى الوصول إلى قاعدة من القراء. وأذكر نفسى دائمًا بأن أعمالًا مهمة لم تُرشَّح ولم تحصل على جوائز، ولم يمنع ذلك صمودها فى وجه الزمن، وهذا هو الأهم لأى كاتب.

بدأت رحلتى مع ثنائية «آشا» بحكايتين سمعتهما فى طفولتى عن جدى التاسع وجدى الثالث، مجرد حكايات متوارثة عن جدودى الذين عاشوا فى قرية من قرى النوبة القديمة، حكايات مبتورة لا تحمل أى تفاصيل.

ولكى تكتمل الحكاية، كان لا بد من الغوص فى تاريخ النوبة وثقافتها بكل تفاصيلهما عبر التسجيلات مع الكبار والكتب. وفى لحظة قررت أن أتقاطع، ليس فقط مع حكاياتى العائلية، بل مع التاريخ الشفهى للنوبة، وأن ألعب لعبة البناء والهدم مع ما رُوى لى وما قرأته.

لم يكن الأمر سهلًا، واحتاج إلى سنوات ومراحل عمل مختلفة حتى خرجت الرواية الأولى «آشا: الجعران والقمر» المرشحة للجائزة. شجعنى التفاعل الذى شاهدته بعد صدورها للعمل على الجزء الثانى مع الحكاية الثانية، لأبنى عالمًا مختلفًا فى «آشا: يوم وصول الرجل الأحمر».

مصر لديها تراث إنسانى متنوع فى كل مكان، والجنوب منبع للتراث الشفهى، لكننى لا أجد الأسطورة وحدها صالحة لبناء عالم روائى دون وجود رؤية وخيال يتفاعلان مع المخيلة الشعبية.

وكما أشرت، عملت على القراءة والبحث لسنوات طويلة، ما كان كفيلًا بالتفاعل والدخول إلى عوالم يمكن أن تدفعنى إلى كتابة أعمال أخرى مستلهمة من التراث الشفهى النوبى، بل ومن التاريخ الشفهى فى نهر النيل بشكل عام، وبطرق مختلفة.

لست باحثة فى التراث تجمع الحكايات الأسطورية، ولست مؤرخة لأقدم تاريخًا ما. أنا روائية، وأدرك أن التاريخ والحكى الشفهى قد يكونان أداة من أدواتى فى العالم الذى بنيته، لكن الأساس هو رؤيتى وخيالى وتقاطعى مع كل ذلك.

الكثيرون من الأصدقاء والقراء يريدون منى استكمال أجزاء جديدة لرواية «آشا»، لكن بعد صدور الجزء الثانى من «آشا» هذا العام، أشعر بأننى، حتى هذه اللحظة، قد انقطعت صلتى بها.

ربما أعود إليها فى مرحلة أخرى. أما الآن فلدى مشاريع كتابية مختلفة، منها ما له علاقة بالنوبة، ومنها ما لا يدور فى النوبة، بل فى القاهرة حيث وُلدت وما زلت أعيش.

أعتقد أن العالم الذى سأعمل على كتابته قريبًا ليس بعيدًا كل البعد عن عالم «آشا»، حتى لو كان يدور فى القاهرة المعاصرة. ما زلت أهتم بالعلاقة بين الواقع والخيال، كما فى كل أعمالى السابقة، حتى لو كان الخيال فى عملى القادم يعتمد على أساطير وعلوم و«فانتازيا» مرتبطة بحياتنا كنساء فى مدينة عريقة مثل القاهرة.

أميمة عز الدين: «نبع العسل» عن المقاومة والتهجير

الحمد لله كثيرًا على وصولى إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» فئة «رواية الفتيان» عن روايتى «نبع العسل (عين زيتون)»، وهى جائزة تقدم دعمًا معنويًا وماديًا للكاتب، خاصة أنه كان يعمل على مشروعه منفردًا.

الكاتب يحتاج إلى دعم متنوع ومستمر، خاصةً فى ظل ما تموج به التقلبات والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتى بات على الكاتب أن يرصدها ويعكس ما يراه من رؤى تناسب توجهاته.

القارئ هو جائزة كل كاتب الجائزة تعنى أننا لا نزرع فى أرض بوار

الجوائز لا يمكن أن ننكر دورها فى جعل الماء يسير ويدفع بالكاتب لتأمل ما حوله جيدًا دون الركض هنا وهناك. فالكاتب إنسان لا يعيش فى جزيرة نائية أو برج عاجى، بل يحيا ويعافر مثل الآخرين لتوفير ما عليه من التزامات عديدة، دون أن تكون لديه رفاهية التوقف أو التخلى عن مسؤلياته والتزاماته.

الجوائز ليست حكمًا على العمل سلبًا او إيجابًا. فالقارئ هو جائزة كل كاتب، لأنه المتلقى الأساسى الذى ينتظر حكمه ورأيه. أما الجوائز فتعتبر تشجيعًا، ولكن ليس معيارًا للحكم على جودة العمل.

بالنسبة لرواية «نبع العسل (عين زيتون)» فقد كانت هاجسًا عظيمًا يسيطر عليّ. نحن جميعًا نشعر بالعجز أمام ما يحدث منذ السابع من أكتوبر لأهلنا فى غزة وفلسطين، ولا نملك سوى الدعاء ودعم الحكومة المصرية التى دعمت الشعب الفلسطينى فى محنته.

عملت على نص «نبع العسل (عين زيتون) حوالى عامين للوقوف على ملابسات التهجير والمقاومة الفلسطينية، وتطور الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، وكيف تتعايش العائلات الفلسطينية جنبًا إلى جنب، وغير بعيد تربض المستوطنات التى تسعى جاهدة لإقصاء الفلسطينى عن أرضه وبيته، بينما هو يتشبث بالأرض رغم الجوع والفقر والموت.

هذا التشبث بطولة حقيقية لا يقدر عليها سوى من آمن بوطنه وحقه فى الحياة. وليس كل الأمر شرًا، فهناك أصوات من الطرف الآخر، وإن بدت خافتة، ترفض التهجير وأعمال القسوة لمحو الهوية الفلسطينية، التى طالما دعمتها مصر، حكومة وشعبا.

وبالنسبة لأعمالى المقبلة، فى ختام حديثى معكم، أعمل حاليًا على كتاب لفئة اليافعين لدار نشر مصرية.

محمد موافى: لدى إحساس قوى بفوز «إمام المقطم الغائب»

محمد موافى
محمد موافى

الدورة قبل الماضية وصلت روايتى «آيات عاشق»، مع دار «العين»، إلى القائمة القصيرة أو «قائمة السبعة»، ولم يصادفنى الحظ وقتها، والآن تصل روايتى «إمام المقطم الغائب»، الصادرة عن «مسكيليانى»، إلى القائمة الطويلة للجائزة، فئة «الرواية المنشورة»، ولعلها تكون الفائزة.

لا أكتمك سرًا لو قلت: إن لدى إحساسًا قويًا بالفوز هذه المرة، ومجرد الوصول للقائمة يعنى الكثير، ولو نظرت للأسماء الموجودة لاتضح لك مستوى الجائزة واختياراتها، ولجنة التحكيم الذين لا أعرف عنهم ولا منهم أحدًا.

الجائزة تعنى التقدير، تعنى أن هناك من اتفق على أنك مبدع، تعنى أننا لا نحرث فى الماء ولا نزرع فى أرض بوار.. وأهم ما فى الجائزة على المستوى الشخصى أننى بها أستطيع أن أقول لأسرتى إن كل انشغالى عنكم وعزلتى أنتجت ثمرة، حلاوتها لكم، وابتسامتها تحفيز لى لأكتب وأكتب.

وفى الفترة الأخيرة لا يمكن إنكار أن الجوائز هى باب العبور إلى قطاع عريض من قراء لم يكونوا ليسمعوا عنك. والنقطة المهمة والتى أتمناها هى ترجمة روايتى لأكثر من لغة والوصول إلى العالمية.

الفكرة الأساسية للرواية جاءت من حوار مع أحد الأصدقاء المثقفين، والذى تعجب من إنكارى قصة «المهدى المنتظر» أو «الإمام الغائب» أو أمثالهما فى الديانات الأخرى، فالعجزة وحدهم من ينتظرون حلولًا غيبية.. السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.

فى «إمام المقطم الغائب» كان على بطل الرواية أن يهزم نفسه ومخاوفه قبل أن يفكر فى الآخر. هذا أنا، كل حياتى هى مواجهة مخاوفى ووساوسى وضعفى وترددى واختيارى العزلة.

أعتقد أن إصلاح العالم شعار مثالى لا يمكن حدوثه، زمان الأنبياء ولّى وانتهى، ولم يبق إلا الدفاع عن هويتك وثقافتك ووطنك فى مواجهة الآخر الطامع المتحفز. يكفينى إذن أن أعمل على إصلاح نفسى والإخلاص لهذا البلد والنصح لو طلب منى أحد النصيحة.

أنا لا أميل إلى التجريب كثيرًا، هذا أنا، حين أكتب أخلع كل ما أعتقد وما لا أعتقد، أتخفف من أى أيدولوجية كما أتخفف من ملابسى فى ليالى الصيف، أصير خفيفًا، أترك للقلم أن يكتب ما يشاء وأنا مجرد ناسخ لا أكثر.

قد يحدث أن يكون النص به تجريب، هذا يسعدنى، لكن أؤكد أننى لم أقصد ذلك. الإبداع أن ندفع المركب إلى النهر، ثم نترك للريح أن توجه الشراع أينما شاءت وشاء لها أبطال العمل.

مرةً لم أختر فكرة، أنتظر وأنشغل فى القراءة والصعلكة على المقهى، وأنتظر. لا شىء غير الانتظار، وحين تأتيك الفكرة، تكون معها الكتابة والحبكة والشخصية والأحداث جملة واحدة.

تعلمت ألا أعلن عن عمل قبل اكتماله تمامًا، فقد تعرض لسرقة موجعة، وقد يأتى يوم وأتحدث عنها بجرأة، ووقتها ستكون مفاجأة على المستوى العربى كله. لكن لدى كتاب عن ابن عربى والفتوحات المكية يحتاج ساعة رضا لإتمامه. وأعمل على روايتين لأول مرة، أكتب فى كل واحدة على حدة بحسب الحال.

أنا ممن يرون أن المبدع رهن مزاجه وابن وقته كما الصوفى ابن وقته ووفق حاله. لكن إثباتًا للفكرة، فأنا أعمل على رواية عن أكثر الشخصيات المصرية التى أثرت فى موجات الإرهاب العالمى، وحينها أتوقع شتيمة من مريدى ومجانين صاحب الشخصية فى مصر والعالم. أما الرواية الثانية فهى تجربة ذاتية شخصية عن اقتراب الرجال لسن الـ٥٠.

سمر موسى:  أؤمن بأن الرواية ليست وسيلة للمتعة فقط

سمر موسى
سمر موسى

وصولى إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا» فرع «الرواية المنشورة»، عن رواية «أنا الأخرى»، الصادرة عن دار «الصومعة» للنشر والتوزيع، كان حلمًا لم أتخيل يومًا أن يتحقق، وعندما علمت به شعرت بأن سنوات التعب والكتابة لم تذهب هباءً بفضل الله.

تمثل الجوائز للمبدع دعمًا ودافعًا نفسيًا للاستمرار والتطور وتقديم الأفضل دائمًا. كما تمنحه شعورًا بمسئولية أكبر تجاه قرائه، فيسعى إلى الحفاظ على ثقتهم وتقديم أعمال تليق بتوقعاتهم. أما بالنسبة للقارئ، فالجوائز تمنحه قدرًا أكبر من الثقة فى الكاتب، وتجعله أكثر حماسًا لاكتشاف أعماله وانتظار جديده.

دائمًا ما أحب أن أقدم ما هو مختلف ومميز، وحتى إن تناول غيرى الفكرة نفسها، فأنا أحرص على تقديمها من زاوية جديدة تحمل بصمتى الخاصة. هذا ما فعلته فى رواية «أنا الأخرى»، فقد تناولت اضطراب تعدد الشخصيات فى إطار نفسى وإنسانى يعتمد على حبكة مؤثرة، مع الاهتمام بكل تفصيلة حتى يشعر القارئ بأنه يعيش الأحداث بنفسه.

منذ أن بدأت الكتابة وأنا أؤمن بأن الرواية ليست وسيلة للمتعة فقط، بل يمكنها أيضًا أن تحمل رسالة. وفى «أنا الأخرى» كان هدفى أن يتعرف القارئ على اضطراب تعدد الشخصيات، وأسبابه وأعراضه، وكيفية التعامل مع المصابين به، وإمكانية علاجه، وتأثير الصدمات النفسية فى تكوين هذا الاضطراب. كما أردت أن أوضح أهمية الانتباه لمن يحتاج إلى الدعم النفسى مبكرًا، لأن تجاهل الألم قد يترك آثارًا يصعب علاجها لاحقًا.

رحلة كتابة هذه الرواية كانت مليئة بالبحث والقراءة والمراجعة، لأن فكرتها حساسة وتحتاج إلى دقة فى تناولها. لذلك حرصت على مراجعة المعلومات أكثر من مرة، والرجوع إلى مصادر متعددة، حتى أتأكد من صحة كل معلومة وردت فى الرواية، وأقدم عملًا يجمع بين التشويق والمصداقية.

حاليًا أستمتع بفترة من الراحة بعد رحلة طويلة من الكتابة، وسأكتفى خلال معرض القاهرة الدولى للكتاب ٢٠٢٧ باستمرار تقديم أعمالى الثلاثة: «أنا الأخرى» و«أرسيليا والقمر الدموى» و«لعنة السلالة»، الصادرة عن دار «الصومعة» للنشر والتوزيع والترجمة. وبعدها سأبدأ العمل على رواية جديدة، أسعى لأن تكون فى مستوى «أنا الأخرى»، بل وتتجاوزها بإذن الله.

عبدالله الخولى:  كتبت «نزهة لميت» من مصاحبة المرض لوام

عبدالله الخولى
عبدالله الخولى

الوصول إلى القائمة الطويلة لجائزة «كتارا»، فى فئة «الرواية غير المنشورة»، بروايتى «نزهة لميت.. دفنه لحى»، حلم جميل بالنسبة لى، خاصةً لما تتمتع به «كتارا» من مكانة مرموقة فى الوطن العربى والعالم. وكما كتبتُ: «إن الحب لا يتأكد إلا باللقاء»، فإن الكتابة، فى رأيى، لا يصبح لها وقعٌ كبير فى نفس الكاتب إلا حين يصدقها الناس، فالكتابة للنفس فقط مؤلمة، فوق ألم الكتابة نفسه. مثل هذه الجوائز تفيد القارئ قبل المبدع نفسه، عن طريق تكوين ذائقة أدبية لديه، فقد قلَّ عدد القراء فى مجتمعنا العربى بشكل ملحوظ، وبذلك قلَّ من تستشير فى بداية طريق القراءة الشاق. ومثل هذه الجوائز تكون بوابةً مهمة لمعرفة الأعمال المتميزة. أما ميزتها للكاتب، فهى مثل أنبوبة أكسجين، تقول له، على طريقة السيدة أم كلثوم: «عِيش».

 الكتابة لا يصبح لها وقع كبير لدى الكاتب إلا حين يصدقها الناس

فكرة روايتى «نزهة لميت.. دفنه لحى» جاءت من مصاحبة المرض والموت لأعوام فى طفولتى وشبابى. فقد كان والداى من المصابين بفيروس «سى»، ذلك الداء الذى كان واسع الانتشار فى مصر، خاصةً فى العقود السابقة. ثم تُوفِّى والداى تباعًا خلال ٦ أشهر فقط، وتركا خلفهما ٣ أولاد وبنتًا، كانت الكبرى لا تزال تدرس فى السنة الثالثة الجامعية. كنتُ الابن الأكبر بينهم، فلم يكن أمامى إلا أن أتحمل ما وضعنى الله فيه، خاصةً أن أبى كان قد مرَّ بمثل هذه المأساة فى صغره، بفارق يزيد قليلًا على ما حدث معى، بين وفاة الأب ووفاة الأم، وكأن دائرة الزمان لا بد أن تتكرر، كما وصفها بعض الفلاسفة، وأسأل الله- مبتسمًا- ألا تتكرر مجددًا.

من هذه الأحداث، وطبيعة نشأتى فى بلدة ريفية جميلة تُسمى «صناديد»، ثم انتقالى إلى مدينة طنطا، كنتُ محملًا بالقصص والحكايات فى صدرى، التى تسرد روحانية أهل الريف، وصفات أهل المدن العملية. كما أننى عاشق للحارة المصرية، المكوِّن الأصيل لهذا الشعب العظيم، التى خرج منها العظماء فى شتى المجالات، لذا قررت أن أكتب هذه الرواية عن الحارة المصرية.

تدور أجواء الرواية فى حارة مصرية، بكل ما فيها من روحٍ وفُكاهة، فى نهاية القرن الماضى وبداية الألفية الجديدة، وهذه مرحلة مهمة من تاريخ مصر، قلَّما كُتب عنها، رغم أنها شهدت بداية الثورة التكنولوجية، وبداية التطور الكبير فى عالم الاتصال والإعلام المرئى. وفى هذه المرحلة تاه الجميع، وأراد كلٌّ منهم اللحاق بما لم يلحق به، فقد تفتح العالم أمامه عبر طبق كبير من المعدن سُمِّى «الدش».

أحكى فى روايتى عن هذا العالم، فى ظل المرض والموت، وكيف يحاول إنسانٌ واحد، قرر أن يرى روحه ويبحث عن سكونها وسط هذا العالم المادى الضاغط، أن يغيِّر رؤية مَن حوله، ويُريهم أن الذى خلق لم تقتصر رحمته على ملء بطن أو جيب فقط. نستطيع أن نقول إنها رواية اجتماعية صوفية، مليئة بشخصيات الحارة المصرية.

حرصت فيها على ضرورة تحمُّل المسئولية لكل شاب وضعه القدر فى مثل هذه الظروف، وعدم لوم الظروف أيًّا كانت، حتى فى حال اليُتم، بل جعلت اليتيم هو البطل الذى يستطيع أن يصل إلى ما لم يصل إليه أحد، إذا عرف أن يسير فى طريق التيه! أى طريق البحث عن روحه.

أما روايتى القادمة التى أعمل عليها، فقد قررت فيها أن أكون مختلفًا بطريقة ما، فى طريقة السرد والاسم. قررت فيها أن أدخل عالم طفولتى وصباى، وهو عالم القرية عبر عُمال الأنفار البسطاء، عصب هذا الشعب، وهذه البلد الأمين فى الوطن العربى الأمين: مصر.